الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / ترحالات يحيى الرخاوى: الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال” الفصل الرابع: وهْــلُ المِـرآة (4)

ترحالات يحيى الرخاوى: الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال” الفصل الرابع: وهْــلُ المِـرآة (4)

نشرة “الإنسان والتطور”

الأربعاء:  1-4-2026

السنة التاسعة عشر    

العدد: 6787 

ترحالات يحيى الرخاوى

الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”[1]

الفصل الرابع

وهْــلُ المِـرآة (4)

أقلب عيونى ولاّ ابص فى المرايه؟

……………..

أنا لَوْ أبص فى المرايه حَاشُوف “خيال،

إيدُه اليمين إٍيدى الشمال.

وَاقِف بِعيد وَرَا الإزاز.

وَاجِى أقرب للمراية التقى برْد الجمادْ.

وِشَّى يِبطـط، والنـَّفَـس بِيغطى تقاسيمه

كما جبل السحاب قُدام قمر مظلم حزين.

…………..

15 يوليو  2000

………………….

…………………

وقد غلبتْ على هذه الخبرة تصوراتى وتصوراتٌ عنى، وبالذات ما شاع فى تلك الفترة من هذه الخبرة من أننى صاحب تأثير خاص (كاريزما)، ولى منهج خاص، بمايشمل أحيانا أننى ديكتاتور قادر على أن أقنع الآخرين والأخريات بما لا يقتنعون به فى الأحوال العادية، وكلام من هذا.  وأيضا اتُّـهِمتُ (أو وصفتُ) بأنى امَلِكُ الوحدة (الشيزيدية) رغم ظاهر التواجد معا، ولم يسلم الأمر فى هذه الفترة أيضا من أن يتطوع بعض أفراد المجموعة (وهم زملاء) من تشريفى ببعض التشخيصات النمطية، وغير النمطية،

وسْط كل هذا حاولتُ أن أرسم صورتى كما تصورتـُها، وهى التى أسميتها “المعلم”،  التى هى أقرب ما يكون إلى هذا العمل باعتبارها: سيرة ذاتية. فى موقف المواجهة قلت فيها ما سبقت الإشارة إلى بعضه مثلا فى “التكوين ” (الفصل الأول فى هذا الترحال الثالث).

طبْ والمعلِّمْ ؟

له عيونْ كمَا العيونْ ؟

بِتقولْ كلامْ هـوَّا الكلامْ ؟

ولاّ كلامْ غير الكلامْ ؟

شيخ الطريقة قاعدْ لِى كَـمَا قاضى الزمانْ.

بِيْقسَّم الأرزاق ويمنحْ صك غُـفران الذنوبْ.

وكإن مشكلة الوجودْ،

ما لهاش وجودْ،

إٍلا حَدَاه.

عامل “سبيل” اسمه “الحياهْ”:

“قال دا يْعيشْ،

وِدى تموتْ،

ودا مـالـوشْ إٍلا كده”.

قاعد يصنَّـف فى البشر حَسَبِ المزاجْ:

واللى بِيِشْبِه حضرتُهْ،  يديه قيراطْ،

فى جنَّتْهُ.

واللى يخالفْ هوّه حُـرّ.

يكتب على قَبْرُه ماشاء.

ميتْ صحيحْ،

لكنُّه حرُّ فْ تُـرْبـتـه.

وانْ قلنا ليه ياعمّنا؟

بِيقول كـمَا قاضِى الزمانْ:

ماقْدِرشِى يمشى عالصراطْ ويكون “كمثلى”

ونقولُّه: مثلك يعنى إٍيه؟

يسكتْ… يِتوهْ

يِسرحْ… يِقفْ !

وعنيه تِقول.. كلام كتير!!

هذه المقدمة الطويلة، ترسم الصورة التى كانت تلوح من قريب أو من بعيد أمام هذه المجموعة “مجموعة الأسوياء” “مجموعة المواجهة” من الأصدقاء والزملاء، ومع أننى لم أعلن أى مذهب، أو حتى نظرية.  كل محاولاتى للتنظير جاءت لاحقة لهذه الخبرة، ربما كانت نتيجة لها.كانت هذه التجربة سنة 73/74 فى حين لم أكتب “دراسة فى السيكوباثولوجى إلا سنة 78/79، أما النظرية الإيقاعية التطورية، فقد كتبتها سنة 1980، ولم تنشر مكتملة بعد،

 الموقف الذى كان سائدا فى مجموعة المواجهة كان هو الموقف النقدى لكل ما هو “عادى”، وأنه علينا جميعا أن نتبنى موقفا لا أقول ثوريا، ولكن على الأقل هو “موقف آخر”، وبدا أن أكثرنا عنادا والتزاما بالتغير، وإصرارا على نجاح البديل (المجهول)  فى نفسى الوقت هو شخصِى، ومن ثمّ تأكدت  فكرة أن لهذه المجموعة فكرا خاص أو مختلفا، أنا مسئؤل عنه، حتى دون أن أعرفه (حتى الآن !!)،

رَّدا على كل هذه الدعاوى حاولت أن أعرّى نفسى أمامهم، وأمامى كالتالى:

– 2 –

يا هلْترى عمَّـال باشوف الناس عشان أهربْ ما شوفشى مين أنا؟

ولاّ باشوفنى الناس؟

نـِـفْـسى أشوفنِـى من بعيد.

من تحت جلْدِى.

 من وسط قضبان الحديد.

من غير كلام ولا سلام.

إذا كانت كتابة السيرة الذاتية تمثل تحديا يشكك فى مصداقيتها ومستوى عمقها عند سائر البشر، فإنها بالضرورة كذلك وأكثر عند طبيب نفسى، ذلك أنه شاع – بدرجة من الصدق – أن المشتغل بالطب النفسى قد يكون دافعه أن يعالج نفسه إسقاطا على مرضاه، هذا إذا سلم الحال، أو أن يرى مرضاه بدلا من أن يرى نفسه، وهذه خطوة قد تسهم فى العلاج لوأنها كانت خطوة نحو رجوع إلى ذاته، لكن لو توقف عندها الطبيب شعوريا أو لا شعوريا أصبح متفرجا قاسيا، بل ضارّا، أو ربما راح يختبئ فى بعض المدارس الميكانيكية الهروبية التسكينية. ومع احترامى لكل هذه التخوفات، فقد حاولتُ تجاوزها بأن أمضى محاولا مواصلة الرؤية بالحذرالممكن:

أقلب عيونى ولاّ ابص فى المرايه؟

أنا لَوْ أبص فى المرايه حَاشُوف “خيال”،

إيدُه اليمين إٍيدى الشمال.

وَاقِف بِعيد وَرَا الإزاز.

وَاجِى أقرب للمراية التقى برْد الجمادْ.

وِشَّى يِبطـط، والنـَّفَـس بِيغطى تقاسيمه

كما جبل السحاب قُدام قمر مظلم حزين.

ما يسمى الاستبصار أو التأمل الذاتى هو من أكثرمناهج البحث المشكوك فى قدرتها ومصداقيتها، فيه تنقسم الذات إلى مُـلاحِظْ وملاحَـظ.  الرؤية فى الفقرة السابقة تنفى مباشرة أن حكْـى هذه  السيرة هو استبصار، وخاصة إذا كان المقصود أن يؤدى الاستبصار إلى التذكر، مجردالتذكر لا المعايشة،

 الاستبصار هو مجرد حكى عما يصل من الداخل، وتصوير لرسائله، أما ما قصدت به من مواجهة المرآة فهو يشير إلى موقف رؤية أشمل، هو نوع من الكشف الآنى المحاوِر بنوع من الإدراك بعين داخلية، وليس بحكى عقلانى. المرآة ليست صادقة على طول الخط، حتى أن وهْل المرآة Mirror Illusion  إنما يشير إلى أنها  مصدر للخداع “العادى.  حين تنظر فى المرآة ترى نفسك وراءها  المرآة،

لكل ذلك وجب الحذر من الاعتماد على الحكى الشخصى بهذه الوسيلة بالذات(الاستبصار)، فهى مقولة بالتشكيك مهما اجتهــد الحاكى. ربما لذلك غامرت بأن أحاول المكاشفة بأكثر من منهج، من أكثر من زاوية، وبعديد من الأدوات..

 وَامّا قلبت عيونى جوّه عميت،

وحاولتَ ابُص.

حاولتْ أَقْرا فى الضَّلام،

مالَقيت كلام.

….

ورْجعت أبصلكم هناك

فى عيونكم انتم.

أنا أبقى مين؟

أقر وأعترف أن كل ما شاع عنى، صدقا أم خوفا أم حبا أم حقدا، فى هذه التجربة خاصة، وربما بصفة عامة، وربما عن أى أحد، كان فيه بعض الحقيقة.

………………….

…………………

ونواصل الأسبوع القادم استكمال الفصل الرابع: وهْــلُ المِـرآة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] –  ترحالات يحيى الرخاوى: (2000) وتتضمن الترحالات: (الترحال الأول: “الناس والطريق”) و(الترحال الثانى: “الموت والحنين”) و(الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”) منشورات جمعية الطب النفسى التطورى، والترحالات موجودة فى الطبعة الورقية  فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة  الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *