نشرة “الإنسان والتطور”
الأربعاء: 6-5-2026
السنة التاسعة عشر
العدد: 6822
ترحالات يحيى الرخاوى
الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”[1]
الفصل الخامس
…بعض ما تبقى مما لا ينقال (3)
ورأيتـُهُ يسري بأوراقِ الشجرْ ،
وشربتـُهُ قطرا بهيجا في النـَّدىَ
وطعمتـُهُ شهدا رحيقا في الثمرْ،
وسمعتـُه في صمـِت طائرٍ شـَدَا،
صاحبتـُه صمتاً رصيناً في الحجرْ
الأربعاء 19 يوليو 2000
……………………
…………………..
20/9/1987
أعتمر كثيرا طول مدة وجودى فى الطائف. كل خميس تقريبا، مع أنى ما زلت أعتبر قيام الليل الذى نشأت أتابع أبى وهو يمارسه ليس أقل ثوابا من طقوس العمرة، بل لعلّ الأمر صريح بشأنه، فضلا عن شرف السرّية ، وتنمية الحوار الداخلى، وتعبد حاجة المحتاجين.
أنا أحب السعى والهرولة، نذكرنى – دون أى تفسير – فكرة السعى بين الصفا والمروة ببرنامج “الذهاب- و- العودة “in-and- out program الذى أعتقد أنه جوهر كل حياتى، بل إن هذا العمل الحالى الذى أخبّئه فى طيات الترحال يكاد لايفعل شيئا إلا أن يؤكد أن الحياة ليست إلا برنامج “الذهاب- و- العودة “.تؤكد لى الهرولة ما وصلنى أثناء عدوى مع المرضى من حاجتنا إلى فك تجمد الجسد. أجسادنا أصبحت، أو لعلها كانت دائما منذ رسول الله عليه الصلاة والسلام، معرضه للتيبس مع تيبس الأفكار، نحن نتيبس ونحن نجلس جلسة ثابتة، أو ونحن نمشى مشية نمطية، الجرى به من الزهو ما قد يجعل فك هذا التيبس لحساب التصعيد والتنافس لا التفكيك. فى المشى قد تمشى مرحا وتزهو على غيرك، أما الهرولة فهى ما تقابل “تعتعة الوعى” التى هى أساسية فى حركية النمو.
الدورات حول الكعبة هى أوثق ما تكون علاقة مع دورات بروتونات الذرة. دورات الإيقاع الحيوى. دورات نبض الكون. أىُّ حدس هذا وأى وعى وأى رحمة،مرة أخرى : هذا ليس تفسيرا، ولا تبريرا، ولا دعاية ولاشىء البتة، “هذا” “هو هذا”.
ينزل الدين بما هو نحن، ثم نتطاول عليه ونُنَظِّرُهُ، ونفسّره، ونعقلنه، فنبتعد عنه،
نحن نصنّم أدياننا وعقولنا ومناهجنا إلى ما صرنا إليه،
يبدو أن أجسادنا وعقولنا قد أصبحت فى حاجة إلا “هزاز خرسانة”، وليس إلى هرولة حتى يمكن أن تتحرك لتسمح بأى احتمال آخر.
كلما طـُفت وسعيتُ حاورتُ الكعبة وحاورتنى حوارا لا ينقال.
كلما ابتهلت إلى الله بطريقتى وعشمت فيه بمحاولة صدقٍ مجتهد، ورضيت عنه برضاه عنى: أسفتُ على حالنا حتى أكاد أعجز حتى عن الاحتجاج. وجرى بينى وبينه ما لا ينقال. يقوم عنى شيطان شعرى الحَصِــرْ باللازم. مهرب من ما لا ينقال إلى ما يمكن.حين حدث ذلك فى العمرة الأولى حسبت أنه مصادفة انفعال، إلا أنه تكرر مرتين. ثم نسيتالأمر كله حتى عثرت على ما عثرت أثناء بحثى عن الفصل المفقود.
عمرة أولى (20/9/1981) الدورات السبع
يتوارى الفرعُ بجوف الشجرةْ، يورق جذْرٌ تحت الأرض، تتخبّط أحلامُ الناسِ سكارى. فى غابة سيقان عَجْــلَى . ورحت أدورُ أغيبْ، فأصحو أثور:
متى أنتهى؟ متى ينتهون؟ أنارَ السَوادُ على وجهها: دعاءً صلاةٍ وعِشقَا، وتلمسُ أستارَهَا، فأفعلها مثلها. أحاكى اللسان بغير كلام.
يصيح الرجال “هو اللّه أكبر”، هىَ الذات أصغرَ، أصغَرْ . يضيع الصدى وَسْط همس الشفق. تزاحم كومُ الرجال النساء، فخِفتُ أذوبْ بصمْت الغِناء. بهمس الفضاء، سقوطاً لكلَّ ادعاء، وكلَّ «أنا»
إلى الأرض تحتى نَظرتُ، فما صرتُ إلا قدمْ تموءُ بجنب قدمْ.
وساءلتُــه:
لماذا اتبليتَ العبادَ بذل العناد؟ بلغز الكلام؟ بوهم البقاء؟ بحَدِّّ الفناء؟ لماذا الذكاء الغباء؟ لماذا وعيتُ بأنى «أنا»؟ لماذا امتُحنْتُ بذاتى؟ سُلبتُ ذواتى؟
رفضتُ الحجرْ. . تزاحم فيه سواد البشر، أغظْتُ القدرْ، أدور وأنسى، أدور لأنسى، ندور فنُنْسَى.
شبعتُ رجعتُ أبِّـللُ قَطْـرِى، أفجِّــرُ منِّى الضياءَ المُطَمَّى. وما خِـفتُ منهُ، ومارحتُ عنهُ. وما زاغ عقلى بعيداً هناك هروباً، سوى تحتَ ظل أمانِ الوثوق بيومٍ يعود إليه. وصليتُ نبضَـهْ، وأغفيتُ دهرَا.
وحين انتبهتُ: وجدتُ الخبيثَ يلعِّبُ لى حاجبَيْه، رجعتُ إلى لُعبتى دائريّهْ، وحيداً وحيدا، أصارعنى دينصورا، وياليتنى أستطيع.
عمرة ثانية (27/9/1981) أنهار المسعى السبـع
الدائرة الدائرة الدائرة تدورْ، والعقل الحس الوجد المسحورْ، مشدودٌ للبؤره. القامةُ مرفوعـهْ، فالركعةُ فالسجده. دار اللحن تَنَاسَقَ فى أفلاكِ الناسِ الكُثْر
ذرات الرمل الدمع الأنهارْ. البشر المجرى التيارْ، أدخُلُ رحمَ الناسْ، أخرج بهو الناس، بين الحَجَر وبين الصخره أولدٌ ضعفين . بين وجوهٍ بيضٍ سودٍ صفر سمرْ، ولغاتٌ تصل الناس بغير كلام. تصدح أمواجُ الأنهار:
قال النهر الأول:
لو أن عيون الواحدْ، لاقت عين الأخرْ، ولمَّدةِ بسمهْ، فاضطرب الواحْ، وابتسم الأخرْ، وَلمدَّة همسهْ: لتغير وجهُ الكون.
قال النهر الثانى:
لو أن المسعى أفشى سره، والناس امتزجت كتفاً كتفاً، قلباٌ قلباً، كعباً قدما، والهرولة تحطِّـم قضبان الجسدِ الصنمِ السجانْ، لترعـرَع َ زهرُ العدلِ بقلبِ الكونِ الناسِ الربْ، ولفاحَ عبيرُ رحيق العرق الجهد، يكتمل الناسْ، بجوار الناسْ.
قال النهر الثالث:
هبت رائحة الصُّحبْة، صحبة وجهِ امرأة ٍتحمل طفلا، والرجل الأسمر يسبح فى عرقه، وعجوزٍ يدفعها مرتزقٌ يلهثْ، والمرتزقُ الـْـيـَلْهث. أين القبلة؟
لو أن الناسْ، أنِسَتْ رضيت بالناسْ، لتغير حالُ الناسْ.
قال النهر الرابع
لو أن السعىَ تناغم بعد السعىِ إلى السعىْ، لرجعنا أطهر من طفلٍ لم يولد بعد، لا نتكاثر بالعدة والعد، ولعاد المعنى، يملأ وجه الكلمهْ، يهتز الكون: لو يعنى القائــلُ «أهلاً»، أن «أهلاً»
قال النهر الخامس:
لو أن الناسْ، إذ يعلو بعضٌ منهم فوق البعض: درجات. يعرف ذاك الأعلى خطر الرفعهْ، وخز المِقْرَد، لَخَــلتْ أدوار الناس العليا، لا يجرؤ يسكنها إلا حملة سر الكلمة
قال النهر السادس:
لو أن الكلمهْ، لو أن الفعل، لو أن الله،… لو ماتت “لو”، لانتظم السعى، وامتد الوعى
قال النهرالسابع:
فُتحتْ أبواب الرحْمة قسراً، لّما جعل الله الناسْ، يَرَوُنَّ الناسْ، مثلهمو. مثل الناسْ.
…..:
وتضاءلتِ الذات تَفرقَّت الكلمةْ، دارتْ عجلاتُ اللعُّبه، تعزف لحناً تكراراً، وتوارى الحلم. تنعكس الدوره، عادت تقفز “لو”: «لو أن الدائرة اعتدلتْ..» لو؟ ثانية «لو»؟
لعن الله الدرب الأسهلْ
كتبتُ مرة فى العامود الذى كنت أكتبه أسبوعيا تحت عنوان “تعتعة”(الدستور) لأكثر من عام :
من قواعد التعتعة أن تطلق لخيالك العنان، ولكن على أرض الواقع ، قيل وكيف كان ذلك ؟ قال: تلعب لعبة “لو لم”، ثم تلحقها أو تسبقها بلعبة “لو”، وبذلك تستطيع أن تعيد النظر فى الناس والأحداث والمبادئ والتاريخ،
وكم فزعت من هذه اللعبة حتى الرعب -خاصة حين يقترب اللعب من المسلمات والبديهات -فأتوقف فى كثير من الأحيان وأسأل الله الستر، خذ عندك -مثلا- : ماذا “لو لم” تقم ثورة يوليو؟ ماذا “لو لم” يمت جمال عبد الناصر يوم أن مات، وظلّ(أطال الله عمره!!) حيّا حتى الآن؟ ماذا “لو لم” تصب الرصاصات السادات؟، أما عن لعبة ” لو” فهى أقرب إلى الحاضر ، خذ مثلا : ماذا لو فصل أى عضو مجلس شعب لا يحضر جلستين متواليتين ؟ ماذا لو كان انتخاب الرئيس -مع منع الاستثناء ومنع تعديل الدستور بالمقاس- لثلاث سنوات تجدد مرّة واحدة .. وهكذا..
لكن عدد الدستور هذا هو عدد العيد وكل عام ونحن وأنتم بكرامة ،إن لم نكن قد نسينا معنى الكرامة، وأن الله كرّم بنى آدم، وأنه -سبحانه- قد دعى المسلمين منهم للالتقاء كل عام حول بيته الحرام فى الحج، ويأتى حج هذا العام وبيت المقدس تظلله سحابة سوداء هى سرب من جراد نتن، يمطربيت الله المقدس بحجارة من إهانات، وبصاق مسموم، فلا يهنأ لى عيد ، وتقفز إلى وعىى لعبة “لو”:
ماذا لو توجه الحجيج ، كل الحجيج (مليونين) بعد انتهاء مراسم الحج مباشرة إلى القدس ، ولا نطلب من الدول النفطية (والنفط من عند الله كما تعلمون) إلا أن يهيئوا لنا أتوبيسات (وسندوتشات وزجاجات ماء من ماء زمزم ) ، ولن يتكلف ثمن كل ذلك قيمة بضع طائرات ف61، ويمضى الحجيج حتى الحدود، ثم ينزلون فى مسيرة لا تتوقف زحفا إلى القدس ،ممسكين بزجاجات الماء والسندوتشات، غير متسلحين حتى بالحجارة، ويبدأ الاستشهاد: ألف، ونستمر،عشرة آلاف، ونستمر، مائة ألف، خمسمائة ألف،ونستمر، مليون ويبقى مليون، فيصبح المسلمون فى العالم ألف مليون إلا واحد(ذهب شهيدا).
……..
تعتعتى حول الكعبة بين الناس وسط الحركة الدوارة والساعية قديمة، مزعجة.
هيّا نفعلها ونزحف حجا استشهاديا إلى بيت المقدس، وبناقص عشرة مليون مسلم ، يستشهدون بالجملة ، بدلا من أن نقتهلم بالقطّاعى- فعلا ومجازا- فى الجزائر وعلى موائد القمار والحوار !!
(انتهت التعتعة دون تعليق).
جاء التحايل على ما لا ينقال فى العمرة الثالثة على لسان الكعبة المباركة.
عمرة ثالثة ( الناس والحجارة).
من خلف أستارِ الحجابِ الأسـْودِ، أحجارهـُا دمعتْ دماً، يا غائـَبا لم يـَعـُدِ، يا مولداً لم يولـَدِ،.. ودوائر الصمت المفرّغِ تـُفـْرزُ الندم
يا مـَنْ تدلّى من مشانق سترتي، حـَجـَري تندّى خجلا، من فرطِ صـَفـْع ِالقبلِ
تتحرك الشفاهُ في تثابرٍ معادْ، تتمايـَلُ الأجسادْ، تـَنـْتـِشـِى، فـَتـَرْتـَخـِى العقولْ:
يا ربّنا، يا ربّنا: أَدِمْ عـَلـْيناَ نـْعـَمـَةَ العمى ، حرموك َمن شـَرَفِ الألم، فارجع رعاكَ الله. نــمْ. و الله يـَغـْفـِرُ للـجـَمـِيعْ.
الذاهبون، العائدون، التائهون، النائحون، لا ينقـُص الحفلُ البهيجُ سـِوَى الدفوفِ الصـُّمَّ والوعـْى المـلوّثِ بالـَّرضـَا. الذاهلون الخائفون: من بعضهمْ، من قُــربهمْ،، من بـُــعدهمْ،، ياربّ ضلوا الدَّرْبَ دَارُوا حـَوْلـَهـَمْ، بمحلّـِهمْ –
لمّا تسابقت الضباع ُعبادةً محسوبةً للجمعِ أو للمحوِ لا للسعىِ أو للصحوِ، خافَ الجياعُ: جوعاً أمــرّ. جرعوا الكئوس المترعةْ، بالخدرِ يلتهم الرؤى. رملُ الفلاة أحنُّ من لمس المـَُغيَّبِ بالذهولِ وِبالجشعْ. وكثافة الصـَّخـْر الأصمِّ أرقُّ من رطانة البكمْ.
دارت تئن، تبعثروا، فتداخـَلـَتْ أشباحـُهم، فى ظلِّ فجرٍ كاذبٍ، بـَعـْدَ الأفـُقْ.
…………………….
…………………….
ونواصل الأسبوع القادم استكمال الفصل الخامس: “بعض ما تبقى مما لا ينقال”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – ترحالات يحيى الرخاوى: (2000) وتتضمن الترحالات: (الترحال الأول: “الناس والطريق”) و(الترحال الثانى: “الموت والحنين”) و(الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”) منشورات جمعية الطب النفسى التطورى، والترحالات موجودة فى الطبعة الورقية فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.
يحيى الرخاوى طبيب نفسى


خلقنا لنعرف
لم يتركنا خالقنا
بل قال
” اني جاعل في الارض خليفة”
يا فداحة ذلك
يا روع ذلك
نفخ فينا من روحه
لنحبه
لنلمس اطياف
اطراف المطلق
الحق
في ذاته
لذاته
هي علاقة ابدية
تبدا
ولا تنتهي
في رحلة كدح
يصاعد الي
مدارك الوجود
في اي لحظة انعتاق
للمعرفة الحضور
الوقفة
متي وصلت
بهرت
يصمت كل نبس
ويموت الانكار
يسجد بالخضوع
كل مخلوق
ويتفتت الوجدان
بهول الحضور
دون تفتت!!!!
دك الجبل
بالحضور
ودك الانسان
بثقل الامانة
ليس له خيار
اذن فالاختيار
هو الخيار
الوحيد
لملاقاته
بالانعتاق
دون انعتاق
في حضوره
بمعية حتمية
تظلل
وتطمس كل ما عداها
اليه
كي يرضي
فنرضي