نشرة “الإنسان والتطور”
الأربعاء: 8-7-2026
السنة التاسعة عشر
العدد: 6885
ترحالات يحيى الرخاوى
الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال” [1]
الفصل السادس
ملامحٌ مِـن تَرحال رابع (8)
نحن فى أمس الحاجة أن نظل نسمع ضحكتك المجلجلة
وأنت تحوّر القول الشعبى المصرى إلى:
“المدية صابتنى ورب العرش نجّانى“.
يا شيخنا الحبيب:
لا تمُت الآن – ربنا يخليك لنا ولهم.
الأربعاء 25/10/1995
……………
……………
أول أغسطس 2000
اليوم، يسمونه عيد ميلاد المستشفى “دار المقطم. مستشفى المجتمع العلاجى”، هذا الرمز الذى حاولت من خلال مرضاى وتلاميذى فيه أن أجعله مجتمعا (مؤقتا) بديلا، ذلك الحلم الذى راود أغلب الفلاسفة، وعرّى مثاليتهم، وشطحاتهم، ونزواتهم، وتعصبهم، وعنصريتهم، وأيضا جسّد آمالهم، وأحلامهم، وثورتهم، وطموحاتهم. الذى سترنا هو أنه لم يكن بديلا بهذا المعنى اليوتوبى، وإنما كان “بالتعريف؛ مرحليا وعلاجيا، وهو ما يسمّى فى الطب النفسى الحديث “علاج الوسط” الذى كان اسمه فى الطب النفسى القديم (القرن التاسع عشر: العلاج الأخلاقى Moral Therapy). لا يختلف ما يجرى فى هذا المستشفى عن ما يحدث فى أى مستشفى آخر من حيث المبدأ: مرضى، وحقن، وأقراص، وتأهيل- لكنه يختلف كل الاختلاف عن أى مستشفى آخر من حيث “متى”؟ و”من”؟ و”كيف” و “إلى متى”؟ “ثم ماذا” وأخيرا:” نحن هنا”. مما لامجال لتفصيله طبعا.
هذا اليوم الذى يسمونه عيد ميلاد المستشفى أنا لا أنتمى إليه فى كثير ولا قليل لأسباب تتعلق بفكرتى الأساسية عن أعياد الميلاد، وعن ضرورة استبدالها بما أسميته “إعادة ولادة”، وهو أمر متجدد ليس له موعد، ولعل السبب الثانى فى عدم انتمائى هو خوفى الأزلى من أن تحل الفرحة للفرحة محل الفرحة للفعل، ففرحة أى مستشفى هى فى شفاء مريضها، وبالذات فى مجالنا نحن بوجه خاص، هى فى أن يكون الشفاء دالا على نجاح المجتمع العلاجى الذى تمثله المستشفى فى أن يكون معبرا من التواجد المرضى إلى المجتمع الضاغط والمتشكل، مارا بخبرة استيعاب الاختلاف دون التورط فى المرض.
قالت لى ابنتى إنها تريدنى أن أحضر من البداية للنهاية، لأنها لا حظت أننى أحضر نصف ساعة كل عام، ثم أتسحب هاربا، فاشترطت عليها أن يكون المؤدون للفقرات أغلبهم، إن لم يكن كلهم من المرضى والمعالجين، وليس من المحترفين أو المأجورين. قررت – إن أجابوا شرطى- أن أكون أوّل الراقصين مع مرضاى وضيوفى “مثل الأىام الخوالى”.
كنت قد ذهبت إلى زوجتى فى منزلها، منزلنا، منذ يومين. أخطرتُها أن ركنى الخاص هو معد لاستقبالها فى أى وقت، وأننى ما زلت نفس الشخص، للأسف، الذى تورطتْ فى قبول الزواج منه سنة 1959 بعد أن رأت علاقته بالمرضى، وكان يرتدى منظارا، وله شارب، كل ما تغيّر هو أنه لم يعد لى شارب، و أصبح عندى ما يحقق أو على الأقل ينشر بعض أفكارى. أضفت أننى بعد أن سلمت كل أولادى عهدتهم لا أستطيع أن أستمر متزوجا بالمعنى الذى تحلم به كل زوجة وأم وبنت، وأن عليها أن تختار. (تختار ماذا؟ لست أدرى). وانصرفت.
يا خبر!! بعد هذا العمر بعد أربعين عاما أعرض عليها، علىّ، إعادة الاختيار. تكريم هذا أم جرح؟.
قبل ما يسمّى حفل المستشفى بيومين. خرجنا، ورجعنا إلى ركنى أعلى القاهرة، وليس إلى منزلها. فى الحفل فوجئت بزوجتى تشارك فى فقرة غنائىة ثنائىة مع زميلنا د. سيد رفاعى، غَنّيَا فيها: تعالىِ أقولك حاتقول إىه؟ ثم أدّت هى فقرة منفردة كانت أغنية سيد درويش ” ياحليلة يا حليلةَ، على دى الهليلة”.
هل هذه هى زوجتى؟ هل أفادها بُعْدِى وتصميمى على أن تستقل، لأستقل، لتستقل؟ هل هناك أمل طيب بسيط؟ هل معنى هذا أننى ما زلتُ نفس الشخص؟
هل ستتيح لى هذه التجربة الصداقاتية الاختيارية المستقلة إلا من “برنامج الذهاب والعودة ” الاختيارى فرصة أن أجمع بعض ما رأيت، فى ما يمكن أن ينشر فيصل أو يسجل إلى أن يصل إلى أصحابه؟ ومن بين ذلك الترحال الرابع “فى صحبة نجيب محفوظ”.؟
لا أعرف.
2 أغسطس 2000
سلّمنى رجل الاستقبال فى المستشفى مظروفا من قبل المجلس الأعلى للثقافة فوجدت فيه كتابا جديدا لجابر عصفور، بعنوان “ضد التعصب”، وهو مجموعة مقالات كتبها فى صحيفة الحياة اللندنية أساسا. وكان الإهداء هكذا:
“عمنا الدكتور “….” مع عميق محبتى وتقديرى”.
أنا أعرف جابر عصفور من بعيد. أحترم ذكاءه ونشاطه وحيويته وإتقانه، وحين تولّى رئاسة تحرير فصول، وأرسل يطلب منى الإسهام فى عدد خاص عن الأدب والحرية (وهو ما مثل الأطروحة الختامية فى نظريتى فى الإبداع)، كتب يقترح علىّ المشاركة فى هذا الصدد عن الحرية، ثم ذيّل خطابه الرسَمى بفقرة فرحت لها بقدر ما تعجبت. كنت فى أشد الحاجة إلى ما سجله بالحرف :
” نحن نحبك”.
تذكرت هذا التعقيب الآن وأنا أقرأ إهداءه لى على كتابه الأخير.
أنا لا أحب أن أكتب إهداءات كتبى لمن لا أعرف، قد يجوز أن أوقع عليها حتى تختلف عن الكتب المشتراه، أما تلك الجمل التقليدية “مع تقديرى”، “مع احترامى وأمانىّ”، فهى جمل تجعلنى أشعر بتململ مزعج إذا اضطررت لها. إذا كنت أعرف المهدى إليه فإنى أكتب ما أنتظره منه أوأتوقعه من رأى أو نقد أو رفض أو حاجة أن يرى بعضى بما شاء، وإن كنت لا أعرفه بدرجة كافية، وأشك فى أنه سيقرأ ما أهديته إياه بجدية كافية، فإنى أتشجع أحيانا وأقول له، بعد التوقيع، دعنى أكتب لك الإهداء بعد أن تقرأه، لذلك استقبلت إهداء جابر عصفور كتابه بأنه يعنى ما كتبه، وأنه يحبنى. أما أننى عمُّهم، فهذا أمر آخر لكنّه سرّنى بشكل بآخر.
هل ما زلت بعد كل هذا العمر أحتاج من جابر عصفور هذه الرؤىة وهذا الحب.
هل ما زلت جائعا جدا، هكذا لهذا النوع من العواطف العفوية النبيلة؟
لم أعرف ثلة خاصة بالمعنى الشائع.. لم أنتمِ إلى حزب. لم أشرُف أن أكون حرفوشا قديما رغم أننى حزت المجموع الكافى المجُاَز من مكتب تنسيق الحرافيش، إلا أن ظروف قبولى كان مشكوك فى دوافعها. أكرمنى نجيب محفوظ مرّتين فى “وجهة نظرفى الأهرام”. مرّة وهو يقارن متفضلا ما فعله أ. د. سامح همام بما رتَّبْتُهُ له من جرعة الناس المنتظمة والأماكن المتنوعة (هذاهو كل ما فعلت). والمرة الثانية حين تكلّم عن الحرافيش وعدّنى أننى آخر الحرافيش، ولولا خجل حقيقى لكتبت ما ذكر لأثبت قبولى الرسمى، ومع ذلك ما زلت أعتبر نفسى منتسبا. الحرافيش تاريخ قبل أن أدخل التاريخ. ما حكاية هذا الجوع؟ إلى متى؟
هذا ليس جوعا، هذا مجرد وجود إنسانى يحتاج أن يُرى.
شعرت أن الناس ترانى بعد أن نلت الجائزة التشجيعية فى الرواية سنة 1980 من خلال هذا العدد الهائل الذى قال لى “برقيا” “الله نوّر”. وعلى الرغم من التشكيك فى أحقيتى فى هذه الجائزة من نقاد أفاضل، وعلى الرغم من أننى حصلت عليها بمحض الصدفة حين قدّم الرواية دون علمى صديق أَحَبّها وقدّرها، وعلى الرغم من أنها فى غير اختصاصى، فقد عرفت من خلال وقعها علىّ وعلى الآخرين أن فائدة الجوائز فى أن من ينالها يصله نبأ أنه يُرى. ياه. ما أجمل بناء هذا الفعل للمجهول. “وأن سعيه سوف يُرى”. صدق الله العظيم. ومع ذلك فقد تكرر تحفظى على دلالة الجوائز طول الوقت مع شدة وعيى باحتمالات الحقد والتبرير والاستعلاء وإدعاء الاستغناء. كتبت فى الأهرام فى ذلك بعنوان جوائز وجوائز ما أكتفى بأن أقتطف منه ما يلى:
“…… لابد من الاعتراف بأن جوائز الدولة، وجوائز الدنيا هى من أهم مقدسات العصر، وهى تستأهل ذلك، وكانت طول عمرها كذلك. “
“…. من قديم، ومِنَـح الأمراء والخلفاء للشعراء والمبدعين… كانت دافعاً لاستمرار إبداعهم وإرساء ملك من نهجهم إياه فى نفس الوقت”
ثم ألمحت أن حديثى هذا هو.
“…. عن الذى لم ينل الجائزة، بل هو عن الذى لن ينالها أصلا، ولا أجد حرجا فى الاعتراف من أننى أتصور ما وراء ذلك من أسباب شخصية، … لا تستبعد درجة من الغيرة، بل والحقد”… إلخ.
أكتفى بهذه الفقرات المحدودة لأقول فى هذه المكاشفة غير المحدودة بعض ما يعترينى حين أعرف أن أحد الأصدقاء أو غير الأصدقاء قد نال جائزة ما. مع يقينى أن قيمة الجائزة هى فى إعلان تناسب ذوق، وقيم، وأدوات المانح والممنوح فى لحظة زمنية بذاتها، وأن نوعها، ومستواها، وهوية من يحصل عليها، هى مقاييس لمستوى إبداع معين أو إنجاز معين لعصر معين، وليس لشخص معيّن، إلا أننى فضّلت أن أعترف بضعفى، وحقدى، وألمى، وقلة حيلتى فى معرفة الطريق إليها. أقول هذا وأنا مصر على أن أواصل موقفى الذى لا يعد إلا بذلك.
فى هذا المقال “جوائز وجوائز” رحت أعدد الجوائز الأخرى الخفية والحقيقية غير جوائز الدولة والعالم، ذكرت من بينها جائزة النقاد، وجائزة الناس، و جائزة التاريخ، وجائزة الله وجائزة الرضا عن الذات.
هل كنت أعنى ذلك فعلا، أم أنه كان مجرد تبرير وتعويض وتصبير؟
إذا كنت حقا أعنيه. فلأجرب.
هأنذا أمنح نفسى جائزة المغامرة بنشر هذا الكتاب، هكذا.
المقطم ، فوق القاهرة. .
ركنى القصى !!
19/8/2000
****
ونواصل الأسبوع القادم تقديم الفصل السابع (الفصل الخاتمة( هل انتهيتَ يا سيدى؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – ترحالات يحيى الرخاوى: (2000) وتتضمن الترحالات: (الترحال الأول: “الناس والطريق”) و(الترحال الثانى: “الموت والحنين”) و(الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”) منشورات جمعية الطب النفسى التطورى، والترحالات موجودة فى الطبعة الورقية فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.
يحيى الرخاوى طبيب نفسى


من ادق ما تشير اليه هذه الترحالات وخصوصا الجزء الثالث ” ذكر ما لا ينقال”” انه عمق حيرة ونوع وجود شديد الندرة بالغ العمق شديد الصدق بالغ البساطة لما هو يحيي الرخاوي وما يمثله.
في الترحالات تقرأ كل ما سبق بالطول والعرض.
عندي ان الاعجاز في نوعية حضور يحيي الرخاوي انه استطاع بصلابة شديدة جدا ونادرة جدا ان يجتاز حيرته الابدية وايمانه الراسخ الي فعل قادر علي الارض . ولم يهتز برغم كل المبررات لمثله ان يهتز .
لن يعرف يحيي الرخاوي الا من عرف ما معني ما يمثله يحيي الرخاوي .
سبقنا الي الوعي الكوني واظن انه رجع الي ربه راضيا مرضا بعد ان اطمأن .