الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / ترحالات يحيى الرخاوى: الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال” الفصل الثالث: أمى…. (5)

ترحالات يحيى الرخاوى: الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال” الفصل الثالث: أمى…. (5)

نشرة “الإنسان والتطور”

الأربعاء: 4-3-2026

السنة التاسعة عشر    

العدد: 6759 

ترحالات يحيى الرخاوى

الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال” [1] 

الفصل الثالث

أمّـى(5)

  الأم ليس لها تعريف آخر،

هى صفة قائمة بذاتها لا تحتاج إلى أن توصف بالحنان، أو بالحب، أو بالدفء،

أو غير ذلك،

أحيانا حين أسمع أغانى الأم أبتسم.

 أرفض أغلبها،

 أشعر أن الأم لا تحتاج لكل هذه الأغانى والألفاظ

 لنتعرف على دورها أو نـُقـِرّ بفضلها.

دبى. أول نوفمبر 1991

…………….

…………….

15 يوليو 2000

عذرا أمّى، ظلمتُـك، وكأنى فعلتـُها وحدى، إن كنت قد فعلتـُها أصلا.

قرأت لاحقا (سبتمبر 2000) رواية “العطر”لباتريك زوسكند كما ذكرتُ من قبل، وأعدت اكتشاف مسائل كثيرة تتعلق بما سبق أن أثبته هنا من افتراضات،

ولد جان  باتيست جرينوى سفاحا من أم كانت تتخلص من أطفالها أولا بأول، وحين حاولت أن تتخلص منه عقب ولادتها مباشرة  ضُبطت، وحوكمت، وأعدمت.

أطلق غرينوى من تحت طاولة السلخ “صرخة مدروسة بدقة، ويكاد المرء أن يقول إنها صادرة عن عقل مفكر، أراد بها الوليدالجديد أن يحسم أمره ضد الحب ولصالح الحياة”، لأول وهله  يبدو هذا الاختيار مستحيلا، هل يمكن أن يكون الحب على ناحية، والحياة الناحية الأخرى؟

كان غرينوى بلا رائحة، بلا وصلة بين “لا رائحتة” ورائحة البشر، بلا :تـواجد معا”، فراح يشكّل نفسه بنفسه، يصنّع له رائحة مميِّزة،  نجحَ أن يصنع  كل ما يحقق استمراره، ونجاحه، بل ونجاته من الموت بعد أن أزهق أرواح العذارى ليحقق تصنيع “العطر الإله  البديل” (الوجود المزيف)، نجح فى أن يصنع لكل شىء أراده إلا أن تكون له رائحة مميزة، رائحة يستطيع هو أن يتحقق منها (وبها) متفردا.

وانتهت الرواية بأن الْتـَهـَمه الأوغاد “عن حب”(!!)

 الـعَـدَم الذى  انتهى إليه تمّ من خلال علاقة التهامية بديلة عن التخلّق النابض بالناس ومعهم، هو النتيجة الطبيعية لهذا الزيف الخادع الذى يوهم الواحد أنه يمكن أن “يصنّع نفسه بنفسه” مستغنيا عن التواصل  الطبيعى المتخلّق من جدل العلاقة والسعى المشترك فى رحاب الحق المشترك الأعظم.

أين تقع هذه الاستطرادة من هذه المحاولة للمكاشفة؟ لو استطعتُ ألا أجيب لفعلت، لكن هذا الكتاب سوف ينشر، وسوف يقرأه الناس.

خلاصة القوله هو أنى أكتشف أننى كنت أكذب على نفسى وأنا أزعم أننى “أَنا حابقى أبويا وأُمى كمان.،  أَنا حابقى كتير، أنا حابقى الناس. أنا حابقى”أنا”. إٍزاى؟ ما اعرفْشْ. أنا لازم “أكون” و”أعيش”،

أيضا كانت ومازالت خدعة كبيرة حكاية “وحادوّرعلى نفسى بنفسى ولقيت لى خلاص”. أو فى مقولة “أنا حابقى الحب ” (!!) أليس هذا الذى قلتُه يكاد يكون مكافئا للعطر الخادع فعلا الذى كان سببا فى هلاك جرينوى. لكن ربنا ستر !!!!!

 هذه الخدعة الكبرى لم أكتشفها طبعا من قراءة العطر .إن ربع قرن من الممارسة والتقليب والمراجعة قد سمح لى  أن أصل إلى ما جعلني أفهم هذا الإبداع الروائى بما ذكرتُ. أتصور أن هذا هو مدخلى لما مارسته وما أمارسه ممايسمى النقد الأدبى.

أى غرورٍ غبى، هل يمكن أن يفعلها أحٌد وحده؟

أيام كتبت هذا الكلام كنت فى بؤرة تجربة تصنيع الحياة كما كان باتيست غرينوى يصنّع العطر. لا أحد يمكن أن يبحث عن نفسه بنفسه، لا أحد يكون  الناس، إلا على حساب علاقته بالناس، لا أحد يصنّع الحب إلا إذا كان ينتحر به، لا أحد يخلّق إله زائفا إلا إذا أصبح قاتلا محترفا.

 يبدو أن ما أنقذنى من هذا المصير هو  أمّى الحقيقية وزوجتى الحقيقية وأبنائى الحقيقين وطلبتى الحقيقيين ومرضاى الحقيقيين، ربما لهذا شعرت بعد ما يقرب من ستين عاما، وبعد رحيلها أننى أريد أن أتعرّف عليها، ربما لأشكرها، وربما لأعتذر لها.

كنت دائما متحيّزاً لكِ يا أمّى بشكل ما. أظن أنه لم يكن لكَ أنت تحديدا ولكن لكل ضعيف، وكل أنثى، وكل أقلية، كنت أشك دائما فى موقفى هذا، كنت أخشى دائما أن يكون موقفا هروبيا، حتى النادى الأهلى تحيّزت ضده دون أن أتحيّز للزمالك، حتى الوفد، حزب الوفد بجلالة قدره، أيام عزه، تحيّزت ضده لأنه أغلبية جدا، كنت أتصيّد له المحسوبيات التى بلا حصر، مع أنه – لأغلبيته – كانت المحسوبيات للأغلبية الوفدية.

مازلتُ أذكر أول موقف وقفناه معك فى مواجهة أبى جماعة.

لست أدرى كيف تم ذلك.

13 يوليو سنة 1950

نحتفل اليوم بعيد ميلاد أبى “الذهبى”، يبغ خمسين عاما اليوم. لم نَعْتَدْ ذلك، لست أدرى من منا نحن الثلاثة الذى طلعت فى مخه هذه الفكرة فتحققت؟ لا أعلم كيف وافق والدى عليها، لكنّه وافق، بل خيّل إلىّ أنه فرح بها بشكل أو بآخر، بل ربما هو الذى اقترحها دون أن ندرى. نحن فى الأجازة الصيفية. والدى مشغول طول النهار فى الحقل، كالعادة، والدتى مشغولة فى قاعة الفرن تعد لهذه المناسبة. طبعا لا”تورتة”، ولا شمع، ولاكلام من هذا، نحن لم نحتفل أبدا بعيد ميلاد أحد، لا صغير ولا كبير، ما الحكاية؟

والدى لم يكتب أى منّا فى يوم مولده الحقيقى. كانُ ينشّن على اليوم الذى يتفق فيه مع دخول المدارس، قبلها بشهر أوبعدها بشهر، كان دخول المدارس أول أكتوبر، فكان من يولد فى الصيف يكتبه فى أول سبتمبر أيا كان موعد مولده، وقد ولدتُ فى الثانى من نوفمبر فجاء التقريب بسيطا حيث كتبنى أول نوفمبر، فرقت يوما واحدا، لم يتغيّر برجى، لا أعرف ماذا يفعل أهل هوس الأبراج حين يكتشفون أن آباءهم سجّلوهم فى غير برجهم؟ أختاى كتبهما أبى فى يوم مولدهما مع أنهما الاثنتين ولدتا فى إبريل، يبدو أن الإسراع بتعليم البنات لم يكن يشغله،

