نشرة الإنسان والتطور
الخميس: 31-7-2025
السنة الثامنة عشر
العدد: 6543
الكتاب الأول: فى شرف صحبة نجيب محفوظ [1]
الحلقة السابعة
سبب وجيه يبرر محاولة الاغتيال
الأربعاء: 28/12/1994
كان الموعد محددا مع أ.د. سامح همام، ذلك المصرى الرائع، الجراح التشكيلى الماهر، الذى أراد الله بشيخنا، وبنا، وبى، خيرا: أنه كان فى المتناول يوم الحادث، والذى ورد ذكره احتراما وعرفانا فى أول تعليق لى على الحادث، كنت قد رتبت موعدا معه بالاتفاق مع الأستاذ، لم يكن هناك داع جراحى أو طبى عام للمتابعة، لكن رغبتى وموافقة الأستاذ وترحيب أ.د. سامح التقت جميعها ليتم هذا اللقاء صباحا فى المنزل.
احتفاء بهذه المناسبة وترحيبا بقدوم هذا الجراح المصرى الفنان المتميز بحق، ذهبت قبل الموعد بعشرين دقيقة، وأنا متردد تماما فى أن أخبر الأستاذ أنى مسافر إلى سيناء لمدة أربعة أيام، فمنذ عرفته فى الآونة الأخيرة، لم يمر يوم واحد إلا ورأيته فيه، وقد علمت مدى تمسكه بما اعتاد عليه، ومن اعتاد عليه، وكنت قد رتبت الأمور بحيث أطمئنه إلى الشخص الذى سوف أكلفه أن يمر عليه بدلا منى، لم يكن فى المسألة أى طب أو علاج، وبالذات طب نفسى، لكنه التعود، إن ما صار بيننا دون ألفاظ، برغم ترتيبى لمن ينوب عنى، ونيتى فى طمأنته قبل إخطاره بغيابى، هو السبب فى ترددى فى إخباره واستئذانه فى الغياب لهذه الأيام.
قالوا لى قبل أن أطرق الباب إن عنده ضيوف، وهو لم يعتد استقبال ضيوف هكذا فى الصباح حتى الظهر، اللهم إلا أخصائى العلاج الطبيعى وقارئ الصحف، الحاج صبرى، وشخصى، دخلت ووجدته فى حجرة الاستقبال على غير العادة، وكانت السيدة زوجته تجلس أيضا هناك ومعهما الضيفة الخاصة، الضيفة كانت السيدة “جيهان السادات”، وسار الحديث طيبا عاديا، فرحت أننى التقيتها، وخاصة أننى سمعت عن حضورها الاجتماعى المتميز من كثيرين، بقدر ما سمعت من همس غير طيب عن تصرفاتها المالية التى ليس عندى دليل عليها (ولا على غيرها كما اعتدت)، كانت تتساءل بطيبة: لم نجيب محفوظ بالذات؟ كانت توجه السؤال لنفسها أكثر مما توجهه إلى الزوجة الفاضلة أو إلى الأستاذ أو إلى شخصى، ثم أضافت (ربما وهى تتذكر المرحوم زوجها) إنه قد يكون مفهوما أن يحاولوا اغتيال رئيس جمهورية أو زعيم سياسى له دور ملتبس، أو رجل بوليس له أعداء من المجرمين أو الثوار، أما نجيب محفوظ؟ فلماذا؟ كانت تتساءل بدهشة متألمة واستغراب رافض، لم أتردد فى أن أذكر للسيدة الزائرة تعقيب الأستاذ حين كنت أنقل له حب جماهير الناس له، ثم رحت أمازحه فاقترحت عليه أن يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية وأنى أضمن له النجاح، وأنه أجاب مازحا: ”وهكذا، يكون هناك ما يبرر القتل”.
وابتسم الأستاذ، وانتهت المقابلة.
وما راء كمن سمعا، حين رأيت هذه السيدة المهمة، الجميلة، الهادئه تساءلت هل هى هى، أم أنها غيرها حسب ما سمعت وما شاع عنها؟ إن من رأيت لاتعدو أن تكون امرأة مصرية عادية، جميلة، طيبة حنون مستمعة متواضعة – على حد استقبالى – ليكن، ليس هذا موضوعنا، إلا أنه حقا: ‘وما راءٍ كمن سمعا’ ، وهكذا تهيأت لى هذه الفرصة بالصدفة البحتة، أن أطلع من خلال صحبتك يا شيخى الكريم على كثير من الشخوص والعقول والحضور، كنت سأعيش وأموت وأنا أتصور لهم صورا مخالفة.
حضر أ.د. سامح همام، ومعه نائب مدير مستشفى الشرطة، وهنأت أ.د. سامح بسلامة الوصول من النيجر حيث رفع رأس مصر عاليا، وقلت للاستاذ شارحا بعض ما وصلنى من دور هذا الفنان الجراح الماهر فيما فعل برقبته وعروقه، وأضفت رأيى للأستاذ كيف أن الجراحة ما زالت هى الفن التشكيلى المتبقى فى مهنة الطب (بالإضافة إلى بعض الممارسات المتميزة فى الطب النفسي، وهذا رأيى الشخصى) أما ما عدا ذلك فقد أصبح آلات وأرقام، وانتهزت الفرصة لأكرر على أ.د. سامح وطبيب مستشفى الشرطة ما سمعته أمس فى لقاء الثلاثاء من دفاع المتهمين بمحاولة اغتياله، وأن بعض المحامين ذهب إلى حد إنكار الحادث أصلا، وها هو أ.د.سامح همام بلحمه ودمه، الذى عمل العملية، وأخذ القرار، وتدخـَّـل بمهارة وجسارة وإعجاز فحقق الله على يديه النجاة، لابد أنه هو أيضا من صنع الخيال حسب كلام الدفاع!!! نظر إلىَّ أ.د.سامح غير مصدق، وكأننى أخرف، وكان الدفاع يحتج بصور الاستاذ التى ظهرت فى الصحف منذ أن خرج يوم عيد ميلاده معنا، وأن هذه الصور تدل على سلامته، وبالتالى فإن كل الجريمة، بما فيها العملية التى أجراها أ.د.سامح، هى مسرحية ملفقة من قبل الحكومة للحصول على أكبر قدر من الكراهية ضد الجماعات، ولتبرر القضاء على بعضهم من خلال محاكمة عاجلة (مغرضة بالضرورة) وحين سمع الاستاذ هذا الدفع، كرر بعد خروج د. سامح اقتراحه أنه يمكن تأجيل الخروج (يوم الخميس على الأقل الحرافيش) حتى تنتهى المحاكمة، ورفضت ذلك تماما.
كانت من مداعابات الاستاذ أمس (الثلاثاء) أنه بعد أن أكل ”الطعمياية”، وقطعة الجبن وحمد الله، جاءت أطباق صغيرة من الممبار المحشى بالأرز، فعزم عليه الغيطانى بواحدة (مذكـِّرا إيانا بعلاقة ما هو ‘ممبار’ بالحسين)، فشكره الأستاذ معتذرا قائلا: لا يا عم أخشى أن يأخذها الدفاع ضمن أدلته لإنكار الحادث، ألا يمكن أن يقولوا أنظروا كيف أن إنسانا مصابا هكذا كما تزعمون ثم يأكل ممبارا؟ تكفى الطعمياية وقطعة الجبن، إنهما أدل على جدية الإصابة !!
وعلى ذكر الحسين، كان الغيطانى (بحكم التاريخ والانتماء لنفس المنطقة مثل أستاذنا) يقترح مكررا أن نذهب إلى الحسين فى إحدى خروجاتنا، وفشلنا أن نجد اليوم المناسب، فعرضت على الاستاذ مثل ذلك، فحسبها وتحفظ، وقال: “شا الله يا حسين ولكن نأخذ بالأحوط”، إلا أننى لمحت داخله رغبة حقيقية فى الزيارة، فاستأذنت رجال الأمن أننا ونحن فى طريقنا للهرم نمر على الحسين من فوق كوبرى الأزهر، ونـقرأ الفاتحة فى السيارة لا أكثر، وافق الاستاذ وفرح، وحين مررنا مقابل الحسين نبهته، فدعا، وقرأ الفاتحة واتسعت أساريره، ثم أشار إلى اليمين أن هذا هو الأزهر “العظيم”، وأضاف باسما: “هل ياترى قد رجع فى كلامه بشأن أولاد حارتنا؟
كنت بعد أن استأذنَ أ.د. سامح همام للانصراف، قد استعنت بالله وقلت استأذن فى السفر إلى جنوب سينا، هذه الأيام الأربعة، وأخطر الأستاذ بمن رتبت لينوب عنى أثناءها، وإذا بى أفاجأ بسماحِهِ المطلق دون تردد، وأنه يتمنى لى رحلة سعيدة، ترى هل أنا الذى انتهزت الفرصة فحضّرت نفسى بهذه الأهمية كل هذا الحضور، وأثبت نفسى ضمن علاماته اليومية، لأحظى بكل هذا الفضل، وأعيش هذه الفرصة، وتحصل هذه البركة؟ وأنه لايحتاجنى بكل هذا الانتظام كما فرضتـُه على نفسى، ربما وعليه؟
لست متأكدا، لعل الأمر كذلك.
ربما أنا فعلا فى حاجة إلى صحبته أكثر من حاجته إلى صحبتي.
ودّعته مؤقتا إلى لقاء، وقبـّلته، ودعا لى بالسلامة.
الحمد لله
الخميس: 29/12/1994
سافرت إلى سيناء (دهب) حيث لى منزل صغير فى المساكن الشعبية المتوسطة بين البحر والجبل، فرحتُ بهذا الانفصال المؤقت عن الأستاذ لأول مرة منذ التقيته بعد الحادث، لقب الأستاذ لا يعجبنى، قد يليق بعباس العقاد أو زكى نجيب محمود أو محمود شاكر، لكنه لا يليق بنجيب محفوظ، ثم إننى لا أستطيع أن ألقبه نجيب محفوظ فقط كما كنت أفعل وأنا أقرأه قبل أن أعرفه، توفيق صالح يقول له يانجيب بك، وأنا أستغرب ولا أستطيع، وهو ينادينى بيا “يحيى بيه”، حتى دون لقب دكتور الذى لا أرحب به أيضا، حاولت مرارا أن أفهمه تفضيلى لاسمى مجردا، ولم أنجح أن أقنعه، المهم سافرتُ بعيدا وقلت: فرصة، نبدأ فى الانفصال التدريجى، قال ماذا! حتى يسترد تلقائيته وأسترد إيقاعى الخاص، لكنه كان معى طول الوقت، كلمتـُه يوميا فى البيت، ولم أطلب محادثته شخصيا أبدا متعمدا لمعرفتى أن المحادثة معه تكون من جانبه دون أن يستمع إلى المتحدث أصلا، قالت لى حرمه المصون أنه كان يحلم بى طول الليل، اعتبرتها مجاملة أو كلاما مجازيا بالتقريب، فرغم العلاقة التى زادت من الجانبين بيننا لا أتصور أننى احتللت هذا الجزء من وعيه الذى يسمح بالحضور فى أحلامه، لكن هكذا أخبرتنى هذه السيدة الكريمة ولم أحاول أن أشغل فكرى من أين لها ذلك، هى ليست مضطرة أن تذكر لى ذلك، ولو مجاملة، إلا أن يكون قد حدث فعلا حتى حكى لها، فرِحتُ بجد، وتذكرت كيف كانت فرحتى حين كانت تخبرنى أحيانا وأنا داخل إلى حجرته أننى أوحشته، كنت أفرح فرحة طفل يهنأ برضا والده، وحضوره فى وعيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]- يحيى الرخاوى: “فى شرف نجيب محفوظ” الكتاب الأول، الطبعة الأولى 2018 ، منشورات جمعية الطبنفسى التطورى، والكتاب متاح فى مكتبة الأنجلو المصرية بالقاهرة وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية – المقطم – القاهرة.
يحيى الرخاوى طبيب نفسى


يتواري نجيب محفود –مثله مثل كثير من المبدعين –في عالمه الخاص الشديد الاتصال والعمق بالواقع علي نقس الدرجة.
اشكالة التناقض بين حضوره النابض في ابداعه والغوص في بحار النفس — وبين عاديته وصعوبة الوصول الي اغواره ستظل شديدة الصعوبة .
واكرر مثله مثل كثير من المبدعين .
محاولة عمنا — يرحمه ويرحم محفوظ — سبر غور هذا الرجل كانت محفوفة بحتم قصور لان محفوظ لا يطلع احد –تقريبا — علي نوعية حضوره .
ولذلك اقرأ كثيرا مما خطه عمنا عنه كلغة غير منطوقة اساسا . بمعني ان نوعية حضوره وليس محتواها هو ما كان يصاحبه عمنا يحيي
لذلك عندما تريد ان تعرف محفوظ حقا فاما ان تقرأ ابداعه مباشرة او تقرأ نقد عمنا يحيي لهذا الابداع وهو شديد العمق واكاد اقول ان ما وصل عمنا من ابداع محفوظ يكاد لا يصل الي محفوظ نفسه حين ابدعه .
وعندي سؤال – هل قرأ محفوظ نقد يحيي الرخاوي لابداعه ؟؟
سمعت ان محفوظ لا يرجع الي اي عمل كتبه ابدا . وانه كان يقول ان العمل حين يكتمل لا ينظر فيه ثانية ابدا.