نشرة الإنسان والتطور
الخميس: 6-8-2026
السنة التاسعة عشر
العدد: 6914
الكتاب الثالث: فى شرف صحبة نجيب محفوظ [1]
الحلقة السابعة والخمسون
المخدوعون
الجمعة: 5/5/1995
التوفيق بين الندوة الثقافية الشهرية وبين تشريف الأستاذ بيتى أصبح مشكلة أساسية- حتى من أجل خاطر ما يمثله-، فلا أنا أستطيع أن أعتذر عن الندوة لأصاحبه، ولا أنا أستطيع أن أنسى أنه فى بيتى على بعد خطوات من مكان الندوة، وهو شخصيا قد نهرنى بشدة أن أعتذر عن الندوة، وحين علم يوما باحتمال تأجيلها لشهر واحد كاد يصل نهره إلى أمرٍ حاسم بالالتزام المطلق بعد أن علم أنها منتظمة شهريا منذ يناير1974، المهم قررت أن أذهب لاصطحابه شخصيا بين الندوة العلمية والندوة الثقافية، (توجد ساعة راحة بين الندوتين)، كنت قد قلت له ليلة أمس أننى سوف أحضر ربع ساعة مبكرا (أى ستة إلا ربع)، فتح هو شخصيا الباب فورا، وكأنه كان ينتظر، وقال إننى جاهز من الساعة الخامسة، يا ربى أى التزام!! وسألنى محتجا كيف تركت الندوة، ولماذا؟ قلت له إننى حضرت فى الاستراحة، فاطمأن!!!!، قابلت زكى سالم على الباب، وصاحَبَنا، فحمدت ربى كثيرا أننى لن أتركه إلا مع من يستطيع أن يدير الحديث المناسب بالجرعة المناسبة، لا أذكر إن كان هو أو زكى الذى قال لى فور وصولنا لمنزلى أن أذهب إلى الندوة حالا، ولم يكن هذا الحث وهذا الحرص على اللحاق بالندوة خاصـًّـا بأن ندوة الليلة تدور حول فيلم “المخدوعون” الذى أخرجه وكتب السيناريو الخاص به توفيق صالح.
أثناء اصطحابه فى السيارة، قلت له كيف أننى جئت لأصطحبه فى الفترة ما بين الندوة العلمية والندوة الثقافية، سألنى عن الفرق، وأظن أن زكى سألنى عن موضوع الندوة العلمية، فأجبته أنهما موضوعان قد يهمان الأستاذ فعلا: الأول عن علاقة الأنثروبولوجيا بالطب النفسى، والثانى عن علاقة تناول وعلاج الإدمان من خلال “رحلة – برنامج الداخل والخارج-“، ويسأل الأستاذ عن ماذا أعنى بهذه الرحلة، فأشرح له فكرة وينيكوت ومدرسة العلاقة بالموضوع، وأن الإنسان فى رحلة نموه منذ أن يخرج من الرحم يواصل الدخول والخروج إلى أرحام متنوعة، وبعد كل رحلة من هذه الرحلات يجد نفسه وقد تقدم خطوة أمامية بشكل أو بآخر، وأبسط تطبيق لهذه الفكرة (التى أصر على أنها ليست مجازية) هو النوم واليقظة، فالنوم هو الرحم الفسيولوجى الرائع، وأحيانا ما أفسر بعض أنواع الأرق بخوف الإنسان من الدخول إلى رحم النوم ولا يخرج منه، فيعزف عن النوم، ويضحك الأستاذ وهو يربط بين هذا الفرض وبين اضطراب نومه مؤخرا – كل ذلك فى السيارة وأنا أقودها، وزكى سالم بجواره يوصل له ما أقول!!
كان الفيلم مرة أخرى – هو المخدوعون – وقد حضر توفيق صالح متأخرا قليلا (لخطأ فى الميعاد من جانبى) وبعد أن اعتذرت له شارحا كيف أن من تقاليد الندوة ألا يبادر بالرد على التساؤلات أو التعقيب على الملاحظات إلا فى الرد على الاستفسارات والملاحظات بعد عرض إسهامات الجميع. بدأت المناقشة بأن قلت إن الفيلم قد غّيرنى ليس فقط بالنسبة لموقفى من القضية الفلسطينية والفلسطينيين، وإنما من قضية الفقر والحاجة والغربة والأرض، وأن الفن (الإبداع) الحقيقى إنما يحقق رسالته بقدر ما ينجح فى تحريك مستويات الوعى المختلفة، كم كررت هذا، وكم كررت أن المرض النفسى هو مضاعفات اضطرابات الحركة والسكون، اضطرابات الإيقاع الحيوى ولا أحد من الأطباء الأفاضل يريد أن يسمع، ثم قلت تعقيبا قصيرا عن روعة الدقة فى اللمسات الصغيرة فى الفيلم، وضربت مثلا لزوجة قيس (الرجل الكبير السن بين الثلاثة) وهو يعرض أمر سفره على زوجته، فتقول آيوه ثلاث مرات متتالية دون أن تنبس بكلمة واحدة زيادة، وكل آيوه مع تعبير وجهها توصل رسالة كاملة ومختلفة، ثم قول مروان “حاضر” وتعبير ظهره (إن جاز أن الظهر يعبر) وهو يصعد سلم السيارة فى المرة الثانية بعد أن ذاق نار جهنم داخل الصندوق، وأن قصة كل شخصية ثانوية هى قصة كاملة قائمة بذاتها، وتحفظتُ على إسم الفيلم، وأننى لم أستسغ حتى إسم القصة الأصلى لغسان كنفانى “رجال تحت الشمس”، واعترض بعض الحاضرين على اعتراضى معجبين باسم “المخدوعون” أكثر، وأن المخدوعين هنا ليسوا هم الثلاثة المسافرون بل كل من ظهر فى الفيلم، بل كل الشعب العربى الذى وثق فى زعمائه، وأن هذه القصة والفيلم ليستا قاصرتين على المشكلة الفلسطينية بل لعلها تمثل حال المصريين المهاجرين لأكل العيش إلى العراق -مثلا: حسب خبرة خاصة، أو حتى إلى ليبيا بالإشارة إلى قصة مراعى القتل، وقد حاول د.نبيل القط أن يربط بين استشهاد غسان كنفانى وبين روعة الرواية، ولم أقبل هذا التعليق كما لم يقبلوا منى قصر ربط القصة بالقضية الفلسطينية، وبالإضافة إلى تعليق محمد يحيى على ما استطاع الفيلم – أبيض وأسود- أن ينقله إلينا من معنى كلمة الحر والصحراء فى هذه المنطقة، وعلاقة ذلك بأكل العيش “هكذا”، حتى أننى أعلنت كيف شعرت أن الصهد يكاد أن يخرج من الشاشة، حتى كدت أسمع طشة حبة العرق وهى تقع داخل الصندوق.
واستأذنت فاتحا باب النقاش مع توفيق صالح شخصيا – وأجاب عن تساؤلاتنا بتواضع وثقة معا.
ذهبت إلى الأستاذ في بيتى على عجل، وحكيت له موجـَـزًا لبعض ما دار، وأضفت أن الفيلم استطاع أن يسبر غور الجميع حتى من بدوا خونة أو انتهازيين أو تجارا، فكل من تخلى عن موقفه أظهر الفيلم كيف أنه من عمق آخر ضحية هو ذاته: ضحية للسفالة والغدر والإغارة والقتل من جانب الصهاينة تحديدا، فأبو مروان الذى تزوج العرجاء ليجد مأوى ويؤجر حجرة، كان يريد أن يعيش تحت سقـٍف ما، وزوجته العرجاء فقدت ساقها بسببهم، وأن الفيلم لم يدع لنا مجالا لـِنـَكْرَه الأهل الذين بدوا لأول وهلة وكأنهم تنكروا لبعضهم البعض، (وتذكرت الآية الآن: ”يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ(34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ(35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ(36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ(37)“
ويقول الأستاذ أليس حراما أن مخرجا كهذا لا يجد فرصة الآن ليقول ويضيف، ونأمل أن يتم الاتفاق على شركة الإنتاج الجديدة
ويسألنى زكى سالم أن أفصّل للأستاذ بعض ما دار فى الندوة العلمية، وخاصة فى موضوع علاقة الأنثروبولوجيا بالطب النفسى، فأقول إن الشاب الطبيب الذى قدمها كان من المنصورة (إسمه مصطفى عمرو أو عمرو مصطفى) وأنه أحاط إحاطة نظرية بالمسألة حتى أنه أشار إلى أنه عثر على (131) تعريفا لكلمة ثقافة، وأنه أكد على أن العامل المشترك الأعظم بين كل هذه التعريفات هو ” الشبكية، والتمازج، والكل المشترك” بين مجوعة من البشر، وقلت للأستاذ إن محمد يحيى قد نبه إلى أن علم الأنثروبولوجيا الحديث يمر بأزمة حقيقية، وأنه علم نشأ بارتباطه بالاستعمار والعنصرية، وأن المراجعة جارية على قدم وساق لمعطياته، فأنبه أنا بدورى إلى أن المسألة لا تقتصر فى علم الأنثروبولوجيا على المعطيات والنتائج، بل إننى أرى الخطر كل الخطر فى المنهج والتناول، لأنه حتى الأدوات التى يصممونها لدراسة غيرهم من الأجناس والثقافات هى مصممة بطريقتهم من خلال منظومات أفكارهم، ويقول الأستاذ تكفى فضيحة ”سيريل بيرت”[2]، فأقول له إن هذه الفضيحة أهون مما أشير إليه، ذلك أن سيريل بيرت زور فى النتائج، وهذا أمر قد يكون فرديا وقد يسهل اكتشافه إلا أن ما أشير إليه هو تصدير مناهج تفكير ومناهج بحث متحيزة ابتداء لتظهرهم كجنس متفوق، وتظهر الآخرين أدنى وأغبى،
وألتفت إلى د. رمضان بسطاويسى مازحا معه سائلا إن كان قد أخذ الموافقة النهائية من الأستاذ للسفر للخليج لتكميل قروش الشقة، فيضحك الأستاذ ويقول إننا ناقشنا إيجابية السفر وعرجنا على ما أفاده أ.د. شكرى عياد كمثال آخر، بعد أن ناقشنا قبل ذلك ما أفاده زكى نجيب محمود.
ويلخص لى د. رمضان بسطاويسى مادار فى غيابى وعن فرض، أو رأى مصطفى نصيف فى دور النقد فى حل أزمتنا المعاصرة، وأسأله ماذا يعنى بالنقد هنا، وهل يقصره على النقد الأدبى أم يمتد به إلى التفكير النقدى عامة، فيفرح الأستاذ بتساؤلى، وكأنى كنت معهم ويؤكد أنهم وسّعوا من مضمون مفهوم النقد ليؤكد أنه موقف عام غير مقتصر على النظر المنهجى فى عمل بذاته.
وأشير إلى قصة زكى سالم ” إبن السلطان” التى نشرت فى عدد هذا الشهر من الهلال، وأقول له إننى متحفظ عليها، ويبدو أنه كان قد سمع تحفظات مشابهة، وأنها تقليد لعمل الأستاذ وبالذات فى أولاد حارتنا أو حتى فى الحرافبش، فألفاظ الحارة، ووجود السلطان الحاضر الغائب، والنداء من وراء سور القصر وما يقابله من النداء بجوار سور التكية، فضلا عن استعمال كلمة الحارة، كل ذلك لا جدال فى تماثله بشكل أو بآخر مع خطوط الأستاذ المكررة فى كثير من أعماله، ويصر زكى أنها ليست تقليدا أو محاكاة، وأن بها ما يميزها، فأذكر الأستاذ برأيه، و أنه لا بأس من تناول نفس الموضوع بصيغ مختلفة مادام الشكل يتغير، لكن المسألة هنا فى هذه القصة هى أن الشكل هو الذى لم يتغير، حتى الألفاظ والنداء كادا يتطابقان، ولكن زكى يصر على نفى احتمال التقليد، فأقول له إن هذا قد يكون أصعب وأخطر، فهو إن لم يكن تقليدا فهو تقمص غائر بالأستاذ، من فرط حبه له، وهذا وارد، وحين يخرج التقمص تلقائيا هكذا لا بد أن يكون بعيدا عن وعى من تقمص، وبالتالى يأتى دفاعه ونفيه للتقليد دفاعا صادقا وحقيقيا، وكنت قد قلت فى نفسى ربما يكون الحل هو أن يتمادى فى التقليد حتى يشبع، أو أن يكف نهائيا عن الكتابة لفترة يتخطى بها مرحلة الحب الغامر الذى يربطه بالأستاذ الآن، ولم أقل ذلك، ونويت أن أقوله حين ألقاه لاحقا.
لا أعرف كيف جاء ذكر الفتاوى التى تصدر من بعض رجال الدين بالمقاس الذى يرضى سلطة بذاتها فى وقت بذاته، وأقول للأستاذ إن الفتاوى التى تصدر فى السعودية الآن تبرر الصلح والتطبيع والتجارة والاستيراد والتصدير ولم يبق إلا أن تصدر بتحليل عمل عملية استئصال البروستاتا فى تل أبيب، وأضيف مازحا إن الفتوى ممكن أن تصدر بأن كل هذه التصرفات حلال زلال شريطة ألا يكون أحد اعتدى على إبنة أخت ممثل العرب فى الأمم المتحدة التى إسمها فردوس، فيعلق الأستاذ مازحا وقد التقط المغزى، ويقول ضاحكا: “وذنبها إيه فردوس”؟
ويحضر توفيق صالح ويقول له الأستاذ أهلا بالعريس
وتجرى تكملة لما دار فى مناقشة الفيلم
وينصرف توفيق مبكرا معتذرا
وينصرف الأستاذ متأخرا عن ميعاده قليلا
إذن فهو لم يضجر من غيابنا،
الأمور تسير طبيعية والحمد لله، وكأنه يبارك الندوتين مرة أخرى حين تأخر عن موعد انصرافه.
الحمد لله
****
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]- يحيى الرخاوى: “فى شرف نجيب محفوظ” الكتاب الثالث، الطبعة الأولى 2018 ، منشورات جمعية الطبنفسى التطورى، والكتاب متاح فى مكتبة الأنجلو المصرية بالقاهرة وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية – المقطم – القاهرة.
[2] – سيريل بيرت، أخصائى نفسى تربوى، ولد فى ٣ مارس ١٨٨٣، وستمنستر، المملكة المتحدة، الوفاة، ١٠ أكتوبر ١٩٧١، لندن، المملكة المتحدة، جامعة أوكسفورد ، وقد اختلق وزور عشرات من التجارب المزورة ليثبت أن الذكاء خاصية موروثة.، وأن الجنس الأوربي يتميز عن الجنس الأفريقى فى ذلك.
يحيى الرخاوى طبيب نفسى