ربما لأن أغلبنا لا يعرف عيد ميلاده الحقيقى لم نكن نحتفل بأعياد ميلادنا. وربما لأننا فلاحون لا ننتمى إلى هذا الطقس، ومع ذلك نحن نحتفل اليوم بعيد ميلاد أبى الخمسين لأول مرّة.

ربما خطر ببالى -آنذاك- أن هذا التقليد قد يعنى أننا سوف نحتفل كل خمسين عاما، لست متأكدا. ذبحتْ أمى ودسّت فى الفرن، وعملت الفطير اللازم، لا شمع ولا يحزنون. أنا وأخواى محمد وأحمد فى سرور لم يخلُ من دهشة وترقب. هل معقول أن نجتمع فى مناسبة غير مألوفة هكذا؟ وأن نعيش كل هذا الود الذى لم نعتده معا؟

فى هذا اليوم، رجع والدى بعد المغرب، والدتى ما زالت فى حجرة الفرن (قاعة الخبيز) وإذا بحريقة تندلع، لم تسرِ النار فى الحطب أعلى السطح ولا داخل قاعة الفرن، لكن صوت والدى كان أكثر دويا من قنابل 1948 على القاهرة، ماذا حدث بالضبط؟ لا أحد يدرى، كنا فى الطابق الثالث، نظرنا من الشرفة عن بعد حتى لا يرانا والدى، فلم نسمع سوى صوت والدنا وهو ما زال يدوى وهو ويلعن ويسب، ثم ساد الصمت فجأة. المفاجأة أكبر من أى تصوّر محتمل، تسحّب أخى الأكبر إلى قاعة الفرن بعد أن دخل والدى الطابق الثانى دون الثالث حيث ننتظره.

انتهى الحفل قبل أن يبدأ. وجد أخى والدتى تبكى بحرقة، وهى كثيرا ما تبكى، لكن بدون حرقة. كانت متألّمة جدا، كانت ما زالت تلبس ملابس العمل المنزلى، أو بتعبير أدق: ملابس الفـُـرن، الملابس سوداء والدقيق عليها لا يتميزعن التراب. شعرها المجعد يبرز من تحت منديل الرأس الممزق من ناحية، وهى تبكى بحرقة أكثر. صوتها مكتوم ونشيجها متقطع. عاد أخى وأخبرنا أن والدى لم يعجبه هذا المنظر الذى كانت فيه، ربما كان يتصوّر أنه كان عليها أن تنتهى، و”تغيّر” قبل قدومه. فثار وسب ولعن حين لم يجدها كما تصوّر، واندلعت الحريق. لم نَعْتَدْ من والدى أن تنتظره أمى كما نسمع عن الأزواج الذين يطلبون ذلك، والزوجات اللاتى يقمن بذلك. ماذا حصل هذا اليوم بالذات؟ هل هاج جُوعه فجأة فى مناسبة لمْ يعتدْها؟ هل تصوّر لأول مرّة أنه يمكن أن يجد فى انتظاره من يراه بصورة أخرى، شخصا (أو طفلا) له عيد ميلاد؟

والدى فقد والده وهو فى سن الثانية عشر تقريبا، ربّته جدتى التى كان يتردد وصفها بأنها “كانت فى صرامة الرجال”. فى بعض الشجارات العائلية كان والدى يعايـَرُ بأنه “تربية امرأة”، أو “ابن حسيبة، حتى سمعتـُهُ يرد على هذا الاتهام مرّة وهو يكرر بيتا من الشعر يقول “ولو كان الرجال كمثل هذى: لفُضِّـلت النساء على الرجال”. أيضاً كان يذكّـر مهاجمية أن القمر مذكر والشمس مؤنث.

هل تجرأ والدى  أخيرا، بمناسبة عيد ميلاده هذا،  أن يعىَ بأى درجة مدى حاجته إلى أم جميلة تنتظره طفلا، فلما لم يجد والدتى فى هكذا، كان ما كان؟

هل كان يعانى من الجوع الذى خصّصت له فصلا بأكمله فيما يتعلق بشخصى فى هذا الترحال الثالث؟ فلما هاجت عليه طفولته فى هذا اليوم الذى لم تكن له سابقة، والذى لم يبدُ لأى واحد أنه يمكن أن يتكرر قبل خمسين سنة أخرى؟ هاجت عليه طفولته فلم يجد من “يراه” و”ينتظره” (طفلا له عيد ميلاد) فكان ما كان.

 لأول مرة (و لآخر مرة على ما أذكر) عقدنا العزم نحن الثلاثة أن نذهب ونحتج وجها لوجه على ما فعله أبى. لا نعرف كيف فعلناها وخصوصا أخى الأكبر أحمد”.

أخى “أحمد”أكبر منى بـست سنوات، وهو الذى تلقّى من أبى أكبر قدر من التأديب والتجريب (ليصبح قدوة لنا: أنجُ سعد فقد هلك سعيد – هذا ما اعترف به أبى وسبق الإشارة إليه)، لست أعرف كيف تجرأ أخى هذا بكل هذا التاريخ أن يتقدّمنا لنحتج على ما فعله أبى بأمى  وجها لوجه،

الأعجب من ذلك أن أبى كان متأثرا وكاد يعتذر، أذكر مما قاله أنه الآن قد اطمأن عليها، لأنه كان طول عمره مشغولا أنه ليس لها أب ولا أخ، والآن يشعر أننا نقوم بهذا الدعم الذى تحتاجه أمى فعلا، وعلى الرغم من أن تصريحه هذا لم يتكرر بعد ذلك، وأن موقفه هذا كان غريبا علينا جدا، إلا أنه بدا صادقا، وإن كنت لا أذكر إلى أى مدى صدّقتــه يومها.

مرّ ذلك اليوم دون احتفال رغم كل هذه المفاجآت والاعتذار والنشيج.

فى يوم ما سنة 1961:

أعلنت تحيزى لأمى ولبنت أختى فى مناسبة لاحقة، ربما سنة 1961، مناسبة من المناسبات التى كان يفرضها أبى علينا حين تهيج تطلعاته الطبقية، كان زوج أختى ضابطا فى البوليس، وأخذ ترقية مهمّة (ربما لرتبة مقدم) وكان والـدى يقيم عندى مؤقتا لسبب لا أذكره، لعله سببٌ صحّى. كنت قد تزوجت، وتخصصت فى الأمراض الباطنية، وفي طريقى للتخصص فى الأمراض النفسية. طلب منى  والدى أن أدعو العائلة فى بيتى لنحتفل بهذه المناسبة، وقال يومها شعرا متواضعا (سخيفا فى الأغلب) لم أحب شعره أبدا كما لم أحب شعرى  وأكثر، لاأذكر الكلمات تحديدا، لكنه كان يبدأ بتكرار كنية زوج أختى باسم ابنه الأكبر خالد: “أبا خالد فيك كذا وكيت، أبا خالد أنت كذا وكيت..”، لعل والدى كان يحلم بباشويةٍ ما. باشوية يحصل عليها زوج ابنته- فى الخيال- إذا ما وصل إلى رتبة اللواء مثلما كان الحال فى العهد القديم رغم أن الأمور كانت قد تغيّرت وألغيت الألقاب وكذا وكيت، لكن القوانين الداخلية لمن هو فى موقف والدى لا بد أن  تعتبر إلغاء الألقاب عملا “غير دستورى”،

 أفهم هذا التناقض أبدا. أبى الزاهد المتقشف يختار أن نسكن فى مصر الجديدة لنتشبه بالذوات، دون  مصروف أولاد الذوات. ويعترض  على زواج  أخى الأكبر من ابنة أخته متهما زوج عمّتى أنه يقتل فى أخى الطُّموح مع أنه هو الذى خطبها له ، لكنّه لم يستطيع أن يتراجع بعد أن لاح له (فى الحلم طبعا) أن أخى يمكن أن  يكون “وزيرا أو كالوزير”، وليس مجرد”عبد البصير” (كناية عن الشخص العادى)،

غاظنى شعره وهو يمجد زوج أختى “أبا خالد” دون ذكر  اسم شقيقته “نهى” ولو بإشارة محدودة، رددتُ على شعر أبى فى هذه المناسبة بكلام منظوم، أسخف مما قال. وذكرتُ فى ذلك أمى من نفس موقف التحيّز للضغيف. أذكر أننى بدأت بالمعارضة مباشرة مخاطبا زوج أختى بتكنيته بابنته “نهى” وليس ببكريه خالد، قلت (على ما أذكر- دون أن أنسى رشوة والدى):

“أبو نهى أبو نهى ربى يديم لنا جدّها، إشمعنى هية اللى ما جاش فى شعر بابا ذكرها، إشمعنى يعنى عشان بِـنيّة ولا يعنى اكمنّها جتْ بعد خالد، بس قولّى هوّا أحسن منّها؟”

ثم ذكرت أمى

” وماما تاخد حقها زى نُهى ما ادّيت لها.. هى صحيح كان نفسها تمسك ربابة تقول بها، تشعِر لكن أنا عنّها راح اترجم اللى ف قلبها….إلخ “-

كان ضعف أمى رائعا، فتعلّمت منها قوة الضعف دون مسكنة.

ربما لهذا احترمت وفهمت قوة وذكاء  الست أمينة، ولم أكره “سى السيد”

25 يوليو 2000

شاركت اليوم فى برنامج على الهواء على قناة النيل للمنوعات تديره سلمى الشماع، وكان الضيوف معى هم فريدة الشوباشى الصحفية، وصلاح عيسى اليسارى سابقا : رئيس تحرير القاهرة، تلك المجلة الثقافية التى حُدّثت مؤخرا لتقول شيئا جديدا.كان الموقف غريبا جدا حيث كنت المدافع الوحيد عن المعنى الإيجابى وراء حضور “سى السيد” القوى فى وعى كل من حوله، وأنه لم يكن متناقضا بقدر ما كان إنسانا متكاملا متناسبا مع عصره، له حضوراته المتنوعة فى دوائره المختلفة، دائرة الأسرة، ودائرة اللهو، ودائرة الأصدقاء والسياسة، وكذا وكيت. العجيب أن معظم استطلاعات الآراء فى الشارع وأيضا المكالمات الهاتفية التى تلقاها البرنامج كانت فى جانب رأىى، والأعجب أن المشاركين الثلاثة فى الندوة خلطوا بين التسلط السياسى والحضور الأبوى الواضح المحدد المعالم فى الأسرة، ولم يستطع أى من الضيوف أو المذيعة أن يستوعب فكرة تعدد الذوات وتجلى كل ذات بالتبادل فالتكامل فى مجالها المناسب لها.

 أخذتُ على سى السيد مأخذا أساسيا واحدا كما أشفقت عليه من زاوية بذاتها. أخذت عليه أننى حتى لو احترمت كل تجليات حضوره، وعذرتُه، وفهمتُه، فإننى لم أستشعر أبدا أنه “يحترم زوجته”. تكلمتُ عن الاحترام كقيمة لا يصلح الحب إلا بها.

أما شفقتى على “سى السيد” فكانت لأنه بهذا الإلغاء الذى مارسه مع الست أمينة، حرم نفسه من أن يشعر أنها تختاره باستمرار بشكل متجدد، الأمرالذى اضطره أن يروى هذه الحاجة من مصدر خارجى يؤكد له أنه “مرغوب فيه”.الرجل يحتاج أن “يُرى” و “يُطلب” باختيار حر. هذا أساس كل شىء (والمرأة كذلك).

هل كنت أتحدث عنه أم عنى أم عن أبى أم عن أمى؟

قبيل بداية عام 2000 حين استطلعوا رأيى فى روزاليوسف (على ماأذكر) عن أهم سيدات القرن العشرين بمناسبة الاحتفال الخطأ ببداية الألفية الثالثة ذكرت أسماء ثلاثة سيدات: أمى، والست أمينة، وأم نجيب محفوظ.

هل هذا يوضح علاقتى بأمى؟

أنا أعلّم طلبتى وزملائى الآن ألا يكونوا لمرضاهم آباء فقط، أقول لهم لاتصدقوا فرويد هكذا جدا، ليس عالمنا أبوى كما صوّره، فمريضنا يحتاج إلى أم وأب، وأى معالج حاذق، بغض النظر عمّا إذا كان رجلا أو امرأة، يستطيع أن يكون أبا وأما معا، بل ينبغى أن يكون كذلك. وإلا…

 أدّعى أننى أمارس الأمومة فى مهنتى بنفس كفاءة ممارستى لدور الأب الذى يغلب على ظاهرى معظم الوقت.

 حين أسمع شيخى محفوظ يتحدث عن أمه التى كانت تصحبه فى بداية هذا القرن، والتى كانت تهوى المتحف المصرى، والتى كانت تقف أمام مومياء بذاتها تتأمل، وتجعله يتأمل، أحترم تجربته، وأتعلم من عاطفته نحوها، لكننى أتذكر أمى وأقارن مقارنة أخرج منها بتقدير كبيرلأمى أيضا ودائما.

تذكرتك يا أمى وأنت تضحكين وأنا ذاهب معك للشهر العقارى لتعملى لى توكيلا عاما، وأنت لاتعرفين كيف ترسمين اسمك، كما تذكرت كيف أن والدى حكى لنا أنه أحضرلك فى بداية حياتكما مدرسة لتعلّمك القراءة والكتابة، فتحايلتِ حتى توقفتْ، كنت تغارين منها كما تصورتُ وألمحتِ.

 تهمسين لى بما يضحكنى ونحن فى الشهرالعقارى، وأنتِ على وشك البصم دون شعور بالنقص أو الخجل، أنافخور بك يا أمى. أوصلتِ لنا ما جعلنا جميعا هكذا لمجرد أنك أمنا ، هكذا.

أتعرّف عليك الآن أكثر، وأفهم الآن معنى كيف أننى حين وصلنى نبأ رحيلك وأنا مرتحل فى بلاد الله لخلق الله ملأنى شعور بفوات الفرصة أن أتعرف عليك أكثر فأكثر،

لا لم تفتنى الفرصة.

هأنذا أتعرف عليكِ الآن،  الحمد لله،

 لا أحد يموت.

القصيدة التى كتبتُها أعاتبك فيها لم تكن لك أنتِ.،

 كنتِ الجانب الطيب فيها دون غيره.

 لم أكن أعرفك.  كنت أعرف احتياجاتى أكثر من عطائك.

 ما زلت أريد أن أعرفك. أن أتعرّف عليك أكثر،

 أن أرد لك جميلك فى أولادى الذين تعرفين أنهم بلا حصر.

أنتِ الوحيدة التى يمكن أن تصدقىنى.

وأنا أُشهدك على ذلك.

****

ونواصل الأسبوع القادم تقديم الفصل الرابع: من الترحالات الثلاثة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] –  ترحالات يحيى الرخاوى: (2000) وتتضمن الترحالات: (الترحال الأول: “الناس والطريق”) و(الترحال الثانى: “الموت والحنين”) و(الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”) منشورات جمعية الطب النفسى التطورى، والترحالات موجودة فى الطبعة الورقية  فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة  الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *