نشرة “الإنسان والتطور”
الأربعاء: 28-1-2026
السنة التاسعة عشر
العدد: 6724
ترحالات يحيى الرخاوى
الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”[1]
الفصل الثانى
… الجـــوع! (6)
من كُتْر ما انا عطشان باخاف أشرب كده من غير حساب
لكن كمان:
مش قادر أقول لأَّه وانا نفسى فى ندْعِةْ مَيّه من بحر الحنان!
يا هلْترى:
أحسن أموت مـن العطش؟
ولاّ أموت من الغَرق ؟!
…………….
…………….
المقطم / مارينا 16 – 17 أغسطس 1996
لستُ صندوقَ نذور، سلّموا مفتاحه شيخا ضريرا، طامعاً، فأضاعَهْ،
ما وَفَى النذر لأهله، لا، ولا نال الغنيمةْ.
لستُ “مشفورا” لمن يعرفُ سرّى.
….
لستُ حكِْرا للذى يدفع أكثر.
لستُ “وقْفا” لا يجوز عليه توريثٌ، ولا بيعٌ ولا رهْنٌ مؤجّل، يقطفونَ ثمارَهُ عاما فعاما، قبل أن تَنضُجَ حتَّـى..!! ثم يُـلقون البقايا، وجموعُ الناس ممن يستحقْ قد تراصّوا فى الصفوفْ، لينالوا ما تيسّرْ،من وعودْ.
لستُ إبن الفارض الصّوفىّ، ينسجُه بعيدا لا يُطال.
لستُ مجنونا بليلى، لا، ولا عــفّاً كمثل كُثَيْر عزّهْ، لا، ولا إبنُ ربيعهْ.
لست سيفا فى المعارك، أو قصيدا فى المحافل.
لست أهلا للقيادهْ، أونديما عند سادهْ.
لستُ مشكاة تضىء بغير زيت. لست نارا للسراهْ،
إنّما أحمل همّى، مثل همّ الناسِ. نمضى
ليس يدرى أيّنا: من ينالُ ومن يجودْ
لستُ نسرا يخطف الفرخ ويصعد.
تمّحى السُّحْبُ إذا نحن اغـتررنا بالأعالى،
فاقتربنا من ذُراها، لا نبالى،
فتصيرُ السُّحْب عِهْنا نافــشا مثل السراب،
أو تصير كما الدخان إذا تخثَّر.
يسقط الفرخُ قتيلا، ويضيع النسرُ فى غيم الغرور.
لستُ أوراقا تُــفــَرّ. لم أسجَّل بعدُ فى “الشهر العقارى”.
لستُ مظروفا عليه “خاتم النسر و”دمغهْ”.
ما أنا إلا كموجَهْ،
وسط بحرٍ زاخرٍ من نَبْضِ وجْدى. تمّحى فيه الكتابهْ، والحسابْ.
لستُ كلبا شارداً حول صندوق قمامهْ، ينبش الأشلاء كى يلقطَ جيفهْ.
لستُ “بودليرا” جديدا. إنّما الجيفةُ جيفهْ ليسَ إلاّ…
لستُ “مكتوبا” أنا “موصَى علىّ”
لستُ معروضا أنا “تحت الطلب”، شاملا أيضا بحسْب الاتفاقْ شرطَ توصيل المنازلْ!!!!
لا أبيعُ الحبّ فى سوق الأحد،
لستُ عبدا للجسد.
لستُ صندوقا قديما فوق رفّ لامعٍ للعاديات.
لستُ “نصّاً” قابلا للنسخ إنْ أحدٌ أراد.
لستُ من سَقَطِ المتاعْ، لا، ولا من نادِرِهْ.
لستُ معروضا أنا فى وسْط صالة، يشترينى من يزايدْ.
لست إبريقا يَطِنّ إذا نُقِرْ.
لست مزمارا يسلّى الندُّماء.
لست رمزا للذى لا تستطيعْ.
لست مشروعا تشكّلُنى الأمانى،
“ليس مثلى أىُّ شئ “.
يغفر الله لعبدٍ مستجير.
إن كرسيَّى صغيرٌ وبسيطٌ، بشرىٌّ، وحنونْ.
أنا مثلى مثل ما يمكن يوما أن أكونَه
شرطَ ألا أكتفى يوما بما سوف أكونَه
لست سجّانا لنفسى، أو لغيرى.
لستُ مسجونا كذلك، رغم ذى القضبان حولى.
لستُ حرّا مثلما يزعُم غيرى.
أنا طفلٌ لا يكف عن البكاءْ، والغناءْ للحياةْ.
إنما سجنى قلوب الناس حولى
هكذا نختار أن نمضىَ والأثقالُ تربطنا بطين الأرضِ، فوق الشوكِ:
يـُنـْضجنا الألم
……………..
الركن أعلى القاهرة، المقطم 20 يوليو 2000
لولا أن واكب كل هذا النفى إشارة واضحة إلى حقيقة، أننى (أننا)، لا أكون إلا ما يمكن أن أكونه باستمرار” أنا مثلى مثل ما يمكن يوما أن أكونَه شرطَ ألا أكتفى يوما بما سوف أكونَه” لكنت عددتها “ضد السيرة الذاتية”، إننى حين فرحت بالانتقال من الإثبات والحلم الطموح، إلى النفى الحذَرِ، كنت أحسب أننى أقترب مما هو “أنا”، إلا أننى وجدت أن مثل هذا النفى قد يثبت أنه أقرب إلى الفخر منه إلى تقرير الذات،
هنا تجدر الإشارة إلى ضرورة تنقية ما يسمّى السيرة الذاتية من جرعة الفخر الظاهر والخفى، ليس لأن من يحكى عن نفسه لا يحق له أن يفخر بما أنجز، أو بما هو، ولكن لسبب آخر ليس واضحا لدىّ الآن. ربما لأن الفخر يعتبر قشرة إضافية للأقنعة المفروضة، وما السيرة الذاتية إلا محاولة فى عكس هذا الاتجاه، وربما لأن الفخر هو قناع إرادى فى حين أن الأقنعة الأخرى التى يعرّيها أدب السيرة هى أقنعة مفروضة اضطر إليها صاحب السيرة لظروف ما شاع عنه، أو ما يُتوقع منه، أو ما اضطر أن يستره. وقد انتهت القصيدة السابقة بعد كل هذا النفى المشكوك فى جرعة الفخر فيه إلى التأكيد على أن ذلك النفى هو تمهيد للإشارة إلى أن الإنسان، (أننى)، ليس هو ما يريدون، كما أنه ليس هو ما يتصور عن نفسه، وإنما هو “مشروع متجدد” لا يملكه أحد إلا الحقل الذى يتخلّق فيه، ولا يكون إلا ما يَعِدُ به، فقد انتهت تلك القصيدة بهذه الأبيات التى تعلن موقع صاحبها مما لا ينقال.
أنا ملكٌ للتى لا تملكنى.
…..
مِــلكُ نبض الكون والغيبِ اليقين
ملكُ ما يولدُ منى فى رحابِهْ
ملكُ ما يولد فينا عـبر بابهْ
ملكُ من ذا لا يكون
غير ما يمكن يوما أن يكونه:
غير نفسـِهْ، غير رسمهْ
غير ما يرجو ويحسبْ
فإذا كان بوْح هذه القصيدة يشير إلى أن صاحبها حتى هذه اللحظة ليس له رسم ثابت، وأنه لا يجوز له أن يحدد لنفسه شكلا ـ مهما كان طموحا ـ يسعى إلى تحقيقه، فأين السيرة؟ وكيف؟
السيرة الحقيقية هى وصف حركة فى مرحلة أكثر منها تمييز شخص بما هو.
ولعل هذا ما يبرر، أو هو ما كان وراء، هذا التداخل بين السيرة وبين حركة الترحال فى الداخل والخارج، وأيضا ما يفسر تنوّع التناول، و اختلاف الأدوات فى جدلها معاً
لم أشأ أن أشير إلى ما وصلنى من خلال هذا وغيره إلى استحاله الوجود بهذه الصورة إلى كدْحا فى يقين الغيب، سعيا فى رحاب الامتداد، حرصا على دوام التخلّق. هذا بعض ما جاء فى نهاية هذا البوح مما أفردت له تفصيلاً آخر، فى مواقع أخرى، لعل أهمها هو استلهام مواقف النفّرى كما أشرت.
الركن أعلى القاهرة 18/8/2000
لم أشعر باختلاف الموقف تبعا لاختلاف الموقع والزمن مثلما أشعر اليوم.
أمس أمضيت احدى ليالى الحرافيش مع شيخى الجليل وحدنا فى النصف الثانى من اللقاء فى فلفلة فى المنيل بجوار كوبرى الجامعة. لم أختِل به هكذا، ويختلى بى منذ بضعة شهور. كان طيبا قريبا ودودًا فأخذت راحتى معه أكثر (وقد أشير إلى هذا اللقاء فى الفصل الأخير).
أثناء عودتى وأنا فى السيارة حدثنى زوج ابنتى منى د. هانى نواره داعيا لى أن ألحقهم فى مارينا، حاول أن يؤثر على من نقطة ضعف يعرفها حين قال إن ليلى (ابنة ابنتى الصغرى مى) تسأل عنى وتطلب جضورى. طيبت خاطره ولم أعدْه بشىء حين عدت إلى المنزل فتحت التلفاز فوجدت الحفل المذاع من مارينا، شاهدت عزف مجدى الحسينى، ثم سخف وظرف (معاً) مونولوجست لا أعرف اسمه، ورأيت هانى ومنى وزوجتى وهنا ابنة ابنتى بين الحضور، ابتسمت وأشرت لهم بيدى وأغلقت التليفزيون، وتمت.
أى مرحلة هذه التى أمرّ بها؟ لم أسافر منذ شهرين ولا أشعر بأى رغبة فى السفر. ربما يرجع ذلك لالتزامى بإنهاء هذا العمل، وربما تكون مراجعتى هذا العمل ذاته هى نوع من السفر.
أقف من جديد حول مصداقية علاقة العمل بصاحبه.
كيف يمكن أن نقرأ ما تقدّم فى هذا الفصل بالذات، وفيه ما فيه من كذب الشعر المحتمل، وميكانزمات النفى (ربما الذى يحمل ترجيح الإثبات) ؟
لاأستطيع أن أعمم. أنـا الذى اخترت من شعرى ما تصوّرت أنه سيرة ذاتية، وبالذات ما تصورت أنه يعبّر عن ما لم أستطع أن أعبّر عنه بغير ذلك.
هذا الفصل كان مغامرة للتعبير عن نقطة أساسية، ألا وهى جوعى إلى الآخر.
كنت-وما زلت إلى حد ما – مقتنعا باستحالة أن ترانى أو يرانى آخر بالقدر الذى أتصور حاجتى إلى ذلك.
خرجتُ من هذه المحاولات الصعبة بفرض لن أعرضه إجمالا أو تفصيلا، أكتفى بالإشارة إلى أننى أرجح “أن ثم فرق جوهرى” بين المطروح علينا فى مسألة “العلاقة بالآخر” من خلال القيم والنظريات الغربية بالذات، وبين ما هو أقرب إلى الطبيعة مما يمكن أن يكون فى متناولنا.
فرق بين العلاقة (الناضجة) نتيجة لصفقات الاعتمادية الظاهرة والخفية، وبين “التواجد معا” فى محيط ضام مشتبكى (إيمانىّ باللغة السائدة) يسمح بحركة متعددة تخفف من حدّة الرؤية وشروط التعاقد.
ولا أزيد
فقط:
أحاِوْل.
……………………
…………………….
ونبدأ الأسبوع القادم تقديم الفصل الثالث: أمّـى… (1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – ترحالات يحيى الرخاوى: (2000) وتتضمن الترحالات: (الترحال الأول: “الناس والطريق”) و(الترحال الثانى: “الموت والحنين”) و(الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”) منشورات جمعية الطب النفسى التطورى، والترحالات موجودة فى الطبعة الورقية فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.
يحيى الرخاوى طبيب نفسى


افاق
خلقنا لنقر بالغيب
دون غلق الافاق
نكدح لنرضي
نكابد المجهول
نتلقي ومضات الغيب
التي تظلل المسار
يتعجل الانسان
الاحاطة
وهو لن يحيط
يظلم الحضور
بظن الوصول
وهو لن يصل
هو اعشي
لا يصبر
والصبر هو اداة الولوج
ولكن لماذا
ليعرف
ليعرف انه حمل امانة
غير مخير
الا ان يختارها
الامانة
ثم ماذا
يطمئن
بحتم الوصول
كل الشقاء
ينبع من وهم الوصول
ووهم الاحاطة
وضياع البوصلة
وفقدان الوصل