نشرة “الإنسان والتطور”
السبت: 5-7-2025
السنة الثامنة عشر
العدد: 6517
الجزء الثالث من ثلاثية: “المشى على الصراط”
رواية “ملحمة الرحيل والعوْد” [1]
الفصل الخامس
أبو النمرس (2 من 2)
………………….
………………….
-3-
أثناء حديثهما عن كيف سيدبر محمود نفقات معيشته حكى محمود لجلال كيف أن صديقا أو “معرفة” لوالده عبد السلام المشد، باع لوالده نصيبا فى صيدلية، الثلث تقريبا، وذلك حين اضطر هذا الصديق أن يدبر مصاريف هجرة أولاده إلى كندا، وأن والده كتب هذا النصيب باسمه دون ثريا التى لم تتكلم فى حقها أبدا، لم يتوقف جلال وتذكر أن ثريا لم تعد زوجته. مضى محمود يوضح كيف أنه لم يتصور يوما أن هذا النصيب سوف يكون أحد مصادر رزقه التى تؤمنه وهو يغامر ليستقيل، وحين تطرق الحديث عن موقع الصيدلية، وأنها فى “أبو النمرس”، قفزت إلى جلال ذكريات يوم عيد ميلاده، أو مولده، فاقترح أن يكون لقاؤهما التالى أمام تلك الصيدلية ثم ينطلقا إلى حيث يتفقان بعيدا عن القاهرة وعن جرزه أيضا، كأنها أرض محايدة. أو لعل جلالا أراد أن يتأكد أن ما يقوله محمود ليس خيالا يطمئن به نفسه، أو لعله حنّ لانطباعات الطريق فى ذلك اليوم الطويل الخاص، الأمورعائمة وغامضة، وكل منهما يتهم الآخر (ظاهرا وباطنا) بالشطح، وكل منهما يأتنس بشطح الآخر فى ذات الوقت، ثم يتظاهر بأنه يحاول أن يعيد صاحبه إلى موقعه، وكأنه ينبه نفسه إلى موقعه هو بتحديد موقع أقدام الآخرعلى أرض الواقع.
تقع صيدلية “المحبة” قريبة من محطة الميكروباص أمام السور الشائه الذى بناه بنـّاء يكره نفسه، تنفيذا لتعليمات رئيس مجلس مدينة يكره الناس، أثناء مرور الميكروباص الذى أقله إلى هنا، أطل جلال من النافذة فى محاولة أن يلمح عبد المعطى أو وردة أو بنتها، هو يريد أن يتزود من أى منهم بشئ يعينه على هذا اللقاء، لكنه لم يلمح أحدا منهم. وصل إلى الصيدلية قبل الموعد بأكثر من نصف ساعة، الصيدلية مفتوحة نصف فتحة، “الصبى الرجل” يكنس أمامها بكسل لا يتفق مع نسائم الصباح المنعشة التى لم تتراجع أمام القبح الفج.
دخل جلال إلى الصيدلية ولم يجد أحدا، فأخذ يتلفت حوله ليتأكد من أن الأرفف مليئة بما تمتلئ به، نظر إلى الطاولة ذات السطح الزجاجى والحوامل واقفة على بعض أطرافها، وفيها كل ما ليست له علاقة بالطب والدواء: أمواس حلاقة، مناديل ورقية، روائح عطرية، لم يعد هناك فرق بين صيدلية وسوبر ماركت، ومحطة بنزين، كله على كله، اطمأن إلى أن نصيب محمود فى هذه الصيدلية -إن صح كلامه- يمكن أن يكفيه هو وأولاده حين تنهار أحلامه فى مشاريع جِرْزَة الوهمية، ما له هو؟ ما رآه فى فدادين محمود الستة لا يبشر بخير، صحيح أن معاش أى ضابط صغير أكبر من مرتب مدير عام، لكن الأسعار تقفز كل يوم، والأولاد يكبرون – فجأة تذكـّر جلال ثريا وتساءل: هل تعرف شيئا عن نصيبها؟ وهل هناك نصيب أصلا؟ ثم ذكر نفسه بخجل شديد، ورفض كذلك، أنها لم تعد زوجته- ثم إن ثريا لم تكلمه أبدا فى شأن هذه الصيدلية. هو ماله؟ عجيبة،!!! منذ متى تشغله هذه المسائل!!.
خرجت الموظفة، أو الدكتورة أوالمديرة، لا يدرى، من وراء باب داخلى صغير. سمراء، نصف جميلة (وليست نصف قبيحة)، يرتسم على وجهها مشروع ابتسامة جاهزة للتشكل حسب تعبير وجه الزبون، وربما نوع ثقافته، أو برج مولده، أو موطنه الأصلى، حياها فى تردد ولم يسأل عن محمود عبد السلام المشد، لا يبدو أن هناك أية علاقة بين هذه السيدة وبين نصيب محمود المزعوم فى هذه الصيدلية، طلب شريط ريفو، فأحضرته بابتسامة تتناسب مع تفاهة الطلب، شكرها، ودفع، وخرج.
كان “الصبى الرجل” قد أنهى مهمته خارج الصيدلية. نظر جلال فى الساعة فوجدها التاسعة وعشرين دقيقة، الميعاد الساعة التاسعة، ما الحكاية؟ نظر إليه الصبى الرجل، خيل إليه أن السيدة الدكتورة فى الداخل تتابع خطواته على الرغم من أنه بعيد عن مجال بصرها، يبدو أنها تشك أنه من مباحث التموين، أو ربما من رجال الضرائب أو مفتشى مكتب العمل. عندها حق، ما الذى جاء به فى هذه الساعة المبكرة ليطلب شريط ريفو؟ اتجه ناحية شبرامنت خوفا من أنه لو اتجه الناحية الأخرى فقد تجرجره قدماه إلى المزلقان حيث وردة وعبد المعطى.
التفت يسارا فجأة نحو مشهد قفز مقتحما وعيه: طفل حول العاشرة، رث الثياب، يضع ذيله فى أسنانه ويجرى بأقصى سرعة، ثم رجل حول الأربعين يلاحقه مع الاحتفاظ بالمسافة، ربما قصدا، حتى لا يلحق به ـ يعبر الطفل الكوبرى الصغير المتهدم جانبه، والرجل يصيح به ويلعنه – يبدو أنه أبوه.
ـ والله لأوريك يا ابن الكلب.
سمع صوت موتور”الموتوسيكل” الحكومى وهو يتصاعد، يمتطيه أمين شرطة متحفز مستعد (لشئ ما)، وهو يتجه نحو الرجل وابنه (ربما هو ابنه فعلا) وكأنه يتابعهما، خيل إليه أن صوت الأمين جاءه وسط ضجيج مركبته يهدد أحدهم:
ـ عندك يا بن الشـر….، لم يسمع جلال بقية الكلمة، لكن الموتوسيكل تجاوز كلا من الاب وابنه بسرعة فائقة:
”مـن يـورى مـن: ماذا؟”.
لماذا تأخر محمود؟ ولماذا يأتى أصلا؟ ولماذا هذا الميعاد هنا هذا الصباح؟ هل كان جلال ينوى أن يحاول أن يثنيه عن الاستقالة؟ بأية صفة؟ زوج أخته؟ هو عمره ما كانت له زوجة حتى يكون لها أخ يشعر إزاءه بهذه المسئولية، مسؤول بصفة ماذا؟ هو يقاربه فى العمر، ثم إن أخت محمود هذه لم تعد زوجته، أصبحت أقرب من الزوجة وأبعد من الحبيبة، ثم إنه أصبح يشك فى كل ما هو زواج، يبدو أنها إشاعة لا أكثر، هل فاتيما زوجة أمين؟ منال أنصحهن، ترافق من تشاء اتقاء للزواج، فلا هى ترافق ولا هى تتزوج، ولا هو يكف عن حبها، ولا هى تكف. كل البيوت فى هذه المدينة داخلها زوجات وأزواج يعيشون فى التبات والنبات وينجبون صبيانا وبنات، السبعينيون أيضا يتزوجون ويتطلقون، حين خـيروا بين الحرية والقهر اختاروا الحرية، ثم انتهى الأمر إلى أنهم استعملوها -الحرية- ليقهروا أنفسهم بمعرفتهم، وجدوا أنفسهم – بكامل اختيارهم- فى سجن القهر الدكر، فهل من مدكـر؟ من أين تأتيه هذه الآيات دون استدعاء؟ كان عمه سليمان يقرأ القرآن يوميا بصوت جميل فى هدوء رائق، كان لا يكثر، وكانت أمه يشرق وجهها دون أن تفهم حرفا، ويبدو أنه قد وصلته هذه الاستشهادات القرآنية التى ترد إليه هكذا من ذاكرة كانت تلتقط ما تريد من وراء ظهره، يبدو أن أعمق ما تعلمه كان من عمه سليمان، فى سنواته الأولى جدا، حين كان يحتويه فى عباءته وهو يقرأ القرآن.
نظر فى الساعة فوجدها تقترب من العاشرة، ليس ممكنا هذا، لابد أن يخرج من المشوار بشئ ما، عاد إلى الصيدلية، تردد قبل أن يدخل ثانية، عرف أن الدكتورة سوف تشك فيه هذه المرة أضعافا مضاعفة، ولكنه لم يملك لرغبته دفعا، ثم من أدراه؟ ألا يجوز أن يكون محمود قد حضر أثناء تمشيته على شاطئ الترعة، همهم بصوت خافت:
ـ ألم يحضر محمود عبد السلام؟ ألم يسأل عنى؟
فوجئت السيدة (ربما الآنسة) الدكتورة (فى الأغلب) بسؤاله هذا الذى قفز منه بصوت مرتفع. التفتت إليه حتى واجهته وقد أخذت حذرها الناحية الأخرى.
ـ خيرا، ماذا تقول يا سيدى، هل تخاطبنى؟ هل نسيت شيئا حضرتك؟
ـ لا.. أبدا، أردت فقط أن أسأل عن صديق كان مواعدنى على اللقاء هنا.
ـ صديق؟ هنا؟ بصفة ماذا ولا مؤاخذة؟
ـ آسف، لا بد أن أكون أكثر وضوحا، المسألة أن لى صديقا زعم أنه يملك نصيبا ما فى هذه الصيدلية، وهو على وشك عمل مشروع ما، فتواعدنا على اللقاء هنا، مجرد مكان يمكن التعرف عليه.
ـ سيدى، يبدو أنك رجل طيب، إياك أن تكون قد وقعت فى يد محتال يريد أن يبيع لك الترام!!.
ـ ترام ماذا، إنه قريبى، أعنى كان قريبى، وأنا مشغول عليه.
ـ كان قريبك !! وهل للقرابة عمر افتراضى؟ ثم إنى لا أريد أن أتدخل فى شئونك الخاصة، وليس عندى مانع أن أخبرك ما أعرف، أنا أشم رائحة خدعة، بل اسمح لى، أنا أشعر أن فى الجو جريمة نصب، احتمال يعنى.
ـ لا..لا.. لا.. أبدا.
ـ هل أنت متأكد أنه قال لك إن هذه الصيدلية، صيدلية المَحبة، له فيها نصيب.
ـ طبعا، وهو الذى أعطانى العنوان.
- يا سيدى هذه صيدلية خالى مائة فى المائة.
توقف وتردد وتراجع وقرر أن يغيـّر الموضوع حرجا أوهربا أو بدون سبب، وطلب باستيلية للسعال فأعطته إياها وهى مازالت ترفع حاجبيها محذرة، بدأ العرق يتسحب إلى مسام جلده دون أن يظهر، ما هذه الورطة التى أوقعه فيها محمود هذا الصباح دون أن يحضر؟ ماله هو واستقالته؟ يريد أن يطمئن عليه؟ هل هذا كلام؟ مـن الأولى بالاطمئنان على الآخر؟ إن حالته ألعن من حالة محمود ألف مرة، لا يستبعد فعلا أن يكون قد تقمصه لدرجة أنه يريد أن يرى مخاطر مشروعه هو، مشروع الدروس الخصوصية، من خلال التيقن من شطح المشروع الآخر، مشروع الهرب إلى جـرزة، وما دخل هذه الدكتورة التى راحت تفهـِّمُه بوضوح وتكرار كيف أن الصيدلية ملك خالص لخالها، وتحذره من احتمال تعرضه لعملية نصب كبيرة؟ لم يساوره الشك فى كلام محمود، ومع ذلك سأل وهو يغادر:
- إذن فهذه الصيدلية هى ملك خالك وحده؟
ـ مائة فى المائة.
ـ دون شريك؟
- هذا ما أعرفه تماما.
تطوعت الدكتورة، ربما من باب الشفقة، فشرحت له – بإيجاز – كيف أن خالها لم يقرر الهجرة إلى أولاده بعد، وهو لا ينوى بيع الصيدلية، وأن عليه، على جلال، أن يحذر حيث أن خالها مسافر مؤقتا ليرى أولاده فى كندا، وهو على وشك الرجوع، نصحته إذا كانت المسألة تتعلق باحتمال النصب والاحتيال، أن يتصل بمحامى خالها الأستاذ شريف قلتة بشبرا، فهو أدرى بهذه المواضيع حتى من خالها.
تمتم دون اهتمام:
-… ربنا يستر.
شكرها، واعتذر، وشكرها واعتذر، لكنها أصرت أن تقدم له بطاقة باسم الصيدلية والمدير “الدكتورة : مادلين رياض”، ثم بطاقة أخرى عليها اسم وعنوان محامى خالها، ثم كتبت عليها عنوان خالها أيضا، وضع البطاقتين فى جيبه دون أن ينظر فى أى منها، وانصرف مندفعا إلى خارج الصيدلية.
تلفت يمينا ويسارا، نظر فى ساعته، بدا أن الشارع قد امتلأ حركة ودخانا وصياحا وقطرانا، ثم أضيفت إليه جرعات جسيمة من قذارة غير متميزة، الناس – أيضا- غير متميزين، تماوجت حركة متداخلة من الحمير والبغال والخيول والعربات الكارو، والسيارات النصف نقل، والميكروباص، وبعض الملاكى العابرة بسرعة دون اعتبار للمارة. لم يظهر أى أثر لمحمود عبد السلام.
راح جلال يفكر أن يعوض المقلب الذى أخذه هذا الصباح بأن يمر على أصدقاء المزلقان، ولابد أنه سيجد أحدهم، عبدالمعطى، أو وردة، أو حتى بنتها – كان يأمل أن يخففوا عنه بعض ما هو فيه من إحباط وحيرة، يريد أن يراهم، لكنه يخشى أن يسأله عبد المعطى عن مسألة النقل، كما يخشى أن تكتشف وردة، بحدسها المخترق، إحباطه، وحيرته، وخيبته البليغة.
الأفضل أن يختبئ من الجميع.
أخذ يتذكر هل ذكر له محمود عبد السلام اسم معرفة والده الذى باع له ثلث الصيدلية أم لا، ماذا يفيد الاسم، هل ستفرق؟ هل هناك سر غامض يربط بين هؤلاء الناس بخيوط خفية، حاول أن يتذكر أكثر فخيل إليه أن اسمه غالى، هل ذكره محمود، أو لعل الدكتورة مادلين هى التى ذكرته، أو لعلها كانت تقول خالى، وهو سمعها غالى..، إذن ماذا؟ لا شئ.
التقط صوت مناد ينادى:
ـ واحد جيزة، واحد، واحد ميدان الجيزة، فاضل واحد.
طلع إلى الميكروباص مطمئنا أنه سوف يقوم فى التو، وجده خاليا تماما، قرأ المنادى أفكاره، فطمأنه، أنه سيمتلئ حالا، وعزم عليه ـ أمريكانى – بواحد شاى.
وجد نفسه مرتاحا لعدم حضور محمود عبد السلام من أصله.
لم يكن عنده جديد يقوله له، وإن كان عنده، فليقله لنفسه.
ويعقل.
أو يتلهى على عينه..
******
ونبدأ الأسبوع القادم فى تقديم الفصل السادس “وادى النطرون”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – يحيى الرخاوى: “ملحمة الرحيل والعوْد” الجزء الثالث من “ثلاثية المشى على الصراط” (الطبعة الأولى 2007) الهيئة العامة للكتاب و(الطبعة الثانية 2017) منشورات جمعية الطبنفسى التطورى، والرواية متاحة فى مكتبة الأنجلو المصرية بالقاهرة وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية – المقطم – القاهرة.
يحيى الرخاوى طبيب نفسى


طرقت ابوابا كثيره ظننتها الطريق فوجدت نفسي حيث بدأت لاني اكتشفت اني ابحث عن طريقي انا
حاول ويحاول الكثيرون حولي أن يغلقوا بابهم علي انفسهم ظنا منهم انهم علي طريقك عند بابك فضلوا وأضلوا
يغلق الباب حينما أتوقف عن السعي فقد تعلمت ان الوقوف هو الضلال. فالباب هو بابي انا أغلقه حين اتوقف عن السعي فهو العدم
اذن لا باب لان الطريق مفتوح ولا طريق اذا تصورت انه طريق.
وكيف فقد قلت سبحانك انك اقرب من حبل الوريد فلم الطريق؟؟؟؟
لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين.
“اني توكلت علي الله ربي وربكم ’ما من دابه الا هو آخذ بناصيتها ’ان ربي علي صراط مستقيم