نشرة “الإنسان والتطور”
الأربعاء: 3-6-2026
السنة التاسعة عشر
العدد: 6850
ترحالات يحيى الرخاوى
الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”
الفصل السادس
ملامحٌ مِـن تَرحال رابع (3)
نحن فى أمس الحاجة أن نظل نسمع ضحكتك المجلجلة
وأنت تحوّر القول الشعبى المصرى إلى:
“المدية صابتنى ورب العرش نجّانى“.
يا شيخنا الحبيب:
لا تمُت الآن – ربنا يخليك لنا ولهم.
الأربعاء 25/10/1995
………………….
…………………
يا شيخنا الحبيب:
لا تمت الآن – ربنا يخليك لنا ولهم.
وإن تمت – بإذن ربنا، لا بمديتهم – فنعاهدك ألا تموت بما تركت فينا ولنا.
ركنى أعلى القاهرة أول أغسطس 2000
حين عثرت على أصل هذا المقال الذى كتبته ولم أكن قد رأىت محفوظ إلا مرة واحدة ذكرتها من قبل، ثم قارنت ما عرفته عنه، ومنه، بعد ذلك، تيقنت أنه كان معى طول عمرى، وأنه لو لم تتح لى فرصة لقائى به بكل هذا القرب، لما تغيرت مشاعرى نحوه، ولا رؤيتى له،
يدور حديثى معه أحيانا حول الموت. حين علم فرنسوا ميتران بمرضه وتيقّن من قرب نهايته سأَلتْه إحدى الصحفيات عن إيمانه، وما ينتظره بعد موته، فأجاب متران بحرص متوسط، إنه يعتبر أن الخلود فكرة مملة. حكيت هذا الحوار لشيخى الجليل محفوظ. أطرَقَ ثم علّق: إن متران مخطئ، لأن قرب الواحد منا من حبيبه من البشرلا يبعث على الملل إطلاقا، فما بالك إذا كان هذا الحبيب هو الله سبحانه. وحين حكيت له عن موقفى ومشاعرى بالنسبة لموت السادات وموت عبد الناصر هز رأسه فى طيبة وأسف، ولم يعلّق.
لم أرَ أبسط ولا أعدل منه فى الحكم على الناس، مع ميل يقل ويزيد حسب كل حالة، فهو متحمس أشد الحماس للنحاس باشا، وحين وصف لى كيف كان يخفق قلبه وهو يشاهد النحاس باشا يسير (يتمشى) على الكورنيش فى الإسكندرية ومحفوظ بعدُ صبيا فيافعا شعرت أننى أمام حب جميل لزعيم أمين،
استطيبتُ النحاس باشا طول عمرى لكننى لم أحبه. رحت أعيد النظر من خلال هذا الحب الذى حكى لى عنه شيخى هكذا. مازلت أذكر كاريكاتير لرخا فى ذكرى 4 فبراير فى أخبار اليوم وقد كتبت عبارة 4 فبراير برسوم متعاقبة للنحاس باشا وهو منثنٍ ثم منحنٍ حتى إذا وصل إلى الراء رسمها بصورته وهو ملقى أرضا ورأسه فى آخر الراء، هذه الصورة ظلت عالقة فى ذهنى تنفرنى من مصطفى وعلى أمين ورخا مرّة، وتشككنى فى وطنية النحاس باشا مرة. حين وصلنى حب نجيب محفوظ للنحاس باشا هكذا راجعت نفسى، سألته يشرح لى وجهة نظره فى حادث 4 فبراير، أعاد تفاصيل ما حدث بوجدان محب جميل. عرفت كيف أنه المتسامح المتحيز للجزء الخيّر فى أى زعيم، والجزء الواعد فى أى كاتب، حتى كاد تحيزه هذا وسماحه يشككان فى مصداقية شهادته للناس، وأحيانا للأعمال الأدبية،
حين يقترب الأمر من عبد الناصر والسادات، فإن المجاملة وما يشبه الموضوعية تتجلى بشكل تجعله عرضة للهجوم من أنصار هذا أو ذاك. إلا أنه كان يبدو حامدا شاكرا السادات وتحريره الأرض، أكثر مما كان مقدرا عبد الناصر ورغم اعترافه له بفضل محاولة تحرير الناس. وهو يزداد تحيزا للسادات وتسامحا معه كلما ازداد الهجوم علىه من جلسائه أو السخرية منه.
