الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / ترحالات يحيى الرخاوى: الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال” الفصل الرابع: وهْــلُ المِـرآة (3)

ترحالات يحيى الرخاوى: الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال” الفصل الرابع: وهْــلُ المِـرآة (3)

نشرة “الإنسان والتطور”

الأربعاء:  25-3-2026

السنة التاسعة عشر    

العدد: 6780 

ترحالات يحيى الرخاوى

الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”[1]

الفصل الرابع

وهْــلُ المِـرآة (3)

أقلب عيونى ولاّ ابص فى المرايه؟

……………..

أنا لَوْ أبص فى المرايه حَاشُوف “خيال،

إيدُه اليمين إٍيدى الشمال.

وَاقِف بِعيد وَرَا الإزاز.

وَاجِى أقرب للمراية التقى برْد الجمادْ.

وِشَّى يِبطـط، والنـَّفَـس بِيغطى تقاسيمه

كما جبل السحاب قُدام قمر مظلم حزين.

…………..

15 يوليو  2000

 ………………….

…………………..

12/3/1983

لو أننى أعمى أعيش الجهلَ زُرْكِشَ بالأملْ،

لو أننى عشقتُها فخِلتُها ست الحسانْ،

لو أننى أحببتُ طفلا دون أن أرى نذالَتَهْ.

لو أننى حاربْتُ خِصما دونَ أنْ أبكىَ قهْر وحْدَته.

-1-

لمَّا روانى نهْرهُا،

ولقطتُّ حبَّ الحُبِّ من منقارها،

تحنو تمُنِّى وِحْدِتى تذيبُها.

عرَّى الحقيقةَ جائعهْ:

 ومضى يحدد كمْ تبيعُ فأشْـترى ،   وكذا هِــىَ.

ففزعت أفقأُ عينَـها، عينِى أنَا،

وعشيتُ من بهْـر الرؤَى،

وضممت حولى وحدتي.

-2-

لمَّا تمايلَ جمعُهم مكبِّرا، مهللا،

فى حب أرضنا الوطن،

أفرغتُ وعيى من خبايا حكمتى،

فأذبتُ نفسى هاتفا:  “يحيا الوطن” !!

 فأطلَّ من بين الضلوعْ،

ابنُ السفاح الباسمِ المستهزئِ

[لكلِّ من ولدته أمُّه وطن، مثل الوطن]

يـاأرض ربّى قد وسعْتِِ  الناسَ والسباعَ والطيورَ والحجارةْ،

لكننى أرنو لشبْرٍ واحدٍ: أنَـا،

يضمُّ عظمِى يحتوينى رحِِمَا.

-3-

يا صاحبِى يا ذا الجلالة والحكم:

هدَّمْتَ معبدى.   لوّثت أحلامى، عرّيت آلهتى.

رُدَّ الجهالةَ،  مـِـقْـوَدى.

أفسِح رعاك الله، (من؟)

..يأبى عنيدا.

قلتُ أصرعُــهْ

لمْ أستبن “أنى”..  “أنا”.

هذا الذى شككنى فى الحب،  وفى الوطنية،  وفى براءة الطفولة، وفى سفالة العدو، وفى قداسة أصنامى،  وفى اغتراب آلهتى،  أليس هو “أ نا؟  فإذا كتبت سيرتى الذاتية، فهل أكتب سيرتى أنا، أم سيرته هو.

9/9/1982

من بعدٍ أعمق ظهر لى هذا “الأنــا الآخر” “متعددا” يحاوروننى  مباشرة  فيما أسميته “السلام والصدى:

-1-

ألقَى تحيَة الصباحْ:

المغفرهْ .

ما كنت أحسبـُك النبى المنتظر.

لستَ القدر .

مقابضُ الرياحْ

أسباب  عيّي

قد صار جلدى من رقائقِ الرصاصْ.

-2-

ألقى بوجهىَ القفازْ .

منكَ السماحْ.

طُمِستْ ملامحــِــى .

لم أمتَـشِـقْ دِرعَ النـِّـزالْ .

