نشرة “الإنسان والتطور”
الأربعاء: 2-7-2025
السنة الثامنة عشر
العدد: 6514
ترحالات يحيى الرخاوى
الترحال الثانى: “الموت والحنين” [1]
الفصل الثامن
هذا يتوقف على ماذا؟ (1)
“تطيرُ الطيورُ بجوفِ الكهوفِ لتنحتَ تحتَ السماءِ طيوفَ اللقاءْ،
تبيضُ النوارسُ فى جوفِ بحرٍ عميقٍ، يناشدُ
همسُ المحارِ حفيفَ المياهِ بموجٍ تهادى“.
فتهفو.
فأدعو القدير : سماحَا.
أنا المستجيرُ بكل الحضور يودّع هاذى الجميلةَ؟
كلاّ.
……………
سلاما إلى عودةٍ رغم أنف الوداع، سلاما.
بعد الظهر – الثلاثاء 28/6/1993
طيب طيب طيب. كل هذا طيب.
أىُّ آخر يستطيع أن يكتب أىَّ شئ آخر، أما “هذا” فلا يستطيع أن يكتبه إلا هذا القلم، الآن، هكذا، إن كان مازال هو هو قلمى، هو هو أنا،
جئت متحمسا لإنجاز مهمهة محددة، لكننى اكتشفت أنها ليست مهمتى، كان يمكن أن تضيّع منى خمس سنوات تالية (إن كان فى العمر بقية).
أنقذنى الاضطرار الصريح، من الاختيار القبيح، أنقذنى الاضطرار الصريح إلى السفر، من الاختيار القبيح أن أكون “خوجة” نمطيا. هأنذا أترك كل ذلك العلم والترقيم والتقسيم والتنظيم، وأعود إلى قلمى أختبره هذا الاختبار الصعب: هل هو قادر فعلاً على أن يكتب من جديد؟ وبالذات: “الناس والطريق”، أن يكتبنى أنا؟
كتبت صفحات متدفقه، فوجدت أننى هو، لم أمت، ما هذا الذى يتدفق منى؟ ما كل هذا؟ أنا؟ أنا هذا الذى يكتب مثلما كنت أكتب؟ نفس المشاعر، نفس المواقف، نفس نفس نفس كل شئ، اللهم إلا دافع الرحلة ودافع الكتابة، كان الدافع من عشر سنوات هو أن أتعرف على أولادى، أما الدافع الآن فهو أن أتعرف عما تبقى لى. التعرف على أولادى أصعب، ولكن التعرف على ما تبقى أخطر، أخاطب أولادى معترفا: أنا أعرف ماذا فعلت بكم، ولكنى مثلكم تماما، أحاول. عملت الرحلة الأولى والتى أفرزت الناس والطريق لكم وبكم لكن هذه الرحلة هى لى .. إليكم. عـّلها تصل إلى كل من يهمه الأمر، ولعلكم بعض من يهمه ذلك.
لبست حلة كاملة، وانتقيت رباط عنق أنيق، أنا لا أفعل ذلك عادة حين أكون وحدى، ولا أفعله أبدا فى رحلة حّرة، بل إن مجرد عدم الاضطرار إليه يشعرنى بالإجازة، أحيانا حين تحيط بى المشاغل فلا أستطيع السفر فى نهاية الأسبوع، أكتفى بأن ألبس حذاءً مطاطا، وسروالا واسعا، (يقال له بالعربية المشوّهة: كاچوال، وترجمته العربية “كيفما اتفق”، وبالعامية” أى كلام” وإن كنت أسميها أحيانا ملابس البهدلة المتعمّدة!) وقميصا تائيا(!!)، فأشعر أنى فى إجازة، رغم أنى أكون فى طاحونة العمل إياه أدور، أظن أن “مودة” (بدعة) ملابس البهدلة تحقق هذا الغرض: أن تخدع نفسك وكأنك أكثر استرخاءا، وأقل التزاما، وأرحب حرية. لكنّه خداع غبى، وتصل قمة غبائه حين تفتعل فى الرداء رقعا ليس بسبب البلى والقدم، ولكن حسدا للفقراء المرقعة أسمالهم!! فلماذا ألبس الآن الحلة كاملة، هذا اللباس الرسمى بالذات؟ لا أعرف.
