نشرة “الإنسان والتطور”
الأربعاء: 11-2-2026
السنة التاسعة عشر
العدد: 6738
ترحالات يحيى الرخاوى
الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال” [1]
الفصل الثالث
أمّـى...(2)
الأم ليس لها تعريف آخر،
هى صفة قائمة بذاتها لا تحتاج إلى أن توصف بالحنان، أو بالحب، أو بالدفء،
أو غير ذلك،
أحيانا حين أسمع أغانى الأم أبتسم.
أرفض أغلبها،
أشعر أن الأم لا تحتاج لكل هذه الأغانى والألفاظ
لنتعرف على دورها أو نـُقـِرّ بفضلها.
دبى. أول نوفمبر 1991
………………….
………………….
فى يوم من الأيام اصطحبنى والدى إلى حى الأزهر الشريف، أظن كان ذلك فى شتاء سنة 1945، أول ما نزلنا القاهرة، وسكنا فى مصر الجديدة، ولم يكن الإنجليز قد جلوا من القاهرة بعد، لففنا حول الجامع الأزهر إلى البطنية (لم تكن مركز المخدرات الأول بعد). أرانى والدى المنزل الذى كان يقطنه عمى الشيخ (والد ابنة عمى الصرْعية، وأختها الهوسية)، وأىضا أرانى المنزل الذى كانت تقطنه أمى مع خالتى وزوج جدتى الذى كان يتتلمذ على عمّى فى الأزهر، وحكى لى والدى أن هذه العلاقة بين زوج جدتى (لم أره، ولكنّا كنا نطلق عليه لفظ”سيدى السيد”إذا جاء ذكره باعتباره جدنا) وبين “عمى الشيخ”، هى بداية الوصل بينه وبين أمى.
كان “جدى السيد” يحضر إلى منزل عمى الشيخ هذا وهو يجاور الأزهر، وربما يخدمه وهو يحضر بعض دروسه. حكت لنا أمى فيما بعد كيف فقدتا – هى وخالتى – والدهما “على أفندى حسن” الموظف بالأوقاف ولمّا تزل أمى رضيعة. وخالتى جنينا. من خلال تلمذة “سيدى السيد” على عمى الشيخ، ومن خلال الجوار فى حى الباطنية، تمَّ مايشبه الخطبة بين أبى وأمى.
مرة سألت أبى، مازحا، عما كان يفعله فى هذه الفترة التى لم تصل حتى إلى مرحلة الخطوبة، قال لى إنها فترة طالت لعدّة سنوات حتى تخرّج، ولم يتبسط معى أكثر من ذلك، وإن كنت عرفت من أمى أنها كانت هى وخالتى تلبسان الملاءة اللف، وأنه كان يتبعهما أحيانا، وقد شاهدت خالتى – دون أمى – بنفسى وهى تخطر فى الملاءة وهى تنتقل من بيتها إلى بيت حماتها (قبل أن تُطلـَّـق) فى سوق السلاح،
كنت أداعب أمى وأقول لها إن كانت تستطيع أن تحبك الملاءة الآن مثل زمان أم أنها نسيت، وأحيانا كنت أقول لها إن لـلملائة اللف، بما أظهرت وأخفت، فضل ظهورى فى هذه الدنيا لأصُلحَ الكون (!!).
كانت أمى لا تقرأ ولا تكتب، وكانت وثيقة الصداقة مع الخادمات اللاتى لم يكـّن يقل عددهن عن ثلاثة فى أغلب الأوقات، كما كانت تفضل أن تأكل معهن بعد انتهائنا، وأحيانا كنا نتصور أنها تتحيز لهن ضدنا إذا ما اختلفنا أواشتكت إحداهن من أحدنا. كانت تجالسهن فى المطبخ بعد أن ننتهى نحن من الأكل، وحدنا فى الأغلب، ووالدى وحده كذلك، وخاصة أننا كنا نرجح أنه كان لوالدى أكل مميز عنّا جميعا، وعلمتُ فيما بعد أن ثمة تقاليد غير معلنة تعتبر الأكل بالنسبة للنساء، حتى أمام أزواجهن، عورة بشكل أو بآخر.
ذكرت قبل ذلك كيف كانت أمى تبكى وأبى يكمل لنا الدرجات التى نقصتنا فى امتحان الفترة حتى الدرجة النهائىة لكل مادة، وظلت وظيفتها بالنسبة لاستذكارنا هى أن تنصحنا أن نقلل من “كَفْيتنا ” على المكتب وهى تعد لنا الشاى أحيانا، وخاصة قرب امتحانات الشهادات العامة.
أحيانا، وأنا فى كلية الطب، كنت أستعلها (“أستكردها”) فأُجلـِسها بجوارى، وأرغمها أن أسمّع لها بعض دروس الكيمياء الحيوية مثلا أو التشريح، وهى تصبر علىّ، و تدعو لى، وتنصت، وأنا ماض أسمّع بالإنجليزية، وهى تبتسم، وأنا مُصِرٌّ رغم يقينى بعبثية ما أفعل.
ما الذى كان يدفعنى أن أكمل تذنيبها هكذا لوقت يتخطى وقت المداعبة العابرة؟ أحسب أننى كنت أختبر قربها، وأطمئن إلى حوار بلا ألفاظ.
ثم تأتى الوظيفة الكبرى والأهم فى علاقتها بمذاكرتنا، وهى أن تدعو لنا قبل وأثناء تأدية الامتحانات، وقد أصبح هذا الطقس مقدسا، وهو يتضاعف كلما اقترب الامتحان، ثم ينضبط توقيته بالثانية يوم الامتحان نفسه. كانت تصر على أن تعرف موعد بدء الامتحانات تحديدا حتى تنطلق الدعوات والتسبيح والابتهالات فى نفس وقت البدء، وكأنها تطلق صاروخ أرض جو، بتحديد شديد الانضباط حتى تصوّرتُ أن استجابة دعواتها لا بد أن تكون مبرمجة حتى تصل وتُسجّلُ فى الوقت المحدد لا قبله ولا بعده، وحين كان أحد أخواتى هو الذى يمتحن بينما أنا فى المنزل، أنهيت امتحانى أو لم يحن بعد، كنت ألاحظ تكرار سؤالها عن الساعة، وأحيانا تسألنى “هل يتفق موعد بداية الامتحان مع موعد توزيع الأسئلة؟، وكأن الدعوات التمهيدية شىء، والدعوات التنفيذية شىء آخر، وقد ظلت هذه الطقوس تتطور حتى صدّقتُ أنها من أهم المتغيرات المسئولة عن نجاحنا وتفوقنا أو العكس. وحين زاد هذا الاعتقاد عندى حتى كاد يصبح وسواسا يقينيا، تخلصتُ منه – ولعلى ذكرت ذلك قبلاً – فى أول ثورة شخصية قمت بها بعد تخرجى مباشرة فى سنة الامتياز، حين قررت أن أدعو الله لنفسى مباشرة وليس من خلالها أو من خلال أبى إلا إذا تطوّعا هما دون شروط معلنة أو خفية !!.
ماذا أعطتنى أمى بالضبط؟
ولماذا لم أذكرها بالقدر الكافى فى ترحالاتى هذه، مثلما ذكرت أبى مثلا؟
وكيف استفدتُ، أو لم أستفد من جهلها بالقراءة والكتابة؟
وهل كانت تحنو علىّ فعلا، أوعلينا بالمعنى الذى نسمع عنه فى الأغانى والأفلام؟
انتبهتْ زوجتى بعد زواجنا إلى عاطفتى نحو خالتى أكثر من أمّى، ونبّهتنى إلى ذلك، ومع هذا لم أنتبه إلا بعد وفاة والدى.
بعد وفاة والدى زاد حرصى على مشاعر أمى، وعلى الوفاء باحتياجاتها، وعلى إشعارها أن أحدا من أبنائها، وأنا أولهم، لا يصرف عليها مليما، وأنها تعيش من دخلها الشخصى، وليس حتى من خير والدى، لأن وصية والدى كانت أن تسترد ما أخذه منها باعتباره مسئولا عن الإنفاق عليها طول الوقت بالإضافة إلى ريعه طول سنين زواجهما، بالإضافة إلى إرثها الخاص. حين اطمأنت أمى تماما إلى ذلك كانت إذاقامت بإصلاح أو تجديد بالمنزل وشمّت رائحة اعتراض من أحدٍ منّا وضعت إبهاميها تحت إبطها ويداها مبسوطتان وقالت مازحة متحديّة “بفلـــوسى”، تقول ذلك وهى تهز أصابعها الثمانية على الناحيتين. ثم تضحك، فنضحك.
مرة أخرى: ماذا أعطتنى هذه العظيمة طوال سبع وخمسين عاما؟
كنت أمازحها أحيانا وأقول لها لقد ضحكتِ على أبى: قلتِ له اسبقنى وسألحقك حالا، فلمّا صدّق وذهب، رجعتِ فى كلامك، فتنهرنى وقد تنعتنى بما يَعِـّـن لها، لكننى ألمح ضحكتها العابرة وهى تحاول أن تخفيها.
منذ وفاة أبى حتى وفاتها كانت تقرأ له بعض صغار السور عددا معينا من المرّات يوميا، لعلها الصمدية، وتهبها إلى روحه، ولما اعتادت استعمال عدّاد المسبحة، أصبحت دعواتها لنا ـ ثم لأولادنا ـ أثناء الامتحانات بالعدد حسب طول الامتحان وصعوبته. وظلّ الأمر كذلك حتى أصبح أحفادها يتنافسون لإرضائها للحصول على أكبر قدر من دعواتها، وكانت زوجتى تقارن بين دعواتها لأحد أولادنا، ودعواتها لابن أخت لى، أختى هذه لها فى قلبها موقع خاص. وكان ابنى وابن أختى فى نفس السنة الدراسية، فتلاحظ زوجتى – مازحة أو جادة – أنها إذا اقتربت منها وهى تدعو يوم امتحانهما تتمتم بصوت عال باسم “مصطفى؛ ابنى بدلا من “حازم” ابن اختى، فإذا ابتعدت زوجتى عن مجلس أمى ومسبحتها تبدلت الأسماء.
كانت أمى كثيرا ما تبرر حياتها – فى أواخر السنين -بأنها إنما تعيش حتى يمكن أن تدعو لأحد أحفادها (عادة الأصغر)، وهو يدخل امتحان الابتدائية مثلا. وقد رجّحتُ أن هذا كان مبررا كافيا لاستمرارها.
ماذا يمكن أن تعطى أم لأولادها غير أن تكون أمّا؟
أظن هذا هو ما وصلنى تماما، وتحديدا. الأم ليس لها تعريف آخر، هى صفة قائمة بذاتها لا تحتاج إلى أن توصف بالحنان، أو بالحب، أو بالدفء، أو غير ذلك، أحيانا حين أسمع أغانى الأم أبتسم وأرفض أغلبها، أشعر أن الأم لا تحتاج لكل هذه الأغانى والألفاظ لنتعرف على دورها أو نـُقـِرّ بفضلها.
اليوم هو عيد ميلادى، زوجتى معى. كانت معى فى البحرين، وهى تحب أصدقاءنا وصديقاتنا فى دبى، وهى مبتهجة بكل ما يبهجها، معترضة معى على كم الاغتراب الذى عانيناه فىما يشبه العلم فى مؤتمر البحرين، لكنّها لا تعلن ذلك مباشرة، لأن فضل المؤتمرات عليها هو أنها تضطرنى أحيانا إلى السفر إلى حيث لا أريد أنا وتريد هى، وبالتالى تسافر.
زوجتى تعرف أن اليوم هو عيد ميلادى، لكنّها تعرف فى نفس الوقت أنه ليس لى أدنى علاقة بهذا اليوم، بل إننى أكون أكثر حساسية فيه لدرجة رفض التهنئة ممن يعرف عنى ذلك. ولهذا شأن آخر، قد أكون قد تطرقت إليه قبلا.
فى المساء ذهبت إلى اللقاء الثقافى الذى أعدُّوه للحوار معى. كان مسجلا بالفيديو. قدّمتنى زميلتى (تلميذتى) الإماراتية د. رفيعه غباشى بما تيسّر، ووصفنى المضيف الناصرى المسلم الاشتراكى القبَلى الثرى بما ارتأى. قبيل اللقاء، فهمتُ أن مضيفى يـُرجع سبب كل المصائب التى لحقتنا، وستلحقنا، إلى خيانة السادات فى كامب ديفيد، وأن عبد الناصر هو الذى….والذى…والذى..إلخ. قلت ربنا يستر. مع ذلك قدّمنى المضيف بما تيسّر من صفات، يعتقدها فى شخصى. بعد أن قلت كلمة قصيرة عن تخصصى وما آل إليه من تراجع، تحوّل النـِّقاش إلى حوار سياسى حاد، استطعت أن أخرج منه سالما، لا أعرف كيف، لكن يبدو أن الحديث فيما هو “هنا والآن”، وعن المسئولية الفردية، والواجبات الحقيقية التى تنتظر من يحسب الأحداث بوحدات زمن أطول، ومقاييس حضارية أبقى، يبدو أن كل ذلك استطاع أن يخفف من جرعة الـشعارات، وحِدّة التشنج، وقد مرّت الليلة بسلام، وكان تعقيب مضيفى طيبا، وإن كان التعليق انصبّ على “ذكاء التخلّص” أكثر منه على محتوى ما قلت.
كان الاختلاف شديدا. ما زال عبد الناصر يمثل وعيا واعدا فى وجدانهم.
2 نوفمبر 1991 الساعــة 2 ظهرا
وضعت سماعة التليفون وسكتّ.
قررتْ أخيرا أن تفى بوعدها الذى لم تعِد به أبدا. قررتْ أن تلحق بأبى، لماذا؟ لماذا الآن؟ أما كان يمكن أن تنتظرينى حتى أقبّـل يديك؟ لماذا وأنا مسافر؟ هل كان ينبغى علىّ ألا أسافر؟ تـُرى من كان بجوارك ساعتها؟ الحمد لله. كنت أود أن أحتويك فى هذه الحظة حتى لا ترحلين كلك وحدك، عكس شعورى لحظة فراق والدى حين خشيت أن يلبسنى هو، هذا هو الفرق.
شكرا يا أمّى أن أعفيتِنى من اتخاذ قرار ألا يهينك هذا الذى يسمّونه “الكيمائى”، أبتْ كرامتك إلا أن تذهبين وأنت مازلت قادرة على المداعبة مثل ما كنت تفعلين ونحن حولك فى مستشفى النزهة. وأنا فى طريقى إلى المطار. قلت لك ضاحكا : انتظرينى، لا أذكر تحديدا ما الذى جاء بذكر والدى وكأنك طلبتِ منى أن آخذ رأيه أولا.
بكيت كثيرا. شعرت شعورا لم أفهم له مغزى، شعرت وكأنى كنت فى حاجة أن أقترب منها أكثر، أن أتعرّف عليها أكثر. أنا بعد منتصف العقد السادس من عمرى، وهى قد ناهزت التسعين، “أتعرّف عليها ؟” الآن ؟ بعد أن استأذنت ؟ أتعرف على مـَنْ؟ كيف؟
لكن هذا هو ما خطر ببالى ولم أصرّح به لأحد أبدا حتى كتابة هذه السطور (يوليو 2000)
حين وضعتُ الهاتف، شعرتُ أن كفى اليمنى بها بعض التنميل، كأنى أمسك بليفة جافة.
أنا فى طنطا، نائم على الأرض، أظن تحتى لحاف قد طُوى مرة واحدة، وأمى ترقد بجوارى على الأرض، كان ذلك فى إحدى زياراتها القصيرة لنا فى طنطا. كانت تأتى لتزور السيد البدوى لا لتزورنا، نحن الذين كنا نذهب لزيارتها. كنا لا نزور السيد البدوى إلا حين تحضر أمى فنذهب معها. كنا نفرح ونحن نحك ظهرنا وهو ملتصق بجدار القِبلة الناعمة الملمس وندور مع دورانها، لم تكن قِبلة واحدة بل عدة قبلات بعدد المقامات الصغيرة التى حول مقام السيد وفى رحابه.
……………………
……………………
ونواصل الأسبوع القادم استكمال الفصل الثالث: أمّـى… (3)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – ترحالات يحيى الرخاوى: (2000) وتتضمن الترحالات: (الترحال الأول: “الناس والطريق”) و(الترحال الثانى: “الموت والحنين”) و(الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”) منشورات جمعية الطب النفسى التطورى، والترحالات موجودة فى الطبعة الورقية فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.
يحيى الرخاوى طبيب نفسى

