الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / كتاب “الطب النفسى بين الأيديولوجيا والتطور” الفصل الرابع: الطب النفسى السلبى والطب النفسى الإيجابى (1)

كتاب “الطب النفسى بين الأيديولوجيا والتطور” الفصل الرابع: الطب النفسى السلبى والطب النفسى الإيجابى (1)

نشرة “الإنسان والتطور”

الاثنين: 12-1-2026

السنة التاسعة عشر   

 العدد:  6708

الطب النفسى: بين الأيديولوجيا والتطور[1]

الفصل الرابع:

الطب النفسى السلبى والطب النفسى الإيجابى (1)

مقدمة:

 تصادف وأنا أعد هذا الفصل أن كلفت من قبل رئيس قسم الطب النفسى، قصر العينى، تلميذتى  المحبة للعلم، البالغة الرقة والمهارة والحصافة أ.د. عزة البكرى، أن أسهم بمحاضرة افتتاحية فى مؤتمر القسم السنوى المزمع إقامته فى القسم وعنوانه “الطبنفسى الإيجابى“، فرحت بالاسم وتصورت أنه أخيرا بدأ الحديث عن الطبنفسى الذى أحاول أن أدعم ممارسته فى هذا القسم العريق الذى تربيت فيه، ومازلت أشعر أننى مدين له ولما يمثله بقية حياتى. شـَمـَّرت عن ساعدى، وبريْتُ قلمى، واستعنت بالله واستعددت، وقلت لنفسى: هكذا أستطيع بالأصالة عن نفسى والنيابة عن زملائى أن أعلن كيف أن هذا القسم الذى نشأت فيه وهو الذى فضله علىّ بأن أتاح لى أن أسدد بعض دينى وهو يحاول ويحاول أن يقدم الطبنفسى من منطلق ما يميز ثقافتنا المصرية العربية الإيمانية بوجه خاص، ومازالت المحاولة مستمرة.

حين غمرتنى كل هذه الأفكار فرحت بها وفرحت لها وأنا أتصور أن أ.د. عزة حين اختارت هذا العنوان تعنى كل ذلك تحديدا، لأننى أعرف مدى انتمائها لهذا القسم وما يمثله، وكانت رسالتها للدكتوره عن “دور الاكتئاب والعدوان فى العلاج الجمعى”[2] ومتى يكون هذا أو ذاك سلبيا ومتى يكون إيجابيا، وكيف يعلن عن مأزق التغير[3] وكيف يمكن أن ينقلب السلبى إلى إيجابى أثناء ممارسة هذا العلاج الجمعى، وقد كنت – مع أ.د. عماد حمدى غز[4] – مشرفا على تلك الرسالة، وحين تولت أ.د. عزة رئاسة القسم  واقترحت هذا العنوان لأول مؤتمر سنوى تتولى رئاسته: اطمأننت – من العنوان- إلى ما تبقى عندها مما يميز هذا القسم، بل وهذا العلاج الجمعى خاصة، وقد كنت أناقشها منذ أسابيع بعد أن أصبحت رئيسة القسم فى عدم انتظام بعض الأطباء المقيمين الذين يتدربون معى على العلاج الجمعى، فإذا بها تنزعج وتتأسف، وتقول: يا خبر!! كيف سيصبحون أطباء نفسيين وهذا هو الطبنفسى على حقيقته!!

اطمأننت وزادنى ذلك حماسا أن تكون مشاركتى فى مؤتمر القسم هذا العام هى الرد الأشمل إكمالا للنقد الذى أوردته فى محاضرتى الافتتاحية للمؤتمر الدولى الثانى عشر الذى عقده قسم الأمراض النفسية فى جامعة الاسكندرية قبل عامين آنذاك بعنوان “الطبنفسى التـُّرْجـَمِى”[5] كان مقالى الافتتاحى فيه هو شجب هذا المفهوم تماما، وعرض ما يناقضه بل ربما ينفيه، حيث يوصى هذا الطبنفسى التـُّرْجـَمِى أن تكون الممارسة من المعمل إلى السرير[6]، فكانت ورقتى بعنوان: “العلم المعرفى العصبى من الممارسة إلى البحث العلمى”[7]، أنظر بعد.

