ترحالات “يحيى الرخاوى” الترحال الثانى: “الموت والحنين” الفصل التاسع: مفتاح الخزانة فى كومة القش (9)
نشرة “الإنسان والتطور”
الأربعاء: 15-10-2025
السنة التاسعة عشر
العدد: 6619
ترحالات يحيى الرخاوى
الترحال الثانى: “الموت والحنين”[1]
الفصل التاسع
مفتاح الخزانة فى كومة القش (9)
وأحب بِيض الحور ِ والوجنات تنبض جامحهْ،
ككرات ثلج قد أحاط بها اللهبْ.
وأحب هذى المرأة السمراء تحتضن الجذور النابتةْ،
والعشب يلثم دفء جوع هامسٍ،
والشق من خلفٍ يشير إلى الذى لم يُستبح.
9/5/1997
………………..
………………..
الثلاثاء 28 يونيو صباحا 1994
ركبت الحذاء “مقبض القدم” (ولا أدرى لم تصوّرت أن أسميه إسم دلع يقول: توسـَّد خيرا (معارضا الاسم العربى القديم: تأبَّط شرا)، فأسْرَعَ بى إلى الفندق لأصل قبل زملائى الذين انتظروا الحافلات الدورية، وحين وصلت فرحا بصديقى الجديد “تأبّط خيرا” كنت أتصبب عرقا مثل زمان أيام العدو مع مرضاى، ومسحت عرقى وأنا فخور بشئ ما لا أعلمه.
خجلت من نفسى ومن جديد حتى قلت أحضر جلسة ما بعد الظهر لأخزى العين، كانت الجلسة المنتقاه فى فندق السلام هاييتى.
فوجئت أنهم أعدّوا وليمة خفيفة قبل الجلسة وليس أثناء الاستراحة كما اعتدنا، وكان اسم هذا استقبالا، وكنت أتصور أن الاستقبال هو استقبال، وإذا به الإسم الحديث لأكل خفيف، ومشروبات نصف نصف. استقبال أهل العلم والتداوى بكل هذا الأكل والشرب هو أمر يحتاج تفسيرا “علمياً”. أين يذهبون بكل هذا الأكل؟ ومن الذى يحضر إلى هذه المؤتمرات الوليمة، أغلبهم من مدعوى الشركة صاحبة الدواء الذى ستدور حوله الندوة، والباقى من موظفى الشركة، ولا مانع من وجود واحد أو اثنين من السذج محبى العلم. الاستقبال مشهيات وشراب على الواقف، تذكرت المقلب إياه مع المرحوم محمد حلمى شاهين فى باريس.
دخلت إلى قاعة المحاضرات المختارة. وجدت بجوار كل كرسى فى قاعة المحاضرة ما يشبه الآلة الحاسبة، قلت -ساخرا- سيوزعون علينا دولارات ويريدون أن نعلم قيمتها بالعملة المحلية حتى نختشى ونكتب دواءهم، سألت جارى فقال إن هذا لزوم معرفة تفاعل واستجابة المجتمعين أولا بأول، آخر تكنولوجيا للتفاعل بين المحُاضر والمتلقِّى، سعدت بهذا الحوار تماما، وقلت هكذا يكون الكلام ليس مونولوجا سائلا يلقى فى وعاء فارغ. بدأ المحاضر تلو المحاضر، يضع أسئلة لتوقعاتنا للمعلومة التى يقدّمها، أو التى سوف يعرض لها، ويطلب منا فى شكل أسئلة متعددة الإجابة أن نختار ما نعتقد أنه الجواب الصحيح، وفى خلال عشر ثوان تظهر النتيجة على الشاشة الملونة لتقول الرقم الصحيح أو الإجابة الأرجح. فى البداية أحسست أننى فى امتحان، وأنهم سيكتشفون خطأ إجاباتى إن أخطأت، فكدت أعزف عن المشاركة، فأنا مازلت – فى هذه السن – أرعب من الامتحانات بكل أشكالها، أخذت أذكّر نفسى، حتى كدت أقرصها أننى أستاذ، وأننى تخرّجت من زمان، وأننى هنا فى مؤتمر ليس فيه حضور ولا انصراف، وأنه لا يوجد باقى من الزمن كذا وأنه لا توجد وسيلة للتعرف على مَنْ الذى ضغط الزر الخاطئ ومع ذلك كان ما كان.
استمتعت بالبحث الأول، وبطريقة العرض فبقيتُ لما يليه. حضرنى شعور جميل بالتلمذة من جديد. أنا تلميذ نجيب حين أقرر أن أكون كذلك رغم تفضيلى طول عمرى الحصول على المعلومات بطريقتى الخاصة. عدد المحاضرات التى حضرتها فى كلية الطب طوال سبع سنوات لا تزيد عن بضع عشرات، كنت أفضّل أن ألخِّص الكتب بنفسى لتكون أنا، ظلّت تلمذتى تتنامى حتى كدت أضع ذراعىّ مضمومتين أمام صدرى دليلاً على “سماع الكلام” ثم حدث ما شككنى من جديد فى أغلب ما يجرى:
كانت الورقة (البحث) تتحدث عن عقار حديث. (باهظ الثمن طبعا) حتى جئنا لسؤال عن نوع من الأدوية يخص الشركة وكان السؤال المطروح على الحاضرين هو عن جدوى هذا العقار فى منع النكسة، العقار عمره سنتان، والنكسات لايمكن الطمأنينة إلى منعها إلا بعد عشرات السنين، لكن الإجابات جاءت فى صالح فاعلية العقار فى منع النكسة (27%) وأنه أحسن من غيره وكلام من هذا. ليس هذا هو مربط الفرس رغم مخالفته رأى منطق علمىّ بسيط. لكن الذى أزعجنى حقا هو أن الحاضرين صفّقوا لهذه النتيجة،أى والله، وكأنها نتيجة انتخابات، أو كأن فريقا لكرة القدم وضع هدفا فراح مشجعوه يصفقون له، كدت ألقى الآلة المبرمجة جانبا، بل كدت أترك القاعة محتجا غاضبا حزينا، لكننى تراجعت متذكرا أن الحضور إما موظفين أو مدعوين من قبل الشركة، حلال عليهم وعليها، (ملحوظة: هذا العقار الجديد المصفق له يبلغ ثمنه ثلاثين ضعف العقاقير التقليدية المستعملة!! وقد ثبت تواضع فاعليته بعد سنين معدودة).
إذن فهذا هكذا، سامحكم الله،
يالسوء استعمال التكنولوجيا ، حتى “تكنولوجيا التلقى” يشوهون بها استجاباتنا.
كانت الساعة قد بلغت التاسعة ليلا، وما زالت فرحتى بالحذاء تغرينى بالعودة سائرا حتى لو كان فى ذلك ما فيه من مخاطر التعرض للسود السكارى (رنّت فى وعيى أغنية كارم محمود: البيض الأمارى للمقابلة!!)، لا بأس من السير مادمنا اثنين، الخطر فى السير فى هذا الوقت أن تكون منفردا، كدت أصدّق أننا اثنين، أنا وصديقى الحذاء “توسّد خيرا”، لم يرد ربّنا أن يحبطنى فقابلت أحد الزملاء الذى وافق بعد إلحاح أن يعود معى سيرا على الأقدام.
على الناصية المقابلة لفندقنا لمحت تشريفة أو ما شابه، وهم يشيرون إلى المارة بالالتفاف حول الناصية الأخرى، لم أُعِرْ الأمر اهتماما حتى نادانى رفيقى الذى كان قد سأل الجنود عن الأمر، فأجابوه أن الرئيس كلينتون شخصيا يتناول عشاءه فى الفندق المقابل لشيراتون (وهو نفس الفندق الذى تُفضله الملكة إليزابيث حين تنزل واشنطون وقد نزلت فيه ثلاث مرات، هكذا قالت لنا المرشدة فى اليوم التالى) ولم أستطع أن أكره كلينتون هذه المرة مثلما أفعل كلما ذكر اسمه وهو يتحدث بشهامة مشبوهة عن مأساة البوسنة، لففتُ حول الناصية متذكرا تشريفات القاهرة التى تسد علينا الطريق ساعات حتى تُكّرهنا فى أنفسنا وليس فقط فى صاحب الموكب.
استجابة لدعوة للعشاء من الشركة المضيفة ذهبنا نأكل سمكا على شاطئ بحيرةٍ ما، وجلسنا وسط الناس المزدحمين فى بهو مغلق بحيث احتجنا – أو احتجت أنا شخصيا على الأقل لقدر هائل من الخيال حتى أتصور البحيرة التى زعموا أننا على شاطئها، ثم استأذنت قصدا لأخرج إلى الشرفة أتأكد أين نحن. ماء ساكن لا يقول، ولا حتى يهمس، رجعت والضيق يزحف ليقترب منى فيكاد يفسد علىّ حالتى التى سمحت لى بقبول الأمريكان من أول المتسول الأصلع ذى الضفائر المائة حتى كلينتون، وبجوارى جلس الزميل القبرصى خفيف الظل، وكانت الدعوة متضمنة السماح بلبس ملابس “أى كلام”” (كاجوال”)، وفى آخر لحظة تبيّن زميل عراقى أن المكتوب هو “أى كلام مهندم” (smart casual) ،ليس أى كلام أى كلام، قلت يا صلاة النبى، أصبحت هناك تنوعيات وتصنيفات فرعية للملابس أى كلام، فصعدت إلى حجرتى، و ارتديت ما ظننته مهندما (نصف نصف)، لكن جارى القبرصى لم يهمه التعليمات، وجاء بالحذاء الكاوتش، والرداء المتدلى والذى يعجبه (!!!)، فرحتُ به وقررت أن أجاوره لعلّه مثل حالاتى، بشكل أو بآخر، ومضى العشاء على خير، لكننى قبل أن أنصرف سألت جارى القبرصى متشجعا بجرأته على مخالفة تعليمات اللبس، سألت: أكان هذا الذى أكلنا سمكا فعلا؟ لم يجب بنعم، ولا بلا، فتصوّرت أنه يظن بى الظنون، لكنه سرعان ما استجاب مازحا: يبدو أن المسألة تحتاج إلى قدر من الخيال، ثم أردف: لقد أقنعت نفسى أنه كذلك، وهنا تأكدت من رجاحة ومشروعية شكى رغم أننى كثيرا ما لا أدرك ما آكل تحديدا.
عند العودة أُخِذَتِ الآراء فتبين أنه كان دجاجا حتما، فتذكرت تلك البدعة التى يبيعون بها شرائح البطاطس بطعم الكباب وطعم الخل وطعم الكارى إلخ..، وقلت لصاحبى: أكلنا دجاج بطعم السمك والعياذ بالله.
الأربعاء 29 يونيو 1994
سألنى بائع الأحذية وأنا أرجع له حذاء آخر من ماركة أخرى كان قد أصرّ أن أعطيها فرصة، فإذا لم تصلح أرجّعها، هذا هو النظام هناك هكذا: تستطع فى خلال ستين يوما أن ترجع الحذاء دون إبداء أسباب، حتى لو كنت ترتديه طول الوقت، وفكّرت بنصاحة أهل بلدنا، أننى لو كنت أعيش هنا لاستبدلت حذاءً كل 95 يوما، ليظل حذائى جديدا طول العمر، وابتسمت لأننى تصوّرت ماذا سيترتب على ذلك. فى الأغلب سيعلّقون صورتى فى كل محلات أحذية “مقبض القدم” ويجرّسونى كما كنا نجرّس سارق الجاموسة فى بلدنا مع “أن القانون فى صالحى”!!
تحاورت كثيرا مع بائع الأحذية الأسمر قال بعد أن ترددت عليه هذه المرات حتى كدنا نتصادق: ستَذُكْرُنى؟ قلت له: بقدر ما ستذكرنى، فضحك دون تعليق، ولم أقل له أن ما تعلمته منه هو أفضل من كثير مما تعلمته من المؤتمر العلمى.
أستيقظ فى الثالثة صباحا، مازال إيقاعى البيولوجى متباطئ فى التأقلم للتوقيت الأمريكى، كتبت كثيرا، وتأملت كثيرا، وأنا أتقدم نحو الإجابة على التساؤل الذى صورت لنفسى أننى حضرت لأجيب عليه:
هذا الذى تبقّى لى من عمر، وأنا أستاذ متفرّغ، فيم أقضيه؟ أتفّرغ؟ أتفرغ لـ”ماذا”؟
ولم تحضرنى إجابة شافية.
الأربعاء 29 يونيو 1993
كان الفندق يضرب يقلب، مازال كأس العالم تجرى مبارياته، كثير منها فى واشنطون، الفندق ملئ بناس يرقصون ويغنون، أسأل فإذا بهم مشجعون من أمريكا الجنوبية، يقولون أمريكا الجنوبية مثلنا، أبدا، لسنا مثلهم ما لم نرقص، ونغنى، ونكتب ما هو نحن ونتميز.
السعودية كسبت مباراة ما – لا أذكر ضد من – ماذا يعنى هذا؟ هل يعنى أنها ارتقت حضاريا حتى أخذت الرياضة موقعها المتميز، هل يعنى أنه أمجاد يا عرب أمجاد، هل يعنى أن القرش البترولى أصبح يستخدم فى محلّه فى شراء اللاعبين سابقى التجهيز؟ الخداع تتسع دوائره: المشاركة مع العالم زائفة، والبنية الحضارية الأساسية مُفتقدمة. مهما بلغت المكاسب من نوع “كنظام الحضارة”؟
فاتحتُ ميكائليدس (زميلى القبرصى “الكاجوالى”) فى اقتناء كوخ فى قرية فى قبرص، رحّب حتى انزعجتُ. يا خبر!!! لم أُشْفَ بعد من هذا الجذب المعاوِدْ. يبدو أن حالتى من الحالات المستعصية.
متى يأتى الوقت الذى أعرف أن كوخى الحقيقى هو فى طمأنينتى هنا والآن حيثما كنت، طول الوقت؟ متى يأتى الوقت الذى أعرف أنه لا داعى أصلا لأكواخ حقيقية أو نفسية؟ الوقت الذى أستوعب فيه أكثر فأكثر أن رحلة الداخل<=> الخارج ضرورة حتمية غير مخيفة ولا يمكن أن تكون ذات اتجاه واحد تحت أى ظرف، يكفينا إيقاع النوم والحلم حتى تتحقق هذه الرحلة يوميا،
فلماذا وسواس الكوخ البعيد، والناس الأغراب؟
****
ونواصل الأسبوع القادم استكمال الفصل التاسع: مفتاح الخزانة فى كومة القش”


2025-10-15
يبزغ عند الفجر
كل فجر
افقا لا محدود
من كون ينبض بطلاقة
مليء بكل الغاز الوجود.
اتلاشي صامدا
باحثا عن اصلي
عن وصلي.
اتلفت حولي
اجد جحافل البشر
يدورون في نفس الحلقة
الدائرة الدوارة
يقتاتون فضلات عدمهم
يصرون علي الا يكون
الا ما هو كائن.
ينسلخون عن اي احتمال
لفتح آفاق انفسهم
للتلقي الطازج
دون شروط مسبقة.!!!!
كل يقفل دائرته
كي لا يُكْشف غطاؤه.
اصادف اقل اقل القليل
ممن لم يوصد ابوابه
تتخلق لغة دون كلام
نتلاشي في كون موازي
لم يُسمح له ان يتواجد
في غياهب العطن .
اتساءل متي يا خالقي
ومبدع كل الاكوان
تسمح ان احضر
في حضرة كل المطلق
الذي خلقتني كي
اكدح اليه
اليك
كي اسبح بحمدك
واقدس لك.
رحماك يا رب
يا ليت قومي يعلمون
بما غفر لي ربي
وجعلني من المكرمين.