نشرة “الإنسان والتطور”
الأربعاء: 14-1-2026
السنة التاسعة عشر
العدد: 6710
ترحالات يحيى الرخاوى
الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”[1]
الفصل الثانى
… الجـــوع! (4)
من كُتْر ما انا عطشان باخاف أشرب كده من غير حساب
لكن كمان:
مش قادر أقول لأَّه وانا نفسى فى ندْعِةْ مَيّه من بحر الحنان!
يا هلْترى:
أحسن أموت مـن العطش؟
ولاّ أموت من الغَرق ؟!
…………………..
……………………
20 سبتمبر 1996
أذكر أنه حين سأل أحدنا هذه السيدة الفاضلة عمّا إذا كان فى مقدورها أن تغمر جفافى أنا أيضا ببعض هذا الفيض، كانت من الطيبة والرؤية والأمانة أنها تحفّظت، وشكّت، بل وخافَت، لا أعرف لماذا خافتْ. أرجّح أنه كانت على حق.
وأقول لنفسى يا ترى:
هوّا حنان الدنيا كله اتجمّع الليله هنا ؟
عمال بيغمرنا كده من غير حساب
كما ترعه سابت فى الغيطانْ،
إٍللى بطونها اتشققت.
صيغة الجمع هذه “يـُـغمرنا” لم تشملنى على الرغم من وجودى خلال هذه التجربة فى ملقف” كل شىء. الشهادة لله: كان عطاؤها سهلا طيبا لم أفهمه أبدا.
حين عشت لاحقا مواجهة زعم ابن حزم أن الحب يمكن أن يأتى سهلا، لم أوافقـْه، تصورت أن ما يجئ سهلا يذهب سهلا ” كيف تزعم يابن حزم أن حب السهل سهلا، مثلما يأتى يعود؟” (أنظر بعد)، وقد وصفتُ هذه السهولة التى تراءت لى فى عطاء هذه الإنجليزية الفاضلة مثل الرى”بالراحة” فى بلدنا، وهو التعبير الذى يُستعمل لمن لا تحتاج أرضه لآلة ترفع إليها الماء لوجودها فى مستوى أدنى من مستوى الترعة، تصله المياه بمجرد إزالة سد فتحة التوصيل إليها:
والميه بالراحه بتطفِى فى “الشراقى”
منْ دونْ ولا ساقيه تنوح.
ولا قادوسْ ولا شادوفْ.
وحتى لا أتسرّع، ومع فرحتى باحتمال الرى مهما تمادى تشققى، رحت أعترف بقدرة هذا العطاء على أن يروى العطاشى، والحيارى، من كل لون وشكل:
المية تغمر والحنان بيبشبش القلب الحزين،
والقلب إٍللى مالوش حبيب،
والقلب إٍللى مِْــن عَمَايْلِ الناس بقى حتة خشب،
والقلب إللَّى اتمهمطت دقاته أصبح مثل كوره مْنِ الشراب،
تضربها رجلين العيال طول النهار
وانْ جتْ على أْزاز ام هاشم يبقى يوم أزرق وطين
يالكوره تتشرمط يا إِما ان العيال يتفركشوا
حتى إٍذا ازاز “ام هاشم” ما اتكسرشْ
مش صحت “الأسطى إٍمام” من غفلته
“واللى يصحى الناس ياناس أكبر غلط”!
تختلط عندى الطفولة بالكشف، وحين نقتل الطفل فينا، فإننا نطفىء تلقائية المواجهة. تتواصل الرؤية والتلويح لى بإمكانية أن أكون ضمن من يغمره بعض ما يفيض لكن الحذر والحسابات تقفر لتحول دون التمادى فى الوهم.
وارجع أشوف نهر الحنان
ألقاه بيطفى فى الشراقى بدون “أوان”……..
حين تُترك الأرض بدون رى قصدا كنوع من التمهيد لزراعةٍ بذاتها، يكون “تعطيشها” هكذا مقصودا، حتى تتشقق وتتعرض للتعرية والشمس بدرجة كافية. ويسمّى الفلاح أول رىة لهذه الأرض المشققة (الشراقى)”طفى الشراقى”،وهو تعبير شديد الدقة، وكأنه يطفئ حريقا:
لكين الشراقى مهما شققها الجفاف؛
الميه راح ترويها صُحْ،
بس ياوِلْدِى خلّى بالَكْ:
إٍن سابت الميّه على العمَّال على البطَّال حاتغرق أرضنا،
حتى لو الأرض شراقى مشققه،
ولاّ الزراعة بدون أصول؟
حساباتى: صحّت أم أخطأت، تفسد كل شىء،لا بد من ضبط الجرعة، والتمييز، والتمهيد، والألم، والانتظار، والتدبير، وكلام من هذا
مـش لازم الأرض تجف وتتعزق
أو ضربة المحرات تشق الأرض تقلب تِبـْـرها
ثم يبدأ التشكيك فى أن صاحبة هذا العطاء هى من هؤلاء الطيبين والطيبات الذين يثقون فى البراءة، ويتجنبون كل أنواع الضغط والألم، تحت راية الرحمة، الرجراجة. ربما ارتبط هذا الاستسهال الدَّمِث بقيم ثقافية مرتبطة بأصل صاحبتنا الغربى الرقيق، أو ربما كان بعض طبيعتها الفنية الراقية، لكن استقبالى يصور هذا وذاك باعتباره استسهالا لا يغنى.
والنظره إٍللى بْتُغْمر الكونْ بالحنانْ من غير حساب بتقول:
“حرامْ”..،
ياناس حرامْ: أرض الشراقى مشققة ـ جاهزهْ ـ بلاش نجرح شعورها بالسلاح…”
فأرد عليها ممعنا فى التشكيك والشجب، وكأنها ليس عندها ما تعطى غير هذا العطف الماسخ.
يا ناس يا هُوه
بقى دا كلام
بقى دا حنان ؟
“الزرع لازم يتروى”؟
أيوه صحيح،
بس كمان.. الزرع لازم يتزرع أوَّلْ،
ماذَآ وإٍلا البذرة حاتْنَبَّتْ وبسْ.
أتراجعُ معلنا مزيدا من الشك والتخوف من هذا النوع من العطاء، أظن أنه يقابل تخوفى من البراءة الضعيفة المخاتلة (أنظرقبلا). يتمادى تشككى إلى الإنكار والمحو. (قلّة مافيش: هو تعبير من بلدنا يشير إلى عدم العدم)
يا سِتْ ياصاحْبِةْ بُحور الحب والخير والحنان
إِوعِـى يكون حبك دا خوفْ
إٍوعى يكون حبك دَهُــهْ “قلةْ مافيش”
إوْعى يكون حبك طريقه للهرب من ماسْكةِ المحراتْ وصُحْيانك بطول الليل لَيِغْرق زرعنا.
لكننى أختم التشكيل بإعلان صريح يعترف أن المسألة كلها، أوأغلبها على الأقل هى أزمة الجوع والحذر والتردد والخوف من جانبى أساسا حتى ختمت هذا التشكيل بهذه الجرعة من المكاشفة.
من كُتْر ما انا عطشان باخاف أشرب كده من غير حساب!
لكن كمان: مش قادرْ أقول لأَّه وانا نفسى فى ندْعِةْ مَيّه من بحر الحنان!
يا هلْترَى: أحسن أموتْ من العطش ؟
ولاّ أموتْ من الغَرق ؟!
الركن أعلى القاهرة 16 يوليو 2000
حين قارنتُ ما عثرت عليه من أوراق وجدت نقلات السيرة واضحة ودالة، ففى حين كانت الإشارة (فى رسالتى إلى ابنى محمد من الطائف- 1980) إلى أقنعة سبعة، أصبحوا مائة (سنة 1995)،
وفى حين كان الإعلان عن تجدد الجوع وحيوية العطش متخفيًّا وراء نقد أو رفض هذا الفيض من الحنان الغامر، وجدت فى أوراقى المدونة سنة 1995 ما يعلن خطوة أكثر صراحةً وتعرية أكثر مخاطرة، كنت قد جاوزت الستين: وجدتنى أداري، ثم أكفكف دمعة تدحرجتْ بعد أن عجزت أن أخفيها أو أنكرها. اكتشفت أن كثيرا مما أشرت إليه سابقا سواء كان وأنا أنسحب إلى الركن القصى، أو وأنا أرعب من الرفاهية فأتهم نفسى بالعجز عن التمتع (اللاهيدونيا)، اكتشفت أنه كان يخرج رغما عنى فى محاولاتى التى لم يخطر ببالى أنها سيرة ذاتية. كانتا دمعتين : دمعةٌ فـ دمعة:
أنكرتـُها، كفكفتـُها، أخفيتُها. فتدفّقتْ. فخجِلتُ، لا..
لا تفضحينى إننى أخشى يرَانَـا عابرٌ فى مثل سنى.
لم َ والدى؟
لمَ كلُّ هذا الآنَ؟ كيفَ ؟ ألمْ تمـــُــتْ؟
هلاّ علِـمتَ بأننى قد صِرتُ كهلا؟
مازلتَ تصفـُعـُـنِى إذا ما قلتُ “إِنى”..
إنى أريدْ،… إنّى أكونْ….، إنى “أنا”..
فكرى يـُلاحقنى، شِِــعْرى يمزِّقنى،
حبّى لكلِّ الناسِ يجمعُهُمْ، يفرّقـنى.
من لى بها تتلو علىّ من الرُّقى ما قد يلملمنى:
“اللهُ موجودٌ،
“اللهُ لا يـنسَى،
“اللهُ لا يغفُو،
ما أنزل الرحمنُ فرقانا لكى تَشقى،
هيّـا َفنـَـمْ كـَبِــدِى، هيّـا َفنـَـمْ عــْـيِنى
فألوذ فى حضنهاطفلاً يناغِى ربّه حتى ينام:
اللهُ أرحمُ بِى،
اللهُ أوْلـَى بِى.
اللهُ أقرب منهمو،…، منّى
أنا ما طرقتُ الباب َإلا بعد أن نادتـْكِ كلُّ خلايا جوعى،
جوعى إلى عينٍ ترانى، جوعى إلى أمِّى تهدهدنى،
جوعى إلى بـِنـتِى تزمّلنى، تدثـِّرُنى.
لمَ قلتُ هذا اللغو ياربى؟ لماذا غبتَ عنّى؟
فتركتـَنى أهذى كأنّى:
ما كنتُ يوما سيّدَ العقلاءِ، (سلْهم لا تسَلـْنى).
أنا لم أخنْ أحداً. ولكنْ معذرهْ، أنا خنــْــتـــُـــنِى، أنا خنتُ نفسى،
أنا خنتُ سريانَ الرؤى فى عمق حسّى ،
أنا خنتُُ حقّى أن أعيش بغير حزنى.
ستّون عاما ما مضى منها سوى ستون عاما
ستون عاماً، بل يزيدْ.
واليومَ أولدَ ممسكا حبل الوريدْ
والفرْخ ُيبزغُ نافضاً وطْـــأَ السنين.
ماطار فرخـُك بعد ُ سيدتى،
ما شالـَهُ الزَّغـَبُ الجديدْ
والبـُـرغلُ المسحور فى منقارها،
يسَّـاقط العقـدُ الفريد.
-2-
فتسحّبتْ أخرى حسبتُ بأنها همسٌ بعيد، فمددت كفّى:
بللّتْ قطراتُها طرْفَ الأناملِ دافئهْ.
فتركتُها تنسابُ فوقَ الخدِّ هادئةً ترطّب مهجتي بعد اللظـى،
وحمدت ربّى:
أفليسَ يفعلُ ما يريد؟
****
ونواصل الأسبوع القادم استكمال الترحال الثالث “ذكر ما لا ينقال”: الفصل الثانى: … الجـــوع! (5)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – ترحالات يحيى الرخاوى: (2000) وتتضمن الترحالات: (الترحال الأول: “الناس والطريق”) و(الترحال الثانى: “الموت والحنين”) و(الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”) منشورات جمعية الطب النفسى التطورى، والترحالات موجودة فى الطبعة الورقية فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.
يحيى الرخاوى طبيب نفسى

