الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / كتاب “الطب النفسى بين الأيديولوجيا والتطور” الفصل الثانى: الطبيب (المعالج النفسى) (5) بين الأيديولوجيا والأسطورة الذاتية

كتاب “الطب النفسى بين الأيديولوجيا والتطور” الفصل الثانى: الطبيب (المعالج النفسى) (5) بين الأيديولوجيا والأسطورة الذاتية

نشرة “الإنسان والتطور”

الاثنين: 15-12-2025

السنة التاسعة عشر   

 العدد:  6680

الطب النفسى: بين الأيديولوجيا والتطور[1]

الفصل الثانى:

الطبيب (المعالج النفسى) (5)

بين الأيديولوجيا والأسطورة الذاتية

“‏سقراط‏: ‏لقد‏ ‏كنت‏ ‏أدرك‏ ‏أيها‏ ‏الصديق‏ ‏أنك‏ ‏لن‏ ‏تقنع‏ ‏برأى ‏الآخرين‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏المسألة‏.‏

جلوكون‏: ‏ذلك‏ ‏لأنه‏ ‏لا‏ ‏يليق‏ ‏بمن‏ ‏قضى ‏حياته‏ ‏مثلك‏ ‏وهو‏ ‏يفكر‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏المسائل‏، ‏أن‏ ‏يكتفى ‏بعرض‏ ‏آراء‏ ‏الآخرين‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يعرض‏ ‏آراءه‏ ‏هو‏.‏

سقراط‏: ‏ولكن‏ ‏أتظن‏ ‏أنه‏ ‏يليق‏ ‏بالمرء‏ ‏أن‏ ‏يتحدث‏ ‏عما‏ ‏لا‏ ‏يعلمه‏ ‏وكأنه‏ ‏يعلمه؟

جلوكون‏: ‏كلا‏، ‏لا يصح‏ ‏أن‏ ‏يتحدث‏ ‏وكأنه‏ ‏يعلمه‏، ‏ولكنه‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يقول‏ ‏ما يعرفه‏ ‏على ‏سبيل‏ ‏عرض‏ ‏رأيه‏ ‏الخاص‏”‏

 ‏أفلاطون‏- ‏محاورة‏ ‏الجمهورية

الكتاب‏ ‏السادس

 …………………..

……………………

…. محفوظ بدأ رحلته من الوطن، من دار المشرق “الإسلام”، لينتهى إلى ابتغاء وجه الحق تعالى دون تعيين او اغتراب، مرورا بدور الحيرة، فالحلبة، فالأمان، فالغروب. الخوف هو أن يستسهل القارئ أو الناقد ترجمة كل ذلك اختزالا إلى رموز تشير إلى دول شيوعية أو رأسمالية أو شمولية قبلية فالموت أو غير ذلك. ليس من فخر المبدع أو من مهمته، أن يقدم لنا ما نعرف، برموز لا نعرفها ليؤكد ما نعرف (كما أسىء فهم أولاد حارتنا، خيبهم الله)، محفوظ قدم لنا أسطورة قنديل العنابى الذاتية حالة كونها فى جدل مع كل الأنظمة المتاحة على أرض الواقع الآنى، لينتهى وهو يحفزنا أن يحقق كل منا أسطورته الذاتية بكل ما هو متاح، توجها إلى كل ما هو واعد.

عودة إلى كويلهو لأرفض ابتداء بعض ما وصلنى من تعليقات فرحة عن الكيميائى لمجرد أنه ذكر أهرام الجيزة، أو جعل الفيوم مسرحا، أو لما فهمت أنه ترحيب بنظرته الموضوعية الحانية لبعض سلوكيات المسلمين. هذا الموقف أو ذاك هو موقف طيب لكنه لا يمثل الواقع كما جاء على لسان ابن فطومة “ديننا عظيم وحياتنا وثنية”، لا يمكن أن تقارن طبطبة كويلهو على الإسلام والمسلمين بما غاص إليه محفوظ فى عمق إشكالة التعامل مع قضية الوجود الممتد، بدءا بما وجدنا أنفسنا فيه مسلمين. كويلهو كان مثل سائح أمين يرانا بكرم واحترام، لكن محفوظ راح يضعنا – مسلمين – فى بؤرة أسئلة الوجود، ربما لهذا انتهى كويلهو كاثوليكيا طيبا، وما زال محفوظ وهو يقترب من المائة، يكدح إلى ربنا كدحا ليلاقيه، وكلاهما يدعونا أن نسعى إلى تحقيق أسطورتنا الذاتية (وليس مجرد تحقيق ذواتنا كما يشاع) كل بطريقته.

محفوظ، فى ابن فطومة، تحمل مسئوولية الحيرة الوجودية التى انتهى إليها الإنسان المعاصر، ولم يحلّها بهذا الحل السحرى الذى يفرح به أهل الغرب أكثر منا، فى حين نتمادى نحن فيه حتى الخرافة. لو أن محفوظ كان هو كاتب السيميائى وهو فى موقعه مسلما بيننا هنا والآن، إذن لاختفت كل إيجابيات الرواية تحت عنوان الترويج للخرافة وللإيمان بالجان … إلخ.

كويهلو – وهو ابن قومه – راح يقرص أذن ناسه حتى لا يذهب أى منهم بعيدا عن أسطورته الذاتيه، مهما بدت سحرا أو لاحت غامضة، ربما لهذا انتشرت الرواية عندهم.

أما محفوظ فهو يدعو قومه أن يتحمل كل واحد منهم مسؤولية أسطورته الذاتية وهو يبحث كيف يحافظ عليها جدلا مع مختلف الجارى على أرض الواقع الداخلى والخارجى على حد سواء.

فشل تشكيل الأسطورة الذاتية:

بقيت كلمة أخيرة حول مضاعفات فشل تحقيق الأسطورة الذاتية، نوجزها كما يلى:

ماذا لو قبل الواحد منا هذا التحدى بقبول أسطورته الذاتية، ثم تخلـّت روح العالم عنه، ولم تتآمر لتحقيقها، وفى نفس الوقت لم يعرف كيف يتعامل مع تلك القوى الغامضة التى تعمل على إنكارها؟

الجواب عاشه كويلهو شخصيا (وهو ما سبقت الإشارة إليه عن مرضه) كما صوره فى روايته “فيرونيكا تقرر أن تموت” الجواب هو: إن إجهاض هذه المحاولة قد يترتب عليه ليس فقط العدول عنها، وإنما التفسخ أمام زخم حركيتها المتناثرة، أو الانسحاب بعيدا عن المواجهة: فهو الجنون.

لا أعرج إلى جنون كويلهو فأنا لا أعرف عنه شيئا، وهو لا يعيبه أصلا، أكتفى بالوقوف عند جنون فيرونيكا، حيث قدم كويلهو رؤيته للجنون باعتباره تعبيرا رائعا عن رفض النمطية والتكرار واللامعنى (مثل بداية الشاب سنتياجو أيضا)، وفى حين انهزمت فيرونيكا، ولو مرحليا‘ فإن سنتياجو الشاب فى السيميائى عملها وانتصر، كما أن فيرونيكا نفسها انتصرت فى النهاية حتى على مرضها الجسدى تماما مثلما انتصر كويلهو شخصيا فى حياته الخاصة.

المفهوم الذى قدمه كويلهو هكذا هو مفهوم جيد للجنون، لكنه ليس كل الجنون، فثم جنون أخطر وأعمق صوره زوسكيند فى العطر[2] (مثلا) حين غاص حتى نخاع الدَّنا DNA منذ الولادة، وهو يعلن الانفصال الحاسم عن هارمونية الكون كله، وليس فقط عن البشر فرادى وجماعات، هذا الانفصال عن الكون كله هو الذى يحيل الكيان البشرى نيزكا غريبا دائرا فى فلكه الخاص بما يمثل الجنون المتأله القاتل، كما صوره زوسكيند فى رحلة باتيست جرينوى، فى العطر، ربما كان هذا المستوى من الجنون فى عمق ورعب خطورته هو ما يقابل على أقصى الجانب الإيجابى له: ذلك الوجود الرائع الواعد الذى يدعونا محفوظ لمواصلة السعى إليه.

فى حين يظل جنون فيرونيكا هو الوجه السلبى الذى يقابل رحلة الشاب سنتياجو الناجحة!

وبعد

إن ما وصلنى من كل ذلك هو ما أردت الإشارة إليه لتعميق فكرة أننا إنما نعالج مَرْضَانا بمَا “هو نحن” سواء كان نظرية درسناها  أو حفظناها، أم نتائج علمية صدقناها وطبقناها كما هى، أم جماع ما هو نحن من أيديولوجيات، وطبقات الوعى التى تحمل تاريخنا وتاريخ الحياة المتجسد فيما هو الأسطورة الذاتية لكل منا: مختلفا، متفاعلا، متجادلا، ومبدعا على مسار نموّنا: مرضى ومعالجين.

*****

[1]- يحيى الرخاوى “الطب النفسى بين الأيديولوجيا والتطور”  (الطبعة الأولى 2019)، والكتاب متاح فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى  للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم، كما يوجد أيضا بموقع المؤلف، وهذا هو الرابط  www.rakhawy.net.

[2] –  رواية: “العطر.. قصة قاتل” تأليف: باتريك زوسكيند، ترجمة: د. نبيل الحفار – الناشر دار المدى للنشر، سنة 1997- دمشق.

 

تعليق واحد

  1. اذا شفت الروح
    طغي الضياء
    يجذبني
    اقترب
    ولكني تعلمت
    الا احترق.
    اصاحب الضياء
    ولا اصاحبك
    لا تتحملين
    واذا تحملتي
    تكملي مسيرتك
    في ظلالي
    ولكن ليس معي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *