ترحالات “يحيى الرخاوى” الترحال الثانى: “الموت والحنين” الفصل التاسع: مفتاح الخزانة فى كومة القش (8)
نشرة “الإنسان والتطور”
الأربعاء: 8-10-2025
السنة التاسعة عشر
العدد: 6612
ترحالات يحيى الرخاوى
الترحال الثانى: “الموت والحنين”[1]
الفصل التاسع
مفتاح الخزانة فى كومة القش (8)
وأحب بِيض الحور ِ والوجنات تنبض جامحهْ،
ككرات ثلج قد أحاط بها اللهبْ.
وأحب هذى المرأة السمراء تحتضن الجذور النابتةْ،
والعشب يلثم دفء جوع هامسٍ،
والشق من خلفٍ يشير إلى الذى لم يُستبح.
9/5/1997
………………..
………………..
الثلاثاء 28 يونيو صباحا 1994
لا… لست غريبا الآن، لم يعد السفر يشعرنى بالغربة، بل هو لم يكن يشعرنى بالغربة أبدا، بل إننى أشعر بالغربة فى بلدى أكثر، يا خبر ما هذا الذى أقوله؟ الحمد لله أن زوجتى ليست معى وإلا نبّهتنى إلى أننى لا أحب بلدى. أنا أحبها جدا والمصحف ولكن ماذا أفعل فى صدق مشاعرى؟ ياه، أىن ذهبتُ؟ أحببت الضفيرة الواحدة، والضفيرتين استثناء أما هذه الضفائر الكثيرة فهى تثير دهشتى وبعض رفضى، ماذا لو أرادت الواحدة من هؤلاء أن تحطنى فى شعرها وتتضفّر علىّ، لا بد أننى سأتمزّق مائه قطعة، هل هذا هو ما تعنيه هذه النقلة من الضفيرة الواحدة إلى هذا العدد الغريب؟ الضفيرة لا تكون ملاذا جميلا إلا إذا عمـلتها الأم لابنتها (مهما كان سنها) وهى جالسة فى حجرها. فجأة أنتبه إلى هذا العجوز، رجل كهل زحف الصلع على نصف رأسه، بل أكل ثلاثة أرباعها، كما زحف الشيب على ما تبقى له من شعر وقد جلس جلسة المتسول الأمريكى، والكوز أمامه (حسنة واللى عاجبه)، ثم هو قد ضفّر ما تبقى من شعره بكل ما تجمع فيه من قاذورات، بنفس طريقة الضفائر الكثيرة الرفيعة، كدت أذهب أسأله، لماذا؟ ومتى؟ فلا يمكن أن يكون قد فعلها وهو شاب عامل، ثم شاخ وتسول وتصلّع وهذا ما بقى من أيام زمان، ومع ذلك لم أتصور غير ذلك، متسول كهل أسود ذو مائة صفيرة. آخر “موضة”؟
مضيت فى شارع M أبحث عن حذاء كاوتش أفتقده منذ عشر سنوات، يعيننى على ما حلّ بغضاريف ركبى. كنت أرسل مع كل مسافر إلى أمريكا اسم الماركة ورقم المقاس، لكنهّ يعود بحذاء آخر غير الذى طلبته، والأدهى أنه صنع فى الصين أو فى كوريا. أذنك من أين يا جحا؟ ثم اكتشفت أخيرا أن نفس الماركة ونفس المقاس قد يوجد منه مائة نموذج ونموذج، وقلّة من هذه النماذج هى التى تصلح لقدمى، خاصة بعد الذى كان من أمر ركبتّى. انتهزتها فرصة وهات يا أحذية، رجعت وأنا أحمل ثلاثة أزواج مما تناسب قدمى من النوع الذى أريده، وكل زوج من الأحذية يكاد يحتل ربع الحقيبة، ماذا يقول رجال الجمرك؟ هل يا ترى أعمل أشعة لركبتىّ وأظهرها لرجال الجمرك لأثبت لهم أن هذه الأحذية ضرورة طبية. والأهم هو: هل بقى من العمر ما هو جدير بأن يبلى أى زوج من هذه الأحذية، ثم إن علاقتى بقدمىّ كما ذكرت، واستعمالهما فى السير الطويل تفسّر فرحتى بهذه الصفقة، وبالرغم من أننى عادة لا أفرح باقتناء الأشياء، إلا أننى لم أخرج من محل الأحذية إلا وأنا لابس الجديد، لأنه بمجرد أن قبض الحذاء على قدمى خيّل إلىّ أننى استعدت قدرتى على الترحال راجلا، وفهمت اسم هذه المحلات التى تبيع هذه الأحذية حيث تسمى “مقبض القدم” Foot Lock . حين نظرت إلى حجم الحذاء أعدت فهم التعبير المصرى “مبروك عالأرض”، ذلك التعبير الذى لم أفهمه إلا مؤخرا، حيث البديل أن يكون مبروك على دماغك إذا ما وصل غيظ الست هانم من جنابك إلى ما يغريها بتجربة متانة الحذاء على صلعتك (!!)
الأتوبيس الفخم يمر على الفنادق كل ربع ساعة بانتظام، ليحمل المؤتمرين إلى مركز المؤتمرمجانا، لكن الحذاء الجديد يتحدى، أكاد أشعر أنه هو الذى يقودنى، حذاء “أتوماتيك”، ينقل درجات السرعة وحده، أعلّق الأتوبيس، وأذهب سائرا على قدمى إلى مركز المؤتمرات، وإن كانت الترجمة الحرفية هى ” المركز التقليدى” Conventional Center، لم أتمادَ فى التفسير لأثبت لنفسى أن ما يجرى فى المؤتمرات هو اجترار تقليدى أبعد ما يكون عن الإبداع.
أمتطى صهوة حذائى، وأنتقى الطريق الطويل. دائما أنتقى الطريق الأطول حتى لا أنسى، حتى حين أركن السيارة أركنها فى أى مكان يبدو قريبا لكنّه ليس بالضرورة أمام الموقع الذى أنزل فيه، وتحتد هذه المشكلة مع زوجتى وهى تفضل أقرب مكان متعللة بالكعب العالى (لماذا الكعب العالى لمن طولها لا يحتاجه؟ هل يعمل فى ضبط إيقاع الجسد الأنثوى مثل الملاءة اللف التى رصد لغتها الأنثوية وحوارها مع فن حركتها المرحوم د. صلاح مخيمربأبدع ما يراه كفيفٌ جميل.
قاعات المؤتمر بلا حصر، وقاعة عرض إعلانات شركات الدواء عبارة عن بوفيه مفتوح فيه من المأكولات والمشاريب أكثر مما فيه من الأدوية والنشرات، إطعم الفم تستحى العين، لا أحد يستطيع أن يلاحق كل هذا الفيضان من العقاقير الجديدة لأى سبب كان، إحدى الشركات، تدخلك فى رحلة إلى داخل الدماغ، وكأنك تركب القطار الصغير فى أرض ديزنى (ديزنى لاند)، قال ماذا؟ لتريك كيف يعمل الدواء الفلانى فى المشتبك العلانى، يا أخى إلى هذه الدرجة يحاولون قلب “الفرض” المتواضع إلى يقين كأنه الحقيقة الثابتة!! “الذين اختشوا ماتوا” – نحن لا نعرف عُشْر معشار ما هو موجود من مشتبكات وموصّلات نيورونية، فلماذا هذا الاختزال، ولماذا هذه الإغارة الجاهزة كاليقين، ثم تحتجون على اليقين بوجود الله دون أدلّة، وأنتم تبيعون لنا اليقين الزائف بأدلّة أكثر زيفا، وكسلنا واستسهالنا هما المسئولان عن ذلك (المصيبة الآتية هى تجارة معلومات الخريطة الوراثية «الجينوم» بنفس الطريقة بنفس محلاّت التجارة العظمى (يوليو 2000).
البهو والممرات خارج القاعات مليئة بعدد لا حصر له من الحاسوبات الجاهزة لخدمتك، وفى كل يومُ تْلقَى مئات الأبحاث والمحاضرات، وعليك أن تنتقى ما تريد، ثم تبرمج هذا الانتقاء على أزرار الحاسوب، فتخرج لك بطاقة تهديك إلى القاعة الخاصة، والوقت المحدد لما انتقيت، مسألة سهلة جدّا لكن فكرتها غير مألوفة لى. أبدأ فى برمجة ما أريد، فتقفز لى شطرتين من صلاح جاهين يقول فيها”: أندم على الفرص اللى أنا سبتهم، ولا على الفرص اللى ما سبتهمش، وأنظر فى الورقة التى برمجها زميلى وأسأله عن الباقى، فيقول سأجده فى الكتب والدوريات، ولا أتمادى لأسد نفسه من أن ما اختاره أيضا سيجده فى الكتب والدوريات، وأن المسألة أننا نحاول أن نقنع أنفسنا بجدوى هذه المؤتمرات، نتصوّر من خلالها حوارا لا يحدث أبدا، صحيح أن وظيفتها الاجتماعية بلا حدود، لكن ينبغى أن نضع حدّا لهذا الوهم بالمعرفة، اللهم إلا إذا وضعناه فى موقعه المتواضع. إن التحدى الآن ليس فى الحصول على المعلومة، وإنما فى مهارة انتقاء أى معلومة تحصل عليها، ثم أين تضعها فى منظومة وجودك.
لا أخضع لما يُفرض علىّ استسهالا لعرضه. تصورت مراكز الشركات المنتشرة تماما مثل أكشاك الموالد وخيم الغوازى. وألعاب السحرة: فتّح عينك تأخذ مُهَدئ، قرّب قرّب، تخلّص من الاكتئاب بحبّة السحر الجديد..إلخ (ملحوظة مكررة: أنا لست ضد العقاقير أبدا، ولا أصلا، ولكن هذا الذى يجرى شئ آخر).
قلت أحضر ولو محاضرة واحدة حتى أحلف بها عندما أرجع، وأحلل هذه المبالغ الباهظة التى دفعها مضيفى. اخترت المحاضرة وحددت القاعة وهات يا سؤال، وهات يا جرى وبمساعدة من المشرفات الجميلات الرائحات الغاديات، وصلت بعد أن انتهت المحاضرة التى اخترتها، أحسن. قررت ألا أذهب لمثل هذا المولد بعد ذلك أبداً، إن طلب العلم المعاصر له مناهل جادة لا يمكن أن يكون هذا أحسنها!!
نذهب إلى البوفيه الكبير، ونحتار أمام عدد البوفيهات وتصنيفات المعروض، وكانت صلتى قد انقطعت مع ما يسمى البوفيه المفتوح، والذى لا أظن أنه يصلح لمن حرم صغيرا مثلى، حيث يريد أن يحصل على كل شىء، فمن يدرى متى سيرى ذلك ثانية؟ هذا الذى أمامى ليس بوفيها واحدا بل عشرات فماذا أنا صانع، أحسن شئ أن أْعتذر لزميلى هذا وننفصل لأننى وجدت فى عينه نظرة أعرفها فى نفسى قديما. حين تاب الله علىّ من الحرمان الذى كانت مثل هذه البوفيهات تكشفه بلا خجل، شبعت حتى عزفت عن المشاركة فى مثل هذا أصلا، ومازلت أتعجّب من زملاء أثرياء من ظهر أثرياء، لا أظن أنهم مرّوا بما مررت به من حرمان، ولا أظن أنهم وضعوا ثلاث قوالب جبن قريش على بيضتين اثنتين لإخوة ثلاث (أنا وأخوىّ) حتى يزيد حجم الغموس الذى شم رائحة البيض المقلى، لم نكن فقراء ، ولكن هذا هو ما حصل، مرّة ذكرت هذه الحادثة مداعبا والدتى أمام زوج أختى الكبرى أ.د. بيومى السباعى ، له ثلاثة أولاد وبنت من زواج دام أكثر من ربع قرن يوم ذكرت ما ذكرت، فإذا بأمى تنزعج وتزغر لى أن هكذا عيب، فأتمادى وأقول لها هل تخشين إذا عرف الدكتور بيومى مثل هذا الحادث ألا يكمل زواجه بأختى مثلا، وأضحك ولا تضحك هى.
أقول أتعجب لهؤلاء وهم راجعون غادون على مثل هذه البوفيهات وكأنها فرصة. لن تتكرر. شمتّ فيهم وأنا أرى عشرات البوفيهات المفتوحة، وكل شركة تتنافس فى إكرام الضيوف (أى رشوته) على ما قسم، مولد وصاحبه حاضر.
ذكرت هذا الموقف مؤخرا فى إحدى ليالى الحرافيش (نوفمبر 2000) ، ضحك نجيب محفوظ وحكى لنا ما حدث له فى سفرته الوحيدة فى يوغسلافيا حين أتوا له بالمشهيات مساء ، وكان جائعا ، وكانت شهية ، فأكل حتى شبع، ثم بعد ذلك رفعوا الأطباق وأخبروهم أن العشاء سيأتى حالا .’عشاء ؟ عشاء ؟ ماذا ؟ “ويردف نجيب محفوظ ” مش كنتوا تقولوا يا ولاد الـ …” ،
يمكن أن نتعرف على كثير من صفات البشر من خلال موقفهم من الطعام.
وبقدر ما كان البهو الملئ بالبوفيهات غاصّا من كل الجنسيات كانت قاعات المؤتمر خاوية على عرشوها حتى تصورت أن الذين يدخلون القاعات لا يمكن أن يزيد عن واحد فى المائة من الحضور. كان بعض الأصدقاء يعيدون بعض النوادر عن مشايخ زمان، حين كانوا ينهمكون فى أكل الزفر مشمرين أكمام الجبّة مرددين أنه “.. وما القصد إلا اجتماعنا، وما الأكل إلا من صفات البهائم، وهات يا أكل، المنطق هنا أن “الشئ لزوم الشىء” الأكل لزوم الاستغراق فى الحضور وقضاء طول اليوم بين القاعات والمحاضرات، ولكن.. .
قابلت زملاء لا أقابلهم فى مصر، وتعجبوا لحضورى هذا المؤتمر بالذات لما يعرفون عن موقفى من مثل ذلك. لم أشرح، ولم أعتذر.
****
ونواصل الأسبوع القادم استكمال الفصل التاسع: مفتاح الخزانة فى كومة القش” (9)


2025-10-08
ينغمس ويغوص العالم الذي يسمي المتحضر في اصنام العلم الحديث وكأنها الاول والآخر . يكتم انفاسهم اذا لا يجرؤوا ان يقتربوا من اسفاره وكأنه قدس الاقداس .
ليست هذه هي القضية وانما المأساة هي انسلاخ هذا العلم عن حقيقة بديهية وهي حتم التطور وحتم المجهول وحتم الاعتراف بالقصور قولا وفعلا
المأساة هي انهم استبدلوا اصنام العصر الحجري ( اللات والعزي وهبل ) باصنام حديثة غالبا العن لانها تزين لهم انهم اصبحوا قادرين عليها — الارض التي اخذت زخرفها وازينت —
انسان ٢٠٢٥ غالبا اغبي واجهل من كل من سبقوه . ويظن انه الأذكي والاعلم . يا للهول .