أصِرُّ دائما أن أرفض هذه التسويات الكمّية التى تعدد الحسنات على ناحية والسيئات على ناحية، وتتكلم عن الحل الوسط، والممكن، والتعادلية (مرة أخرى: لماذا حشرتَ الإسلام فى تعادليتك الماسخة يا عمّنا توفيق الحكيم؟) يقولون مثلا: عبد الناصر عمل عشرين عملا حسنا وخمسة نصف نصف وعملا واحدا مثل الزفت، والسادات عمل ثلاثة عشر عملا سيئا وعملين “كلِّـشِـنـكان” (كل شىء كان.ربما) وعملا مجيدا!!!! ما هذا؟ التاريخ ليس حِسبة جمع وطرح مثلما تعدّ علب المعلبات على رفوف محل “بقالة”. هذا التقدير الكمى الأعمى يصبح أكثر خداعا حين تضاف إليه لعبة “نعم…. ولكن”، نعم عبد الناصر ثائر ليس كمثله أحد، لكنه استسلم لمراكز القوى (كأنه ليس هو صانعها). نعم السادات حرر سيناء بذكاء الفلاح المصرى وشجاعة من يدفع حتى سُمعته ثمنا لملء الكف من طين أرضه لكن هو ديكتاتور انتهازى باع البلد مفروشة، هذه طريقة فى الحكم “تميّع ” الأمور تمييعا شديدا. تَخرُجُ منها وأنت فاغـــر فـاك، وقد يتدلى منه لسانك، أو تعمل حركة ببعض أصابعك: السبابة والوسطى معا، أو الوسطى وحده، لكنّك لا تعرف حقيقة معالم الموصوف.
فى إحدى جلسات الأستاذ مؤخرا (يوليو 2000) فى بيتى، سألنى أحد مريديه (أذكر اسمه الأول: إبراهيم، ربما هو أصغر الجالسين هذا اليوم سنا) عن رأىى فى قول سيدنا عمر بن الخطاب، أو لعله أبى بكر: لا آمن مكر الله ولو كانت إحدى قدمىّ فى الجنة”. لماذا سألنى إبراهيم أنا دون الآخرين ودون الأستاذ؟ أنا شخصيا أحترم مكر الـله جدا، وأفرح أنه – سبحانه وتعالى – “.. خير الماكرين”، كما أفرح بجزئىة ؛”… ورضوا عنه”، كلما وصف الله تعالى نفسه بصفة، أو أشار إلى فعل وأقارن ذلك بما يماثله عند البشر، أقترب أكثر، “مكروا ومكر الله” – “رضى الله عنهم فرضوا عنه”. لم أرد على سؤال إبراهيم، أنا إيش عرّفنى؟ قبل أن أحيل السؤال إلى شيخنا نجيب محفوظ أسأله أن يقول فى ذلك رأيا نبّهت السائل إلى احتمال ألا يكون هذا القول قد ورد أصلا. علينا أن نحدد مصداقية أى كلام قبل أن نندفع للتفسير والتأويل. طلبت من إبرايهم أن يخفف من حماسه قبل أن يستمع إلى الردود، لوأننا لم نجد ردا مناسبا فقد يثبت أن مصدر هذا القول نفسه يحتاج إلى مراجعة، ربما لم يــُـقل أصلا
هز الأستاذ رأسه وحوّل الكلام قصدا أوبغير قصد، لكننى عدت أرد على سؤال آخر لم يُطرح أصلا. سؤال له علاقة بحكاية عبدالناصر والسادات والتاريخ والتقييم الكمّى للبشر والمراحل التاريخية، وما إلى ذلك.
قلت للسائل: ذكّرنى سؤالك هذا بمسألة أخرى شغلتنى طويلا حتى اهتديتُ إلى حل ّربما يقَــرّب لنا فهم ما تريد، وهى مسألة تتعلق بالحديث الشريف الذى معناه “إن أحدكم ليعمل عمل أهل الجنة، حتى لا يكون بينه وبينها إلا قيراط فيعمل عمل أهل النار فيلقى فيها(فى النار)، وإن أحدكم ليعمل عمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبينها إلا قيراط فيعمل عمل أهل الجنة فيدخلها”. حيّرنى هذا الحديث كثيرا خاصّة وأنا أتلو “فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره”. كيف يتفق هذا مع ذاك. احترتُ طويلا طويلا حتى جاءنى الحل وأنا أقرأ مواقف النفّرى وأستلهمها وأقول “عليها”.
يحذرنا النفرى وسائر آىات وأحاديث الإخلاص والبصيرة من أن نغتر بالسلوك دون صدق النيّة وتوحيد التوجّه، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو جائزة يحصل عليها فهجرته إلى ماهاجر إليه. من هنا تصوّرت أن المقصود بأن عملا واحدا فى عكس الاتجاه قد يـَجُبُّ كل ما قبله فى حالة واحدة : هو أن يكون هذا العمل الأخير قد كشف حقيقة وطبيعة كل ما كان قبله. إن كان ما قبله يبدو خيّرا فإن هذا العمل يقول لنا إن هذا الخيركان زيفا، ولم تكن تلك الأعمال خالصة لوجه الخير أبدا، وإن كان هذا العمل الأخير خيرا، فقد يكون دليلا على أن كل ما بدا لنا شرّا كان يخدم الخير فى نهاية النهاية.
قلت للأستاذ كل ذلك، فهزّ رأسه، وأنا لا أفهم هزّة رأسه فى أحيان كثيرة، أهى هزة مجاملة أم تفويت أم دعوة أن أكمل الحديث. رحت أطبق نظريتى فى حالة عبدالناصر والسادات،
لعل وظيفة صدمة- فهزيمة 1967 هى أنها أظهرت أن ما قبلها لم يكن ثوريا، نقيا، عميقا، ذا معنى شامل قادر على القيام بالنقلة الحضارية والإنسانية التى لوّح بها عبد الناصر ونظامه فى البداية،
ولعل هيجة إغارة المعتقلات فى سبتمبر 1980 قد كشفتْ كيف أن ما قبلها كان اندفاعة جيّدة ومفيدة، لكنّها لم تكن خالصة لوجه الخير والحضارة والناس.
ما علاقة كل ما سبق بنجيب محفوظ أو بمحاولتى الكشف والمكاشفة؟
هو عيّنة لنوع الحوار الذى كان يدور خلال ست سنوات، ليس معه فقط، ولكن مع حوارييه أيضا من الحرافيش وغير الحرافيش. أليس فى هذا ما يكشف عن موقف الكاتب (الذى هو سيرته الذاتية) فى فترة معينة من حياته، أفضل من سرد الفخر والهجاء وذكريات طفلية عشوائية نمطية ومعادة؟
11/12/1994
بعد عودتى اليوم من أول خروج مع نجيب محفوظ بعد الحادث يوم عيد ميلاده الذى لا يحتفل به عادة (كما أخبرنى)، رحت أتأمل فى هذه الصدفة التى جمعتنى بهذا الرجل لأمر جلل فى حياتى. ليست مصادفة، بل فضل من الله ساقه إلىّ فى بداية عقدى السابع، ربما لأعيد تقييم ذاتى من خلاله. (هكذا أتدلل على الله كلما أتيحت الفرصة(
إثر الحادث، وكما ذكرت حالا، كتبت انفعالى وسجّلته فى المقال الذى أثبت نصّه فى بداية هذا الفصل. حين نشر هذا المقال فى الأهرام كلمنى أ. د. سامح همام بشأنه. شكر لى بعض ما ذكرت عنه، وما بينت فيه من عظيم فضله وفائق مهارته.
سألنى الدكتور سامح همام :
– هل زرت الأستاذ نجيب.
لعله حسِِبَ من المقال أن لى صلة شخصية به.
قلت له :
– لا، بصفة ماذا؟ أنا ليس لى علاقة شخصية به. أنا مواطن أحبه من بعيد. وقد لا أحتمل أن أراه إلا كما رسمه خيالى. أنا مطمئن عليه بفضل الله وفضلك.البركة فيك يا دكتور سامح، أدعو الله أن يتم نعمته عليه وعلينا على يديك ليقوم لنا بالسلامة،
قال أ. د. سامح:
أفضـّل أن تزوره فقد أصبح أكثر إسهاما وأطول صمتا بالمقارنة بالأيام الأولى بعد الحادث.
تغافلتُ مع ذلك، عن طلب أ. د. سامح، وقدرتُ أنه لمح عواطفى فى مقالتى فأراد أن يكرمنى ويطمئننى بإتاحة زيارته. وفى نفس الوقت أبيتُ أن أتصور أن أزوره إلا تلميذاً أو مريداً أو محباً أو تابعاً، أما أن أزوره طبيباً نفسيا فهذا أكبر من طاقتى، طنبـَلتُ(“طنّشت”).
بعـد ذلك بيومين كلمنى العميد د. محمد الحسينى من مستشفى الشرطة، لم يجدنى، ترك رقم هاتفه فتباطأت فى الرد، أخاف من شىءٍ ما، أخاف أن أسمع ما لا يسرنى عن تطور حالة أبى هذا الذى دعمنى طول عمرى حتى الآن عن بعد. أخاف فى نفس الوقت من الاقتراب منه لشدة رغبتى فى الاحتفاظ بصورته كما صوّرتُها لنفسى. توالت مكالمات د.الحسينى من مستشفى الشرطة، تاركا فى كل مرة أرقام هواتفه. أصبح الأمر كأنه تقاعس عن أداء واجبٍ حتمى. ما باليد حيلة. أمسكت بالهاتف وأنا أطلب د. الحسينى، قلبى يدق فعلا. يارب حافظ على الرجل أكثر وأطيب بفضلك، فإن أردتَ يا ربنا أن تجرى بعض فضلك على يدينا، فهذه نعمة لا يصح أن نرفضها.
ذهبت طفلاً يخاف أن يواجه أبيه رغم يقينه بعفوه وحبه وطيبته، طفلا – فى الستين – عليه أن يعود – لأباه ويكون تحت أمره ويطلب رضاه، لا أكثر،
أليست هذه هى الصورة التى رسمتـُـها له قبل ثمان سنوات وأنا أقدّم قراءتى له؟
سوف أذهب بالرغم منى. أنا أرفض أن أكون طبيبه وهو الذى عالجنى دون أن يرانى كل هذا العمر، فلأذهب من أجل خاطر عيون ذلك الطفل الذى بداخلى يتعلق بيده دون إذن منه. وأيضا ربما أرد له بعض جميله الذى أحاطنى به طول عمرى دون لقاء.
……………
دخلت الحجرة مترددا وبسرعة دارت عيناى تبحث عنه وجلا فلم أجده،
كان فى الحمام.
سألت الممرضة عن أحواله فقالت “أحسن”، كلمة نعرف نحن الأطباء أنها مثل قلـّـتها. خرج من الحمام. وقفت لاستقباله. عرّفته بنفسى فهز رأسه ثم أردف بحشرجة خشنة “أهلاً وسهلاً”. أمسكتْ قبضةٌ مجهولة بكل قلبى، أمسكتْ به وتزايذ الضغط حتى عصرته فامتصّت به ما ترقرق فى عينىّ ومنعته أن ينساب،
جلستُ، ملت على أذنه التى علق بها سماعة وأخذتُ أطمئنه، أطمئن نفسى، وأكاد أقرص وعيى لأتأكد أننى فى حضوره.
بدا لى أنه أكثر طمأنينة منى. رحت – أستلهم منه هدوءاً لا أعرف مصدره.
سألت – كطبيبٍ رغم أنفه – عن النوم، وعن السكر، وعن العلاج الطبيعى، وعن الضغط، وقالوا لى، وأطلعونى على كل ما لزم،
الأرقام كلها معقولة، لكن من أين تأتى الطمأنينة الحقيقية؟
حضرت الزوجة الفاضلة. عّرفنى بها مشيراً إلىّ “… دكتور فلان” وكأنه يعرِفُـنى من قبل. فعلا شعرت أنه يعرفنى من زمن كما أعرفه أنا منذ كنت، هل معقول؟
لم أمكث طويلا حرصا على راحته، انحنيت على يده أقبلها، ثم أقبـّل رأسه مستأذنا.
انصرفت. وما انصرفت، فقد ظل معى طويلاً طويلاً. عميقا ودائمــا.
………………….
…………………
ونواصل الأسبوع القادم استكمال الفصل السادس: “ملامحٌ مِـن تَرحال رابع”
يحيى الرخاوى طبيب نفسى

