نشرة “الإنسان والتطور”
الأربعاء: 7-1-2026
السنة التاسعة عشر
العدد: 6703
ترحالات يحيى الرخاوى
الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”[1]
الفصل الثانى
… الجـــوع! (3)
من كُتْر ما انا عطشان باخاف أشرب كده من غير حساب
لكن كمان:
مش قادر أقول لأَّه وانا نفسى فى ندْعِةْ مَيّه من بحر الحنان!
يا هلْترى:
أحسن أموت مـن العطش؟
ولاّ أموت من الغَرق ؟!
………………….
…………………..
20 سبتمبر 1996
عشت هذه الخبرة المُعَاَدة مرات بلا حصر : خبرة الأمل، فالجوع، فالوعد، فالإحباط.
كنت أحسب أنها نتيجة همود الآخر، أو كذبه، أو ضعفه، أو تخليه، أو غُلْبه، وليست منى، وإذا بى أكتشف أن الجريمة لها فاعلان – على الأقل، وأنى مسئول بقدر مسئولية الذى ادّعى أنه تخلّى،
هذه الرؤىة لم تكن جاهزة باستمرار، فوقعت فى لوم الغير وتشويههم.
كأن الجوع حين يشتد يغلق الأبواب، وينكر كل ما لاح ويلوح من ودّ حقيقى،
اكتشفت مثل هذا التعميم الأسود فى ورقة مهجورة،
-1-
كل يومٍ كانَ وعَدا.
كل وعدٍ كانَ حُـلما.
كل حلمٍ كانَ وهْـما.
كل وهمٍ كان يغرى بالتماِدى
فى التمادِى
-2-
فـَتُر الوعىُ تقاطرْ.
قطراتٍ، قطراتٍ قطراتْ،
مثل وقعِ الماء فى حوضٍ لزجْ،
جلدةُ الصنبور فيهِ تالفهْ.
-3-
غابت الشمسُ ولمّا تُشْرقِ
لم تصل أبداً إلى كبد السماءْ.
يرقص العقرب فى كل اتجاه:
وكأنّا قد أردْنا غير ما صِرنا إليه.
-4-
هرب الوعى تسحّبْ.
بين ثنيات السرابْ.
يـُمطرُ الغيم ظلاما كالرمادْ.
ليس ذرّا فى العيون.
بل نذيراً.. أنه:
“مات الضياء”
-5-
لم نقل حتى “وداعاً”
لم يكن أصلاً لقاءْ
وافترقنا وكأنّا ما بدأنا،
لنعيدَ الدورَ باسمٍ مستعار.
بصراحة، حين عثرت على هذا الكلام كدت أنكر أننى أنا الذى كتبته، صورّتُ لنفسى أنه من بعض القصائد التى تصل للنشر فى مجلة الإنسان والتطور، وأنى اعتبرتها غير صالحة للنشر فنحّيتها
لم أستطع أن أتمادى فى الهرب. هذا خط يدى، هذا الكلام كان بخط يدى وليس على الحاسوب، ذكرتُ مرارا أن الوعى بالحال لا يعنى اجتياز المأزق.
حين خاطبت ابنى فى تلك القصيدة (سنة 1980) كنت شديد الوعى بأقنعتى السبعة :
وأنا أتكلم مثل السادهْ.
وأنا أمشى بينهمو كالعادهْ.
وأنا أدهش وكأنى لا أعلمْ.
وأنا أفُتى وكأنى أعلم.
وأنا أضحك وكأنى أفرحْ.
وأنا أحسبُ وكأنى أجمعْ.
وأنا أرنو وكأنى أسمع.
أخطو مغلولاً فوق الأرضِ القبرِ الأملِ الواقع.
تنغرس بقلبى أشواكهُ. أُدمى. أتمرغ بترابهْ.
لا يسكت نزْفى. لا أهربْ.
لم ينفعنى هذا الوعى الحاد فى أن أتخلّى عن أقنعتى أو أن أطمئن لعدم حاجتى إلى بعضها. استمرت المواجهة دون أن يشعر أحد،
أتذكر ما أدهشنى مما عثرت عليه فى الورقة الممزقة، “هذا جناه أبى علىّ، وقد جنيت على الجميع”، فأتساءل : أى جناية على الجميع تلك التى جنيتـُها؟
من بين الجنايات المحتملة هو ما ترتب عن آثار هذا التمادى فى لعبة الجوع بمضاعفاتها عليهم، إلا أن هذه الجناية نفسها كان لها الفضل فى هدايتى إلى مصدر الرِّى النقى. ذلك الرى الذى يجّدد الجوع فيقلبه سعيا. هو لا يطفئه ليعود استجداء.
الجوع حضور يتجدد.
لم يُخْلق الجوع لكى نتخلص منه، ولكن لكى يوقظنا إلى حاجتنا فنتجدد به، (أحسب أن هذا الوضوح كان فى خلفية نقدى لرواية إدوار الخراط فى “يقين العطش”.
15 يونيو 1973
كثير من الصور التى تشكلتْ فى محاولتى سبر أغوار النفس وقراءة عيون البشر، كانت نابعة من حدسى لماهية حضور أفراد “مجموعة المواجهة”، أكتشف الآن أنها كانت تعرّى موقفى أكثر.
كانت إحدى الصديقات، إنجليزية الأصل، متزوجة من صديق رائع جدا، مبدع جدا، طيب جدا، وأشياء أخرى (جدا أيضا، وغيرذلك). لم يكونا من “مجموعة المواجهة” التى أشرتُ إليها من قبل والتى هى عصيّة عن التسجيل، اكتشفت أن هذه الخبرة بوجه خاص تحتاج زمنا آخر، وأدوات أخرى، (مع أن ملامحها ظهرت بشكل أو بآخر فى الجزء الثانى من روايتى “المشى على الصراط”، باسم: مدرسة العراة). أقول إن هذه الصديقة كانت تمارس دورا رائعا لم أفهمه أبدا أو قل لم أقبله، أو لعلّنى خفت منه جدا، كانت فيضا من الحب والحنان غير المشروط، وكما تحفّظتُ سابقا ضد سوء فهم، وسوء استخدام “براءة الأطفال”، وكما لم أُستدرج أبدا إلى صداقة صفقاتية بحتة، (أشرتُ إلى ذلك وسأعود إليه)، وكما لم أفهم ولم أمارس ـ إلا استثناء عابرا ـ ذلك المسمّى “الغرام” بمعناه الشائع، فإنى وقفت أمام هذه الصديقة التى تفيض بكل هذا الفيض من الحب والحنان بلا شروط، مُعْجبا، ثم طالبا فى السر، ثم متحفظا، ثم رافضا، ثم حَذِرا، ثم متألما،
صغت هذه الخبرة فى وصف إحدى العيون فى ديوانى أغوار النفس. صغتـها فى تشكيل قد لا يصل إلا لفلاح مثلى، ففيه حديث عن الأرض الشراقى التى يشققها الجفاف، وعن الشادوف آلة الرى التى لم يعد يراها أحد حتى فى الأفلام، وعن العزيق، وعن الحرث. تلك الفِــلاحة القديمة بالسرعة البطيئة المليئة بما ملأنى.
بدأتُ هذا التشكيل ناظرا فى عينيها (فى خيالى) منبهرا بكل هذا الفيض من الحب والحنان والعطاء دون تمييز، بدأت ذلك التشكيل الذى أسميته “الترعة سابت فى الغيطان”، بطرح ما وصلنى لأول وهلة من هذا الموقف:
والنظره دى رخْرَه عجب.
ماباشوفشى فيها إلاشىْء كما الحنان.
لا لُهْ شروط ولا سبَبْ.
وللأمانة، ورغم قرّ الجفاف، فقد كان دورى ملاحِظا مثل عامل الرى الذى كان يسير على جسر ترعة “الطويل” فى بلدنا إذا جاء “الدور” حتى يُبْلغ مفتش الرى إذا زادت المياه حتى فاضت من الجسر هنا أو هناك.
****
ونواصل الأسبوع القادم استكمال الترحال الثالث “ذكر ما لا ينقال”: الفصل الثانى: … الجـــوع! (4)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – ترحالات يحيى الرخاوى: (2000) وتتضمن الترحالات: (الترحال الأول: “الناس والطريق”) و(الترحال الثانى: “الموت والحنين”) و(الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”) منشورات جمعية الطب النفسى التطورى، والترحالات موجودة فى الطبعة الورقية فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.
يحيى الرخاوى طبيب نفسى


كل منا –غالبا– تعرض لخبرة ان يلتقي ببحر حنان حقيقي .
ولكن كما اشار عمنا –وطبعا حسب درجة النضوج والوعي — كان دائما الحذر واجب من حدود هذا الفيضان وهل هو سبيل مفتوح لمن يريد ان ينهل منه .
تعرضت شخصيا لمثل هذه التجارب وغصت في احداها لدرجة اعمتني في حينه ان ظاهر الحنان ينحسر حتما حين لا يكون من يطلبه او يأخذه واعيا بحتم قصوره مهما فاض.
فهذا الحنان ليس صدر يدر اللبن بلا ثمن . بل ان هذا الصدر يريد ان يفطم من يأخذه او يطلبه .
ثم خضت تجربة اكثر قسوة -وكنت اكثر وعيا ونضوجا — وتصورت اني ابادل هذا الحنان بصدق شديد وندية حقيقية . ثم حدث مالم اتوقعه –ولكني تعلمت منه –ان لا يوجد ما يسمي حنان مفتوح .
العلاقات الانسانية شديدة التعقيد وفيها من التحدي ما يجعلها تفشل اذا انتهت عند الآخر . بمعني آخر لابد ان تكون مفتوحة طول الوقت .ووجدت هذا الشعر -اذا كان شعرا–الذي قد يعبر عن هذه التجارب.
الحرمان
تتلاقي انات وجود
مع انات وجود آخر
في افق سرمدي
يزداد الانين
كلما زاد الروع
وزاد الوعي
بحتم الحرمان
وحتم الحضور في آن واحد
من يتخطي الحدود
يدفع ثمن لا يستطيعه!!!
تتكامل الرؤي
ينصهر الوجود
في برق سحابة
تنقشع حتما
كي يتقد وقود
الحرمان
العجز
الروع
الحتم
ولكن
يظل
الوجود
الحضور
في أفق
يثاقل
يصقل
بحتم كل شيء
الي كل شيء.