السماء تملؤها الغيوم لكنها لم تمطر بعد، نزلت وأنا فى كامل هيئتى الرسمية وقد صممت أن أفعلها هذه الليلة، لتكن هذه الحلة الكاملة تذكرة لى أن أجلس فى أوجه مقهى وأن آمر أحد الخواجات أن يمسح حذائى وأنا واضع رجلا على رجل، سوف أرفض أن يفعلها جزائرى أو بورتويكى، بل لا بد أن يكون فرنسيا أو ألمانيا، وياحبذا لو كان يهوديا إسرائيلا جاء يسترزق أو يتجسس، ربما هذه الأحلام الهواجس التى لبستنى دون أن أدرى هى التى جعلتنى ألبس حلة كاملة ورباط عنق أنيق، خجلت من أفكارى، أهذا هو الذى أتشطر عليه!!
نزلت إلى الشارع وأنا فى كامل الهيئة، هذا هو الجو الذى أريده، قلت إذا عدت مع زوجتى يوما ما هنا فسنأتى فى هذا الميعاد، وتذكرت “المطرية” (هذا هو الاسم الذى أطلقته على ما نسميه الشمسية فى بلاد الشمس، أما اسم المظلة فهو اسم تقريبى غير دقيق!!) أعلم أنه بمجرد ان يسمع محمد إبنى هذا اللفظ سوف ينبرى لى محتجا: وصىُّ أنت على اللغة يا محمد؟ أمين مخزنها؟ اللفظ يكتسب شرعيته بالاستعمال وليس بالتفعيص الذى تعملونه. سوف أرد عليه صامتا معاندا: إننى حر فى لغتى، إنها لغتى قبلك، سوف أقتحمها لها ياأخى- لغتى النبيلة القادرة، ألم تقل أن اللغة مؤسسة؟ فها أنذا أعيد تأسيسها، وإن كان لايعجبك إفعل ما بدالك.
فرحت أننى فقدت المطرية، كى أسير وسط الناس مثلهم، هم لا يمسكون مطريات. ومرة أخرى حين تكون فى سان مارسيل فلا تمسك بيدك إلا ما يمسك الناس فى سان مارسيل – وكنت قد لمحت مطعما هنديا فى شارع جانبى صغير وأنا فى طريقى إلى المسجد أمس، وقلت هذا مناسب، وقبله لمحت مطعما لبنانيا، قلت لا، أنا أريد أن أسافر.
أذكر أنى تساءلت فى سان فرانسسكو لماذا حين يسافر المصرى يأكل أكلا مصريا؟ هل سرعان ما أوحشه؟ عرض علىّ أحدهم هناك فى سان فرانسيسيكو أن ندخل مقهى (مطعما) مصريا، ولم يكن نظيفا كما ينبغى، وتقدم شاب يسير “مصريا” وحيّا وقرّع وطجّن وعرض خدماته فى الفول والطعمية، فتذكرت أغنية كنا نغينيها على لسان المشايخ أنه “الرز طش طش طشطش عالفرا.. راخ اتحمّرت، إلى أن نصل إلى مقطع يهجو العدس ويعايره بأنه “يا عدس جبّتك صفرا”، ونظرت إلى الفول المدمس وقلت له وأنت أيضا جبّتك بنيه، هذا الطعام المصرى الخاص أظن أنه يفسر بناء الهرم الأكبر وصبر المصريين على رؤسائهم.
دخلت إلى المطعم اللبنانى أستكشف فقط، ففرح بى صاحبه أو نادله اللبنانى وهات يا حديث فى السياسة والوحدة العربية مع وقف التنفيذ، ليس عندى ذكريات طيّبة فى باريس تتعلق بالوحدة العربية، نحن الآن سنة 1993، ومحادثات السلام على أذنها (السلام الذى أصبح أقرب إلى السلام شوبنج سنتر للسياسات المحجبات أمام فحولة النظام العالمى الجديد!! وقد تأكد ذلك مؤخرا بعد حكاية السوق الشرقأوسطية!!)، صورة موشى ديان بعينه العوراء مازالت تطالعنى فى الميادين فى باريس وعلى واجهات السينما، كما كانت منذ ربع قرن، كان ذلك سنة 1968 (والبصقة مازالت على وجهى يا إحسان يا عبد القدوس، أتحسسها حتى الان وأنا نصف نائم) لا ياعم، يفتح الله، لبنان التى أحبها هى لبنان جبال الأرز وفيروز ورقصة الدبكة، ليست لبنان التبولة والحرب الأهلية.
حين زرت لبنان لأول مرة سنة 1954 كنت أجلس ناظرا إلى التليفريك يحملنا فوجا فوجا إلى الثلج على قمة الجبال مصافحا السماء، مستدفئا بالسحاب، فانسابت منى الدموع باكيا بلا سبب، كنت أجلس على مقهى صغير أعلى جبال طرابلس الشرق، سألنى صديقى المرحوم د.نبيل غنيم (رحمه الله: تزوج سائحة أمريكية، وتأمرك، ومات) سألنى نبيل: (كنا طلبة فى سنة ثالثة طب) ماذا بك؟ فذكرت له سببا غير السبب الحقيقى. علما بأننى لم أكن – وحتى الآن- أعرف السبب الحقيقى، (أعيد هذه الذكرى حتى لو حكيتها قبلا!!) أعتقد أنه من حق الدموع أن تنهمر دون سبب، وقتما تشاء، بل ودون حزن أو فرح، إنها تعبير مستقل لا يحتاج إلى تفسير، ثم ماذا؟
تعيش أنديرا غاندى (تناسيت أنه “الله يرحمها” !!). هذا المطعم الهندى يذكرنى بلندن، رغم النزل الهندى الذى سكنّا فيه لرخصه قرب الهايد بارك، والذى تميّز برائحة مستوردة من الهند مباشرة. رائحة لن أصفها، لعلهم يعتبرونها غير ما وصلتنى والعياذ بالله. فروق ثقافية!!
ترددت فى الدخول قبل أن أخطو إلى الداخل. أنا أفضّل الأرصفة فى باريس (وغير باريس)، دلفت إلى الداخل فإذا بالمطعم ملئ بالزبائن رغم تحفظاتى الخاصة، الحر شديد – كلهم فرنسيون، أو حُمر بيض والسلام، ومع ذلك يجلسون فى الحر هكذا. عدلت. قلت لابد من جلسة فى الهواء الطلق بغض النظرعن جنسية المطعم أو نوع الأكل.
يلوح مطعم آخر هناك، لكنه للأسف بيتزاريا. هكذا المكتوب عليه. أنا لا أحب هذا الطعام الطليانى من أصله. ماذا يحب الناس فى عجين “زِفِر” عليه قشر طماطم؟ ومع ذلك أغرتنى المقاعد خارج المحل، وقد بدأ الجو يتلطف أكثر فأكثر فأحس لـلهواء طعما، وأتذكر، مرة أخرى، حفيدى “عمر” وهو يوصّلنى إلى المطار ليلا ويصر أن يطلب من أبيه أن يفتح النافذة لتصل إلينا لسعة هواء القاهرة البارد فى حنو رائْع يتميز به شتاء مصر خاصة، أتذكر عمر وهو يقول لأبيه: “أنا أحب هذا الهواء”، و أنا أيضا هنا يا حبيبى أحب هذا الهواء، حتى لو اضطررت…لا لن أضطر..(قف).
جلست على مائدة على الرصيف، هذا هو المهم. أنا مصمم ألا آكل “بتزا” مهما حدث. قلت أفكر حتى يأتى النادل ويسألنى، سوف أستعبط إذا صمم، وكان بجوارى ثلتين من الشباب الظريف أنسونى حتم البتزا المهدِّد. انتظرت ولم يأت أحد بسرعة، قلت أحسن أول ما سيأتى ويقول بتزا؟ أكون قد استكفيت من الجلسة مجانا، وأهرب.
خرج السيد النادل يتهادى، هذه المشية أعرفها، لماذا تعود تتردد فى وعىى تلك الأغنية التى لم أسمعها أبدا، كل ما أعرفه عنها هو عنوانها: “أمشى مثل مصرى” لكن مشية هذا النادل ليست “مثل”. إنها مشية أصلية لا تقليد، أنا أعرفها، هل يا ترى…؟. ذهب إلى المنضدة المجاورة وقال: “مسيو” لكنه كاد ينطق النون والراء (الـ n والـ r فى monsieur)، قلت هُوَ والله العظيم.
وتذكرت مدرِّسَتِى فى مدرسة ” ما بين اللغات Inter Langue قرب ميدان الإتوال حين كنا ندرس الفرنسية بالطرق السمعية أول قدومى إلى باريس سنة 1968 وكانت تتابع نطقى، وما إن أنطق حرف الراء راءً، حتى تدخل فى الخط صائحة لا “ترُلّ “(لا تقلقل) الراء يا سيدى، فأنطقها بالغين كالباغيسيين أنطقها كما تأمرنى لكنى لا أستطيع أن أحجب خجلى من نفسى وأنا أفعل، كنا نحسب ذلك دلعا لا يليق إلا بابنة ذوات من الزمالك.
ها هو هذا السيد النادل يـَرُلُّ الراء ويكاد ينطق النون فى “مسيو” وهو يتهادى لايقفز. هى مشية المصرى. قلت له بالفرنسية “من أين”؟ فرد بالعربية “من بلدْكم”. شخّصَنى كما شخصتـــُه، رددت بالعربية “أين بلدتك”؟ قال، مازحا: “اللى دنب بلدكم” (يقصد جنب لكنه ينطقها بالصعيدى تلطفا) فرِحتُ به على غير العادة، رغم ظاهر رغبتى فى الالتحام مع الخواجات دون أبناء بلدنا، أبناء بلدى يملأون بلدى، لم أستوحش لهم لدرجة أن أبحث عنهم -مثلهم مثل عزوفى عن مطاعم الفول المدمس فى الخارج، لكننى فرحان بهذا الشاب ما يكفى، فرحت به من وراء ظهرى.
بدا شابا طيبا، ربما أحسست أنه هو الذى فى حاجة إلى أن يرانى هنا هكذا – يسألنى بدوره: “وأين بلدكم”، رددت له التحية “تبقى دنب بلدكم، البلدة اللى دنب البلدة تبقى التانية دنبها بالصلاة على النبى، يعنى كل واحدة دنب أختها” التقط القفشة فأطلت من وجهه ضحكة عريضة، هذه هى. “هى” والله العظيم – وطلع أنه من الفيوم – ذاتها، وليس من جوارها!!! أستر يا رب، سألته لمــّا علمت أنه هنا منذ سبعة عشر عاما: ” فلماذا فرنسيتك لم تُصقل؟ ” ، قال: ” عملت مع العرب سنوات طويلة، فلم أحتج للغة الفرنسية، ثم إن ما تعلّمته يكفينى أن أُمَـــشـــِّى حالى هكذا”. تأكد رضاى وقررت أن أبقى، وسيجد لى بلدياتى حلا غذائىا مناسبا (وكأنى جوعان)، وقد كان. أعلمنى أن هذه البتزاريا تقدم ما هو ليس بيتزا، طلبت ما طلبت بتوصيته، وجاء لى بالأسباجيتى والاسكالوب بالليمون والصلصة البيضاء، ذكرنى بالمطعم بالقرب من فينسيا وقد حكيت عنه كثيرا فى الجزء الأول من هذا العمل. عزمنى على الحلو “جدعنة” وفرح بى، واطمأننت على مصر من خلاله بشكل ما، هذه الضحكة وهذا الكرم وهذا السماح، ثم ما حدثنى به من أن الذى أعدّ لى غذائى الطليانى هو طاه مصرى بلدياتنا، وأنه يتقن الطهى الإيطالى أكثر من الإيطاليين أنفسهم، “مصريين يا عم”!!! وأن المصريين هنا مثل الجن يتعلمون كل شىء، وأن صاحب المحل ترك له وللطاهى كل أمور المحل، ثقة ورضا، كان الشاب الفيومى فخوراً، فانتقل الفخر إلىّ رغم كل شىء.
التقطتُ صورتى فى زجاج واجهة المحل المتواضع وأنا فى كامل حلتى، ورباط العنق آخر تمام، وابتسمت، كل هذه الأبهة من أجل عشاء عابر على رصيف محل متواضع أتحاور أثناءه بالمصرية مع شاب فيومى يتلهف على ضحكة مصرية، وغمزة إبن بلد، لم أفلح أن أكون سائحا شَمَجِيًّا VIP )شخصٌ مهمٌ جدَّا). يلعن الله أبا النقود التى كادت تستدرجنى – مرة ثانية – إلى حيثُ لستُ هناك، إلى مَنْ لستُ أنا.
تصبح على خير يا رجل يا طيب. ربنا يحميك.
****
ونواصل الأسبوع القادم استكمال الفصل الثامن: “هذا يتوقف على ماذا؟“(2)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – ترحالات يحيى الرخاوى: (2000) وتتضمن الترحالات: (الترحال الأول: “الناس والطريق”) و(الترحال الثانى: “الموت والحنين”) و(الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”) منشورات جمعية الطب النفسى التطورى، والترحالات موجودة فى الطبعة الورقية فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.
يحيى الرخاوى طبيب نفسى