الطب النفسى السلبى:

ثم إنه قد خطر لى قبل أن أذهب لاستشارة عمنا جوجل عن أصل وحدود هذا المصطلح المسمى “الطبنفسى الإيجابى”، خطر لى خاطر قلت أعايشه أولا قبل استشارة المراجع المتاحة ، وفحوى هذا الخاطر يقول:

إذا كان هناك ما يسمى الطبنفسى الإيجابى وأنا لا أعرف له بعد تعريفا محددا [8]  فلابد أن هناك ما يسمى الطبنفسى السلبى، وبالتالى يصبح معنى الطبنفسى الإيجابى هو أنه “عكس” ما هو الطبنفسى السلبى أو على الأقل “ما ليس” هو الطبنفسى السلبى، هكذا تدفقت علىّ أفكار وتذكرت خبرات وحضرتنى انتقادات بلا حصر لم تحتج منى إلى استشارة عمنا جوجل ابتداءً، ولا صاحبة الفضل والكرامات موسوعة: ويكيبيديا.

قلت أتداعى من خلال خبرتى أولا فأعدد ما أتصوّر أنه الطبنفسى السلبى، وإذا بصور سلبيات الممارسة الطبنفسية تنهال علىّ كما يلى:

 (1) الطبنفسى التصنيفى

 (2) الطبنفسى الكيميائى

 (3) الطبنفسى التحليلى

(4) الطبنفسى التبريرى/ التفسيرى/التأويل:

 (5) الطبنفسى السياسى: ويوجد منه نوعان:

أ- النوع الأول: الطبنفسى السياسى (الإعلانى/ الإعلامى).

ب- النوع الثانى: الطبنفسى السياسى القهرى السلطوى.

(6) الطبنفسى التحفُّـظِى

(7) الطبنفسى الاسترزاقى

(8) الطبنفسى الترجمى

(9) الطبنفسى التسكينى

(10) الطبنفسى المستورد

(11) الطب النفسى المثالى

وفيما يلى نبذة موجزة عن كلًّ:

(1) الطبنفسى التصنيفى:

وأعنى به ممارسة الطبنفسى بطريقة تقليدية بتسلسل محكم كالتالى: “مرض” => تشخيص (حسب دليل محدد) ==> ثم سبب ذلك (ما أمكن  ذلك) ثم ==> وصفة طبية دوائية لهذا المرض تحديدا حتى ==> اختفاء (أو أمل فى اختفاء) الأعراض بصفة عامة.

 هذه هى الممارسة التقليدية التى يتم الإعداد لها بالتدريب والتعليم والتسميع والتطبيق (حتى إجازة الشهادات العليا والمتوسطة) بالحث على اتقان مهمة التشخيص بجمع جزئيات ما يعانى منه المريض من أعراض، ثم تصنيفه حسب الدليل المُجَدْوَل!!، ويتوالى التدريس والتدريب لشحذ هذه المهارة بطريق مباشر وغير مباشر، ثم يجرى التقدير حتى الحصول على الدرجة (الشهادة) على مدى نجاح ما يلم به الدارس، أو يتخصص به المستشار (الطبى) وهمه الأول هو وضع اللافتة الصحيحة على صدر المريض.

وتسرى عدوى هذا الموقف إلى المريض، وبدرجة أكبر وأكثر: إلى أهله، ويصبح السؤال “هوّا عنده إيه“؟ أهم من السؤال “طب نعمل إيه” عشرات المرات.

وبالرغم من أن التنبيه الذى لا أكف عن ترديده للتحذير من أن التشخيص ليس هو كل شىء، أو ليس هو غاية المراد، وبالرغم من ان من يمارس هذا النوع لا بمانع من قبول هذا التحذير من حيث المبدأ إلا أن واقع الحال يشكك فى عمق وجدوى هذه الموافقة.

وبمجرد وصول هذا الطبيب إلى التشخيص الأرجح ينتقل التساؤل المنطقى إلى البحث عن سبب هذا المرض المصنـَّـف بتلك اللافتة التشخيصية، وتتوقف الإجابة على هذا التساؤل على مرجعية الطبيب العلمية والمعلوماتية، كما تتواتر استجابات الأهل (أكثر من المريض عادة)، وبشكل حاسم أنه مادام التشخيص كذا إذن فالعلاج كيت، ومهما نفى الطبيب أن تتصف ممارسته بهذه المباشرة الاختزالية، فبقليل من التأمل سيكتشف أن هذا هو ما يمارسه فعلا، فهو يمارس ما أنجحه فى الامتحان وحصل به على شهادته ثم تميز به فى تخصصه، وهو عادة لا يستطيع إلا أن يطبق ما تعلم بحسن نية، وهو حريص على حقوق ومشاعر المريض وأهله غالبا.

