الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / ترحالات يحيى الرخاوى: الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال” الفصل الثالث:… أمى (1)

ترحالات يحيى الرخاوى: الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال” الفصل الثالث:… أمى (1)

نشرة “الإنسان والتطور”

الأربعاء: 4-2-2026

السنة التاسعة عشر

 العدد: 6731  

ترحالات يحيى الرخاوى

الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال” [1] 

الفصل الثالث

أمّـى (1)

  الأم ليس لها تعريف آخر،

هى صفة قائمة بذاتها لا تحتاج إلى أن توصف بالحنان، أو بالحب، أو بالدفء،

أو غير ذلك،

أحيانا حين أسمع أغانى الأم أبتسم.

 أرفض أغلبها،

 أشعر أن الأم لا تحتاج لكل هذه الأغانى والألفاظ

 لنتعرف على دورها أو نـُقـِرّ بفضلها.

دبى. أول نوفمبر 1991

 وصلتُ أمس من البحرين، كان ثمَّ مؤتمر للتجمع الإقليمى فى الشرق الأوسط للكلية الملكية البريطانية للطب النفسى، هو نشاط ممتد يمثل استمرار انبهارنا وتبعيتنا للإنجليز الذين أصبحو بدورهم تابعين للأمريكيين الذى أصبحوا بدورهم تابعين لمؤسسة مالية نطلق عليها أسماء ظاهرة من بينها النظام العالمى الجديد، وأسماء خفية مما يخدم سائر الأوهام المعاصرة، ومع كل ذلك فنحن لا نفتخر، ولا نشعر بذواتنا إلا حين يرضون عنّا بالنشر أو بالسماح بالمشاركة فى مثل هذه المؤتمرات، وأيضا بالسماح بلصق حروف دالة على الاشتراك فى هذه الجمعية الخوجاتية أو تلك.

يكفى أن تتكلم بلكنة أكسفوردية، وأن يكون عندك عدة شرائح ملونة، بها أرقام منضبطة، حتى تحوز الرضا، وتلحق باسمك عدة حروف من ألطفها أنك “عضو الكونجرس” الأمريكى، مثلا لجراحة الأعصاب أو للأمراض الجسدية النفسية. تصوّر حين يذهب مريض مصرى أو عربى ليعالـَج عند عضوا الكونجرس شخصيا هل يمكن أن نحرم “لاشعوره” من أن يزهو بأنه بين قوسن أو أدنى من البيت الأبيض ليحصل على بركة الصحة والعافية. ويزيد قدرك جدا عند هذه الجمعيات والكليات والخواجات لو أشعت عن نفسك – أو أثبت – أنك تتمتع بكثير من “قلة التعصب”، أما لو أثبت أنك مضطهد أو تنتمى إلى قلّة مضطهدة فقد وصلتَ بالسلامة. وصلت إلى  أين؟ ليس مهما. المهم أنك وصلت، وحزت الرضا والقبول.

 شبعتُ حكْيا عن مثل هذه المؤتمرات فى هذه الترحالات من أول مؤتمر باريس فى الفندق الكبير (جراند أوتيل) حتى مؤتمر واشنطون  دى سى الذى شغل مساحة أكثر من اللازم فى الفصل الأخير من الترحال الثانى، إلا أن المؤتمر هنا فى البحرين يحتاج لإضافة قصيرة بشأن اللغة، والثقافة المحلية،

تصورت لو أن الأمر قد انقلب، وأننا البلد المتقدم، وأن الانجليز يسترضوننا وهم يعقدون مؤتمرا فى لندن فى الطب النفسى وليس فى تاريخ بنى أميّة، فهل كانوا سيتكلمون بالعربية؟ نحن لم نتخلّ عن العربية كلغة فحسب، وإنما تخليّنا عنها كخُــلق، كموقف، لأننا تخلينا عن زهو الفخر بأن لنا لغة قادرة متميزة، إننا، ونحن فى بلد عربى -البحرين-، نتكلم الإنجليزية ليس فقط فى قاعة المؤتمرات حيث تلقى الأبحاث العلمية، وإنما فى أروقة الفندق كذلك.

رحت أتابع الكلمات، الأبحاث، الأوراق وكان واضحا طول الوقت أن الأرقام الخالية من المعنى والهدف لها الغلبة بشكل أو بآخر، كانت المناقشات أقرب إلى الهزل شبه السياسى فى دولة متخلفة. الأيدى ترفع، ويبدأ السؤال أوالتعليق بأنه “يا سيادة الرئيس (مستر تشيرمان Ms. Chairman) ثم لا شىء. وكأنى أتابع مسرحية قديمة سخيفة ومدبلجة إلى لغة لا أعرفها (فضلا عن أننى لا أعرف لغتها الأصلية)، وكنت أشاهد الوجوه وهى تسأل سؤالا لا جدوى منه، وإجابته موجودة فى أى مرجع، وحتى إن لم تكن موجودة فلا يوجد وقت للإجابة أصلا، ومع ذلك تتكرر الأسئلة، وتتكرر الإجابات، وأرى الراحة المطئنة على الوجوه المستقرة، وكأن مشاكل الطب النفسى قد حلّت والذى كان قد كان،

كانت الورقة التى قدّمتُها فى هذا المؤتمر عامدا متعمدا هى مقارنة بين الأمثال العامية فى البحرين، والأمثال العامية المصرية فيما يتعلّق بكل من “العلاقة بالآخر”، وأيضا “العلاقة بالواقع”، و ما لهذا وذاك من انعكاسات على ممارسة الطب النفسى محليا. مثلا : حين نقول فى مصر”مبروم على مبروم ما ينفتلش.” يقولون فى البحرين “اِحْشِفِهْ علَىَ احْشِفِهْ ماَ تَلْتصِكْ.” ومثال آخر حين نقول فى مصر “ميّة من تحت تبن.”يقولون فى البحرين تَحْتِ الدَّفِّه حَيَّهْ مِلْتَفِّهْ. وهكذا،

تعمّدت تقديم هذه الورقة بالذات فى مؤتمر ينظمه “الخواجات” كى لا يكون هناك أى احتمال لتقديمها إلا بلغتها الأصلية. بل إن الأمر كان به تأكيدٌ غير مباشر على ضرورة الانتباه إلى اختلاف اللهجات العربية المحلية، ومحاولة تقليل الفجوة بينها. قدّمت ورقتى هذه بلغتى طبعا، مع ترجمة موجز بسيط إلى الإنجليزية بعد كل فقرة أقدّم بها الخلاصة أولا بأول، وأحسب أن الإنجليز احترموا المحاولة أكثر من زملائى من الدول العربية الذىن كان أغلبهم يسألنى فى الأروقة سؤالا مكررا “يعنى عايز تقول إيه،؟” ويلحق هذا بتساؤل حول علاقة ذلك بالطب النفسى، فكنت أقبل اعتراضه، وأشرح ماتيسر، أو أحوّل الأمر إلى مزاحٍ، حسب مقتضى الحال.

من فرط غيظى وجدتُنى أكتب شعرا عموديا وأنا واقف على أطلال الوعى الذى سلّمناه مفروشا لغير ذى صفة، ودون مقابل، وكان شعرا عموديا ساخرا أقرب إلى ما كان يسمّى “الشعر الحلمنتيشى؛ الذى تعلمناه من البعكوكة فى الأربعينات،

 كان والدى يجمعنا كل يوم أحد على ما أذكر، فى طنطا، ونحن معه دون والدتى التى كانت عادة تفضل البقاء فى قريتنا بالقرب من بركة السبع، وكنا نقرأ له أو يقرأ لنا أم سحلول، والشيخ بعجر، ثم الشعر الحلمنتيشى الذى أشرتُ إلى بعضه وعارضته فى آخر زيارة لى للمونمانتر، (الترحال الثانى). إن من أسخف ما يتكرر فى مثل هذه المؤتمرات تقديم الشكر والتحيات لرئىس الجلسة قبل المناقشات والمجاملات بطريقة “نعم…… ولكن”.” نعم ما أروع ما قلت، ولكنه ليس له أى معنى”، “نعم أنا أوافقك من حيث المبدأ، ولكن هذا كله لا فائدة منه” (هذه سخرية كاريكاتيرية فانتبه!!).

يسمح سيادة الرئيس بعد إلقاء ثمانية أبحاث بالمناقشة لمدة خمس دقائق. (هكذا الديمقراطية وعظمة الحوار؟)  !!!(شكرا).

 أخذ نداء “سيدى الرئىس” (مستر تشيرمان – مستر تشيرمان) يتردد فى رأسى حتى أنشدت واقفا على أطلال وعينا :

قـِفـَانـَبـْكِ “بحرين” التقينـــا بها معا        وكأسـِىَ مثقوبٌ به الوعْـُـى ضُــيـَّعاَ

شرائحُ أرقامٍ تدقّ ٍّ نعوشنـــــــــا             ونخـــّاس أسواق العبيد تربّعـــــــــا

و”مسـَترْ تـِشـِرْمـَن” هاتها ثم هاتها      وإحصاءُ أشلاءٍ بأطــــــلال أرْبـُعــــــا

انتهى المؤتمر أمس، وكان بين المؤتمرين بعض زملائى0(أولادى؟ طلبتى) القادمون من الإمارات. قررت- تخفيفا من آثار العدوان المؤتمراتى- أن أعرُجَ على دبى، ألتقى فيها بمن لم ألق فى البحرين لعلّنى ألتقط أنفاسى بعد اغتراب مهين.

فى دبى دعانى صديق خليجى (يسارى/ناصرى/مسلم جدا/ رجل أعمال..إلخ) إلى محاضرة فى نادى ثقافى فى دبى. وافقت علّنى أستشعر ما ذا يجرى هناك، خاصة وأنا أعتبر أن الإمارات قد حظيت بفرص يمكن أن تعتبر حضارية بشكل ما، أكثر من غيرها.

كلّمت أخى بالهاتف أسأل عن صحة أمى، لم يرد.

كلمت أختى لم ترد، لا أعرف رقم المستشفى.

كنت قد تركت أمّى فى المستشفى بالرغم منى، فقد كان لى دور خاص فى هذا المؤتمر وليس مجرد إلقاء بحث أو مشاركة فى اجتماع. كانت قد أُجرىَ لها منذ بضعة أشهر عملية استئصال ورم من الأمعاء. وتحسنتْ جدا، لكن الأعراض عاودتها بعد قليل، لنكتشف أن خفايا الورم عادت تنمو من جديد، فدخلت المستشفى من جديد. دعوت الله ألا يعرضها وإياى لهذا الامتحان المسمى “العلاج الكيميائى” فقد عاودتنى ذكريات صديقى المرحوم السعيد الرازقى، وعرفت أننى لن أحتمل أن أرى أمى تتعرض لمثل هذه الخبرة وقد بلغت حوالى التسعين عاما.

أنا لا أعرف سنّها بالتحديد، لكن والدى كان يلمّح إلى أنها كانت تقاربه سنا، وكانت هى توافقه على ذلك،

 ولمّا كان والدى من مواليد سنة 1900 فقد كان هذا تقديرى لعمرها آنذاك. العجيب أنها عاشت بعد والدى حوالى ربع قرن (تركنا والدى سنة 1968) مع أن طبيب وصديق العائلة، وأستاذ أخى، المرحوم الأستاذ إبراهيم أبو النجا كان قد نبهنا إلى العناية بأمنا بعد والدى. قال إنه يعرف أزواجا كانا مرتبطين ببعضهما ارتباطا وثيقا مثل أمى وأبى، فلمّا مات أحدهما لحقه الآخر بعد بضعة أيام أو أسابيع، بمرض أو بدون سبب ظاهر، وقد صدّقته تماما، وأحمد الله أننا كنا عند حسن ظنه. لكننى، والحق يقال، لاحظتُ أن أمى لم تجزع ذلك الجزع الذى توقعه الدكتور أبو النجا، ولم تتدهورحالتها، بل إننى تصورت أن علاقتها قد توثقت بأبى بعد موته أكثر مما كانت وهو بيننا، مع أن موته كان بالنسبة لى مفاجأة ومحنة خاصة ذكرتُ تفاصيلها من قبل، كذلك توثقت علاقتها بى، أو علاقتى بها، بشكل ربما يرجع إلى ما أشرت إليه من “أبوتى” الجاهزة التى امتدت حتى شملت أبى فى مرضه الأخير ثم أمى بعد وفاته، أصبحت أنا المسئول عنها أساسا، أو تماما، وقد تمّ تنظيم دخل مستقل لها بناء على وصية أبى، ردا لدين أقره على نفسه حين ضم أرضها لأرضه فقال لى إن لها كذا، وريعها خلال 44 عاما كذا، بالإضافة إلى ميراثها الشرعى وكلفنى بتنفيذ ذلك قبل أى تقسيم آخر. وقد كان.

أشرت من قبل كيف كنت متحيّزا لخالتى (أمى الثانية) فى أى خلاف بينهما، ولم أكن أفهم كل هذا الجارى بين شقيقتين لا أخ لهما، وكانت الأكثر تجنيا (وربما ظلما) هى الأقدر والأغنى ذات الزوج والولد (أمى الرحم)، فقد طـُـلُقت خالتى دون أن تنجب بعد حياة صعبة عايشتُ بعضها فى سوق السلاح حيث كانت تقيم أثناء زواجها.

لم تحضر أمى فى هذا العمل بنفس القدر الذى شغله أبى طوال تَرحالاتى هذه. هل معنى ذلك أنها أقل أثرا أو أننى أكثرجحودا؟. أيضا آعترف أن أبى مازال يظهر فى أحلامى، وفى مايسمى شعرى أكثر من أمى (لاحِظ ذلك- مثلا- فى القصيدتين: “دمعتان” و النورس العجوز. فى الفصل السابق). ثم إنى ربما أشرت دون تفاصيل، لتلك العلاقة الملتبسة بين أمى وخالتى، وهما شقيقتان وحيدتان لا أخ لهما (ولا أب). ربما يرجع ذلك إلى ما ألمحتْ به إلىّ أمى سرّا فيما يشبه الوصية عقب نوبة من نوباتها.

كانت أمى تصاب بنوبات إغماء عرفت فيما بعد تخصصى أنها ليست صرْعا حقيقيا، فمن ناحية كانت النوبات مرتبطة بغضب أبى، ومن ناحية أخرى كانت تفيق منها بعد بعض الطقوس التى اعتدناها بالتجربة والخطأ، ومنها “التنفس الصناعى!!” الذى كان والدى يصر على أن نجريه لها ونحن حولها، فإذا طالت النوبة تبادلنا تحريك ذراعيها فى شكل شبه دائرى حسب إرشادات والدى الذى قرأ هذه الطريقة فى كتاب إسعافات أصفر اسمه “الصحة والمرض”، قلّبته مرة وقد نـُزع غلافه مثل رواية الشيخ الصالح، فلم أعرف مَن مؤلفه. كان والدى يحب دائما أن يكرر بعض النظريات العلمية والطبية، ويقول إنه لو كان له الخيار لدرَس ومارس العلوم الطبيعية، وبالذات كان يردد قاعدة أرشميدس بالحرف الواحد، وكذا قاعدة القصور الذاتى. ويفسر بالقاعدة الأخيرة كثيرا من تصرفاتنا وتصرفات غيرنا. حين أصبحتُ طبيبا ابتسمت وأنا أتذكر حكاية التنفس الصناعى هذه.

……………………

……………………

ونواصل الأسبوع القادم  استكمال الفصل الثالث: أمّـى… (2)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] –  ترحالات يحيى الرخاوى: (2000) وتتضمن الترحالات: (الترحال الأول: “الناس والطريق”) و(الترحال الثانى: “الموت والحنين”) و(الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”) منشورات جمعية الطب النفسى التطورى، والترحالات موجودة فى الطبعة الورقية  فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة  الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *