الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / ترحالات يحيى الرخاوى: الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال” الفصل الثانى:… الجـــوع!

ترحالات يحيى الرخاوى: الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال” الفصل الثانى:… الجـــوع!

نشرة “الإنسان والتطور”

الأربعاء: 24-12-2025

السنة التاسعة عشر 

 العدد: 6689 

ترحالات يحيى الرخاوى

الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال” [1] 

الفصل الثانى

 الجـــوع!

من كُتْر ما انا عطشان باخاف أشرب كده من غير حساب

لكن كمان:

مش قادر أقول لأَّه وانا نفسى فى ندْعِةْ مَيّه من بحر الحنان!

 يا هلْترى:

أحسن أموت مـن العطش؟

ولاّ أموت من الغَرق ؟!

وجدت ما يلى مكتوبا بالحرف الواحد فى بعض الأوراق. إياها:

باب اللوق 14 أكتوبر سنة 1976

قال لى بكل ثقة ووضوح :

أنت لا تصلح أن تعالجنى، حوّلنى إلى أحد تلاميذك أو حوارييك حتى أجد مساحة أتحرك فيها.

احترمتُه، وسألته – باستعباط – مزيدا من الإيضاح، فلم يتردد قال:

إن دائرة رؤيتك تغمرنى تماما حتى أُصبح داخلها، فكيف نتحاور، إننى أريد واحدا “ما زال يبحث”، فتتداخل دائرتانا فى منطقةٍ ما، ونظـل مجهولين لبعضنا البعض فى منطقة أخرى، ومن خلال الحركة، والـظلال،  والمحاولة، يمكن أن يحدث ما يفيد.

وافقتُ على الفور دون التمادى فى الاستفسار والنقاش، فقد خِـفت أن أنكشف أكثر، أو أن تمتد رؤيته هو الآخر لتعيقه حتى عن العلاج. هو مُخرج مسرحى (كان مساعد مخرج انذاك) شديد الذكاء، والفن، والإبداع، والمرض.

رحت أسأل نفسى بعدها: ثم ماذا، إذا كانت رويتى (الحقيقية أو المزعومة) قد ضيّقت علىّ الخناق فى علاقاتى العادية، فهل يمتد هذا أيضا إلى مجال مهنتى؟

 هل رؤيتى هذه صارت خطيرة أو خطيئة، لى ولهم، عليهم وعلىّ. حتى تصبح عائقا عن الممارسة العادية للعمى الجميل.

حين نقدت مجموعة منال القاضى”يحدث أحيانا” عنونت دراستى النقدية بأن أضفت “أن نرى” فأصبح العنوان “يحدث أحيانا: أن نرى”،

لكن المشكلة التى طرحها هذا الصديق تظهر حين تختفى”أحيانا” هذه ليحل محلها “غالبا”، لأنه يستحيل أن يحل محلها”دائما”.

يارب سترك. كيف أضبط جرعة الرؤية؟ كيف أحدّ منها؟ كيف أختبرها؟

وجدت أيضا ما يلى: الطائف

15 يوليو سنة 1980

لست أذكر مَن مِنَ الساسة (قبل الثورة طبعا) الذى سئل عن إشاعة تكليفه بتأليف الوزارة فنفى ذلك، لكنّه أردف قائلا ” لو عُـرضت علىّ أقبلها “، ذلك أنه سرت إشاعة أننى أرفض الذهاب فى أى مهمة مهنية إلى السعودية (أو دول الخليج عامة)، وبالتالى لم أذهب هناك -عمليا – لأى غرض علاجى مهنى خلال أكثر من أربعين سنة، مع أننى – مثل ذلك السياسى القديم – كنت أقول لنفسى بين الحين والحين أنها “لو عرضت علىّ أقبلها”، لكننى فى نفس الوقت كنت سعيدا جدا بهذه الإشاعة التى حالت دون أن “تَعْرض علىّ” من حيث المبدأ. كنت أدعو الله أن يصدّقوها أكثر فأكثر حتى أصدّقها أنا بدورى، حتى لا أتعرّض لامتحان الرفض الذى لم أقرره بشكل حاسم ونهائى.

هذه المقدمة ضرورية لتفسير تواجدى فى الطائف فى هذا التاريخ، فقد كان ذلك إسهاما فى برنامج تدريبى لأطباء مستشفى شهار للأمراض العقليلة بالطائف، لهذا كان الوقت متسعا تماما للكتابة وإعادة النظر.

بعد ساعة أو ساعتين ألقى فيهما محاضرتى  أخلو لقلمى، وهمى، وفكرى،

بلغنى اليوم (15 يوليو سنة1980) هاتفيا من القاهرة أن محمد إبنى قد حصل على تقدير جيد جدا فى كلية الأداب، وأنه أوّل دفعته رغم التحاقه بهذا القسم بعد بدء العام الدراسى فى هذه الكلية التى لا أحبها، ولا هو.

 كما بلغنى أنه فرِح جدا بهذاالتفوق الدال، بعد الصعوبات التى عشتُها معه فى أزمة الثانوية العامة. كنت قد تعجّبت  من درجة الرياضة التى حصل عليها فى الثانوية العامة. كانت أقل من ثلث الدرجة النهائية، أى فوق درجة النجاح ببضعة درجات، وحين سألته بعد أن هدأت العاصفة، اعترف لى أنه كان يريد أن يحل المسألة “بطريقتِه الخاصة”، وأنه رفض – أولم يستطع – أن يتبع القواعد المتعارَف عليها، وأنه نجح فى ذلك أحيانا أثناء استعداده لهذا الامتحان، لكن فى الامتحان لم يسعفه الوقت.

حين أبلغتنى أمه نبأ تفوقه وأنا فى الطائف تصورتُْ أن هذا سوف يفرحنى -بدورى – فى غربتى، وأنه سيعيد لى حسن ظنى بابنى هذا وهو الأكبر والأقرب بشكل ما، ولا أنكر أننى فرحت، لكننى لم أفرح للدرجات أو الترتيب بقدر ما فرحت أنه استطاع أن يرى ما تحققه قدرته لو أنه أراد.

 لكننى عدت أقلب فى ذاكرتى فوجدتُ أن صعوبته ليست فقط فى ما ورثه عنى وعن والدى وعن عمّه من أنه “يحب يعمل مدقّ والناس تمشى عليه” لا أن يسير “على المِدَق اللى الناس ماشية عليه”، وإنما تمتد صعوبته إلى هذا النضج (الذِّهْنِى) المبكر الذى أعتبر نفسى مسئولا عنه بشكل أو بآخر، فهو يفهم أعمق لدرجة أنه يفهمنى، صحيح أنه يخاف من هذا الفهم، لكنه يقدم عليه، وهو يطلق من خلال رؤيته الصائبة أحكاما وآراء أشفقتُ عليه منها. ليس هكذا باكرا هكذا!!

 حرّك نبأ تفوقه كل ذلك فى نفسى.

 قلت فى الفصل السابق أن حاجتى للأب باستمرار ربما هى التى جعلتنى أتخذ من أبنائى -آباءً-  بصفقــة سرية. يبدو أن محمد ابنى قد دفع ثمن هذا الاحتياج مبكرا.هو أول أولادى وأكثرهم عنادا، وطيبة. رحت أعترف له وكأنى أعتذر، وإن كنت قد علّمته ألا يعتذر،رحت أعترف له وأنا أمارس قدرا من “المكاشفة” :

أعترفُ أبوحْ :

إنسانٌ أعزلْ

 وقف يصارع كلَّ الأحلاِم،الأوهامِ، وعودَ السعد.

كلَّ الأديان الْمَاأَنْزَلَ ربى منها شيئا.

كلَّ الأشياءِ المفهومـةِ، والمضغومةِ، والمنغومةْ.

……..

هل أصرخُ صرختِـىَ الكبرى؟

هل تـسمعُـنِى ولدى؟

هل تعرفُنِى من خلفِ الأقنعةِ السبعة:

……..

تحملُ عنى- ولدى عجزى؟ وأنا الأقوَى؟

………

لا. ولدى..

الدينا سبتٌ فتهملْ

يأتيك الأحدُ الإثنينِ الجمعةْ.

تُنضجكَ البسمةُ والحيرةُ والدمعةْ.

لا تتعجل ظُهرَكَ صُبحاً قبل الشمس

………….

أرجو صُحبتك لنفسى.

غاصت خُطواتى فىِ ثقل الوهْـمِ الهَمْ.

والواقعُ أوْهَمْ.

………………..

الخوفُ شرائحُ مصقولةْ.

تطفئُ وهْج الحركةْ.

تقصـِمُ نصفَ الزّندِ، وعـُنُـق الرُّسغٍ، وظـِفـْر لسانٍ يتكور.

………………….

سَلمتُكَ سيفـَـك قبل العدّة.

أشهدتُـك سرِّى من قهر الوحـّدة

…………………

وأمَرُّ المر أحبة عينى أولادى:

أن تعرف ما لا تقدرُ تكتٌمهُ،

                  لكنْ تكتُمُه.

أن تُخرجَ قولاً لم يخطرْ فى بالكْ.

                تحسَبُه أنْتَ

               تنطلقُ تدافعْ.

تتحدّثُ بلسانٍ غير لسانك،

والآخرُ ميْتٌ صخرٌ أجوفْ.

…………..

فاعذرْنى ولدى أتضَّور جوعاً متَّهماً بالبِطنه.

 ركن المقطم. أعلى القاهرة

14 يوليو سنة 2000

****

ونواصل الأسبوع القادم استكمال الترحال الثالث “ذكر ما لا ينقال” الجـــوع!(1)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] –  ترحالات يحيى الرخاوى: (2000) وتتضمن الترحالات: (الترحال الأول: “الناس والطريق”) و(الترحال الثانى: “الموت والحنين”) و(الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”) منشورات جمعية الطب النفسى التطورى، والترحالات موجودة فى الطبعة الورقية  فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة  الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.

 

تعليق واحد

  1. من اصعب الصعاب فعلا هو ان تقابل –اناسا — من اطياف انواع الوجود .
    بدءا من المصمتين الذين يقفلون وجودهم شخصيا بالضبة والمفتاح دون اي حراك داخلي او خارجي فيصبحوا كالانسان الآلي يتحرك بمن يحركه من الخارج. والخارج فقط .
    ومن يحركه -في الاغلب — قد يكون طقوس ينفذها دون ان يدري عنها شيئا . او قد يكون دفع لمجرد دفع كي لا يتوقف او يتبصر او يعتبر .
    ثم يأتي بعد ذلك النوع الآخر الذي يصر علي رؤية– هي رؤيته هو– دون اي موضوعية او اي احتمال آخر .
    وهذا النوع مستحيل التعاون معه او اقامة اي نوع من العلاقات معه .
    والنوع الاخير هو من عنده رؤية متحركة سلسلة ولكنه لا يستطيع ان يجاري من اتسعت رؤيته وحضوره اكثر منه فهذا يحمل خطر ان يتعري هو شخصيا .
    وقد عايشت كل انواع هذا الحضور فوصلت – بعد ارهاصات شديدة — الي حتم الصبر والالتزام باحترام كل مساحات اختلاف درجات وعمق وزوايا الرؤية .
    ويظل الالم الحقيقي هو عدم القدرة علي لجم الرؤية فالحضور وفي نفس الوقت عدم وجود من هم علي نفس العمق او درجة الرؤيا باكبر قدر من الشفافية .
    وعندي ان هذا هو روعة وجلال وفلسفة وجود هذا الكائن البشري الرائع .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *