الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / ترحالات يحيى الرخاوى الترحال الثانى: “الموت والحنين” الفصل التاسع: مفتاح الخزانة فى كومة القش (2)

ترحالات يحيى الرخاوى الترحال الثانى: “الموت والحنين” الفصل التاسع: مفتاح الخزانة فى كومة القش (2)

نشرة “الإنسان والتطور”

الأربعاء: 27-8-2025

السنة الثامنة عشر 

 العدد: 6570  

ترحالات يحيى الرخاوى

الترحال الثانى: “الموت والحنين”[1]

الفصل التاسع 

مفتاح الخزانة فى كومة القش (2)

وأحب بِيض الحور ِ والوجنات تنبض جامحهْ،

ككرات ثلج قد أحاط بها اللهبْ.

وأحب هذى المرأة السمراء تحتضن الجذور النابتةْ،

والعشب يلثم دفء جوع هامسٍ،

والشق من خلفٍ يشير إلى الذى لم يُستبح.

9/5/1997

………………..

………………..

ذهبنا أنا وزوجتى إلى صديق/زميل لنا فى بلودان، زوجته إنجليزية، وكان قد قال لنا فى الليلة السابقة، ردّا على تساؤلاتى “كيف تتمتع زوجته وهو بالعيش فى سوريا تحت ظل هذا الحكم الشمولى، ولهما بيت فى لندن، وأخوال أولادهما هناك”، فردّ قائلا: إنه هنا “يعيش” تحت كل الظروف، وكذلك زوجته الإنجليزية، وأنها رفضت اقتراح أن ينهىا فترة معاشهما فى إنجلترا حتى قالت له: أنا أحببت هذا البلد (سوريا) وأريد أن أُدفن هنا “ثم أكلمت: هل يقبل أهلك أن أدفن فى مدافنهم؟

 “نظرتْ إلىّ زوجتى وابتسم كل منا للآخر معجبا بهذه السيدة الخوجاية. هؤلاء الخواجات فيهم شئ دمث جدّا، هذه الأم الإنجليزية تستأذن أهل زوجها فى أن تدفن فى مدافنهم. حكم شمولى، غير شمولى، هى اختارتْ، وقبِلتْ، وأحبتْ، وبقيتْ وتريد أن تدفنَ حيث أحبّتْ.

إن عندنا شئ مختلف، وهذا الشئ هو ما أبحث عنه لأتعهده، بشكل ما.

زوجتى- فعلا ـ لم تعد تشترى كما كانت، وهاهى تشاركنى فى بلودان والزبدانى هموم الناس وفروق الحضارات، فلماذا لا آخذها معى فى هذه الرحلة؟ لا أدرى. لقد قررت ذلك هذه المرّة بمحض اختيارى، أريد أن أخلو إلى نفسى مرّة أخرى.

قلت لزوجتى فى سياق آخر: لا أريد أن أذهب إلى هذا المؤتمر بالذات، ليس عندى ما أقوله، ولست ممن يباع لشركة أدوية برحلة أو هديّة، ولا أريد أن أخدع أحدا، ولا أن أدخل فى صفقات سرية لم أُحَط علما بكل بنودها، ردت زوجتى بحماس هادئ وراءه رغبة طفلية شخصية: هل تتصور أنهم لا يعرفونك، ولا يعرفون موقفك منهم ومن أدويتهم؟ هل تتصور أنك بادعاء التعفف هذا سوف تواجههم؟، أم أن المواجهة الحقيقية هى أن تحافظ على نفسك وعلمك وموقفك وأنت تتكلم لغتهم؟ قالت ذلك وهى تخفى – فى الأغلب- رغبتها فى السفر، وإحباطها أننى لم أْعُها لصحبتى هذه المرّة

 علاقتى بزوجتى تتحسن بالتقدم فى السن ومحاولات فض الاشتباك معا، نحاول أن نحافظ على مناطق الاتفاق: المشاركة فى حب الخروج ليلا، وحب السفر، وحب الناس كل بطريقته. أرفض أن يكون الرباط بيننا، حتى فى هذا العمر، هو الأولاد، فأحاول باستمرار أن نخوض تجربة، وما يحدث يحدث، وللأسف فإن ما يحدث لا يعد بنتائج آمنة دائما.

إذا كانت السيرة الذاتية هى إشاعة محتملة الصدق فى بعض أجزائها فدلّونى على سيرة تناول فيها صاحبها حياته الزوجية بأمانة مناسبة، فإن فعلتم بالنسبة لبعض أهل الغرب، فهل من إشارة ولو لحالة واحدة من كل مائة سيرة ذاتية طرقَتْ هذه المنطقة .

قالت لى زوجتى وهى تخلط المزاح بالجد ونحن نعزى فى والد صديقة أصغر منا: هل سمعت الأرملة الثكلى وهى تعدد محاسن المرحوم قائله”… الذى عمره ما ضاق بى، الذى عمره ما صاح فىّ، الذى عمره ما أخرَّ لى طلبا (إللى عمره ما زعّلنى، إللّى عمره ما ردّ لى طلب..إلخ)..” ثم أردفت (زوجتى) فى مزاح يحمل كل الجد “…أنا سألت نفسى إذا سبقتَنى أنت ماذا أقول بالله عليك؟ “، فوعدتها – وأنا أخلط المزاح بالجد أنا الآخر- أنى سوف أحاول فى ما تبقى لنا من أيام أن أترك لها ما “تعدّد به على”، وقالت لعل الأسلم أن أذهب أولا، فاقترحتُ – رغم الأدب الغربى الذى أحاول أن آتحلّى به حديثا والذى ينص على أن السيدات أولا- اقترحتُ حسْما للموقف أنه حين يأتى سيدنا عزرائيل نقول له مستأذنين أن يضرب مهمّته فى “اثنين” Make it Double، توفيرا لجهده وطلبا للستر، فنذهب معا ولا من شاف ولا من درى.

نعم. سوف أسافر وحدى هذه المرّة أيضا، أنا فى حاجة إلى خلوة بعيدا بعيدا، ليس فيها حس ولا خبر، ليس فيها آخر أعمل حسابه أصلا، رحلة ليس فيها حركة مفروضة. لقد أنهيت لتوى تلك الأشهر التى مدّوها لى لأسباب إدارية منذ أيام بالكاد. أنا فى المعاش المالى والحقيقى منذ ثمانية أشهر، وبقى لى أقل من أربعين يوما لأصبح من أرباب المعاشات، ما أجمل إسم الدلع لأساتذة الجامعة حين يحالون إلى المعاش “أستاذ متفرغ”! متفرغ لـ ماذا؟ قيل: لـلعلم، قلت: ياليت.

 أنا أعلم الخدعة، ومع ذلك قررت أن يكون هذا السفر هذه المرة هكذا حتى أتمكن من الإجابة على السؤال بينى وبين نفسى: لأى شئ أتفرغ من الآن حتى الذى منه؟ قلت لنفسى: مادمتُ أستاذا متفرغا، بشهادة رسمية من الحكومة، فسوف أتفرغ لنفسى لمدة هذين الأسبوعين لعلّنى أرى.

انتهى الغداء فى مطعم بكين الصينى بالمعادى على خير، لا لوم ولا تلميح بعتاب، وتمنى لى الجميع السلامة، اليوم الخميس، ليس هناك عيادة، كلمت زوجتى بالهاتف أن نحرج سويا الليلة، وعجبت أنها ليست “مقموصة” ولا شئ والحمد لله، وخرجنا ورجعنا بسلام.

عرضت علىّ زوجتى – بنصف قلب على غير عادتها- أن توصلنى للمطار ففضلت  – بكل فهم – أن أستعير سائقا من المستشفى يوصلنى حتى لا أتعب أحدا، ووافقتْ زوجتى بسرعة، كذلك فعلت ابنتى الصغرى، و إبنى الأكبر جارنا -وصديق الداخل- كان مصابا فعلا بأنفلونزا حادة.

ليكن، هذا أفضل، فلتكن الرحلة مختلفة، وليكن الوداع مختلفا، ولتبدأ الوحدة مبكّرة بدون عواطف من اياها. ومع ذلك فقد صَعُبَتْ علىّ نفسى.

 أرتب حقيبتى الخاصة صباحا، ولا تستيقظ زوجتى حتى لتودعنى فى المنزل، أتعجل النزول وأنوى ألا أوقظها فأخشى أن تلومنى، أقبّل جبهتها وهى نصف نائمة فتكمل نومها مدمدة بما يشبه “بالسلامة”، أنقبض بمبرر، أشعر أن شرخا غير ظاهر يمتد فى علاقتنا، أمضى إلى المطار وفى داخلى همس يقول: لستُ متحمسا. (لماذا؟ لا أعرف)

أوصلنى السائق نصف النائم إلى المطار فى عربة نصف نقل هى تابعة لمستشفاى، وحطّنى هناك وكأنى بضاعة يريد التخلص منها بسرعة ليذهب يكمل نومه، (هذا غير صحيح طبعا)، ودخلت إلى المطار يتيما عمره واحد وستون عاما.

حتى تكتمل الدعوة المشبوهة، وجدت أن تذكرتى هى فى درجة رجال الأعمال المسماة “النادى” إسم غريب والله، نادى من؟ نادى ماذا؟ المهم أمام طاولة تناول التذاكر لتحديد المقاعد وتسليم الحقائب، قالت لى برقة تلك السيدة المصرية المتفرنسة، إن الطائرة سوف تتأخر ساعة وأربعين دقيقة. وأن معنى ذلك أننى لن ألحق طائرة واشنطن التى تغادر باريس قبل الوصول الجديد بساعة، وأنها آسفة. وأننا سنضطر للمبيت فى باريس يوما على حساب الشركة، يا ما انت كريم يا رب! ! نضطر؟؟

 إنّ يوما واحدا فى باريس فى ظل ظروفى هذه لهو أهم عندى من بقيّة الرحلة.

أغادر بلدى هذه المرّة مختلفا.

أغادرها هذه المرة وقد تمت المواجهة بما لا يمكن التهرب منه، ليست المسألة هذه المرة جبل من الرماد الناعم الزاحف على وعىٍ متهرّب، بل هى نتائج محددة ظهرت أساسا فى ما آل إليه حال بعض طلبتى، أغلب طلبتى، (هل أقول كل طلبتى؟).

حين تقوم بتجربة آملة، يستحسن ألا تتبعها حتى نهايتها، لم أتمادَ فى التحسّر. لكننى انقبضت جدا.

ماذا حدث لطلبتى -أبنائى، زملائى – على وجه التحديد؟ لمَ لـمْ يتحمّلوا الجرعة؟ هل اكتشفوا غلوائى؟ هل خافوا منى؟ هل قنعوا من الرؤية بالفرجة؟

بصراحة كلهم أفضل مما يدور بخلدى، وربما أصدَق،

 أنا المخطئ، نعم أنا المخطئ الأول،

وإن كنت لا أستطيع أن أحدد خطئى حتى الآن.

****

ونواصل الأسبوع القادم استكمال الفصل التاسع: مفتاح الخزانة فى كومة القش” (3)

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *