نشرة “الإنسان والتطور”
الأربعاء: 1-10-2025
السنة التاسعة عشر
العدد: 6605
ترحالات يحيى الرخاوى
الترحال الثانى: “الموت والحنين”[1]
الفصل التاسع
مفتاح الخزانة فى كومة القش (7)
وأحب بِيض الحور ِ والوجنات تنبض جامحهْ،
ككرات ثلج قد أحاط بها اللهبْ.
وأحب هذى المرأة السمراء تحتضن الجذور النابتةْ،
والعشب يلثم دفء جوع هامسٍ،
والشق من خلفٍ يشير إلى الذى لم يُستبح.
9/5/1997
………………..
………………..
الإثنين 27 يونيو:
قال رئيس المؤتمر والجمعية المسئولة عن المؤتمر فى نهاية كلمته: إن البرنامج الاجتماعى حافل، وأرجو أن تمتّعوا أنفسكم (شئ أشبه بـ: كل واحد يدلّع نفسه). ثم بدأت فرقة الإنشاد الجماعى بآلاتها تتقدم إلى المنصة، أغلبهم سود (لماذا؟؟) بينهم رجل لا يقل وزنه عن مائة وستين كيلو جرام، وفى المقدمة امرأة جسيمة، أحسب أن وزنها فاق المائتى كيلو جرام، علّق عليها جارى أنها 4 فى4 (4×4)، وبدأت رئيسة الفرقة تقول لنا مقدمة عن الغناء والعزف، وتدعونا للمشاركة فى الغناء الذى رن فى سمعى وكأنه تراتيل، وكأننا نصلى(! ! ! ) فعلا أحسست أننى فى قداس زائف، وليس فى حفل افتتاح مؤتمر علمى.
حمدت الله أن ترديد الأهازيج الزائفة لم يكن بنفس حماس الافتتاح.
ما هذا الذى يجرى هكذا؟ ومع ذلك فقد فرحت بمجيئى هنا لأسمع ما سمعته أمس مما هو قبل المؤتمر،حول المؤتمر، بمناسبة المؤتمر، على هامش المؤتمر.الهامش أهم.
أتذكر ما سبق أن تذكرته مرات كثيرة: كنت قد سمعت محمد عبد الوهاب فى مذياع سيارتى مصادفة (وقد أصبح هذا المذياع المصدر الأساسى لمسايرة العالم، ليس عندى وقت لسواه) سمعت محمد عبد الوهاب وهو يرد على سؤال عن الإبداع الذى أضافه وهو يلحن لأم كلثوم، فضحك بتواضع قائلا إن اللحن – أى لحن- ليس إلا هوامش على هوامش، هوامش تنتظر الجملة الموسيقية المبدعة، تأتى أو لا تأتى، وأنه حين يلحّن لا بد وأن يمضى بشكل راتب وربما مكرر حتى تأتيه هذه الجملة، أو الجمل المميزة، ثم… إلخ، وفهمت أن وظيفة ما أسماه عبد الوهاب الهوامش هو تخطيط الأرض وإعدادها حتى تصبح صالحة لإثبات ما يمكن – إذا أمكن.
وقد فسّرت لى هذه الملاحظة الداّلة كثيرامما كان يغفل علىّ:
فسرت لى كيف أن الإبداع يبزغ وسط الفعل اليومى العادى.
وفسرت لى فساد فكرة العزلة عن الناس تحت زعم التفرغ للإبداع.
وفسرت لى تبرير استعارة (اقتباس) ما ليس للمبدع، باعتباره هوامش تسخينية علّها تصلح أرضية لجملته الأصيلة – وهو ما يسمى أحيانا “سرقة” كما زعموا أن عبد الوهاب بالذات كان يمارسها.
وفسرت لى فائدة الوساوس، وتكرار ما ليس له داع عند المبدعين لدى كثير من المبدعين، لعل كل هذا التكرار ليس إلا إعادة الهوامش فى انتظار الفرج.
وأخيرا هأنذا أحاول أن أصالح هذا المؤتمر من هذا المنطلق فقلت أنهى هذا الفصل هكذا:
لعل هذا المؤتمر- ومثله- هو هوامش على هوامش تستجلب الأفكار غثها وثمينها، وتواجه العقول بعضها ببعضها: لعل فكرة واحدة وسط العشرة آلاف فكرة، تكون قادرة على البقاء والمواجهة والنفع والتفجير.
وعليه – سيداتى سادتى- فعلى كل من يهمه الأمر أن يحترم هذا الكوم الهائل من هذا الذى…، لعل وعسى.
ألم أقل من قبل أن ما حضرته مما هو قبل المؤتمر ثبت أنه برقبة مائة مؤتمر؟
أعود إلى الفندق وأنا فى غاية الرضا بما منّ الله علىّ من بصيرة تقبل أن تبحث فى كوم القش على مفتاح الخزانة الحاوية للصناديق المرتبة داخل بعضها الأصغر فالأصغر حتى المفاجأة.
القاهرة 10/5/1997
آن لهذا العمل أن ينتهى، أن يتوقف.
من أكثر الأمور إيلاما لى هو أن ينتهى الأمر بتصنيفى فى المنطقة الرمادية التى تسّمى منطقة “التسوياتية”، والتى أكرهها لدرجة أننى أنكرت عليها هذه التسمية ترجمة لكلمة Compromise ، و من واقع رفضى لهذا الموقف الوسط رفضت تعادلية توفيق الحكيم، وحكمة نجيب محفوظ (فى حياته دون إبداعه) وسوء تفسير وسطية الإسلام، هى ليست إلا ميوعه، نحت لها كلمة مركّبة، ثقيلة الظل، كنت أقصد أن تكون كذلك، هى “حـَلْــوَسَط”، بتسكين الواو والطاء، ولكى أزداد نفورا من هذا الموقف المائع كنت أستعمل هذه الكلمة بينى وبين نفسى بصيغتها الفعلية كفعل خماسى: حلْوَسَطَهٌ يُحَلْوِسَطَهُ. فهو مُحَلْوِسَطٌ. بالذمّه هل هذا اسمه كلام؟ تصوّر -حضرتك- أنك مُحَلْوسَطَ هكذا، حتى دون أن تعرف كيف نحتت الكلمة ولماذا، فلا بد أنك سترفض هذا الموقف تماما، وكلمّا فسّرو الآية الكريمة ” وكذلك جعلناكم أمّة وسطا” بأنها الأمّة المتوسّطة. .إلخ، أحسست بمدى السطحية واستنقذت بسيدنا محمد إقبال، أو ابن عربى، أو جلال الدين الرومى، وأخيرا النفّرى. رحت أعاتب توفيق الحكيم الذى مسح تعادليته فى الاسلام (دون إذن منى)،
هل يا ترى كتبت كل هذا الهجاء لأنفى عن نفسى هذه التهمة؟
هل هناك موقف حقيقى يمكن أن يكون قد بلغه القارئ من هذه الأميال والأفكار والأحجار والمكاشفة بين الناس على الطريق؟
الثلاثاء 28 يونيو صباحا 1994
أتعرف على هذه الواشنطون دى سى وحدى هذه المرّة، فرق حقيقى، الشوارع تتالى بالأرقام وتتعامد عليها شوارع بالحروف نحن فى شارع 16بين تقاطع K& MM يكاد الواحد لا يحتاج إلى خريطة،
أتعرف على الناس من منطلق جديد، من هؤلاء الأمريكان؟ ما هى أمريكا؟ لا يوجد واحد مثل الثانى، يتسحّب حب الناس -كل الناس- إلىّ رغم كل التحذيرات التى بدأتُ بها الفصل السابق، ورغم اعتراضات زوجتى وشكها فى أن هذا الموقف العمومى هو مؤشر لاحتمال عدم حب أحد محدد فعلاً. ليكن. ماذا أفعل بنفسى؟ أصدقهم ، أوافق الأقربين وأحجز إعلان مشاعرى نحو بقية البشر حتى يصدَّقوا أننى أحبهم هم (الخاصّة) جدا جدا؟ أننى أموت فيهم؟ هأنذا وسط الأمريكان الذين لعنتُ”سنسفيل” أجدادهم من أول ذلك الأمريكى الأسود من فلوريدا الذى قابلته فى بداية الرحلة الأولى على الباخرة (الصفحات الأولى من الترحال الأول) ذلك الأمريكى الذى تنازل عن سواده حتى هذا الكلينتون الذى كأنى رأىته وأنا أزور البيت الأبيض وهو يتجوّل داخل البيت الأبيض بسرواله الملون، يصفّر بفمه وهو ينتظر صوت الهاتف الذى سيخبره من خلاله مستشاره اليهودى عن ماذا يفعل فى القدس وزائير دون الصين واليابان طبعا. هل يجرؤ؟
مع كل هذه العواطف السلبية حسب كلامهم، فإن حبى لكل الناس عند المواجهة والعشرة لا يستثنى أحدا، حتى هؤلاء الأمريكيين، هؤلاء الأمريكيين الطيبيين.
أثناء سيرى بينهم بعد أن تخلّصت من أوهام الحكم المسبق، ضبطته (حبى لهم) يتسحب ليشمل هذا الخليط العجيب المسمى الشعب الأمريكى. هذا الخليط الذى جعلنى أردد فى أول الرحلة على ظهر الباخرة، وفى مواجهة هذا الأمريكى الماسخ بلا لون رغم سواده، جعلنى أردد أن الذى بنى أمريكا كان فى الأصل “بتاع كشرى”، وكنت أحسب فى أول الرحلة أننى بذلك أزهو على هذا الأمريكى من حيث أن الذى بنى مصركان فى الأصل حلوانى، لكننى أكتشف الآن بالمراجعة (ألم أقل أننى مازلت قادرا على المراجعة) أننى أحب الكشرى أكثر من أى نوع من الحلوى، حتى الشامية، الكشرى فى المحلات التى هى، وليس الكشرى المصنوع بالبيت الذى لا يتعدّى العدس الأصفر والأرز. كشرى المحلات بالتقلية المحروقة، والمكرونة المسلوقة، والأرز المنقّى، والصلصلة الحامية والعدس أبو جبّة، هكذا رأيت الشعب الأمريكى فى وشنطن،
السود الذين قابلتهم حتى الآن (وما أكثرهم حتى تكاد تحسب نفسك فى أفريقيا) هم العدس أبو جبّة، وبعضهم بشبه التـقلية المحروقة الجميلة، كنت عادة أدفع قرشين أكثر حتى يكثر العدس أبو جبّة، لست أعرف كم علىّ أن أدفع الآن؟
غمرنى هذا الشعور بالسماح حتى صالحتُ المصريين الذين ذكرت كم كنت أتجنّبهم إذا ما سافرت حتى أعمّق شعورى بالسفر.
المصريون هنا فى واشنطون الآن ، وأنا فى هذه الحال، طيبون أيضا، بل طيبون جدا، أغلب من قابلتهم كانوا أصحاب، أو عمّال فى: أكشاك متواضعة، وهم يبيعون بحداقة مصرية لا تخفى، ويمشّون حالهم.
كنت أسير فى شارع M وإذا بواحد خواجة أبيض أشقر لا جدال حول خواجيته، إذا به يقترب من كشك من هذه الأكشاك مبتسما ابتسامة مصرية رافعا يده مصافحا أن “سباه الهير يا هلاوة”. لم أستطع أن أفهم بأى لغة يتكلم إلا حين سمعت صاحب الكشك وهو يرد عليه بوضوح أن “صباح الفل يا عسل”، إذن فقد كان الخواجة يقول له: صباح الخير يا حلاوة، فرحت أن هذا الخواجة الطيب يجامل إبن بلدى فيتعلم منه تحية الصباح المصرية، بل إنه يتكلم اللهجة المصرية بعد التحديث (يا حلاوة).
وسط هذه المشاعر رحت أرصد التسول فى واشنطون بما يميّزه، فلكل بلد طبعها المميز فى التسول حسب ما لا حظت. أغلب المتسولين هنا من السود. يجلس الرجل العجوز، أوالمرأة الشديدة البدانة، يجلس هذا أو ذاك على أرض الرصيف وهو يضع “كوز البلاستيك أمامه”، ولا يمد يده، وإنما يمد إحدى أو كلا ساقيه أمامه، ويكاد ينام (ربما من فرط الشرب فى الليلة السابقة)، أو هو ينقل بصره بين الكوز والمارة دون أن ينطق حرفاً، بل دون أن يبدو عليه أنه يتصنع أى ضعف أو يعلن أى استجداء، وكأنه يأمر المارة أن يتصرّفوا بما يرونه مناسبا، وتمثلت المثل المصرى “حسنة وأنا سيدك” لكنه لم ينطبق تماما فحوّرته إلى ” حسنة واللى عاجبه” فليس هنا سيد ظاهر، كل الأسياد مجتمعون فى مجالس سرية يديرون الشركات المتعددة الجنسيات، ويحكمون أمريكا التى تحكم العالم، أما نحن جميعا سائر البشر فنقع فى أحد الجانبين، إما متسولون كسالى ولكن بصيرتنا تسمح لنا أن نعلنها هكذا على عينك يا تاجر، وإما متسولون مُنوَّمون ننتظر حسنة خفية، نسميها قروضا أو معونة وتكنولوجيا، تحفظ علينا استمرار الحياة حتى نصلُح لخدمة الأسياد الظاهر منهم والخفى.
يلفت نظرى قصّات الشعر الجديدة التى بدأت تنتشر أيضا فى مصر بين شباب لا أحبهم، لكننى لا أكرههم، كل الرأس محلوقة نمرة واحد، ماشى، أسفل الشعر محلوق دائريا، أيضا نمرة واحد، أيضا”ماشى”، لكن هذه التسريحة التى تجعل الشعر مضفرا مائة ضفيرة صغيرة، والتى لاحظت كثرتها بوجه خاص عند الفتيات السود، لا أستطيع أن أقول لها نفس الـْ “ماشى”، ذلك أننى أتساءل عن الوقت الذى يستغرقه كل هذا التضفير. أنا أحب البنات ذوات الضفائر، وقريبتى التى تصورت أننى أحبها، والأهم أنى تصورت أنها تحبّنى فى سن التاشر(سن التاشر ترجمة جديدة لتعبيرTeen age) كانت لها ضفيرة واحدة تنزل خلفها تتراقص حتى ساقيها. كانت إذا جعلت من ضفيرتها هذه اثنتين بدت لى مختلفة وأقل جمالا، أكتشف معنى الضفيرة عندى، إذْ يبدو أننى أتصور الضفيرة رمزا لولاف جيّد حيث يحتضن كل فرع الآخر، ثم إن الضفيرة لا بد أن تعمل من ثلاثة فروع، يحتضن بعضها بعضا، فلا هى ثنائية احتكارية، ولا هى تسوية “حَلْوسطية سائحة تمحو شخصية فروعها، فهى ثلاثة فى واحد، ولا بد أن الدين المسيحى الحقيقى (ثلاثة أقانيم فى واحد) على علاقة طيبة بما هو ضفيرة، وحين كنت أسمع الأغنية ” لا احطك فى عينى واتكحل عليك، وانْ جُمْ يسألونى ما اقولشى عليكَ لم يكن خيالى يسعفنى لقبول هذه الصورة، أما حين تكمل الأغنية إلى وضع الحبيب داخل الـضفيرة أفهم وأتصور نفسى مختبئآ بين طيّاتها: “لاحطّك فى شعرى واتضفر عليك وان جم يسألونى ما اقولشى عليك، واقول دا غريب يا خواتى ما هوش من هنا”.
****
ونواصل الأسبوع القادم استكمال الفصل التاسع: مفتاح الخزانة فى كومة القش” (8)
يحيى الرخاوى طبيب نفسى

