نشرة الإنسان والتطور
الخميس: 4-12-2025
السنة التاسعة عشر
العدد: 6669
الكتاب الأول: فى شرف صحبة نجيب محفوظ [1]
الحلقة الخامسة والعشرون
تقديس العادى لا يعيق الإبداع
الأربعاء: 1/2/1995
….. أول رمضان، ورمضان هو رمضان، وقد حاولت مع الأستاذ أن أرتب له مواعيده بحيث نحقق له نظاما للخروج الذى أصبح ضرورة له مثل الأكل والشرب، بل ربما أكثر، أشعر معه يوميا أننا نعيد توثيق عقد جديد بيننا وبين الناس، وأيضا مع الطريق، “الناس والطريق”، ياه!! هذا عنوان عملى الذى لم ينشر متكاملا حتى الآن[2]
قال محمد إبنى أنه سينزل ليصحب الأستاذ، فقلت بل سأنزل أنا، أو لتنزل معى فهذا يوم يستأهل المباركة، ثم إن تغيير الميعاد، بمناسبة رمضان، قد يحتاج إلى تطبيع مبدئى قد يلزم فيه حضورى شخصيا، وعزمت على محمد إبنى أن يصحبنى فوافق مرحـِّـبا ..
قاَبلَنا الأستاذ باشّاَ فى ردهة منزله قبل الميعاد بخمس دقائق، وكان مرتديا واقفا فى الانتظار كالعادة وسط الردهة، ومستعدا، وجاء حافظ إلى المنزل أيضا، فكانت لمسة طيبة، وانطلقنا.
كنا قد اتفقنا أن يمضى إحدى ليالى رمضان فى بيتى إضافة إلى يوم الجمعة، وكنت مازلت مترددا حول معنى موافقة الأستاذ أن يخص بيتى بأحد ايام الأسبوع الأخرى بانتظام، مازلت لا أصدق أنه اختار بيتى من بين عروض أخرى ليست قليلة، حريص أنا أن أغوص إلى داخله حتى أتيقن أننى أقدّم له ما يحب فعلا، من أين لى أن أتأكد أنه يحب هذا أكثر من ذاك، وهو بكل هذه الدماثة وتلك المجاملة، ما علينا، حاولت أن أقرأ تعبيرات وجهه وهو فى الأماكن المختلفة لأتأكد هل أحسنت الاختيار أم لا، هذه فرصة جديدة أقرأ وجهه ونحن فى طريقنا إلى بيتى، وجهه الكريم هو صفحة جميلة رائقة صادقة تنطق بداخله لمن يحبه، قرأته غير متحيز ما أمكن، نعم هو اختار هذا الاختيار فعلا، هو اختار بيتى، الحمد لله.
دخل البيت مؤتنسا، غير المـرة الأولى، أو هكذا خيل إلىّ، الأستاذ إلف مألوف، حتى المكان، هو يألف المكان بسرعة واضحة، والمكان كذلك يألف الأستاذ ويرحب به ويدفئه ردا لألفته به.
بدا لى أنه دخل نفس هذا المكان ألف مرة من قبل بل خيل إلى أنه دخله قبل أن أدخله أنا، وأنه هو الذى دعانى إليه الآن، تحوَّطــْناه فى الحجرة الصغيرة الملحقة بالردهة، وكأنها أعدت له منذ كانت، جلس فى نفس المكان مثل المرة السابقة، بجوار نفس المائدة الركنية، ومد يده يتحسس نفس طفاية السجائر التى اعددتها لسيجارتيْه بالعدد (بعد ذلك منعنا التدخين فى نفس الحجرة إلا سيجارتيه، تجنبا لآثار التدخين السلبى عليه) وكنت قد نبهت على أفراد أسرتى أن جلسة الأستاذ، هى جلسة الأستاذ، واننا ضيوف عليه، ومن شاء أن يسلم عليه منهم فليفعل ثم ينصرف ليأخذ الأستاذ راحته، واحترموا ذلك ولم يحضروا إلا مرة أو اثنتين طول حضوره سنين بيتنا.
وأنا أرتب مكتبى أو مكتبتى ظهر هذا اليوم، عثرت على الخطاب الذى افتقدته فى بحثى السابق، وهو خطاب من الأستاذ، لم أكن أتصور أنه عندى، أنا لا أذكر إلا خطابه الرقيق الذى أرسله لى ردا على ظهور أول عدد من مجلة “الإنسان والتطور”، ونحن نسأل بعض الثقات عن رأيهم فى فكرة المجلة من أول عدد، وكان هو على رأسهم: ”هل هناك ما يميز مجلتنا هذه؟ وهل تستحق أن تظهر؟ وأن تواصل الظهور؟” ثم أننى فوجئت بهذا الخطاب المؤرخ فى1/3/ 1979 ردا على “هدية ما” من مؤلفاتى [3]. فِرَحُت بالخطاب فرحا لا مزيد عليه، فرغم معرفتى بمجاملات الأستاذ ورقة مشاعره، وأنه يمكن أن يقول نفس الكلمات لطالب فى الاعدادية إذا راسله، يشجعه ويربت عليه، إلا أننى فرحت والله، ورحت أقنع نفسى – دون اقتناع – أنه خصنى فعلاً بهذه الكلمات، وحكيت له عن مفاجأتى بهذا الخطاب، فهز رأسه مصدّقا، وقلت له إن هذه القيمة “المبادرة بالرد على الخطابات” كانت من أعظم القيم التى تمثل جيله، وكنت قد عثرت بين نفس الأوراق على خطاب آخر من د. زكى نجيب محمود، يرد فيه على تعقيب أرسلُته إليه عن مقال نشره فى الأهرام، وكان يعتذر فيه عن تأخره فى الرد علىّ. وقلت للأستاذ إن سيجموند فرويد كان يخصص ساعتين يوميا من وقته للرد على الخطابات[4]، استفسرت منه عن قيمة هذا عنده، وأنا أعرف أن وقته أثمن من ذلك فى تصورى فرد قائلا: إنه كان يرد بصفة دائمة على معظم أو كل ما يصله، وأنه حين عجز عن القراءة والكتابة كان من أحزن ما أحزنه عجزه عن الرد على الخطابات كما اعتاد.
انتقل الحديث إلى تأثير ثقافة الخليج على القيم والتقاليد المصرية الحالية وذكرت للأستاذ خبرا قرأته عن الإجراء الذى اتخذته السعودية بتحصل مبلغ 975 جنيها مصريا لاستخراج تأشيرة دخول إليها، وأن المرتبات التى تعطى للمصريين راحت تتضاءل حتى وصل بعضها إلى النصف، وذكرتُ ما سمعت من أنه فى الإمارات أصبح استخراج البطاقة الصحية للوافد وأولاده طول المدة التى صرح له فيها بالإقامة (دون النظر إلى مدة العقد)، أصبح إجباريا حتى أن الموظف ذا الأربع أولاد، الذى تقدر مدة إقامته بخمس سنوات من حيث المبدأ، يدفع حوالى 20 ألف جنيه، ثم بعد ذلك يدفع كل تكاليف علاجه، قال حافظ للأستاذ :إنه يرى أن فى هذا خير بعيد، وأن المصريين حين يعجزون عن السفر سيرتدون إلى أرضهم وجهدهم، ولابد أن يجدوا حلا بعد فترة مضاعفات لازمة: وهز الأستاذ رأسه وهو مشفق من حجم المضاعفات، وإن بدا موافقا على المبدأ، فتدخلت مؤكدا أنه لابد أن تقفز “قيمة الإنتاج” إلى مقدمة الوعى العام، بعد فشل تصدير البشر، لابد أن ننتبه إلى عدم المبالغة فى التركيز على تصدير البشر كقيمة أولى، لابد أن يأتى الإنتاج فى المقام الأول، ثم لابد أن يفرض علينا وفرة الإنتاج حتمية التصدير لانتاجنا لا لأولادنا، والأستاذ يتابع بانتباه رائع وكأنه وزير العمل والمالية والاقتصاد معا، وكأنه ملزم باصدار قرار عملى يحقق أولوية ”الإنتاج للتصدير”، هكذا يبدو الأستاذ دائما، منتبها ملتزما عمليا فى آن، لكنه لم يصدر القرار بالألفاظ وإنما هز رأسه متفهما، وأدركت أن هذا ما نفتقده فى الحوار، الحوار ليس ردا دائما، وليس موافقة مشروطة، وليس مبارزة كلامية أو مَنْظرة موسوعية، الحوار كما يعلمنا الأستاذ هو تفهُّم مرن، وانتباهٌ أمين، وردٌ مجتهد، واستمرار!
تصلنى هذه الرسالة هكذا كلما جلست معه.
فهمت من زكى سالم أنه ترك ضيفا فى منزله أول يوم رمضان على مائدة الإفطار لحرصه على هذا اللقاء، وتطرق الحديث من خلال زكى إلى مقال هويدى الذى نشره أمس تحت عنوان “الفرق بين الدينى والحضاري”، لكن زكى قدم الموضوع على أنه الفرق بين “الدينى والإسلامى”، وأن الإسلام هو أشمل من الدين، ورحت أنبهه أن هويدى ربما يعنى بالإسلام، الذى هو أشمل من الدين، يعنى الحضارة فى حضورها الإسلامى، وليس الإسلام الدين الفقهى بهذا الوضوح: الحلال الحرام، وأن التفرقة فى المقال كانت بين الدينى والحضارى وليس بين الدينى والإسلامى، فالعنوان لم يقابل بين الدينى والإسلامى بل بين الدينى والحضارى، فقال زكى (على ما أذكر): إن هذا هو ما تخفَّى وراءه هويدى، وتعجب الأستاذ من منطلق أن يكون الإسلام أشمل من الدين، وذكّـرنا بالآية التى ترادف بينهما وهى تقول: “إن الدين عند الله الإسلام”، وبينت له كيف اقرأ هذه الآية، وأننى أقرأها باعتبار أن كل دين، إذا كان يؤكد الفطرة السليمة، إنما يحدد السبيل الذى يحافظ به على طبيعة الإنسان كما خلقها الله، لينميها فى مسار توجهها، وبهذا يسمح بامتداد الإنسان إلى ما بعده، وإن أى دين لم يتشوه يحقق هذا، يمكن أن يكون هو الإسلام، وأن الأية – تصلنى وهى تعنى ذلك، ولو كانت المسألة احتكارا يختص به دين واحد لجاءت الآية تقول: إن الإسلام عند الله هو الدين”، ويهز الأستاذ رأسه تلك الهزة التى توحى بالموافقة ولا تؤكد المطابقة، ويأتى ذكر الحديث الذى يعرف المسلم بأنه”من سلم الناس من لسانه ويده”، وأظن أن الأستاذ هو الذى ذكر هذا الحديث أو وافَقَ مَنْ ذكره، وقد تحفظت على هذا المعنى، أو على الكيفية التى قد نتلقى بها هذا المعنى، أو على الكيفية التى يردد بها أغلب المسلمين هذا المعنى، وأضيف معنى آخر آراه فى التسليم: وهو التسليم لله عز وجل، فى حوار خلاّق غائر وأكدت أكثر على التحفظ أن يكون معنى “التسليم” هو الحرص على “السلامة” وقلت إننا فى حال نحتاج فيها أن نفهم الدين من منطلق إيجابى انبعاثى (لا تسليمي) معظم الوقت، ذلك لأننى أستشعر قوة الدين الإسلامى – مثل أى دين أصيل – إنما تتحقق من خلال هذا الباب المفتوح لحوار الإنسان مع خالقه، ذلك الحوار القوى الواثق من حق الإنسان – كما هو – فى القسم على الله أن يفعل كذا، فيتحقق، واستشهدت بمعنى الحديث “رُبَّ أَشْعَثَ، … لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ” وأن الإنسان يرضى عن الله كما يرضى الله عنه (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)، وأن هذه هى قمة الحرية وعمق السماح، واختلفنا، والأستاذ يتابع، وذهب محمد يحيى (ابنى) يحضر مواقف النفـّرى ليستشهد به توضيحا لقيمة التسليم الإيجابى، وبسرعة أخرج النص الذى يقول النفرى فى ”موقف بين يديه”:
”وقال لى العلم حرف لا يعربه إلا العمل، والعمل حرف لا يعربه إلا الإخلاص، والإخلاص حرف لا يعربه إلا الصبر، والصبر حرف لا يعربه إلا التسليم”.
بدا زكى أنه يعرف النص، لكنه أكّد إعجابه به من جديد.
يطلب الأستاذ من محمد أن يعيد قراءة النص، فيفعل، يتأكد الأستاذ المرة تلو المرة من كلمة “يُـعْـربـه”، فأرى فرحته الصامته بهذا الاستعمال لمعنى “الإعراب” فى النحو، استعمالا للتأكيد والتقنين والتوضيح، وحين يشير محمد- بالألفاظ أو بتعبير الوجه، لا أذكر – إلى انتصاره، حيث يأتى التسليم (الذى تحفظت عليه)، على قمة مسلسل يبدأ من العلم فالعمل فالإخلاص فالصبر، فأنبهه لما أكرره دائما أن كلمة التسليم هنا لابد أن تؤخذ فى سياقها، وأن تسليم المسلم وجهه لله كما جاء فى الحديث أو الأثر، غير التسليم الذى أحذِّر منه، وكلاهما غير التسليم الذى يتلقى به وعى العامة الآن لنفس اللفظ، الذى بدوره غير التسليم الذى أشرت إليه فى ”جدل إسماعيل=إبراهيم” الذى أشرتُ له من قبل [5]، ويهز الأستاذ رأسه، ثم يصرح برأيه أخيرا: “إن التسليم كما جاء فى نص النفرى لا يكون كما أقول تسليما مواجها آملا واثقا محاورا (الكلام ليس بالنص لكنه موجز رأيى) إلا بعد المرور بكل ما سبقه من مراحل العلم – العمل – الاخلاص-الصبر،
وأفرح لانتصارى على محمد بشهادة الأستاذ، لكن الأستاذ يعود ينبهنا أن الخلاف شكلى
يسأل زكى سالم الأستاذ عن رأيه فى الحديث، وبالذات عن معنى “لو أقسم على الله لأبره”، وعن علاقة ذلك بالحديث القدسى، “… حتى أكون يده التى يبطش بها وسمعه الذى يسمع به.. إلخ”، فيقول الأستاذ بتواضع دون تهرب “لا أدري”.
ويعود الحديث إلى خطاب الأستاذ الذى عثرت عليه بالصدفة، فأذهب وأحضره ولا أظهره، فالحديث كان قد عاد إلى غيره، لكن الأستاذ لا ينسى، فيسأل عنه، فأناوله لزكى سالم، فيطلب هو منه أن يقرأه، فيتفضل زكى ويقرأ نصه هكذا:
“الأستاذ الكبير يحيى الرخاوي
تلقيت بسرور لا مزيد عليه هديتك الثمينة، وقد ذكرتنى بلقائك الممتع المفيد فى الأهرام، واسترجعت بهما ما أقرأ لك بين الحين والحين فى الصحف، نفعنا الله بك، ونفع الأدب، والطب بعطائك الثرى المتواصل”
المخلص: نجيب محفوظ
1/3/1979
خطاب على ورقة بيضاء بخطه الجميل جدا، فقط لا غير.
رحت الآن أبحث عن الأصل الآن[6] فلم أجده، كنت أريد ان أنشره هنا مصوّرا لأثبت أنه حقيقة واقعة، فرحت أننى لم أجده حتى لا أشك فى تصديق القارئ، ما الداعى أن أذكر غير ما كان، زكى شاهد على ذلك، ولماذا أطلب شاهدا بالله عليكم؟! آسف قال زكى سالم إنه يعتبر هذا الخطاب أهم من جائزة الدولة التى أخذتُها عن هذا العمل، قلت: وهو عندى كذلك، مع أننى أتصور أن الأستاذ لا يبخل بمثله على أى مبتدئ طالب ثانوى يرجو لقاءه أو يطمع فى تشجيعه، لكننى حين راجعت الآن كل كلمة فى الخطاب وأنا أعيد كتابته وجدت أن كل لفظ فيه دال بشكل أو بآخر (ربما عدا ألفاظ المجاملة)، وتعجبت كيف تذكر الأستاذ اللقاء الوحيد الذى التقيته فى الأهرام وهو الذى ربما أشرت إليه فى حلقات سابقة فى هذه الحلقات.
عاد الحديث إلى الأهرام، وكيف أن الصفحة الأدبية فى عدد الجمعة تنشر الآن قصصا أقل من المتوسطة، إن لم تكن رديئة، وكنت قد فاتحت الأستاذ فى أننى حين قرأت قصته القصيرة فى عيد ميلاده الثالث والثمانين فى ديسمر 1993، والتى عنوانها “علمنى الدهر” تألمت وحزنت لما بها من نغمة شخصية مُـرة، لكننى سرعان ما فرحت واستبشرت حين نشر بعدها أصداء السيرة الذاتية، وقد تحفظتُ – ضمنا – على هذا العنوان المباشر لهذا القصة القصيرة، بقدر ما توقفت – فرحاً - عند لفظ “أصداء” الذى سبق السيرة الذاتية، فإذا بى أفاجأ بالأستاذ يقول: إنهم غيروا عنوان هذه القصة دون إذنه، حيث كان العنوان هو “اليوم الأخير”، وأنهم هم الذين وضعوا العنوان من عندهم، رفضت وأمتلأت غيظا قائلا فى نفسى “حتى نجيب محفوظ!”! وأضاف الأستاذ “إن المشكلة أنه يبدو أن المسئول عن هذه الصفحة ليس له علاقة بالأدب، فهو موظف جاء عليه الدور ليتولى مسئولية عدد الجمعة، وهذه المشكلة ليست فى دور الصحف فقط، بل إنها مشكلة إدارية فى الحكومة عامة، حين يكون الترقى بالأقدمية المطلقة، وحين يكون هذا الترقى بالأقدمية مرتبطا بالدرجة الخالية، أنا مثلا (الأستاذ يكمل)، حين جاء استحقاقى للدرجة الرابعة فى وزارة الأوقاف، لم تكن هناك درجة رابعة خالية سوى درجة مدير إدارة مالية، وأنا عمرى ما عرفت شيئا فى الحسابات، وأخذت أكتب المذكرات لتعديل الموقف وطلب النقل، ولكن إلى أن تحقق النقل اضطررت للقيام ببعض مهام هذه الإدارة، وبدأت بأسهل الأمور وهى جرد الخزينة، وقرأت الإجراءات وحين ذهبت لجرد إحدى الخزائن مال علىّ أمينها وهو يكاد يبكى ويقول: إنه اضطر لأخذ مبلغ ما لظروف زواج ابنته، وأنه سوف يرجعه غدا، وأنه.. وأنه، ووجدته فى حال، فشوحت بيدى قائلا: ومن قال لك إننى قادم لجرد الخزينة، أو للتفتيش اليوم؟، وانصرفت، وفى اليوم التالى حضر لى الأمين وأقسم لى أنه سيفى بوعده خلال أيام، وكاد يحاول أن يميل على قدمى ليقبلها أمام الناس، وهدأت خاطره وأنا أذكره أن الله أمر بالستر، وتم نقلى قبل أن يحدث مالا يحمد عقباه، (انتهى كلام الأستاذ) فرحت أتصور شيخى وهو مفتش مالى، ينفـِّذ ويطيع ويقوم بعمله، وبقيتْ معى لمسة إنسانية، وفكاهة، ثم رحت أسرِّ إلى نفسي: ماذا لو طُلِبَ من مثقف كاتب هذه الأيام يصر على أنه قادر على أن يغير العالـَم، ماذا لو طلب منه القيام بعمل روتينى راتب فى مصلحة مجهولة كجزء لا يتجزء من دوره الواقعى الذى يوثق علاقته بالناس والأرض والطيبة وسط هذه المشاعر الإنسانية المليئة بالضعف والصدق والانكسار، أتصوره وهو يحلم أن يتفرغ، بعيدا عن كل هذا ويا حبذا لو تفرغ “خوجاتيا”، فى برج يستلهم فيه نفسه ليأتى بما يتصور، هذا الدرس الفريد الذى يحكيه الأستاذ به جرعة رائعة من روعة احترام الواقع، بما هو، فى إطار الحياة العادية وسط الناس، وهو ما ينقص الكثير منا، ولعله من بين نقط المواجهة بينى وبين محمد إبنى (مشاركنا فى هذه الجلسات)، فهو لا يطيق وظيفته فى الجامعة (معيد)، ويرى أنها وظيفة خالية من المعنى والقيمة، وهى تضييع للوقت بلا جدوى، وهو موقف قد يبدو عكس موقف إبنى الأصغر “مصطفى” الذى لا يطيق مهنة أبيه ربما لانه يخشى أن تـسرقه فلا يجد نفسه فيروح يمارس هواية تنسيق البيوت جماليا (فن الديكور الداخلى)، وهى هواية أبعد ما تكون عن طبع ومهنة أبيه، برغم عمله الرسمى فى مهنة أبيه، لكنها هواية فى بؤرة واقع مادىّ، جمالىّ آخر.
ويعود الحديث إلى مقالة هويدى، وأقول للأستاذ أن فهمى أنهى المقال بما يشبه المزحة، وفيها ما فيها من تجاوز، لكنه تلاعب خطير، فهو يحكى كيف أن أخوين كانا يسكنان نفس المنزل، وكان الأخ الذى يسكن الطابق الأعلى ماجنا منطلقا هائصا، فى حين كان الذى يسكن الدور الأسفل تقيا وربما ملتزما، وذات ليله راح الأخ الأعلى هو وأصدقاؤه يقصفون ويطربون حتى أصبحوا فى “حال”، فـعـلـى صوت الهرج والغناء والمرح وما إلى ذلك، فخرج إليهم الأخ الملتزم يعاتبهم وهو يذكرهم بالآية “أفأمن الذين مكروا السيئات، أن يخسف الله بهم الأرض”، فرد عليه الأخ الأعلى “وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم”، انتهى الحديث عن المقال وهز الأستاذ رأسه، ولم يخفِ زكى سالم فرحه بالمقال، إلا أن محمد تحفظ عليه مبدئيا، وأضاف أن هذا النوع من استعمال القرآن يرد فى نكات وقفشات يقبلها الناس بطيبة، لكنها تحمل خطورة الاستهانة، وتذكرت فكاهة ترد فى حوار متخيل بين مستر “كوك” صاحب شركة كوك للسياحة وبين الشيخ محمد عبده (وطبعا هذا لم يحدث)، حين سأل مستر “كوك” الشيخ محمد عبده: ما دام المسلمون يزعمون أن القرآن قد حوى كل شىء، فهل ذكر اسمه، فيجيبه الشيخ محمد عبده (مرة أخرى: هذا لم يحدث) ذاكرا الآية “وإذا رأو تجارة أو لهوا انفضوا من حولك وتركوك قائما” (وترى “كوك” قائما)، وذكرتُ للأستاذ فكاهة أخرى بذيئة استعملت آية كريمة من القرآن فى غير موضعها، وضحك الأستاذ فى سماح، لكننا تحفظنا أن ندمغ مقال هويدى بسبب هذا التجاوز أساسا كما بدا لنا.
قبل أن تنتهى الجلسة رحت أعلن أنه حتى لو افترضنا أن ما جاء فى المقال هو إيحاء بالتسامح الإسلامى، والموقف الحضارى، فإن الذى سيتولى أمر المسلمين حين يستلم الجماعات السلطة لن يكون فهمى هويدى، ولا أمثاله، حتى فهمى هويدى – حينذاك – لن يكون هو هذا الكاتب البادى السماح المدافع عن الحضارة.
وأستأذن لأنصرف وأترك الأستاذ فى بيته يكمل حديثه مؤكدا أن الواقع والانفتاح العالمى لن يسمح لمن أخاف منهم أن يستمروا فى مواقع السلطة، فنحن الآن نعيش قيما ونظما تلوح لنا من بعيد، مثل اتفاقية الجات وشفافية التواصل، وغير ذلك مما لن يدع لأحد على ظهر الأرض – مهما كان – أن يبتعد كثيرا عن التيار الأسلم الجارف المعاصر.
ولا أوافق تماما وأنا منصرف.
****
_______________________
[1]- يحيى الرخاوى: “فى شرف نجيب محفوظ” الكتاب الأول، الطبعة الأولى 2018 ، منشورات جمعية الطبنفسى التطورى، والكتاب متاح فى مكتبة الأنجلو المصرية بالقاهرة وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية – المقطم – القاهرة.
[2] – آنذاك عام 1995، وقد نشر بعد ذلك فى ثلاثية “ترحالات” عام 2000 منشورات جميعة الطب النفسى التطورى
[3] – أغلب الظن أنها الجزء الأول والثانى من ثلاثيتى “المشى على الصراط” ولم تكن قد حازتا جائزة الدولة التشجيعية بعد.
[4] – الآن أتعرف من جديد عن معنى ذلك من خلال حوار/بريد الجمعة الذى يصدر اسبوعيا تباعاً فى هذه النشرة اليومية. www.rakhawy.net. منذ عشر سنوات 1918.
[5] – أنظر الحلقة العشرون: (“فى منزلى” الثلاثاء: 24 / 1 / 1995) ص 145
[6] – الآن = 2010
يحيى الرخاوى طبيب نفسى


كنت وما مازلت انظر الي سفر المصريين للعمل في الخليج انه من ابشع ما حدث وغالبا ما زال .
ولكني استدركت وقلت لنفسي الله يسامحهم القائمين علي مصر بداية من جمال عبد الناصر وما شخرم في البلد بخداع الناس انه حامي حمي الاشتراكية حيث انه حول جموع المحرومين الي ما هو ابشع من اي اشتراكية فقد طبقها بمنتهي الجهالة والغشم وارسي دعائم اقبح انواع البرجوازية .
ثم جاء السادات فقلب المائدة رأسا علي عقب — وكانت جموع الناس متساوية في غياهب الجهل والجهالة بدون اي تأهيل حقيقي — فهربت الجموع البرجوازية القبيحة لتقتات فضلات نقود النفط وتجرعوا الذل والهوان .
واستمر هذا الانحدار السريع بلا توقف وغالبا ما زال.
والسؤال هو في ظل حكم الجهل والجهالة والعسكر هل هناك امل ان يعاد تأهيل هذا الشعب علي اساس قيم حقيقية . ام ان البنيان أُسِسَ علي شفا جرف هار .
ربنا يستر.