نشرة “الإنسان والتطور”
الأربعاء: 15-4-2026
السنة التاسعة عشر
العدد: 6801
ترحالات يحيى الرخاوى
الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”[1]
الفصل الرابع
وهْــلُ المِـرآة (6)
أقلب عيونى ولاّ ابص فى المرايه؟
……………..
أنا لَوْ أبص فى المرايه حَاشُوف “خيال“،
إيدُه اليمين إٍيدى الشمال.
وَاقِف بِعيد وَرَا الإزاز.
وَاجِى أقرب للمراية التقى برْد الجمادْ.
وِشَّى يِبطـط، والنـَّفَـس بِيغطى تقاسيمه
كما جبل السحاب قُدام قمر مظلم حزين.
…………..
15 يوليو 2000
………………….
…………………..
هل يوَرث حب الأرض، وحوار الطبيعة، ونبض اللغة أيضا مع ما يورث؟
الحمد لله أننا لم نرث الاستعداد للجنون فقط.
أما البعد الأخير لعلاقة أبى بالزراعة فكان هو الاستثمار، وهو أقل ما كان يهتم به، على الرغم من أنه كان يعتبره علامة نجاح أفكاره، اشترى والدى الأرض من مرتبه، ولم يستعن بالأرض على مرتبه، كان مرتبه سنة 1924 خمسة عشر جنيها بالتمام، وقد عاصرت شراءه لست أفدنة من أجود أراضى المنوفية، فى الأربعينيات، بمبلغ ثلاثمائة جنيه نقدا وعدا.
على الرغم من كل هذا الذى ذكرته عن والدى دون أن أخصص له فصلا بأكمله مثلما فعلت مع أمى فإننى لم أستطع أن أنقل الصورة كما ينبغى أن أفعل.
والدى يحضرفى أحلامى بصفة متكررة، وإن كانت تباعدت مؤخرا بعض الشىء، وهو لا ينهرنى فى أحلامى كما كان يفعل من قبل، لكنه يحضر، وحين عددت حاجتى الملحّة، والمزمنة، إلى والد حاضر (كما جاء فى التكوين – الهلال- والفصل الأول من هذا الترحال) لم يكن ذلك لاستغنائى عن والدى، وإنما لتقييمى للدورالداعم، والدائم لكل ما هو “والد” فى حياتى (حياتنا). هل حاجتى للوالد هكذا تعنى فى نفس الوقت حفاظى على طفولتى وتمسكى بها،أنا لا أحلم بعودة أيام الطفولة أبدا، وفى نفس الوقت أشفق علىَّ طفلا هنا والآن. أعترف بها، وأحرص عليها، لكننى لا أستطيع أن أوفى باحتياجاتها..
وساعات أشوفنى طفل.. طفل..،
إٍنتو نسيتوه،
وأهله سابوه،
ولاَ هُوَّا قادر يبقى أبوه،
ولا انتو قادرين تلحقوه،
يا ناس ياهُوه:
يا تلحقوه…، يا تموّتوه.
حتى الآن، كلما قرأت هذه الفقرة تحرّك وجدانى بشكل خاص لا أملك ضبطه. ولا أخفى ـ أليست تعرية ـ أن عينى تدمعان فى بعض الأحيان، مثلما تفعلان حين أقرأ ما أوردته عن البقرة المربوطة بجوار الساقية، “وعْنيها الواسعة تحتيها دمعة،لا بتنزل ولا بتجف ” !!!، وقد ظهر طفلى طول رحلات التعرى هذه، ولست متأكدا إلى أى درجة التقطه القارئ إ ذا كان قد تحمّل طول الحكى حتى وصل إلى هذا الموقع أصلا،
السير الذاتية تحكى عن طفل الأمس، عن أيام البراءة والضعف والقهر والحرمان والخيال والرقة والتلقائىة، وعادة ما تأخذ طفولة أديب السيرة الذاتية مساحة كبيرة جدا وهو يحكى عنها بصدق وعمق وكثير من التفاصيل الطريفة والمؤلمة جميعا، من أصعب وأرق وأصدق وأكذب الحكى عن مثل هذه الطفولة ما جاء بأىام طه حسين. ولكننى لا أعرف سيرة ذاتية تحكى عن “طفل” كاتبها الآن،
الطفولة لا تموت ولا تختفى، قد يحكى آخرون عن يحيى حقى الطفل الجميل حتى نهاية عمره رحمه الله، وأنا أرصد حتى الآن طفل نجيب محفوظ ـ أطال الله عمره ـ لكنى أفتقد الحضور الوافى لهذا الطفل فى الحاضر أثناء كتابة السير الذاتية، (كتبت فصلا بأكمله عن طفل محفوظ فى أصداء السيرة، وفيه ظهر طفل الآن أكثر قليلا من غيره من السير، ربما لأنها أصداء).
أنــا أنتمى لمبدأ “الهنا والآن” فى معظم المواجهات والمعايشة، وفى الممارسة المهنية والسياسة، حتى فى قراءتى لـلتاريخ أستدعى التاريخ إلىّ، لا أرجع إليه. التاريخ هو ما تبقى فينا معنا فاعلا حتى الآن، أما التاريخ الذى تمثله المتاحف وخيالات المؤرخين فهو ما لا يجذبنى كثيرا، وأكاد أقول أنه لا يفرحنى، وقد لايحزننى إلا بقدر ما يحضرُنى لأعيد كتابته الآن، أو هكذا أتصوّر.
من هذا المنطلق أتصور آن طفلى”الآن” يظهر أكثرفى الرحلات، ومع أصدقائى الأطفال (خاصة بعد أن أكف أبوتى عن ملاحقتهم)، وعند السماح بالضعف، ولو باطنا.
ويتمادى التساؤل عن الصورالأخرى المتعددة التى تتبادل فى المرآة بحثا عن طبقات الذات الحاضرة، التى تمثل السيرة الذاتية الحقيقية،فلا يوازن السماح بظهور “طفل الآن” بكل صدقه وضعفه، إلا تحفز ما هو “ضد الطفل”، الوالد المتحفز المتلفت الشاكّ الجاهز بآليات الكر والفر للهجوم والدفاع على حد سواء.
وساعات أشوفنى وحش كاسرْ.
إٍلَّلى يخالف أدبحُهْ من غير فصال.
ولا أقبل المنطق ولا أقبل جدال.
وأَشك فى النـِّسمهْ، وفى الوردهْ، وِفِى الطَّفْل الرضيعْ،
لو ميّلوا كِده أو كِده،
أحسن يكونوا بيعملوا خطة متينة محكمة ضد “الحياه” !!
قال يعنى ضدى..
ما يْكونشى انا هوّا “الحياه” ؟ !
…
مع الانتباه إلى هذا التبرير بأن من يهاجمنى (يخالفنى) فى قليل أو كثير، هو لا يخالفنى أنا، وإنما أعتبره – من هذه الزاوية الدفاعية- من أنصار الموت ضد الحياة، نتذكر ما بدأت به هذه الرؤية الذاتية من أنه:
“واللى يخالف هوه حر، ميّت صحيح، لكنّه حر ف تربتته”.
أذكر أننى استشهدت بتعدد هذه الصور فى رؤيتى لنفسى، فى البرنامج الذى أشرت إليه عن “سى السيد”، ولكننى لم أستطع أن أوصّل أن هذه الرؤية المتعددة المتبادلة، لا تكون صحّية إلا إذا كانت تجليات لوجودٍ محورى جامِع يتشكل، طول الوقت،
الفرق بين التمزق والتشتت على ناحية، وبين التجليات للتكامل على الناحية الأخرى فرق لا يظهر مباشرة فيحدد الاختيار، وإنم هو يتبيّن من المتابعة لمعرفـة الناتج.
أوقف نفسى عن الاستطراد فى هذا التنظير لأنبه للمبدأ الذى ورد ليؤكد أن هذا الفرق، على غموضه وشكله البسيط، هو السر الذى يميّز بين الوجود الحى على طريق التعدد للتكامل، وبين التناثر المتفسخ.
وكتير أشوفنى كل دَهْ !
لكن هناك جوَّا قوى فرق بسيط،
يفرق كتير.
يمكن يكون سر الوجود.
واتمنى يوم قبل ما اموت:
ييجى حد منكم،
” بس بيحب الحياة أكتر ما انا باحبهَّا،
ويْبُص فْ عيونى قوى:
ويقُولَّى “مين”.
أَنا أبقى مين ؟
والفرق دَه.. فرق بصحيح..
ولاّ كلام؟ !! ؟
صعوبة التعرف على هذا الفرق تكمن فى أنه ينبغى أن يرصده آخر، جنبا إلى جنب مع الوعى به، وقياس نتاجه، لأن كل من يسمح لنفسه بالتعدد يمكن أن يصور لنفسه أن هذا التعدد هو الحرية، وهو التفرد وما إلى ذلك، وعلى هذا فإن الحرص على الاستهداء برأى آخر. جنبا إلى جنب مع تقييم الناتج هو الضمان الوحيد.
هنا يصبح التقييم النقدى للسير الذاتية ضرورى فى مواجهة وجهة نظر صاحبها بشكل أو بآخر.
هذه هى مهمة النقد فنقد النقد.
أهلا.
****
ونواصل الأسبوع القادم تقديم الفصل الخامس: …“بعض ما تبقى مما لا ينقال” من الترحالات الثلاثة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – ترحالات يحيى الرخاوى: (2000) وتتضمن الترحالات: (الترحال الأول: “الناس والطريق”) و(الترحال الثانى: “الموت والحنين”) و(الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”) منشورات جمعية الطب النفسى التطورى، والترحالات موجودة فى الطبعة الورقية فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.
يحيى الرخاوى طبيب نفسى


فعلا التعدد هو الاصل يا عمنا .
ولكن التحدي الاعظم هو التصالح والتناغم والجدل بين كل هذه الذوات دون فهم .
فتنطلق الحياة برغم كل شيء .