نشرة “الإنسان والتطور”
الأربعاء: 8-4-2026
السنة التاسعة عشر
العدد: 6794
ترحالات يحيى الرخاوى
الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”[1]
الفصل الرابع
وهْــلُ المِـرآة (5)
أقلب عيونى ولاّ ابص فى المرايه؟
……………..
أنا لَوْ أبص فى المرايه حَاشُوف “خيال“،
إيدُه اليمين إٍيدى الشمال.
وَاقِف بِعيد وَرَا الإزاز.
وَاجِى أقرب للمراية التقى برْد الجمادْ.
وِشَّى يِبطـط، والنـَّفَـس بِيغطى تقاسيمه
كما جبل السحاب قُدام قمر مظلم حزين.
…………..
15 يوليو 2000
………………
………………
حين يريد الواحد منا أن يتعرف على نفسه فعليه أن يحترم كل هذا بأى درجة كانت، واحترام رأى الآخر لا يعنى التسليم له، وإنما يعنى وضعه فى الاعتبار، ذلك أنه بقدر ما نشكك فى رؤية الشخص نفسه، ينبغى أن نأخذ نفس الحذر أن تكون رؤية الآخر هى رؤية ما يحتاجه، أويتصوره، أو يتمناه، أو يخشاه، هذا الآخر.
وألاقى صورتى زى ما انتم محتاجين:
اللى شايفنى كما النبى.
واللى شايفنى ربنا.
واللى شايفنى وَادْ مرقْع أو حدق.
واللى شايفنى قِفل مقفول من سنين.
واللى شايفنى حرامى أصلى مُعتبر.
كيف يقدم كاتب السيرة الذاتية نفسه للناس مع وضع مثل هذه الآراء فى الاعتبار؟ هو لا يفعل، ولا يحاول أصلا، فإن فعل فهو يتخد موقف الدفاع والشرح والنفى والتفسير. يحدث هذا أكثر فى أوطاننا العربية المجيدة، وأحسب أن هذا بعض ما أشرتُ إليه فى أول فصل فى الترحال الأول فى هذا العمل، فأضيف هنا تنبيها أحسب أن له أثره، وهو ما يتعلق بمسألة منهجية أفادتنى كثيرا فى ترحال الرؤية الذاتية هذه، وهى أن معظم مثل هذه الرؤى وغيرها يمكن أن تكون بدايات، أو بعض جوانب حقيقة ما، لا تكتمل إلا بالاستمرار فى تجميع الأجزاء حتى ترتسم صورة ليست نهائىة بالضرورة.
يـِمْـكِـن أكون أنا كل ده.
لكنى أبداً مش كدهٌ.
شوفوا كويس يا جماعه:
واحد يقول: خايف أشوفك لسَّـه حبّه.
والتانية بتقول: يا حرام !! طبْ حبّه حبّه.
والتالت المسطول لو الكُرْباج يِطرقع جوَّا مُخُّه، يشوف دقيقة،
بس فينُه مْنِ الحقيقة.
والرابع اللِّـى خوفُه عازْلُه جوَّا سجن المزّه، أو جبل الجيوشى
الـوِدْ وِدُّه يشوف ضلام القبرْ،
ولا إٍنه يدوق الصبرْ،
الصبر مرّ، والشوف يضرْ.
واناَ مين يشوفنى ؟
أبقى مين ؟
يتكون رأى الشخص فى ذاته، منذ الطفولة، من خلال آراء الآخرين ابتداء، ثم تتفاعل هذه الرؤى مع الممارسة مع تولّد صورة الذات ليصبح المتاح للحاكى هو كل ذلك، ولا يجوز أن نستبعد هذا التجمّع من أكثر من مصدر ونحن نستمع إلى حكى شخص عن نفسه.
فى مجال الأدب، والسيرة الذاتية صنف هام من الأدب، وكذلك فى أدب الرحلات، توجد إضافة لهذه الصورة المحكية، حيث يصبح رأى الآخرين من النقاد هو متغيّر مكمّل بالضرورة، وأتصور أن مهمة النقد تحتد أكثر فى مواجهة نقد أدب السيرة، لا لتثبت هذا الحدث أو تنفى ذاك، ولكن لتسبرغور منهج الحكى، وربما لتميز بين سير الفخر والهجاء، وسير الأحلام والدفاع، وسير الكشف والتعرّى.
فى محاولتى المتواضعة أن أكشف عن جوانب ما هو أنا كما أتصور، وكما يصلنى منهم، كنت أعانى مما يمكن أن يسمّى “نقد الرؤية الجزئية دون رفضها”، فما إن يلوح لى أن هناك من التقطـَـنى، ولو بأى درجه، ليس بمعنى أنه رآنى جيدا أو سيئا، ولا حتى عالما أو مبدعا، ولكن بمعنى أنه رأى ما أرى، وأنه أضاف بعض ما غاب عنى، ما إن يلوح لى مثل ذلك حتى أقبله ابتداء ثم أتقمصه، ثم أرفضه إلا قليلا، أو إلا كثيرا، وأحسب أن ما يلى من محاولات هى بمثابة تقمص مجتهد لما تصورته حولى، فتبيّنته لأرى:
– 3 –
… وساعات أبص لإيدى وانا بالعب ببيضتين والحجرْ،
أو لما باقلب فى التِلات ورقات واخبَّى فى الولدْ.
وأقول يا ناس.
بقى دول إٍيدَىَّ اللى بصحيح؟
بقى ده أنا؟
تعلّمتُ، ربما من أصلى الريفى، وربما من حرص والدى، وربما من إصرارى على كشف كل مناورة مثالية أو شبه ثورية تلوّح لى أن أحذق استعمال أدوات لعبة الحياة كما هى، هنا والآن،فى بلدنا هذه، فى عصرنا هذا، فى مرحلتنا هذه… إلخ، وكان هذا يبدو لى، وليس فقط لهم، أننى وصلت درجة احتراف امتلاك الأدوات، دون أى ضمان لحسن استعمالها أو هدف استعمالها، هذا الشك مفيدجدا حتى يحذر المغامر بخوض معركة الواقع أن يُسـرَق فيما يسمّى “الغاية تبرر الوسيلة”. وأعتقد أن المقطع السابق ينبه إلى موقفى النقدى طول الوقت من التمادى فى أى مهارة لذاتها، أو الحرص على أى رمز نجاحى دون وضعه فى سياق وجودى كله، لست أدرى إلى أى مدى نجحت.
وساعات أشوفنى حكيم وعمرى ألف عام.
شايف تمام عارف تمام.
كل اللى راح، واللى احنا فيه، واللى حاييجى
بدون أوان
هذه الرؤية نادرة، ولا أعرف أين أضعها فيما هو “أنــا”، ما أعرفه عن نفسى هو كراهيتى للخطب والحكم والاستشهاد بالأمثال، لكن ممارسة الحكمة شىء آخر، ربما هو ما كنت أعنيه فى هذه الفقرة، ما أعتبره حكمة قد تفسّر الرؤية التى لاحت من هذه الزاوية. أود أن أعترف هنا بكارثة أعيشها باختيار وشرف، وهى كارثة التفاؤل. فأنا على يقين أن كل زيف زائل. حتى لو نحاربه، الزيف يحمل مقومات هدمه فى داخله، الشىء الوحيد الذى يمكن أن يجعل الزيف ينجح نجاحا هو قمة الفشل هو أن يقضى على المحيط الذى شاع فيه كلية. فى حالة الإنسان: لو تمادت قيم التكمية (التعامل بالكم دون الكيف)، والرفاهية (بمعنى الدعة دون الجمال) والظلم (حتى لو رفع شاعر الديمقراطية) والتجزىء (العقل على حساب التكامل المعرفى والوجدانى)، وهذا كله زيف وباطل، فسوف ينقرض الإنسان لا محالة. هذه هى الحكمة الوحيدة التى تجعلنى متفائلا مسئولاعن تفاؤلى من ناحية (وهذه هى الكارثة)، وفى نفس الوقت تطمئننى على المستقبل من ناحية أخرى. فهل هذه هى الحكمة التى أعنيها فى الفقرة السابقة؟
……….
وساعات أشوفنى أبويا صُحْ.
بس الزيادة إٍنى لابسْ بدلَه وارْطُن بالَّلسانْ،
وأقول كلامْ:
قال إيه لصالح البشر وللتاريخ.
لكُّنه أللّه يِرحمه،
كان يعبد اللوزةْ وطين الأرضْ، وِالورْد الطويلْ،
مزيكته كانت مكنة الرىِّ تغنى تحت جَّميزهْ كبيرةْ مْضلَّلة،
واسأل فى نفسى:
أنهو اللى أصلح للتاريخ ؟
الكلمهْ، والحب السعيدْ فى أُوده ضلمة منعكِـشه ؟
أو لوزه حلوهْ مفتحه ؟؟
استشهدتُ بهذه الفقرة فى حديثى عن والدى فى مقالى فى مجلة الهلال عن التكوين، ولم أتردد فى الإعادة هنا.
علاقة أبى بالزراعة علاقة متعددة التجليات والأشكال، وقد أثّرت فىّ علاقته بالأرض ربما أكثر من تأثرى من علاقته باللغة، كان مدرس لغة عربية، وكان يحب اللغة العربية، وكان مزارعا، وكان يحب الأرض جدا، وكنت أستشعر من علاقته بالأرض عدّة أبعاد، فهو صديق حميم لعم محمد السعداوى، أو عم أبو ربيع، أو حتى بيومى أبو نصار، وكلهم خفر ليل. خفراء خصوصيون عملوا عندنا وتركوا فى ليل طفولتى آثارا رائعة. كان والدى ينام بعد صلاة المغرب، ويستيقظ بعد نصف الليل وهات يا صلاة القيام، وهات يا وِرد. كانت جلسته المفضلة أمام الحظيرة والراكية مشتعلة فى الشتاء يشعلها بنفسه وينفخ فيها، أو بجوار الجرن فى الصيف، فى الجهة البحرية. أذكر أنه كان المدرس الوحيد فى مدرسة كشك الثانوية بزفتى الذى تبدأ إجازته فى شهر مايو أو يونيو بمجرد انتهاء امتحانات النقل، فلا انتداب فى كونترول، ولا تصحيح لشهادات الثقافة العامة، أو التوجيهية (رابعة وخامسة ثانوي، أيامها)، يعتذر أبى بأى صورة من الصور.
ذات مرّة ضغط عليه الناظر حتى يشارك فى أعمال “الكونترول”، وكانت بمقابل مادى مغرٍ. أصرّ والدى أنه مستغن عن هذا المقابل الذى يحرص عليه زملاؤه، فأصر الناظر على تكليفه، فحكى لى أبى ضاحكا كيف تخلص من هذا المأزق: احتفظ بمسوّدة الدرجات بعد أن بيّضها، ثم سكب الحبر على أغلب ما بيّض من كشوفات، وجعل الناظر هو الذى يناديه ليحاسبه، وربما ليعاقبه، وكان العقاب طبعا أن يحرمه من المشاركة فى الكونترول مستقبلا بعد تدارك الإهمال، فقدّم له والدى المسودات وانصرف، ولم يُنتدب ثانية أبدا. يضحك والدى وهو يحكى لى هذه الرواية وأنا راكب خلفه على الحمار فى طريقنا إلى الجرن حيث كان كبيرا ذلك العام (ثمانية أفدنة قمحا، واثنان شعيرا)، فـأنتهز فرصة ضحكه فأخبره على نتيجتى آخر العام فلا ينتبه لها كثيرا ولا يسأل عن ترتيبى، فقد كانت أهمية الترتيب فى الفصل فى اختبار الفترة، وكانت نتيجة نهاية العام دون ترتيب على المدرسة، أوهكذا أشعْــنا حتى صدقنا ما أشعناه، المهم هو أن والدى لم يعتن أصلا أن يصدق أويكذب. كان ما يهمه نهاية العام هو أن يتفرّغ لزراعته، وأن ننتقل إلى السنة الدراسية التالية، لا أكثر،، وكان مجموعى -ربما لذلك- ضعيفا جدافى نهاية كل عام، بالمقارنة بدرجات الفترات،
كان والدى يعتبر الزراعة هى مهنته الأساسية، والتدريس هو الهواية بعض العام.
كان للزراعة دور آخر فى حياة والدى (وحياتنا)، فقد وثقت علاقته بالطبيعة بشكل أكاد أجزم أننا ورثناه منه، نحن جميعا لنا علاقة وثيقة بالشمس والقمر بالذات، حتى أن زوجتى حين لاحظت تعلّقنا جميعا بالشمس، حتى وهى فى عز “نقرة القيالة” كما يقولون، كانت تعلق أننا “عائلة عباد الشمس”، تذكرت ذلك وأنا أكتب عن دورة عباد الشمس وأهل الكهف، بادئآ بأنه
” وطارت وريقة، و أخرى، وأخرى،
وزهرة عباد شمس تهاوت إلى الغرب، قبل الغـروب”
لكن نهاية القصيدة كانت:
“وذات صباح، تمطى الجنين،
أزاح ظلام الهروب الجبان،
ونادى الوليد العنيد على الشمس: هيّا،..، هيا اتبعينى،
نهار جديدْ”،
أما الدور الثالث الذى كانت تقوم به الزراعة لوالدى فهو إتاحة الفرصة لنوع من الإبداع، كان دائما يحاول أن يغيّر من نمط الزراعة،، يخطط قصبة القطن بعدد أكبرمن الخطوط المألوفة، يستعمل آلات لم يسبق استعمالها فى بلدنا، ولعل استشهاد أخى الذى ذكرته سالفا “ما احبش امشى على المدق اللى الناس ماشية عليه،أنا أحب اعمل مدق والناس تمشى عليه” هو خير تصوير لهذا الموقف الإبداعى على الأرض.
أعتقد أننا نحن الخمسة قد ورثنا حبه لكل من اللغة العربية، والزراعة، وربما انتقل ذلك إلى أولادى. محمد إبنى الأكبر مزارع أساسا -فى الفيوم- وعمله الرسمى أنه مدرس مساعد بالجامعة يحضّر للدكتوراه فى “النفسية اللغوية” (علم نفس اللغة) لكننى أعتقد أنه يحضرها بطريقة المزارع وليس الأكاديمى، لهذا تأخر كثيرا (لا أعرف كيف جاءنى هذا الانطباع). إبنى الأصغر، مصطفى، الذى هو فى الشرق الأقصى الآن، مزارع حديث، كلما شاهدت ما فعله فى قطعة أرض فى بلد أبى تذكرت حديقة النباتات النادرة فى مونت كارلو، أو حديقة شهاب أحمد مظهر الذى اعتكف فيها أحمد أخيرا حيث أزوره مع بعض الحرافيش كل حين وحين.
………………
………………
ونواصل الأسبوع القادم استكمال الفصل الرابع: وهْــلُ المِـرآة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – ترحالات يحيى الرخاوى: (2000) وتتضمن الترحالات: (الترحال الأول: “الناس والطريق”) و(الترحال الثانى: “الموت والحنين”) و(الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”) منشورات جمعية الطب النفسى التطورى، والترحالات موجودة فى الطبعة الورقية فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.
يحيى الرخاوى طبيب نفسى