سلّمتُ سيفى من زمنْ .

ياسَّيدى:

” العفو عند المقدرهْ

والضرب فى مــيْتٍ  حرام

-3-

ألقت تحيّة المساء

الوقت مات،

رُعبا وسهْوا

فتحرّكت رمالهُا المتمعّجة

تحشرجتْ

وانتفضتْ

-4-

ألقت قذائفَ اللهبْ

دبّت حياة الموت فى البقايا

شٌحِذَتْ  نيابٌ لامـــعهْ

وقاطــِعهْ

البسمة الهُلاس

وتفرق الجند المُمَدّدِِ لحدُه

بين الْمـَـضَى  والمـُنْتــَظـَر

-5-

ألْقَى السلام

تردَّدَ الصَّدىَ

مرة أخرى: السيرة الذاتية، سيرتى الذاتية، هل هى سيرتى أم سيرة هذا الآخر؟ هؤلاء الآخرين.

أنبه إلى افتقادى لهذا البعد الواضح فى الحياة العادية،بعد التعدد، وكثيرا ما يتساءل بعض العاديين عن أى تغير فى موقفهم، أو فى طباعهم، أو فى آرائهم، وكذا أى ازدواج أو تعدد، يتساءلون عمّا إذا كان هذا هو انقسام فى الشخصية، أو ازدواج، مع أننى من كثرة ألــفتى لهذا التعدد فى ممارستى مهنتى، ونظرتى فى مرآتى، وتحمّـلُى لمن ليس كذلك، كدت أعتبر أن اختفاء هذا الأنا الآخر هو الذى ينبغى أن يعد من قبيل الخطأ، أو حتى الخطر. ليس معنى وجود هذا “الأنا الآخر” أن يحضر منافسا، أو مخالفا، وإنما هو يحضر مكمّلا ومنضمّا مارا بمراحل الاختلاف والحوار والجدل الضرورى للتكامل.

فى البرنامج الذى أشرتُ إليه وشاركت فيه عن “سى السيد” فى قناة النيل للمنوعات (28 يوليو 2000)  اعتبـر كل الضيوف والمذيعة أن  سى السيد بظهوره المتعدد: متناقضٌ ومنافقٌ ومثلٌ سىء وكلام كثير فى هذا الاتجاه، ولم يخفِّف من وقع ذلك إلا مكالمات الجمهور وإقرارهم لما رأيتُ من حتمية التعدد للتكامل، وضرورة قبول التجليات المختلفة فى المواقف المختلفة.

ثم إنى لما أتيحت لى الفرصة مؤخرا للمشاركة فى بعض مجالس المبدعين، بفضل صحبتى لنجيب محفوظ أساسا، بما فى ذلك الحرافيش، رحت أبحث عن هذا “الأنــا الآخر”لديهم فافتـقـدته بشكل أزعجنى، فرجّحت، فأرجح أنهم اكتفوا بظهوره (ظهورهم) فى إبداعهم دون سائر مجالات ومنظومات وعيهم الأخرى.

 بل إنه من فرط قبولى لهذا التعدد كشىء طبيعى، بل وصِحّى ونمائى فهمتُ   التناثر فى الحلم باعتباره خطوة رائعة وضرورية تمثل  روعة وعادية وإبداع ما أسميته “التعدد للتكامل”.

وقد ساعدتنى رؤيتى هذه أن أفهم هذه الموجات الجديدة من الكتابات الجديدة.

 وأيضا ساعدنى هذا المنطلق فى إعادة النظر فى بعض تراثنا الشعبى، من أول يا طالع الشجرة (ليست شجرة توفيق الحكيم)، حتى أغنية “اتشعطر وانا المّك،يا غصن البان”،بل إن هذه الأغنية كانت مدخلى لقبول ليس فقط أنا الآخر (أو حتى نحن الآخرون)،بل فى تحمّل التناثر حتى يصير تعددا ضامّا بدلا من أن يتمادى  فى التناثر التفسّخى.

هذا” التناثرالضام “هو ما ظهر لى فى “المرايا”.

-1-

ألمَِلمُنى من شظاياَ المراياَ،

وأقنعُ بالهمسِ وسْط الزحامِ.

بقايا الحديثِ، وسقْط اللقاءِ.

 زوايَا النظرْ.

-2-

تمــرُّ الرياحُ محملةًٌ باللقاحِ.

أدفِّئُ بيضِى

أرتّبُ عشِّـى.

أميل مع الميِل أجرى لَهاَ.

 أعلّق روحى بمنقارِها.

-3-

أُعـَدّل وجهى

أعــِدُّ ابتسامهْ

أسوّى رباط العنقْ

ألاحقُ دورى

أعُدُّ الخطَى

أرتّبُ لفظي

[ تُــراهَا تَــراني؟]

فألصِـقُ وجْهِىَ بين السياجْ،

فتُغْفلـُنى، أسترِقُّ النظرْ.

وأجمعُنى ضاغطاً بالحزامِ

لنغفو جياعا

 -4-

أمدُّ الذراعَ ألامسُ طرْفَ الحــــفيفِ

أرتِّبنى من جديدْ

ألاصقها من بعيدْ

أكوّر مقطعَ لفظٍ وليدْ

أوسِّدُنى عقلة الإصبع

أمَصٌمِصُهَا عـَـلـْـقَـما فى دمى

ألــَـمْلـِمنـِــى

أحتلـــــــمْ.

حين عجزت عن، وخِفتُ من، كتابة تلك  الخبرة الخاصة التى أسميتها “جماعة المواجهة”، اكتفيت بما ظهر متواريا فى كل من الجزء الثانى من روايتى، وأيضا فى ديوانى بالعامية.  فى العمل الأخير قرأت “نفوسا” كثيرة، فى عيون كثيرة، ذكرت بعضها فى هذا العمل هنا وهناك، ثم واجهت نفسى بسؤال واضح يقول:

 هل يمكن أن أقرأ صفحة عيونى شخصيا، وما وراءها مثلما فعلتُ معهم، أو فعلت بهم؟

فحاولت،

 فكانت العين السادسة عشر بمثابة سيرة ذاتية كاملة مع أنها أكثر إشارة إلى فترة معيّنة، هى أقل من سنتين بقليل، (73/1974) إلا أن الرؤىة  امتدت تتناول ملامح من موقفى، وموقعى وتاريخى، وما شاع عنّى، وما ظننته فى نفسى.

 ………………….

…………………..

ونواصل الأسبوع القادم استكمال الفصل الرابع: وهْــلُ المِـرآة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] –  ترحالات يحيى الرخاوى: (2000) وتتضمن الترحالات: (الترحال الأول: “الناس والطريق”) و(الترحال الثانى: “الموت والحنين”) و(الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”) منشورات جمعية الطب النفسى التطورى، والترحالات موجودة فى الطبعة الورقية  فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة  الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.

 

تعليق واحد

  1. ( وهم )

    لا بيتَ لكَ ،
    و قلبك َ، أُفُقٌ مَفْتوقٌ ، وفاغِر
    لكنَّكَ دائماً ما تُصغي
    مُتوهِّماً
    أنَّ هناكَ
    مَنْ يطرُقُ الباب !
    .
    .
    لماذا تنسى
    أن تُصغي
    عندما لا يكونُ هناكَ
    مَن يطرُقُ الباب !؟
    .
    .
    أبحثُ عن طُرُقاتٍ لا تُفْضي
    وعن وَهْمٍ
    لا يشوبُهُ يقين !
    .
    .
    لن يرفع الوهمُ
    قبَّعتَهُ احتراماً
    وانتَ مَوصومٌ
    بعارِ اليقينْ !
    .
    .
    لَشَدَّما أنتَ (أنتْ)
    حين لاتعرفُ ماذا
    كيفَ
    مَنْ
    وَ أين !
    .
    .
    فجأةً
    وجدتُني أمامي
    التقَيتُني عندي
    صادَفتُني فيّا
    وَلَمْ أزَلْ
    – مُتَعَدِّداً –
    وَحْدي !
    ..
    .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *