الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / تداعيات يحيى الرخاوى: التداعى الأول: قصة فى قطار (1 من 4)

تداعيات يحيى الرخاوى: التداعى الأول: قصة فى قطار (1 من 4)

نشرة “الإنسان والتطور”

السبت: 3-10-2026

السنة العشرون

العدد:  6972

تـداعـيـات

 يحيـى الرخـاوى[1]

 

 مقدمة الطبعة الأولى:

حين جمعت قصصى القصيرة التى نُشرت والتى لم تنشر، وجدت بينها قصصاً أشبه بالمقال، كما نظرت فى بعض مقالاتى فوجدتها مقالات أقرب إلى الصور القصصية وأى من ذلك فيه جرعة ذاتية واضحة.

كما لاحظت شكلا من التداعى ربما قريبا مما يسمى تيار الوعى فجمعت مرحليا جمعت مجموعة محدودة  تحت مسمى: “تداعيات” هى كالتالى:

* التداعى الأول:  بعنوان: “قصة فى قطار”

وفيه شهادة كاتب يمارس النقد أحيانا، قدّمها وهو يمر بتجربة كتابة قصّة فى وقت محدد، كنوع من التجريب التأمّلى المتوازى مع فعل كلٍّ من النقد والإبداع.

* التداعى الثانى: وعنوانه: “فى المقهى”

  – الجزء الأول: “مقعدان”

  – الجزء الثانى: “الجريمة والناس”

الفصل الأول: “المرافعة” –  الفصل الثانى: “اعتراف”

* التداعى الثالث: بعنوان: “اللعبة والملعوب”

وهو تجريب لخبرة كررتها، وأحببتها، وهى نوع من التزاوج بين القصة والمقال، وكأنى كنت أحاول اختبار مدى نجاح التناوب بين غلبة النصفين الكرويين، حيث نشرت فى صورتها التقليدية بعنوان: “ماذا بعد أن لعبنا معا لعبة الألفية” بجريدة الأهرام بتاريخ 18/1/2000، ثم جرى عليه ما جعله أقرب إلى التداعيات ونشر فى مجلة “سطور” عدد (40) مارس سنة 2000، وهى الصورة الماثلة فى هذه الطبعة.

فهل يا ترى تقوم هذه العينة بالوفاء بما أعنيه بما هو “تداعيات”؟

وهل تصلح مدخلا إلى توضيح مأ أقصده بـ الأعمال المتكاملة”؟ ومن مصطلح “الأعمال الناقصة/المتكاملة؟”.

****

مقدمة الطبعة الثانية

لم أجد ما أريد زيادته عن ما جاء فى مقدمة الطبعة الأولى.

 فقررت أن أكتفى بشكر كل من رحب بها دون أن أضعها تحت نوع معين من أشكال الإبداع، اللهم إلا ما يوحى به العنوان “تداعيات”.

شكراً

وعلى الله قصد السبيل، ومنها جائر

يحيى الرخاوى

10/11/2020

****

التداعى الأول

  “قصة فى قطار”[2] (1 من 4)

شهادةٌ فى قصة ليست قصيرة!!

  

 على المقهى الذى فى ميدان سيدى جابر، على شريط الترام وأنت ذاهب نحو المحطة توجد قهوة كبيرة ماسكة ناصيتين، جلس على الرصيف فى الظل ووجهته ناحية الترام، لا ناحية المحطة، مع أنه فى المرّة السابقة كان يجلس ووجهه للمحطة، وراح ينظر إلى ناحية القطار كل قليل، وكأنه سيراه وهو قادم فيجرى ليلحق به، بدا وكأنه لم يصله خبر أن الأمور تغيرت، وأن قطارات هذه الأيام لا تحتاج إلى الحدْس ومباريات الجرى، كلّه بالدقيقة، شئ فرنساوى، وشئ توربينو، وشئ أسبانى، مصلحة السكك الحديد المتحدة، ثم إنه لمّا تجوّل المرة التى فاتت اكتشف منطقة لم يكن قد تجوّل فيها من قبل، توجد هذه المنطقة على الناصية المقابلة، الناحية الثانية من شريط الترام، مطعم صغير أمامه شوّاية الفراخ بروائحها التى هى، يبدو أن هذه هى أيامها بعد حكاية جنون البقر، ثم فرن جميل نظيف تتصاعد منه رائحة الطزاجة الدافئة، هو يحب هذا الخبز هكذا دون غموس (الخبز الحاف)، فى جولة سريعة المرة السابقة، تعرف على المكان وكأنه مسافر إلى الخارج يكتشف حوارى بلد متوسط على الطريق، مثلا: من تركيا إلى اليونان، هذه المرّة  لفّ نفس اللفّة وكأنه يتأكد أنه قد أصبح له حق مواطَــنة وطن جديد اسمه “سيدى جابر” لا يحتاج الأمر إلى دخوله أية إجراءات أو تأشيرات، شوارع ضيقة نسبيا، وعمارات متوسطة قديمة منتصبة فى ثقة وهى تتحاور فى همس، ومحلات بسيطة ونظيفة وصغيرة، وانحناءات غير متوقعة، ثم إنه عرف كيف يوحّد الاتجاه رغم الانحناءات التى تصل إلى الزاوية الحادّة، يسار فى يسار فى يسار تجد نفسك ثانية على شريط الترام أمام بورصة كذا (لم يعد يهتم بالأسماء بعد أن تكرر نسيانها) والبورصة، كما خيل إليه فى لغة الإسكندرانية، تعنى القهوة، ناس يجلسون مع بعضهم البعض، ناس بحق، لا ينتظرون القطار، أى قطار، فقط يجلسون ويتصايحون ويلعبون ويتكلمون ويضحكون، والله زمان، هو ليس من رواد المقاهى أصلا، وقته لا يسمح، ومع ذلك، والله زمان، كله من هذه السيارات، وخاصّة هذه السيارة الأخيرة ذات المقعدين، فَصَلَته عن الناس، كيف يمكن أن يتربى الأولاد بلا اختناقات فى الأتوبيس، وبلا بحث عن الفكّة فى جيوبهم ثم حوار مع المحصّل (يعنى: “الكمسارى”؟!) وكان قد تعمّد، بعد أن كبر الأولاد واستقلّوا، شراء هذه السيارة الشبابى، لا ادعاءً للشباب وإنما تجنّباً أن يركّب أحداً معه، حتى من أولاده ما أمكن ذلك، ناهيك عن المارة الذين يشيرون بأيديهم أحيانا فيخجل هو من المقعد الخالى بجواره، ومع ذلك لا يقف لهم، وأيضا هو نجح أن يقاوم إلحاح أولاده وزوجته أن يوظف سائقاً خاصّا يليق بدخله ويوفر وقته، نقوده القادرة على تعيين سائق خاص كادت تحرمه حتى من الاختلاء بنفسه فى السيارة وهو يستمع إلى إذاعات لندن والإذاعات الأخرى التى تكرهها زوجتة، فهى تعتقد أنها إذاعات متخصصة فى نشرات الأخبار المليئة بالقتل والغم والحوادث، هذه السيارة، كل السيارات، أصبحت حاجزاً فوق الحواجز بينه وبين الناس، ومع ذلك فهو يحب هذه السيارة حبا جما رغم كل شئ، “اثنين صُحبة، ثلاثة زحمة”، قولٌ “خواجاتي” سخيف، أثناء جولته هذه المرّة وقف أمام الدكان الصغير على ناصية أحد الانحناءات الحادة، أمام الدكان ثلاجة بها “آيس كريم”، فتحها وتناول منها قمع البسكويت الذى يحبّه رغم قشرة الشيكولاته التى لا يحبها، دولسيكا بالبسكويت، هو لا يحب البوظة أُمّ عصا، أصبح قمع الدولسيكا بجنيه، هذا هو الشئ الذى استطاع أن يتابع أسعاره فى السنوات الأخيرة، 35 قرشا، ثم 50 قرشا، ثم 65 قرشا، ثم هُبْ قفزة إلى الجنيه الصحيح، إنه لا يشترى – شخصياً – شيئاً بنفسه، وهو لا يحتاج إلى شئ، وبالتالى لا يعرف إلى أين وصلت الأسعار هذه الأيام، ثم إنه لمح كراريس على الرف الداخلى للمحل، هذه أيضا من الأشياء التى كان يشتريها من سنوات قبل حكاية الكومبيوتر، “أرخص كرّاسة لو سمحت”، متوسطة، ورق أى كلام لو سمحت، غلاف عادى لو سمحت، ما الحكاية؟ لو سمحت لو سمحت لو سمحت، المهم، اشترى الكراسة، لماذا اشترى الكراسة؟ هذا أمر فى علم الغيب حتى هذه اللحظة، اشتراها بجنيه أيضا؟ نفس ثمن الآيس كريم، ثم إنه فرح فرحاً مناسباً، بغير سبب ظاهر، الكراسة بجنيه والـ”جيلاتي” بجنيه، مثل زمان، دومة بمليم، وعسلية بمليم، وقرطاس لب بمليم، وتتبقى نكلة، والكراسة (زمان) (32 صفحة) كنظام وزارة المعارف العمومية بنكلة، أو تعريفة حسب الورق، هو لا يحب تذكّر الماضى بحنين خاص، ولكنه لا يستطيع أن يحول دون الشعور بهذا الحنين الخاص رغم اختلاطه بمشاعر متداخلة من المذلة والضعف والحيرة والوحدة، نعم والوحدة، منذ هذه السن المبكرة، انقطعت علاقته بالتسوق تقريباً فيما عدا هذه الـ “دولسيكا” وبعض الكشاكيل التى توقف عن شرائها بسبب صديقه الجديد، الحاسوب، ما أسخف الاسم، هو الكمبيوتر وخلاص، فحتى أسعار الكراريس والكشاكيل توقف عن تتبعها، وهو قد اكتفى بإعطاء زوجته مبالغ أكثر من المطلوب حتى يوفّر على نفسه الشكوى من الأسعار، ومع ذلك فهى لا تكف عن تذكرته، وهو يزوغ، وهى لا تكف،”فيم نـتكلم إذن إذا لم نتكلم فى الأسعار”، يا ستى خلّ الهم لأصحابه، نحن قادرون والحمد لله، فتنبرى زوجته تحاول أن تـُفَهمه أنها تتكلم من أجل المهمومين، هكذا مرة واحدة؟ طيب كيف؟”

 إن كثرة الكلام عنهم تجعلنا ننساهم، أعنى قد تجعلنا ننساهم. نعم؟ نعم؟ خلاص، لا أقصد، بل تقصد. أستغفر الله العظيم، آخر كشكول اشتراه كان بعدّة جنيهات، أغلى من روايات نجيب محفوظ زمان، كان كبيراً ومرسوماً عليه صورة أحد المغنيين أو الراقصين (لم يعد هناك فرق)، وحين طلب غلافا سادة لم يجد، فكتفى بغلاف عليه ميكى ماوس، مع أنه يحب أكثر توم وجيرى، وزوجته تواصل الحديث عن الأسعار، وهو لا يستطيع أن يجد ردودا مناسبة كل مرة، وهذه المرّة الأخيرة اكتفى بأن يزوم وهو يهز رأسه، فتمادت ظانّة أنه فهم ويتابع، فيتمتم، فتتمادى، فيزوم مرة أخرى بطريقة أخرى، فتتمادى وهى تحدثه عن الناس المساكين جدا، وتبدى من أنواع الشفقة ما لا يجوز، وهى تؤكد أن الحديث عن الجوعى والمساكين هو مسئولية كل متحدث، وذلك حتى لا ننساهم، يا حرام. كذا؟.!! وهكذا تلقى عن كاهلك كل شئ بمجرد أن تحكيه، هذا رأيه. يا سبحان الله، نحن نخفّض الأسعار بالكلام، نبنى مساكن للشباب بالكلام، ونروى لهم الأفدنة الصحراوية التى ضحكنا عليهم بها فتاجروا فيها ما دامت بدون ماء، بالكلام أيضا، يبدو أن الكلام مهم جدا فعلاً!! ماشى، كلام الناس هو الرأى العام؟ الرأى ماذا ولا مؤاخذة؟. الرأى العام: يعنى الرأى العام، ماذا فى هذا؟. ألم نتفق على التوقف عن المعايرة، وفارس مالبورو ينظر إليه من الإعلان الكبير الموجود على حائط العمارة المقابلة، والله هذا الفارس أرحم من تلك الراقصة على غلاف الكشكول اياه، على الأقل هو فارس يذكرنا بشهامة موقف الفرسان الذين لا يطعنون فى الخلف، ثم إن هذا الفارس بالذات يوصيك بالنكهة، حلوة النكهة هذه، وهو لم يعد يدخّن، بل إنه لم يكن مدخنا أصلا، فلماذا اشترى الكراس؟ وما علاقة هذا بذاك؟ عجيبة، عموما هو طالع فى مقدَّر جديد، منذ قرر أن يستقل القطار ذهاباً وإياباً إلى الإسكندرية التى يحبها جداً، يحبّها أكثر مما يحبها إدوارد الخرّاط وغالبا أكثر من يوسف شاهين، من أين له أن يعرف؟. من فرط حبه لها، لا يوجد أكثر من هذا، فراح يستعيد أشياء صغيرة رائعة كان قد هجرها بسبب الثراء والعربات والجرى وراء الجرى، وراء الجرى، وراء الجرى، وراء… (كفي… الله!!)، لكن هذه الكراس التى اشتراها بغير قصد تحل فى وقت غير مناسب، وكأنها تريد أن تستفرد به بعيدا عن غريمها الكمبيوتر، ذلك الصديق الجديد العظيم القادر النذل، قال اسمه الحاسوب قال!! يستأهل هذا الاسم بدلا من الكمبيوتر ما دام هو بكل هذه النذالة، لكنه مع نذالته صديق، حين تصادق نذلا وأنت تعرف ذلك لا يحبطك تخلّيه أو تصدمك أنانيته، فتطول الصداقة، وقد حال هذا الكمبيوتر بينه وبين أصحابه القدامى مثل أقلام الحبر الجاف المتعددة الألوان الرفيعة السن جدا، وكافة أنواع الكراريس، ولكنّه ظل محتفظا بصداقة الأقلام الرصاص والأساتيك (جمع أستيكة لأنى لم أعرف جمع ممحاة، هل هو ممحايات أم مَمَاحٍ)، هذا الصديق النذل (الحاسوب) شفاهُ من عشق القلم والورق معاً، واختصت الأقلام الرصاص بشخبطة الكتب التى يقرؤها، الكمبيوتر صديقٌ حقيقى له حضور، يلقى عليه تحية الصباح، وأحيانا يضغط على زرّه وهو ذاهب إلى دورة المياه ليسمع زنّة الفتح الرقيقة، ثم يغلقه دون أن يعمل عليه بعد أن ينظر فى شاشته الفضية بحنان، ومع ذلك فهو صديق نذل أيضا، ولن أقول لكم لماذا! مقالبه يحتملها بكل صبر، مع أنها أحيانا تكون باردة وغادرة، يعاتبه، أو يعاقبه، أحيانا بأن يرفض أن يغطّيه بغطائه وهو خارج بعيدا عنه، كما أنه إذا غضب منه، أو عليه، لا يمسح عنه التراب ولا يربت عليه حين يبدأ العمل، نفس الشكوى كانت تشكو منها زوجته، فهو لم يملّس على شعرها إلا مرّات قليلة فى استجابة غير عفوية لمطلب غامض أشبه بالشروط السرية فى معاهدة استسلام، أشياء كثيرة صغيرة شديدة الأهمية فى الأنس والمداعبة، لم يتعلم منذ الصغر كيف يتقنها، مع أنه على يقين من أنها ضرورية، وأنها أهم من الأشياء الكبيرة التى لا يتقنها أيضا، يعتذر لابن حزم بكل خجل لعجزه عن الألفة والإيلاف، لماذا أسمى كتابه “طوق الحمامة؟. الرقة لا تباع ولا تشترى يا أخى، يشفق على زوجته بقسوة ويتساءل: لم قبـِلَـتْه ما دام هو هكذا؟ ظلمتْ نفسها هذه السيدة.

 – تمسح يا بيه؟.

والله زمان.

 زمان، كانت الكراريس وحدها هى التى “كنظام”، وهو لم يعرف أبدا ما هو نظام وزارة المعارف العمومية التى تحذو حذوها هذه الكراريس، وكان يتصوّر أنه إذا اشترى كراسة مكتوباً عليها “وزارة المعارف العمومية” من غير “كنظام”، فإنها فى الأغلب ستكون مغشوشة؛ فالأصل فى الكراريس أنها كنظام، أما تلك الكراريس بدون”كنظام” فلا أحد يعرفها، تأكد من ذلك فيما بعد وهو يقرأ مُثُل أفلاطون، يبدو أن أفلاطون كان عنده حق حين نبّه أنه حتى السرير ليس إلا “كنظام” السرير الذى هو “فوق”، فى عالم مُثُـل سيدنا أفلاطون بالصلاة على النبي، حلوة حكاية السرير هذه، كل شئ الآن أصبح “كنظام” وخصوصا الكمبيوتر ولكنهم قلبوا كلمة كنظام إلى “كومباتِيبُل”، السبق الذى حققته جمهورية مصر العربية هى أنها نجحت أن تعيش بدون نظام أصلا، وهذا شئ مصرى شديد الخصوصية، فكل شئ يسير بنجاح غامض فى هذا البلد العجيب، لا أحد يجوع فعلاً، ولا أحد يثور، ولا أحد يتعلّم، ولا أحد يأخذها جدا، وكلّه ماشي؛ فالقطارات تسير على قضبانها، والمجارى تجرى فى مجاريها، والجسور تمتد إلى غايتها فتزداد البلد ازدحاما من باب البركة، معجزة هذه والله العظيم، قوانين هذا الشعب لم تُكتشف بعد.

  – شكراً يا ابنى شكراً، لا، شكراً.

قدّر أنه لو وافقه فإن القطار قد يفوته مع أنه مازالت أمامه عشرون دقيقة، والمسافة بين مقعده فى القهوة – كما قاسها المرة الماضية – وعتبة القطار هى دقيقتان وعشرون ثانية، ياسلام!  ما كل هذه الدقّة؟ ثم من أدراه؟ ثارت هواجسه وهذا جزء من طبعه السرى، من أدراه أن هذا الفتى سيأخذ الحذاء وُيرجعه، تبقى فضيحة أن يذهب إلى القطار بالجورب. زمان (تانى؟!) كان ماسح الأحذية يمسح الحذاء وأنت لابسه، وهات يا كلام ودود من هنا وهناك، كان له دور مسامر لطيف، أخف دما من الحلاق، لماذا يتقن ماسح الأحذية الحديث ويتفننَّ فيه أكثر من أى حلاق؛ ربما لأنه يجلس مستريحا على الأرض وهو يحكى، رأيتَ كيف يؤثر وضع الجسد فى السلوك والتفكير، يا أخى، سبحان الله، الآن ماسح الأحذية يخلع عنك حذاءك، يضع تحت قدميك ورقة كارتون مليئة بالألوان المختلفة لكنّها جافّة لا تصبغ جوربك، اطمئن، ومن لم يعتد مثل هذا التخلى عن حذائه ولو بشروط معلنة مسبقا، لا يمكن أن يطمئن إن كان حذاؤه سيرجع له أم لا، طبعا هذا كلام فارغ، فلا بد أن صاحب القهوة والعمّال بها يعرفون هذا الفتى ماسح الأحذية، وإلا لما سمحوا له.

 – لا يا ابنى، قلت شكرا، أكثر الله خيرك.

نظر إلى الكرّاس الجديد وهو قابع على المنضدة، لم يكن قد وضعه بعد فى الحقيبة الوحيدة الخفيفة التى يحملها، لماذا اشتراه؟ وماذا يمكن أن يفعل به؟ اشترى معه قلماً جافاً، رينولدز الفرنسى الصنع، حتى الأقلام نستوردها، راح الكراس يقول شيئا همسا، حنين قديم، أشبه بالعتاب، “لا مشاكل” (تعبير مستورد جديد لن أقوله لك بالإنجليزية) جلد الكراس خشن، وله رائحة مثل رائحة ورق اللحم، ترى هل مازالوا يبيعون اللحم فى ورق أثقل من وزن اللحم؟. جلدة الكراس عليها نقوش غامضة كان لونها ينوى أن يكون “بمبياً!” ثم عدَل، كان الغلاف زمان (كل حاجة زمان زمان؟!

 هذا الأسلوب هو من علامات الكهولة، وهو ليس كهلا بعد، والمصحف ليس كهلا)، ظهْر الغلاف كان مدرسة نصائح متحركة، دمّها خفيف، ولا أحد يطالبك بتنفيذها على أرض الواقع، قارَنَ ما كان يكتب على ظهر الكراس مثل: “اغسل يديك قبل الأكل وبعده” أو “لا تؤخر عمل اليوم إلى الغد”، بتلك الفتاوى التى يطلقها هذا الطبيب النفسى جدا فى التليفزيون إثر سؤال مشكل، تذكر وهو يبتسم كيف كان يقول لا فضّ فوه، دون أى تردد أو تفكير أصلا: إن الأبحاث الأحدث أثبتت أنه على “الأم أن تحب ابنها”، أما الأبحاث الأكثر حداثة فهى تؤكد أن “الطالب وهو يذاكر لابد أن يركّز؛ لأن هذا من أهم الوظائف النفسية للعقل البشرى”!!!، الله يسامحكم، لم يسارع إلى الاستجابة للنصيحة غير المكتوبة على ظهر هذا الكراس الحديث الذى لم يصادقه بعد، راح ينظر فى حقيبته فلمح ما كان مصدرا آخر للغيظ، ذلك أنه كان قد أخذ معه رواية جديدة اسمها “عطلة رضوان”، ومؤلفها اسمه “عبده جبير”، مؤلف يسمع عنه كل خير واجتهاد، وقد قرأ هو هذه الرواية بإصرار لا مثيل له، ثم قال لنفسه بالعافية، إنها رواية رائعة وتغيظ، أقولها بملء فمى حتى لا يزعل، ولكننى متأكد أن المؤلف حين يبلغه ذلك، إذا بلغه، سوف يتذكر كلمة تغيظ ولن يتذكر كلمة رائعة، كان ما يغيظه زمان أن يحل محل النصائح خفيفة الظل على ظهر بعض الكراسات جدول الضرب الصغير والكبير بأرقامهما المزدحمة وبينهما خط مائل لا يفض الاشتباك، أما جدول الضرب الصغير فنحن نحفظه عن ظهر قلب فما لزومه، جدول الضرب الكبير هو الذى يمثل التحدّى الرائع الذى يغيظ غيظا أقل من غيظه من عطلة رضوان  21 x 21 =441، لا لا لا، إلا هذا، وهم يعرفون تماما أن أحدا لن يحفظ مثل هذه الأرقام، فلماذا يشغلون نصف ظهر الكراس بها أرقام الميزانية فى مجلس الشعب، قال ماذا؟. زيادة الدخل القومى، والألعن أن الولايات المتحدة الأمريكية مدينة لا أدرى بكم تريليون دولار، يا صلاة النبى، مدينة لمن؟ لا تدرى، كلام، رغم حبكته، يضحكون به على الناس ويغيظونهم فى نفس الوقت مثل عطلة رضوان، ومثل جدول الضرب الكبير ثم يكمّلون عليهم بقصيدة النثر، والذى يشتم إنما يشتم نفسه، هكذا كنا نوقف مباراة التراشق بالسباب أطفالا،”كل ما تقوله على الآن هو عليك يا سعيد يا غراب الآن، هيه!!”، فيتوقف سعيد غراب خوفا من التورط فى سب نفسه، المفروض أن الأدباء ناس طيبون، وعليهم أن يرحموا الناس من جدول الضرب الكبير، ومن ديون أمريكا ولا مؤاخذة، أما أن يأتوا بكل قسوة وإخلاص ليكملوا على ما تبقى لنا من منطق وأمل بقصيدة النثر هذه، فالله يسامحهم، أنا مازلت أرجح طيبتهم، لذلك فأنا واثق كل الثقة (أقول كل الثقة) من أنهم سوف يرحموننا فى يوم من الأيام، الله يخلّيهم، استعراض عضلات هو؟ تناصّ طبعا، هو يعلم مدى تواضع معلوماته وفقر أبجديته الخاصة بهذا التخصص، موقفه محدد ومتواضع من البداية، مثل موقفه قديما من جدول الضرب الكبير، كان منظر هذا الجدول قيمة، لكن هو ماله هو؟ للمليك اهتفوا، يا نسور الحمى، للمليك اهتفوا، دائماً دائماً، زِهْ، فِهْ، تِهْ، يِهْ، زفتى زفتى زفتى، لا لم تكن أياماً سعيدة كما تحاول أن تثبت لنا سامية الإتربى ويحيى تادرس، كانت أياما فقط، حكايات المقاهى هذه (فصَّحتها بالقصد)، ليست هى، رغم أنها مليئة بالحكايات التى هى، ملآنة آهات، ودموع وأنين، الله يرحمِك يا ست الكل، يعنى، بَلاَ زمان بَلاَ كلام فارغ، من يـُرد أن يعيش يـَعش الآن، ومن لا يعجبه يذهب إلى زمان ويريحنا، حتى الآثار، سواء فى مصر أو أثناء الترحال، هو لا يحب أن يزورها، إنه لم يزر المتحف المصرى حتى الآن، أى والله العظيم، يخشى ألا يستطيع أن يتحمّل مسئولية تاريخه إذا رآه رأى العين، يخشى أن تقوم المومياء التى كانت أم نجيب محفوظ لا تكل من زيارتها وهى تصحبه معها طفلاً، يخشى إن زار هو هذه المومياء إذا زارها ووقف قبالتها أن تلتقط عدم احترامه لمن حنّطها، فتخرج له لسانها، أو قد يكتشف، ليس يدرى كيف، أن توت عنخ آمون كان شاذاً جنسياً، أو أن يرصّهُمْ له رمسيس الثانى أربعة أربعة، يعايره، وقد يحاكمه، مع أنه غير مسئول عن هزيمة 1967 إلا فيما يتعلق بفرحته وهو فى سنة تانية جامعة بالحركة المباركة، لو كان يعرف أنهم سوف يجرسونا هكذا بعد 15 عاما لمنع نفسه من ذلك الفرح حتما، هل يستطيع الآن بعد كل هذا العمر، وما جرى، وما يجرى أن يتراجع عن فرحته تلك حتى يعفى نفسه من مسئولية الهزيمة، “لا عامر ولا الغول، عبد الناصر المسئول”، بيان 30 مارس، وحسنين هيكل فجأة يكف عن ذكر عبد الناصر ونشر صوره فى الأهرام استعدادا للقادم الجديد، خيبك الله يا زكريا يا بن محيى الدين، لماذا لم تلقِ بيانك من فورك وتأمر بالقبض عليه لمحاكمته، وقد تثبـُت براءته، وقد تحدد مسئوليته بحجمها لا أكثر، وقد يكون فى ذلك بداية كلام آخر، وتاريخ آخر، كل شئ يُنسى بعد حين، لا أبدا، كلام فارغ، مازال طعم مرارة الهزيمة، وقبضة القلب تعاوده بعد أكثر من ثلاثين عاما كلما ذكر صوت أحمد سعيد، ثم إنه يرفض نغمة “العديد” هذه بكل ما أوتى من عقل وحزم، ولكن بلا فائدة، مسئول غير مسئول هو ماله، ما جرى جرى يا أخى، المصيبة أن ما جرى يجرى، ما زال يجرى، لم يمح نصر 73 مرارة الهزيمة، مع أنه كان نصرا بجد، إلا قليلا، ملعون أبو الثغرة، فيها ماذا؟ العبرة بالخاتمة، وهى زين والحمد لله على الرغم من قول الحاقدين أنه باع النصر، قال يعنى هم الذين اشتروه!!! كيف اجتمع طعم النشوة المنعشة بالنصر مع طعم المرارة الخبيث دون أن يمحو الأول الآخر؟ هذا شئ، وهذا شئ،. الذاكرة المصرية لها قوانينها الخاصة مثل اقتصاد الشعب المصرى وتاريخه.

– قرِفة من فضلك، سكّر كثير لو سمحت.

هو يشرب القهوة سادة، مزاج، ليس بسبب مرض السكرى المصاب به كل أفراد عائلته، إلا هو، إيش عرّفه؟ لطعم البن مرارة جميلة فكيف يلغيها بمذاق السكر، ثم إنه يرفض أن يحلل، نعم: كل عائلته عندهم هذا المرض، لكنه لن يحلل، هو حر، الله!!. من عاش بالحكمة مات بالمرض، مثلٌ سخيف وكاذب، كثير من الأمثال تقوم بعمليات تبرير ألطف وأتفه من بيانات الحكومة كل عام، لقد توقف عن شرب القهوة مؤخراً بدون أى سبب، هكذا والسلام، مرّت عليه تجارب كثيرة من هذا النوع لم يجد لها تفسيراً، شئ يعمله لمدة سنوات طويلة، وفجأة ينظر إليه من بعيد، ويسأل نفسه، ماذا لو كففت عنه؟. ويكف، وهو الكـففان، المنضدة أمامه تغريه، والكراس تناديه فى همس به دلال كان قد نسيه حتى أنكره، والقلم جاهز، وهو لم يقرر أبدا أن يكف عن كتابة القصة، لكنه كفّ، كفّ دون قرار.

والله فكرة.

لماذا لا يكتب قصة قصيرة ممطوطة؟. يجرّب فيها نفسه الآن بعد هذا الانقطاع، قصة ممطوطة بطول الطريق بالضبط؟ يعنى على شرط أن تنتهى قبل وصوله إلى القاهرة، هو لم يكتب إلا الرواية الوحيدة إياها، ثم راح يرسم قصصاً فى صفحة أو صفحتين هى أقرب إلى الصور الذاتية المحسومة (لا يعرف لماذا استعمل كلمة محسومة هنا بالذات، ثم إنه أبى أن يشطبها فى المراجعة كما تلاحظ). فليكتب هذه القصة الجديدة احتفاءً بالكراس الجديد، ونكاية بالصديق الحاسوب الطيب النذل القابع فى حجرته ينتظره فى لهفة، وابتسم وكأنه يبتسم لأحد، ثم اتسعت ابتسامته، هل هو أقل من هذا المسئول الكبير الذى ينشرون له هذه الأيام قصصا كتبها فى سن التاسعة عشرة (هو الذى يقول) فى صحيفة واسعة الانتشار لها طبعة دولية، لقد ظلّوا يلاحقونا بها أسابيع متتالية دون حياء، اتسعت ابتسامته رغم الملاحقة حتى كاد يضحك، نظر حوله خوفاً من أن يكون قد ضحك فعلاً بصوت عال، ولكن ما الذى أضحكه، أقول لكم: فقد حاول أن يلخّص ثلاث قصص من قصص أوراق هذا المسئول الكبير، مع أنه لم يستطع أن يقرأ إلا قصّتين وربع قصّة بالعافية، ومع ذلك فقد صرّح مصدر مسئول (مصدر ثقافى إعلامى متحدث شبه رسمى مجهول الإسم) أن هذه الصحيفة الكبرى سوف تجمع هذه القصص فى كتاب يصدر قريباً، أى والله، وفيها ماذا؟ بطلوا حقد، سوف أوجز لكم ثلاث قصص ولتحكموا بأنفسكم.

أما القصة الأولى فهى أن “واحدا أحب واحدة، ثم تقدم لأهلها ليتزوجها، فلم يرضوا به، فزعل”.

انتهت القصة الأولى.

………………..

………………..

ونواصل الأسبوع القادم استكمال التداعى الأول “قصة فى قطار”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]- يحيى الرخاوى  “تداعيات يحيى الرخاوى” (من واقع ثقافتنا الشعبية) (الطبعة الأولى 2017، والطبعة الثانية 2020)  والكتاب متاح  فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10 من شارع 9 مدينة المقطم – القاهرة.

[2] – كتبت فى عام  2000، وظهرت كطبعة أولى في مجموعة قصص قصيرة بعنوان: “ورطة قلم” الناشر “دار المحروسة” – القاهرة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *