الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / “رباعيات و رباعيات” الفصل الثانى: “بداية الدارسة المقارنة” (7) ثالثاُ: نجيب سرور (2)

“رباعيات و رباعيات” الفصل الثانى: “بداية الدارسة المقارنة” (7) ثالثاُ: نجيب سرور (2)

نشرة “الإنسان والتطور”

السبت: 2-5-2026

السنة التاسعة عشر

العدد:  6818

  (رباعيات و رباعيات)[1]

صلاح جاهين – عمر الخيام  – نجيب سرور

 

الفصل الثانى: بداية الدراسة المقارنة (7)

* رباعيات جاهين * عمر الخيام  * نجيب سرور

ثالثاً: نجيب سرور (2)

………………

………………

السر المستحيل، والسر البديل

ولو كان هذا الحل هو الحل فعلا: أنه لا خلاص من الاستسلام إلا بالقتل، لـَمـَا كان ثَمَّ سر يحتاج إلى التساؤل، ولا سعى يبرر كل هذه النقلات بعنفها المنذِر، ونحن نلاحظ أن سرورا لا يعلن حيرته أمام القدر أو الحظ مثل الخيام، ولا أمام الغموض الواقعى أو الذاتى مثل جاهين، فهو أبعد ما يكون عن حيرة جاهين أمام التناقضات المتواضعة المتداخلة، فالأمور عنده محلولةٌ حَسْماً كما أسلفنا، لكنه يُضبط متلبسا وهو عاجز أمام السر الأعظم، ثم، وهو لا يستطيع احتمال هذا العجز.

 ومع الاستسلام المطلق لاستحالة الكشف عن هذا السر الدفين، ينطلق إلى الناحية الأخرى تماما بكل “اليقين التعويضى”، أى أن سروراً لا يحتمل رحلة السعى المُعانى الذى يضع ذاته فى بؤرة المحاولة، بل هو يصفق أبواب الداخل وراءه لينطلق إلى معركة الخارج دون تردد، حتى لو اكتشف أنه قد أغلق أبواب القبر نفسه، وأنه لم يعد إلا “قدرا” (قتيلا) يُشْهَرُ فى وجه القدر (موتا):

نحن أقدار تحدينا القدر

بقتيل قام فى إثر قتيل

(54/23)

ومع ذلك ـ أو قل لذلك ـ فقد ضبطناه متلبسا يقول:

يُدفن السر اقتسارا حين نُدفن

كان قبلا مستكنـًّا فى الصدور

آه مــن قبرين كيف السر يُعلن

إن يــكن يوءَد فى كل العصور

(5/7)

فلو أنه سرٌّ فى متناول السعى، ولو أن ذاته كانت قد “أمِـنت” يوما حتى أصبحت “رحلة الداخل والخارج”[2] ممكنة، لكان للأمر وجه آخر، فهل هذا السر هو هو الذى وراء القَـتْلة الشنعاء الدائرة على رقاب العباد؟. وكلنا سيصيبه الدور!!.

عندما يَقْتُلُ زيدٌ أىَّ عمرو

ونرى زيداً كما عمرو قتيلا

فوراءَ القتلة الشنعاء أمر

هـو سرٌ سيعنَّينا طويلا

(7/8)

لا أحسب أن سروراً استطاع أن يقف طويلا أمام أى سر، ومع ذلك ففى المرات النادرة التى تكلم فيها عن هذا السر أو ذاك، بدا حاسما يائسا من أية معرفة له، أو سعى تجاهه، وهو ليس سرا واحدا؛ فالسر الأعظم من وجهة نظره هو الذى انتقل من قبر إلى قبر (آه من قبرين كيف السرُّ يعلن)، وما يريده بالقبرين غير واضح، لكن الأرجح أنه يشير إلى الرحم من ناحية، والقبر من ناحية أخرى، أما السر الآخر الذى يحافظ على الاستمرار حسب قانون البقاء فأحسب أنه احتمال “تكامل الحياة المتناغم حتى أعلى مراتب الأكوان المفتوحة”، وهذا ما يئس منه سرور أصلا وأبدا، أو لعله لم يبدأه أصلا، أو ربما هو لا يعرفه ولا يريد أن يعرفه، بل يصر على رفضه ابتداء؛ جزاء خيانة الآخرين له، وربما يكون سرور قد اندفع وهو يعلن وجود هذا السر بهذا الحسم، إلا أن مسيرة رباعياته لا تدل على أنه كانت له أية فاعلية حقيقية فى تهدئة المعركة أو فتح باب المراجعة؛ بل إنى تصورت أن هذا هو السر الذى يئس حتى من أمل أن يتحقق فى أجيال تالية، بعد أن عجزنا أمامه؛ فالسرقة ممتدة الأثر أبدا.

سرقوا حتى أغانىّ لطفلى

ربما أودعتها “السر” [3] المصون

(204/79)

ولكن ما شأن السر الآخر؟ لعله عكس هذا تماما، لعله نابع من العجز، ذلك السر الآخر الكامن وراء القتل المتلاحق من زيد إلى عَمْرٍو، إلى نجيب إلى غيره…!!. ذلك السر “وراء القتلة الشنعاء”، هو الذى “سيعنـَّينا كثيرا”. أقول مرة أخرى فى ذلك: إنه وصلنى أن هذا السر هو “غريزة الموت” التى انطلقت لتعلن عجز الحياة، وانفصال العدوان عن الكل المتناغم ليصبح تحطيما متلاحِقا، لا يستطيع أحدنا أن يفر منه؛ فالكل منا سيصيبه الدور لا محالة، والمسألة مسألة وقت.

نجيب سرور إذن يرفض ابتداء محاولة كشف سرٍّ مستحيل التناول (السر الأول أمل تكامل الحياة). وهو يضعه بعيدا عن متناول البحث ابتداءً، وبالتالى فلا معنى للاقتراب منه أصلا، ولا جدوى من الدوران حوله؛ ثم هو يمارس نتائج السر الثانى (حتم الموت)، دون النظر فى طبيعته، أو علاقته بالأول.

وهكذا يختلف سرور عن الخيام وجاهين فى “ماهية السر” والموقف منه.

السر عند جاهين يدور حول بحثه الوجودى الحى؛ لتحديد معالم ذاته، وأبعادها ومراميها وعلاقاتها، فالسر عند الخيام يتعلق بتناقضات الاختيار، وخبايا القدر ومفاجآته، وإيقاع حركية الحياة داخله وخارجه، أما سرور فهو يعلن استحالة الرؤية، ولاجدوى السعى لكشف السر أو تحقيقه، فيمضى يحطم القِدْر بما حوى، جاهين يكاد يفرح بسره كأن هذا السر هو وجودٌ فى ذاته، أو هو من طبيعة الوجود، أو هو متمم للوجود، وهو يتجول فى سراديبه دون خوف معوِّق، وكلما اكتشف سردابا أناره بالقبول الواعى؛ ولكنه سرعان ما يكتشف أن النور كشف له عن سراديب جدد، وماذا يهم؟ بل لعل هذا من طبيعة مبررات دوام الحركة عند جاهين.

الخيام يقف حائرا أمام سره، يعلن عجزا نسبيا وضمنيا، ويمضى نحوه متواضعا، ثم يهرب منه فى وهم اللذة، ما أمكن ذلك، ويدعونا لمشاركته.

أما سرور فهو يعجّزنا ويعجّز نفسه من البداية، فيظل السر مصونا عنده وهو يخفيه عنا، وما دام كَشْفُ السر مستحيل، فالتدمير مبَرَّرٌ، والهجوم متواصل.

وراء سر سرور القاتل: حفز التحطيم والتدمير.

ووراء سر الخيام الحائر: صرخة الألم والجوع للذة .

ووراء سر جاهين الدائر: دفع الحركة ودوامية النبض.

الشقاء .. والألم.. والغيظ

إذا كان الخيام قد أعلن الشقاء تجنبا للألم، وتبريرا لطلب اللذة، فإن سروراً لم يطق إعلان الشقاء أو الألم أصلا.. واستبدل بهما غيظا حانقا (من غيظ موتانا تُـقات)؛ فى حين أن جاهين واجه ألمه، الذى أفرز طيبته، وأورق زهوره.

وعلى الرغم من أن سروراً لا يعلن ألمه مباشرة، فإنه يستحيل على أى قارىء لرباعياته أن ينسى هذا الألم الذى يعانيه سرور، ولو للحظة واحدة؛ فالقارىء يرى هذا الألم فى إغارة سرور وانسحابه (كرّه وفرّه)، وفى صمته وكلامه، فى كمونه وانفجاره، هو ألم رفيع يأبى أن يعرض نفسه أصلا من فرط يأسه من أى مشاركة، وعجزه عن أى حل حقيقى، هل يمكن أن نخطىء ألمه وهو يقول:   

1- ـ قد ولدنا بين أظفار القوابر

ويوارينــا غـرابٌ بالأظافر !

(30/15)

أو  2-  صوَّبوا للظهر آلاف الخناجر

ثم ساقونا وقالوا: شهداء

(33/16)

أو 3-  كلنا فى مربط الخيل قنابل

(51/22)

أو 4- ها أنا كالطعم فى دار الجنون

فاخنقوا الأشواق.. كونوا كالحجارة

(219/84)

أو 5-  يا إمامى ليس للإنسان عورة

إنه الصيـد مباحا للنسور

(205/79)

أو 6- جرَّبوا الثكل فكم جاء عتيا

يعصر التحنان فى دمع الضروع

(167/68)

أحسب أنه يكفى هذا (أو بعض بعضه) لتبيان نوع الألم الدفين الذى لم يهدأ أبدا، والذى يكمن وراء هذه الإغارات القاتلة بكل أشكالها.

ولقد صاحَبْنَا الخيام وهو يتلوى، بإرادة نسبية، فى مجمر الألم، وبالتالى فقد تحملنا إلى درجة ما شرره المتطاير، بعد أن احترمنا وقفته المضطرة – جزئيا – داخل النار المقدسة، ولكننا نحتاج إلى جهد خاص حتى نستطيع مشاركة سرور ألمه الأبلغ والأقسى، وهو يخفيه فى ثنيات مرارة وجوده، وهو لا يكاد يعلن معاناته بتلميح أو إسقاط أو تعميم؛ حتى يلحقها بالحكم الدامغ والحل القاتل. فكم رأيتـُه يشحن بألمه – دون إبطاء- مدفعيته الثقيلة، ويتوكل على الذى قتله، وهات يا قتل.

…………….

…………….

 ونواصل الأسبوع القادم ومازلنا مع نجيب سرور فى (الفخر .. والهجاء)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 [1] – يحيى الرخاوى  كتاب  “رباعيات ورباعيات”  (الطبعة الأولى 1979، والطبعة الثانية 2017)  والكتاب متاح  فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.

[2]  –  رحلة الداخل والخارج ”   in and out programهى الرحلة التى أشار بها ” جانترب ” (مدرسة العلاقة بالموضوع) شرحا لحركة الإنسان نحو الموضوع فى الخارج، ثم انسحابه إلى الذات، وكذلك تعبيرا عن حركة النمو النبضية، التى تشمل نكوصا أقل، واندفاعة أكبر باستمرار، وهذه الحركة طبيعية وضرورية لتحقيق النمو المرن المستمر طالما أن ذراع التقدم أطول من ذراع التأخر (الانسحاب) مع كل نبضة نمو.

[3]  –  علامتا التنصيص فى الأصل الشعرى لسرور

 

تعليق واحد

  1. محمد احمد الرخاوي

    احسب ان تجربة وجنون سرور قد عرت حتي النخاع مأساة المريض العقلي — وخاصة الفصامي– الذي يختار النكوص فعلا بلا هوادة وهو يختار الموت ضمنيا كبديل لفشله في الحياة .
    ومن ادرك او شارك او عايش تجربة اي فصامي يعرف او يدرك هذه الحقيقة .
    وكأن لسان حال المجنون او الفصامي يقول انا لم استطع ان اعيش فلأحطم كل شيء .
    لا اعتقد ان السر يا عمنا هو غريزة الموت بقدر ما هو –كما لو كان — تحدي القدر نفسه وكأنه مسؤول عن مأساة وجوده –بعد ان قرر في لحظة معينة ان يعلن فشله في الاستمرار بارادة العدم نفسه .
    غريزة الموت قد تحمل في طياتها ارادة الحياة . ولكن مأساة الفصامي او المجنون كما ظهرت عند سرور — شعرا — وعند اي مجنون او فصامي هي ارادة العدم او التحطيم .
    ومن هذا البعد تحديدا كان يواصل عمنا يحيي الرخاوي بارادة مستحيلة ان يحيي بصيرة الفصامي ويرده الي نفسه . كان ينجح قليلا ويفشل كثيرا ولم يأيس ابدا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *