نشرة “الإنسان والتطور”
الأربعاء: 3-9-2025
السنة التاسعة عشر
العدد: 6577
ترحالات يحيى الرخاوى
الترحال الثانى: “الموت والحنين”[1]
الفصل التاسع
مفتاح الخزانة فى كومة القش (3)
وأحب بِيض الحور ِ والوجنات تنبض جامحهْ،
ككرات ثلج قد أحاط بها اللهبْ.
وأحب هذى المرأة السمراء تحتضن الجذور النابتةْ،
والعشب يلثم دفء جوع هامسٍ،
والشق من خلفٍ يشير إلى الذى لم يُستبح.
9/5/1997
………………..
………………..
أقول لزوجتى ليلة السفر وأنا أسترجع هذه السلسلة من الإحباطات الحقيقية والمتخيّلة: أليست الطيور على أشكالها تقع، أليس ما آل إليه هؤلاء الطلبة والأبناء والزملاء هو دليل على أننى مثلهم لكننى أذكى أو أخبث، أو لعلى قد أوصلت إليهم رسالة خاطئة لم أكن أدرى أنها كذلك؟ تشفـق علىّ زوجتى ّ ولا ترد، فأكمل “أو لعل الجرعة كانت أكبر من قدرتهم فغصت بها حلوق وعيهم فتقيأها البعض، وتسمم بها البعض حتى تشوّه،
ما زلت لا أشعر بالخجل، و إن كنت أشعربالمسئولية.
أخرج منها هربا إليها (نفسى/أرضى/سيرتى)، أريد أن أختلى بها، ماذا يمكن أن تكون الخطوة التالية؟ تالية…؟ تالية لماذا؟ ، المسألة هذه المرّة أننى أواجه النتائج بهدوء وعن بعد:
إنسان لم يهمد، وإن كان لم يفعل شيئا ذا بال فى واقع الأمر، اللهم إلا إذا كان التاريخ يمكن أن يَرْصُدَ -تحت أى عنوان- هذا الإلحاح المتلاحق لشخص عادى، شخص اضطر أن يطرق أبوابا متجاورة، دون قصد محدد، ولم تفتح له إلا أبوابه الداخلية ذات السراديب الخادعة، ففتحها، فلم يدخل منها إلا هو، دخل ليجد أبوابا أخرى أكثر عددا وأحكم إغلاقا، وكلما فتح واحد تكرر نفس التكاثر،
هكذا قرأت إطناب ألف ليلة وليلة. لم تكن ليال وإنما سراديب غير متناهية التفرع. إن من يعايش رحلات السندباد فى الخارج لابد وأن ينقصه الكثير لو لم ينتبه إلى تجوال الداخل، جمهورية أفلاطون لم توجد إلا فى الداخل، كذلك ألف ليلة، شهرزاد قد تكون مجرد شهريار الأنثى التى يريد أن يتخلّص منها فتطل من جديد، حتى ينتبه أنه لن يتكامل ببتر نصفه، وإنما بالتكامل به، فكان الإبداع المؤجل للبتر، والواعد بالبسط.
سألنى الطبيب الشاب رفيق رحلتى (ومندوب الشركة الداعية) إن كنت مدخنا، فقلت لا، فقال: ” سوف أحجز معك فى مقاعد غير المدخنين حتى لا تمل الرحلة”، “نعم”؟ نعم؟ إلاّ هذا، الرحلة طويلة يا بنى ولا أحب أن أنتقص من حريتك، إلا هذا”.
قابل رفيقى هذا الحماس الأبوى بشكر حقيقى دون أن يعلم الدافع الأهم الذى جعلنى أقفز مقسما هكذا بأغلظ الأيمان. أنا فى عرض صمت داخلى، لا تقطعه دردشة مقتحِـمة. وكنت قد استعددت لرفقته بأن أحضرت معى ما أتصوّر أنه يشغله بدرجة مناسبة. كتب فى العلم، وأخرى فى الأدب وبعض مؤلفاتى، وآرائى السلبية فى عقاقيرهم التى نسافر على حسابها هكذا، إلا أنه استقبل كل هذا بفتور طيب. تيقنت أن عمله يحمله بعيدا عن كل هذا: إلى أىن؟ ليس هذا موضوعى الآن.
السفر فى هذه الدرجة (درجة رجال الأعمال! ! ! أية أعمال؟ أنا الرجل غير المناسب فى المكان غير المناسب) السفر هكذا أقل ثقلا على نفسى من مصيبة الدرجة الأولى وانفصالها الحاد عن الناس، وهو أيضا أرحم من التصاق كراسى الدرجة السياحية، بعضها ببعض فى هذا السفر الطويل، والمضيفات الفرنسيات هن هن، لا يتغيرن، لا يكبرن فى السن ولا يبدلن الابتسام، ولكنهن يبتسمن ردا على النظرات المهذبة، الذى زاد هذه المرة أن أمام كل كرسى من الكراسى شاشة تلفزيون صغيرة فى ظهر الكرسى الذى أمامها، والتعليمات إياها – والعياذ بالله- تقال من خلال هذا التليفزيون.
“وحين يفتح الباب هكذا (فى التليفزوين هذه المرّة) سوف تنزل منه وسادة هكذا، وعليك ِ يا سيدتى أن تخلعى الحذاء ذا الكعب العالى (وتظهر قدما سيدة تجرى حافية)، وأن تنزلق – سيدى وسيدتى هكذا- (ويظهر واحد وهو يخرج من باب الطائرة المفتوح، وهو ينزلق، وبعده واحده، وواحد)، وإذا كان هبوطك فى البحر (بالسلامة! !) فإن الحشية سوف تنقلب قاربا صغيرا (وانت وبختك( الله يبشركم بالخير! ! كالعادة.
فى المطار، قبل أن أغادر، قابلتُ مصادفة ـ بعد انقطاع أكثر من عشر سنواتـ الزميل الفيلسوف الصغير الذى أسميته “الإبن الآبق”، والذى نبّهنى باكرا إلى مغالاتى فى تقدير قدرات طلبتى وزملائى الأصغر الذين كنت أحاول أن أبلغهم ما أعرف، كان يودّع أخاه أو ابنة أخيه لا أذكر، أخبرته بوجهة سفرى والداعى، نبّهنى أنه بعد انتهاء الحرب الباردة أصبحت أقوى قوة اقتصادية فى العالم (وبالتالى أقوى لوبى سياسى) هى شركات الدواء، وليس شركات السلاح كما كتبت سابقا.
أنا- هكذا- ضيف النظام العالمى الجديد (جدا! ! )، ضيف أكبر لوبى فى العالم، هذا اللوبى لا يقتصر تأثيره على مجاله (الدواء والتداوى)، وإنما يمتد إلى السياسة والبورصة والديمقراطيـة والحروب! !
قبل هبوطنا إلى مطار شارل ديجول شَكَرنا الطيار أننا استعملنا طائرات شركته، كما فاجأَنَا بقوله إنها أول رحلة يقوم بها متدرب صغير من الطاقم، وأنه – المتدرب – سعيد بنجاحه، وأنه يحيينا تحية خاصة، وهذا أمر طبيعى، فكل واحد مهما بلغت مهارته فى أى شئ له “أول”، أول رحلة، أول مرّة، أول زواج..، ومع ذلك فقد تعجّبت وكأن المفروض أن يتعلموا فى غيرنا، وتذكرت مثلا فى بلدنا يقول “يتعلّمو الزيانة فى رؤوس اليتامى”. نحن لسنا يتامى (فى هذه الدرجة على الأقل)، نحن رجال أعمال أو كنظام رجال الأعمال، فكيف يجرؤ هذا الطيار المبتدئ أن يتدرّب فينا، وأتذكر قول زميلتى الحكيمة “الست نعيمه عن مرض صديقى الراحل (الفصل الأول)، ردا على تساؤلى “إشمعنى سعيد؟ أتذكرها وهى تقول “واشمعنى غيره”؟ صحيح لكل شئ أول، و لا مفر من مخاطرة، ثم يخرج من تجاه حجرة القيادة شاب صغير فعلا، سعيد فعلا، لكنه كان يرتدى ما يشبه الجلباب القصير الـ… “أى كلام” وأخذ يحييّنا مبتسما، وكأنه يبعد العين عنه أنه أتمّ أول رحلة بلا مفاجآت، وهو يمر بيننا بهذا اللبس المبهدل، تماما مثلما كانت تفعل “أم الشحات”فى بلدنا، وهى تُلبس ابنها مثل ذلك، وتشحت عليه، لتكسر العين، وحتى “يعيش” لأنه لم يعش لها أبناء قبل ذلك.
وصلنا إلى نفس المطار، مطار شارل ديجول، ليس هذا هو المطار الذى وصفته فى رحلة العام الماضى، ما كل هذا الهدوء والصرامة؟ أين هذا من كل ما وصفت سابقا؟ يا أخى يبدو أن كل رحلة تحدد جوّها العام وتنتقى ما يناسبها، أين فرق الرقص، وأين العازفون، وأين، وأين…؟
هذا الجو مناسب جدا لما أنا فيه الآن الذى هو مختلف جدا.
الجمعة 24 يونيو بعد الظهر
اكتشفت أن رفيقى الشاب هذا لم ينزل باريس تقريبا قبل ذلك (مرّ بها طالبا جامعيا ممن يسافرون لجمع العنب فى جنوب فرنسا منذ عشرين عاما)، بل إنها أول رحلة له إلى أمريكا. كنت أحسبه مندوب الشركة الذى هو مقطع السمكة وذيلها لكنّه كان بكرا فعلا (ربى كما خلقتنى). ومنذ كنا فى مطار شارل ديجول أحسست أننى أقوم بدور المرشد السياحى، والمترجم معظم الوقت، لم أكن ضجرا بذلك بل كنت أعامله كإبن طّيب، لكننى حين قررت السفر وحدى هذه المرّة كنت أود أن أشفى من مرض “تَبَنِّى” خلق الله هكذا طول الوقت، لا مفر. هذا ابن جديد، حتى لو كان هو المسئول عن رعايتى وتوفير الخدمات لى من قبل شركته.
توجهنا إلى “مريديان بورت مايو”، وتمّت الإجراءات بسرعة وأعطتنى السيدة فى الاستقبال بطاقات صغيرة لم أنظر فيها حاسبا أنها مسألة روتينية يقوم بها الشاب المكلف برحلتي، كما برمجتْ لكل منا بطاقة ممغنطة خاصة بحجرته، ألعاب تكنونولوجية جديدة تمنع السرقة قدر الإمكان.
قمت بدور المرشد لهذا الإبن الطيب دون أن أفقد وحدتى. بدأنا من المونارتر، مشتريا البطاقات الصغيرة جالسا على الرصيف مستعيدا الذكرى، كنت أتحدث معه عن أشياء عابرة، فأشير له إلى حَجَر جلست عليه مرّات وحدى، ومرّة بجوار زوجتى، فيخفى تعجّبه، فهو ينتظر أن أشرح له معالم باريس: كنيسة الساكركير، حديقة لوكسمبورج، أى شئ باريسى، أما أن أشرح له تاريخ حجر لا شخصية له، جلس عليه شخصى المنتفخ بذاته، وكأنه أهم معلم فى باريس، فهو ماله؟ ماله هو بهذه الشجرة الخاصة، وهذا الكرسى فى هذه الزاوية، وهذا الحجر الناقص فى زاوية الشارع، ثم أشير له إلى عامود نور مائل، مازال مائلا، كان يحلو لى أن أرتكن إليه وأنا أخاطب المقابر الرخامية الخوجاتية أسفل المطلع الذى يوصلنى من ميدان كليشى إلى شارع كولانكور، حيث كنت أسكن، هل كنت أنتقم ـ بذلك ـ منه لأنه أفسد وحدتى؟ فجعلت أدور به ورائى سائرا يلهث، وكأنه هو الشيخ وأنا الشاب، طوال ست ساعات لا يرى فيها ما سمع عنه، فأنا همى فى رحلاتى هو الناس، والوجوه، والحجارة، والروائح التى لا يشمها غيرى. ما ذنبه هو أفرض عليه دورتى الخاصة جدا.
أخيرا تجرأالشاب وطلب منى أن يرى “برج إيفل”، فمطتت شفتى، فلاحظ، فكاد يعدل عن طلبه، لكننى لاحقته أننى لا أحب هذا الكيان الحديدى القبيح، وأننى لم أكتب عنه فى أى من وصف جولاتى فى باريس، ومع ذلك هى فرصة أن أذهب معه لأعرف سرّ نفورى هذا منه. وركبنا ـ أخيرا ـ إلى الأنفاليد معتقدا أنها أقرب محطة مترو إليه، فتنفس الشاب الصعداء، لكن المحطة لم تكن أقرب أبدا، إما أننى كنت قد نسيت، وإما أننى أتمادى فى عقاب رفيقى هذا وأستجيب لكراهيتى لهذا النصب الحديدى التافه الذى لا معنى له (عندى)، فمشينا أكثر من ساعة بعد نزولنا فى المحطة، وفرحت بالمشى وبالضياع، ولم أحاول أن أسمح لشفقتى على رفيقى أن تحول دون متعتى القديمة، وعلاقتى بالتوه.
وصلنا إلى هذا الصنم الحديدى الأخرص. وفعلا وجدته ما زال سخيفا جدا، سخيفا سخف أهراماتنا لولا معنى الخلود عندنا. ماذا يحب الناس فى هذه الرموز الضخمة الخالية من النبض والحياة وإن لم تكن خالية من الإيحاء؟ أى عظمة أن أضع الحجارة فوق بعضها أو ألحم عيدان الحديد بالطول والعرض وأظل أحميها-دون وعى الناس- من الصدأ وعوامل التعرية، هذا هو يا صديقى ما أردتَ، وأخذت له صورة بجوار الحديد القبيح حتى إذا رجع ونظر فى الصورة أو أراها غيره، اطمأن إلى أنه عمل اللازم ونال البركة.
من برج إيفل إلى الكونكورد، ومن الكونكورد إلى قوس النصر، ميدان الإتوال، الشانزلزييه، ذهبت آثار العام الماضى إلا من نـُصُبٍ خشبية يبدو أنها سوف تكون مدرجات تصلح لمشاهدة الاستعراضات القومية، وأتذكر حادث المنصة، وأترحم على السادات، وأعاتبه، وأدعو له، وأمتلئ غيظا منه.
نمر فى نهاية الشانزلزييه على محل تغيير النقد الذى خدعنى مرّتين، فأجد نفس الإعلان عن السعر الأعلى، وأنه – قال ماذا- لا عمولة، ياأولاد الـ…، ألم يقبض عليكم الأنتربول بعد؟ أخرج للمحل لسانى سرّا، ولا أتحسس أثر خازوق العام الماضى، التأم الجرح بالنصاحة والتوقى وصحبة هذا الشاب، وأعبّر لصديقى الشاب عن تعجبى من هذه الملابس التى تلبسها بعض المارات والتى تشبه البيجاما تماما، (هفهفة وشكلا،) مما تسميه فلاحات بلدنا حرير طبيعى لمجرد نعومة ملمس الألياف الصناعية التى صنع منها، وبعضهن يلبسن نفس البيجاما ولكن من قماش أقرب إلى ما تسميه خالتى هندية ” رمش العين”، (عليكى نور والله يا خالة هندية)، فيقول لى الشاب أن هذه ليست بيجامات، ولكنها “الموضة” ويذكر لها اسما لا أعنى بالتقاطه.
****
ونواصل الأسبوع القادم استكمال الفصل التاسع: مفتاح الخزانة فى كومة القش” (4)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – ترحالات يحيى الرخاوى: (2000) وتتضمن الترحالات: (الترحال الأول: “الناس والطريق”) و(الترحال الثانى: “الموت والحنين”) و(الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”) منشورات جمعية الطب النفسى التطورى، والترحالات موجودة فى الطبعة الورقية فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.
يحيى الرخاوى طبيب نفسى

