نشرة “الإنسان والتطور”
الأربعاء: 18-2-2026
السنة التاسعة عشر
العدد: 6745
ترحالات يحيى الرخاوى
الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال” [1]
الفصل الثالث
أمّـى …(3)
الأم ليس لها تعريف آخر،
هى صفة قائمة بذاتها لا تحتاج إلى أن توصف بالحنان، أو بالحب، أو بالدفء،
أو غير ذلك،
أحيانا حين أسمع أغانى الأم أبتسم.
أرفض أغلبها،
أشعر أن الأم لا تحتاج لكل هذه الأغانى والألفاظ
لنتعرف على دورها أو نـُقـِرّ بفضلها.
دبى. أول نوفمبر 1991
…………….
……………
أنـا نائم على اللحاف المثنى ثنية واحدة، نائم على الأرض أقاوم النعاس خشية أن تتركنى أمى إذا استغرقتُ فى النوم، أمسك بضفيرتها الخشنة. أنا متصور أننى بذلك سوف أضمن ألا تتركنى بعد أن أستغرق فى النوم، وهى تستسلم منتظرة أن تتراخى يدى -نوما- لتقوم من جوارى. أشعر بحركتها الخفيفة، فأزيد من قبضة يدى على ضفيرتها وأنا أردد “إمسكو شعرك!!”، كم كان عمرى آنذاك؟ هل كنت أحسن الكلام؟ لماذا قلت إمسكو، وليس أمسِك،؟ هل بكيت وأنا أشعر أنها على وشك أن تغادرنى؟ هل قاومتُ النوم مدة أطول؟
أدرك بوضوح لا لبس فيه أن هذا الملمس الذى شعرت به فى كفى الآن بعد سماعى النبأ هو ملمس شعرها فى طنطا، على الأرض. لست أدرى لماذا كانت نومتنا على الأرض؟ أظن أن كل ما كان بالشقة هو سريرين، لنا نحن الثلاثة وأبى، وكانت إذا حضرت أمى إلينا فلا بد أن ينام بعضنا على الأرض.
كنت مازلت أرفض ذلك الشِّعر العمودى الذى قرضتُه عن المؤتمر، حتى لو كان “حلمنتيشيا” أنا لا أحب الشعر العمودى كثيرا، وإن كنت أحترمه، وخاصة أننى عاجز عن قرض إلا كل سخيف منه، ومع ذلك وجدت نفسى أخاطبها:
حنانيك يا أمى وددتُ أقـــولُهــــــــا “وداعاَ”، وأمسك شعـرَكِ الخشنَ اللمسِ
كمـا كان يغشانى النعاس بحضنها وأنفاسها تروى البراعم من حـــِســَّى
إلى أن قلت:
وأسرعـتِ أمـّى تـَعـْجـَلـــين لقــاءَهُ وكـَــم كنـتُ أرجو أن أوسّـدَكِ نفسـى
وأسرعـْتِ أمـّى تـَزْهـُوين كرامـــةً، وطفـــلك يأبى أن يُسَـــــلِّــمَ لليــــأس
لم أحب هذا الشعر، كما لم أحب شعر ذلك الخطاط المنـشد الذى كان يتردد علينا فى زفتى، كان اسمه “متولى سعده”، وأظن أنه قال فى نفسه شعرا أشبه بالفخر، على ما أذكر: “متولى سعدة الذى ما زال مرتقيا إلى المعالى وعين الله ترعاه”. أما لماذا تذكرت هذا الخطاط “متولى سعدة” بالذات الآن وأنا أرفض رثائى هذا، فلأنه قال شعرا لم أفهم لماذااستقبحته إلا الآن،. قال: ” شاءت إرادة رب الخلق خالقنا – أمى تموت ولا أحضر جنازتها
أما لماذا لم يحضر جنازتها، فلأنه كان فى مستشفى لن أذكر تخصصها.
كان الشيخ متولى هذا، والشيخ عبد العزيز المُصاب باضطراب التآزر العصبى الذى أشرت إليه سالفا من معالم طفولتنا، كنّا نشيّخ أى واحد عنده مرض عصبى أو نفسى أوعقلى أو تخلّف، أيضا كنا نشيّخ كل من يتلو بعض آيات من القرآن حتى لو لم يحفظه كله، وأيضا من ينشد فى الموالد، كان الشيخ عبد العزيز، (بتاع البُن) لا يستطيع أن يتماسك ثابتا لأى فترة تسمح حتى بمصافحته، ومع ذلك كان الأذكى. أذكى من الشيخ متولى سعده الخطاط. مع أن الشيخ متولى كان فنانا ومُنشدا أيضا. كنت أتأمل توقيعه الصغير الجميل على لافتات بعض المحلات وأكاد أعلن للمارة أننى أعرف صاحب هذا الخط الجميل، كان إنشاده جميلا أيضا. كنا نلتف حوله فى بعض الليالى سواء فى زفتى أو حين يزورنا فى قريتنا فى الإجازة الصيفية، يدعوه، و يسمح لنا بذلك، لكنّه نادرا ما يشاركنا.
ما زلتُ أنكر أول مرّة أُطلقُ فيها خيالى وراء الأعداد حتى يفشل أن يتمادى فى ما لا نهاية له، كان ذلك حين أنشد الشيخ متولى سعده مديحه وهو يصلى على النبى إذْ راح يفصّل عددها كما يلى (على ما أذكر):
اللهم صل وسلم على أحمد محمد نبى الهـُدى
عدد الحصى والثرى والرمالِ وموج البحار وقطر الندى
وعدّ كل شىء وريش الطيورِ وأنفاس خلق بطول المدى
ونحن نردد وراءه البيت الأول بعد إنشاده كل بيت.
ما هذا الشعور الغريب الذى انتابنى بعد سماع نبأ رحيل أمى وكأنى لم أكن متوقعه؟ كيف بدا لى الخبر مفاجِئا مع أننى طبيب، وعارف، ومتوقع؟! ماهذا الشعور بالضبط، ليس حزنا فحسب، لا أقصد شعور التنميل فى كفى أيضا، إنما شعورى بها،بأمى، كلها.
ما معنى أنها ذهبت وأنا ما زلت فى حاجة للتعرف عليها أكثر؟ ألم تكفنى نيف وخمسون عاما لأعرف أمى؟
لماذا لم أشعر بنفس الشعور حين مات أبى وقد كنت بجواره. أشم رائحة الدقيق وقد عفّر رداءها وهى خارجة من القاعة، مع أننا لم نخبز ولم تشارك هى فى الخبير منذ ما يقرب مننصف قرن.
لماذا تتهمنى زوجتى أننى لم أحب أمى بالقدر الكافى؟
لماذا خاطبتها معاتبا فى لوم قاس وأنا أحكى ما يشبه “السيرة الذاتية ” بحوار فى محاولتى “أغوار النفس”؟ سنة 1974 أثناء فورة تجربة مجموعة المواجهة ؟
هل كنت أحاورها أم كنت أحاور أى أم؟ الأم التي استوردتُها من أوهام الكتب؟
لماذ أسميتُ هذاالحوار بالشعر العامى : “الخلاص”؟
أنا لم أعرفها جيّدا.
خاطبتـُها فى هذه القصيدة بلغة تلك المرحلة التى كتبت فيه هذه القصيدة (1973).
كانت قناعاتى المتعجّلة المنبهرة بما نــقرأ فيما يسمونه العلم تصوِّرُ لى الأم بشكل مجرد، حتى العواطف التى يصفون بها علاقة الأم بطفلها تبينتُ مؤخرا لى أن أغلبها تجريدا وعقلنة فيما يسمونه العلم وليست غمرا دافئا لا يمكن تحديده. صورتْ لى قراءاتى أن على الأم أن “تكون” لتسمح لنا أن “نكون”. لم أكن بعد قد تجاوزت هدف الكينونة الذاتية (أكون أو لا أكون) إلى حتم الصيرورة،
لم أكتشف إلا مؤخرا أن كل ما على الأم أن تكونه، هو أن تكون أما لا أكثر ولا أقل. تكون “أُمًّا” بغض النظر عما هى لذاتها بذاتها.
ذكرت قبلا فى تجاوز مقولاتهم عن العلاقة بالأب أنه ” هل يدرك أحد علاقته بأبيه أبدا؟ هل هى قابلة للإدراك أصلا؟ ونبهت أنها “… عمليّة مستمرة،، تنتقل من جيل إلى جيل؟ نحن نتخلّق من خلال هذه العلاقة الجدلية المتصلة، لا ينبغى أن يكون همنا أن نحلّها، أو نتصور أننا نرزح أبدا تحت وطأة آثارها… [أنظر قبلا] العلاقة بالأم أخطر وأبعد عن الاختزال.
رحت أقرأ قصيدة “الخلاص” بالعامية، وهى تمثل ما سبق أن تصوّرته حوارا بينى وبينها، فجعلتُ أعيد اكتشاف ظروف كتابة القصيدة فأعيد اكتشاف أمى فنفسى.
تتكرر معى حكاية رؤية الأقربين ومصاحبتهم بعد فراقهم. هل القُـرب يُعمى هكذا؟
هل لا بد أن نبتعد حتى نرى؟ هل الإنسان لوحة تشكيلية لا بد أن تبتعد عنها ثم تقترب ثم تبتعد لكى تميّز ما هى؟
هل يسرى هذا على أمى ما سرى على تعرفى بالدكتور سعيد الرازقى والدكتور حلمى نمّر عقب وفاتهما؟
لم أكن أعنى أمى هذه التى ماتت حين كتبت هذا الحوار سنة 1974، ونشر سنة 1978 فى ديوان الشعر العامى الذى أردت أن أصيغ من خلاله خبرة العلاج النفسى، الفردى فالجمعى، ومن ثم خبرة التكامل. الديوان اسمه “أغوار النفس”.
كنت أيامها ما زلت متأثرا بفكر علم النفس الإنسانى ومسألة تحقيق الذات. تصوّرت أن أمّى كانت ظلا باهتا لوالدى، وأنها لم تحضر فى وعىى – وعينا – بالقدر الكافى، لكننى أتبين الآن كم كنت مخطئا، وكم أن حضورها كان قويا وعميقا، ورغم اعتراضى الشديد على موقفها من خالتى إلا أنها كانت أمى أولا وأخيرا. كنت أحب خالتى لأن من حقها أن أحبها جدا. كانت قد ُطلّقت دون إنجاب، وكانت مظلومة وحيدة أبدا، لكن أمى كانت أمى.
كنت محظوظا كما ذكرت فى الترحال الثانى أن لى أمّين.
ترتيبى الأصغر فى الذكور، وأيضا موقعى المتوسط بين أخوَىّ (أكبر منى) وبين أختىّ (أصغر منى) ربما جعلنى هذا الترتيب غير قريب منها، ربما جئت بعد أن استكفت ذكورا، أسمتنى “سوزان” وألبستنى ثوب فتاة حتى لا تحسدنى عماتى الثلاث اللاتى لم تنجب أى واحدة منهن ذكرا إلا بعد ولادتى. كانت أمى كلما أنجبت ولدا أنجبت إحدى عمّاتى بنتا. كانت تنبهّنى ألا أعرى جلبابى فى الشارع، ولم أكن أفهم لماذا زوج عمّتى هو الذى حرّضنى أن أقص جلباب البنات بالمقص، كنا مازلنا فى شارع الشيخ قمر فى العباسية لم ننتقل إلى طنطا بعد، لهذا يمكن أن أستنتج السن، كان سنى أقل من أربع سنوات،. بتحريض من زوج عمتى أحضر سكينا وشققت فستانى من أمام، كان المطبخ مقابل حجرة الجلوس بجوار المدخل مباشرة. حين حضر والدى لاستقبال زوج عمتى ورأى المنظر لم ينهرنى بل ضحك وقرر أن يقبل ثورتى. لا أذكر أنى لمت أمّى لهذا التصرف، ولا أذكر أن معنى لبسى هذا واسمى أنها كانت تعاملنى كفتاة. الذى ربما أذكره أننى كنت “زائدا عن العدد”. ربما.لم أكن قريبا منها، ربما. كانت هى قريبة منى أكثر مما أنا قريب منها، ربما.
بعد وفاة والدى اقتربتُ أكثر فأكثر حتى صرت الأقرب، لكن بمعنى الأب لا بمعنى الإبن.
لماذا شعرت لحظة رحيلها أنى فى حاجة للتعرف عليها بعد ثمان وخمسين سنة من العشرة الواعية؟ لا أعرف.
حزنت حزنا شديدا.
لم تفاتحنى زوجتى فى حزنى، حـَزَنـَتْ مثلى، وربما أكثر،
حـُزْن زوجتى حقيقى وطيب وبسيط ومألوف،
حزنى لـلـفـقـد مختلف، يأتى ليحل محل حزنى الداخلى الممتد، فيختلط هذا بذاك، ويتعاظم ألمى، وتهجم علىّ علامات الاستفهام كأنها رماح مـُشرعة.
القاهرة فى 6 نوفمبر 1991
بعد عودتى: فوجئت بأن أعدادا هائلة من الزملاء والأقارب والمرضى قد واسونى فى الصحف، ثم راحوا يواسوننى بعد رجوعى مواساة لم أكن أقدّر عظيم معناها من قبل. شعرت أنهم شعروا بمشاعرى. أنا لست مجاملا إطلاقا فى مثل هذه المناسبات، كيف تفضّل الجميع، القاصى والدانى، يحيطوننى هكذا.
قرأت نعى والدتى الذى كتبه زوج أختى فى الأغلب وأسفت أسفا شديدا، هذه التى كتبوا عنها هذا النعى ليست أمى التى أعرفها، التى أحاول أن أعرفها حتى بعد رحيلها. صحيح أنها أوصت، مازحة وجادّة، أن نكتب لها أكبر نعى ممكن، وكانت بذلك تعارض وصية أبى الذى كان يود لو أن الأمر “يقتصر على تشييع الجنازة”، لكن هذا المنشور ليس نعيا، بل إعلانا.
رجعت أنظر فى ما تصورته حوارا معها فى قصيدة “الخلاص”وأنا أذكّر نفسى أن الإبداع إبداع، وأن الشعر التعليمى هو غير الشعر التشكيلى، وأن أمى التى رحلت لم تكن أبدا هى التى حضرت فى شعرى هذا، فهذه ليست لهجتها، وهى ليست أَمّه، بل “ماما”، وهى قاهرية من الباطنية أساسا، رغم أنها شرقاوية من السعديين مركزمنيا القمح. هذه الأم فى القصيدة فلاّحة من بلدنا شكّلها خيالى واحتياجى معا . على أفندى حسن، والدها الذى لم تره، كان موظفا فى وزارة الأوقاف منذ قبل سنة 1910.
هل أنكرالقصيدة برمّتها؟ لا أشعر أن هذا، بالرغم من كل هذه المقدمة، هو من الأمانة التى يمكن أن تكتمل بها مصداقية هذا العمل، أعتقد أن الأم التى وردت فى هذه القصيدة هى الأم التى صنعتها فى خيالى، نتيجة لاحتياجى، وليست أمى التى كانت، التى ذهبت، ربما لهذا جاءنى هذا الشعور الغريب “إننى أريد أن أتعرّف عليها”.
عشت أنا إذن وقد خلقت لنقسى أمّا ليست هذه التى حضرتنى بعد موتها. ياه !!
هل من السيرة الذاتية أن أذكر علاقتى بأم متخيّلة؟ ولم لا؟ أليس هذا هو ما أعلّمه لطلبتى وزملائى الأصغر حين أقول لهم إن “الحقيقة النفسية” لها نفس الدور والفاعلية مثل “الحقيقة الموضعية”؟ ليكن،
تعرّينى هذه القصيدة إذن، لا تعرّى أمى. إنها تكمل الصورة التى تعلن أنه كان لى ثلاث أمهات لا أمين،(1) خالتى، (2) وأمى التى صنعها خيالي (3) وأمى الحقيقية التى اكتشفت أنها ذهبت وأنا فأقترب من الستين، وما زلت فى أمس الحاجة للتعرف عليها.
كم أما وأبا ُظـُلموا ونحن نعاملهم بالصورة التى صنعناها لهم، وليس بما هم؟
…………………..
……………………
ونواصل الأسبوع القادم استكمال الفصل الثالث: أمّـى… (4)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – ترحالات يحيى الرخاوى: (2000) وتتضمن الترحالات: (الترحال الأول: “الناس والطريق”) و(الترحال الثانى: “الموت والحنين”) و(الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”) منشورات جمعية الطب النفسى التطورى، والترحالات موجودة فى الطبعة الورقية فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.
يحيى الرخاوى طبيب نفسى

