نشرة “الإنسان والتطور”
السبت: 18-4-2026
السنة التاسعة عشر
العدد: 6804
(رباعيات و رباعيات)[1]
صلاح جاهين – عمر الخيام – نجيب سرور
الفصل الثانى
بداية الدراسة المقارنة (5)
* رباعيات جاهين * عمر الخيام * نجيب سرور
مازلنا مع رباعيات الخيام
………………..
………………..
اكتئاب المواجهة
وهكذا تحمِلُنا هذه الرؤية الأعمق التى تخترق نداء اللذة، إلى حقيقة معايشته للألم، والخيام يصارعه، وهو يستسلم له، وهو يرحب به، وهو يكاد يعلن أن سبب هذا المأزق: هو أن وعيه “رأى” أكثر مما يحتمل، وهذا هو ما سميـُته ” اكتئاب المواجهة”، يقول فى هذا مباشرة:
والصحو باب الحزن فاشرب تكنْ
عن حالـــة الأيام فى غـفـلة
(119/80)
فهو يحل هذه المواجهة بالغفلة وليس بمواصلة الحركة وتحمل التناقض، وهو لا ينجح فى الطنبلة تماما، فيظل اللهيب يعتمل بداخله.
…. وسار فى روحى لهيب الشقاء
(39/51)
خمر الخيام لا تجعله يغفل عن نفسه بل عن حالة الأيام، أما هو شخصيا فيسعى (على الرغم من كل شىء) إلى مزيد من الوعى عن طريق الشراب الذى يمكن أن يحقق هذه التعتعة بإطلاق الداخل وتحريكه وفى هذا يقول:
لم أشرب الخمر ابتغاء الطرب
… …
إطلاق نفسى كان كل السبب[2]
(41/52)
فالخيام نتيجة لجرعة “الأمن” الضئيلة التى عاشها باكرا – كما افترضنا – يستطيع أن يعايش الألم، دون هروب غبى مطلق، أى دون تعتيم للوعى، ولكنه يقطر إشفاقا علينا منه (وهو على مسافة منا)، فهو يهرب إلى وحدته مهما دفع ثمنها شيزيدية تبدو نرجسية فهو يكاد ييأس من هذه الدنيا، كما يبدو يائسا من هؤلاء الخلق الذين تورث معرفتهم مزيدا من الهم، مما يشير إلى وحدته الحقيقية، على الرغم من حضور النديم، والوجه الصبوح المأمول، الخيام يهرب من “الموضوع” من “الآخر” تجنبا لدفع ثمن العلاقة، التى تستلزم المواجهة والاستمرار وتحمل التناقض (بعكس ما أشرنا إليه عن جاهين).
فجانِب الناس ولا تلتمس
معرفةً تَورث حمل الهموم
(59/107)
وموقف وحدته الحذرة من رياء الأصدقاء والناس كافة، لا ينفيه موقفه المتسامح إزاء الأعداء والأصدقاء، فهذا التسامح يحمل قدرا من اليأس (وأحيانا التعالى كما يبدو هنا)، كما يحمل كثيرا من تأكيد الوحدة، وخاصة إذا كان تسامحا فسيحا مطلقا:
واغفر لأصحابك زلاتـهم
وسامح الأعداء تمحُ العداء
(26/47)
وقد وصلنى – ربما مخطئا – أن هذا السماح ربما يحمل جرعة من إلغاء واستعلاء أكثر منه تحملا واستمرارا.
الحلم.. والخمر
وكأن الخمر مع كل هذا التقديس ليست سوى تسكين مؤقت إلى حين يحقق حلم خياله فى:
“دنيا يعيش الحر فيها سعيد“
(158/107)
ثَمَّ تعارض بين الحرية الحقيقية، والسعادة الموعودة، والخيام هنا يحلم بأن يحل – ولو بالخمر – هذا التعارض، وكأننا نستطيع أن نضيف سببا آخر لشقاء الخيام المؤلم هذا، وهو بُعد مسئولية “الحرية”، فنتصور أن إلحاحه على الهرب إلى اللذة، بالتخفيف من حدة الوعى، هو أحد المسكنات التى يلجأ إليها، ويوصى بها لتخفيف ألم هذا المأزق، ولعلنا نلاحظ ما يحمل هذا الشقاء من شرف الوجود، وتحمّل الاستمرار، حتى لو لم يطقه صاحبه، فأشفق علينا منه، ودعانا إلى أن ننساه فى الكأس وبالكأس.
جرعة الأمن.. ويقين المغفرة
على أن هذا الألم الذى ينشأ نتيجة للافتقار إلى جرعة الثقة الأساسية (أو الأمن الأولى)، هو نفسه قد يكون الدافع إلى دفاع آخر من خلال المبالغة فى ثقته بالمغفرة وحسن الختام، ولكنها ثقة فيها جرعة من الغرور والأنانية، بل والعتاب والمؤاخذة، فهو يخاطب ربه مطالبا بحقه فى المغفرة، ماذا وإلا!!:
إن كنتَ لا تغفر ذنبى فما
فضلك يا ربى على العالمين؟
(159/97)
بل إنه قد وصلنى موقفه، وكأنه احتلّ موقعه فى الجنة “بوضع اليد”، وهو يكاد يهدد أنه إنْ لم يدخلها فإنها قد تحتاج إلى “لافتة للإيجار”.
لو كانت النار لمثلى خلت
جنات عدن من جميع الأنام
(160/107)
وبالتالى هو يفرض شروطه حتى فى الآخرة مستبعدا دخول النار بكل غرور.
إيقاف وهامش عن الحيرة
وإذ نصل إلى نهاية الممر الرئيس فى بستان الخيام، نوقف أنفسنا قسرا دون التجوال تحت الكروم، وفى الدروب الجانبية، وفاء لهذا الفرض المحدود فى هذه المقدمة، فالبستان متكاثفةٌ أوراقه، مظلمةٌ جوانبه، والتوهان فيه مطروح بقدر تيه صاحبه، فنحن لم نطرق باب حيرته الأولى بالقدر الكافى.
“لبست ثوب العيش لم أستشر“
ولا بمساره الحائر دوما
“وعشت فيه بين شتى الفكر“
ولا بمصيره المقلق
“..أين المفر “،
وأيضا:
” ماذا اشتعال الروح كيف الخمود“
ولا فى شكه فى الشك نفسه
“وأمعـِنوا فى الشك أو فى اليقين“
ولا حين يدعوهم منادى الورى (يدعو كلا الفريقين أنه)
“ليس الحق ما تسلكون“
كل هذا ينتظر عودة ونظرا ووقتا… وقد نجد كل ذلك أو بعضه فنعود، ولكن لنعلن هنا ابتداء أن أهم ما يميز موقف الخيام، هو هذا الاصرار على أن الحل هو اللذة، وأنه الأوْلى بها من فرط ما يكابد من آلام،
وليكن ما يكون.
*****
ونبدأ الأسبوع القادم فى بداية الدراسة النقدية لـ “رباعيات نجيب سرور”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – يحيى الرخاوى كتاب “رباعيات ورباعيات” (الطبعة الأولى 1979، والطبعة الثانية 2017) والكتاب متاح فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.
[2] – كما يقول الحسن بن هانئ: وما الغُبنُ إلا أن تراني صاحياً … وما الغُنمُ إلا أن يُتعتعني السُكرُ
يحيى الرخاوى طبيب نفسى



فعلا فالاستغراق في اللذة يخفي تحته شقاءا شديدا فهو غير قادر علي تفعيل المه المستعر الي فعل ايجابي من خلال مشاركة حتمية في معترك الحياة بكل تناقضاتها وغموضها . ويدخل ضمن ذلك حتم المواجهة الجدلية مع آخر او آخرين .
وفي كثير من الاحيان ينكص الي الموقف الشيزيدي وهو موقف مرادف للجمود او الحركة في المحلك سر وهذا يضاعف وحدته من ناحية ولا يسكن المه .
والتساؤل الحتمي هو عن مسؤليته عن هذا التوقف . وهذا يدفعنا الي التساؤل الي ما اظهره الله لنا انه “” كل نفس بما كسبت رهينة “”. او الآية المعجزة “” بل الانسان علي نفسه بصيرة ولو القي معاذيره “” هذه الآيات تعمم المسؤلية المطلقة للانسان وان القي معاذيره .
وادعو للخيام ولنفسي ان يتغمدنا الله برحمته .