ويمكن أن ينتمى إلى هذا الطب ما يسمى “الطب النفسى الدليلى“Manualized Psychiatry إشارة إلى أن تسلسل الفحص فالتوصيف فالتشخيص يعتمد فيه على “دليل” تصنيفى متفق عليه: وطنى أو عالمىّ [9] ، وهذا الدليل يقدم كل أنواع الأمراض النفسية بشكل منظم يدعم بالمحكات المحددة التى تجمع كل تشخيص فى توصيف “جامع مانع” ما أمكن ذلك.

وقد استقر الرأى فى تقييم قيمة هذه الدلالئل وما فيها من تشخيصات أنها تسهم فى تحقيق ما يسمى ثبات التشخيص أى Reliability أى الاتفاق بين الممارسين على تسمية المرض المتميز بالمحكات الفلانية بالاسم الفلانى، لكن قيمتها شديدة التواضع فى تقديم مصداقية لاستعمال هذا التشخيص بما فيه معناه وموضوعه وتوجـّـهاته وقيمته وباختصار جدواه فى الممارسة وهو ما يسمى “المصداقية” Validity  فما فائدة أن نتفق على الاسم ونحن لم نتفق على كل أبعاد وأعماق المضمون؟

على أن كل ذلك لا ينبغى أن يبرر الدعوة إلى إهمال التشخيص تماما أو التقليل من قيمة الأعراض، لأن لهذا وذاك وظائف أخرى شديدة الأهمية مثل المسح الإحصائى وحقوق المريض من شركات التأمين، والطب النفسى الشرعى، وكل متطلبات الإدارة والأرشيف بصفة عامة.

………………………

………………………

ونواصل الأسبوع القادم بقية الفصل الرابع: الطب النفسى السلبى  والطب النفسى الإيجابى (2)

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] –  يحيى الرخاوى “الطب النفسى بين الأيديولوجيا والتطور”  (الطبعة الأولى 2019)، والكتاب متاح فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى  للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم، كما يوجد أيضا بموقع المؤلف، وهذا هو الرابط  www.rakhawy.net.

[2]- أ.د. عزة البكرى “الظواهر الاكتئابية والعدوانية فى العلاج النفسى الجمعى” رسالة دكتوراه 1990

[3] – Impasse

[4] – أ.د. عماد حمدى غز هو أول من أبدأ أطروحته للتقدم لنيل درجة الدكتوراة فى الطب النفسى وكنت مشرفا عليها أيضا بتاريخ 1981.

[5] – Y.T. Rakhawy, Cognitive Neuroscience  and Interpersonal Neurobiology Relation to Group Therapy  From Practice to Science.

[6] – From Bench to Bedside

[7] – Cognitive Neuroscience: from Practice to Science

[8] – كما كنت أيضا  لا أعرف تعريف الطبنفسى الترجمى، حين دعيت للإسهام فى مناقشته!

[9] – مثلا: (الدليل العربى المصرى) أى DMPI.. إلخ    أو DSM IV & ICD10  

 

تعليق واحد

  1. اقل اقل القليل ممن يمارسون ما هو “” طب نفسي”” او حتي الاطباء “” الممارسون العموميون “” الذين يتعاملون مع كل من يعاني نفسيا وليس بالضرورة “” ان يكون مريضا نفسيا “” .
    اقول اقل القليل هو من يتعامل مع المريض او مع يعاني نفسيا بما يسمي ( Holistic approach ) .
    فالمريض النفسي او من يعاني نفسيا او حتي المرض النفسي ليس كالمرض العضوي وقد اقول وبالذات في هذا الزمن الشديد الصعوبة .
    في هذا الزمن ومع اغارة التكنولوجيا وجفاف العلاقات الانسانية وفقدان الاتصال بالطبيعة بل وبالبشر انفسهم ، رويدا رويدا اصبح الانسان يختزل كآلة وليس كلحم ودم .
    من يتصدون للعلاج اصبحوا جزء من هذه المنظومة . واكاد اقول انهم يتعاملون مع الانسان وكأنه ماكينة ويختزلون معاناته بقسوة شديدة دون مشاركة حقيقية .
    وعندي ان هذه القضية هي انعكاس لنوعية وجود البشر في هذا الزمن تحديدا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *