نشرة الإنسان والتطور
الخميس: 21-8-2025
السنة الثامنة عشر
العدد: 6564
الكتاب الأول: فى شرف صحبة نجيب محفوظ [1]
الحلقة العاشرة
…. فلسفة للبيع
الخميس: 5/1/1995
الأنفلونزا تلزمنى الفراش، توفيق صالح يكلمنى بتكليف من الأستاذ لأشارك فى جلسة الحرافيش (المغلقة) يوم الخميس، ما زلت أفضل أن أحتفظ بهذه الصورة لهذه الجماعة التى قرأتُ عنها فى الصحف وفى المجلات، أحتفظ بها كما صورها خيالى، أجدها صورة أفضل مما تبقى منها فى هذا الواقع الجديد، مازلت أعتبر نفسى دخيلا عليهم، ناس يجلسون مع بعضهم منذ أكثر من أربعين سنة، مالى أنا!! لكن كلا من توفيق صالح والأستاذ – يصر على أن أنتسب إليهم، فأقبل بشرط التجربة من ناحية، ومن ناحية أخرى دون التزام، فأنا أعرف نفسى، ولست ناقصا، لكن هذه الإنفلونزا اليوم أعفتنى من تكرار مشاعرى الحذرة، اطمأننت أن توفيق هناك، وهو يعرف مداخله، ومواضيعه بسهولة ويسر وائتناس تعودا عليه دهرا طويلا، بالرغم من كل شىء.
الجمعة: 6/1/1995
عندى مهمة فى لجنة تابعة للمجلس الأعلى للجامعات بشأن زمالة طب الأسرة، محمد ابنى حل محلى مرة أخرى فى صحبة الأستاذ، قرأت موعد جدول أعمال هذه اللجنة خطأ فتصورت أنه من الممكن أن ألحق بالأستاذ، فى الفندق فى أول طريق اسكندرية الصحراوى، وفعلا استطعت أن أذهب إليهم فى الفندق قبل الانصراف بقليل.
لم أفرح، على كثرة ما فرحت بلقاءاته مثلما فرحت باستقباله لى اليوم وهو يردد أنه “هكذا اطمأن علىّ، وعلى إنفلونزتي”، وجدت مذيعة دانيماركية تجلس بجواره، وتلتقط الصور معه، وقد أبلغونى بعد ذلك أنه اعتذر عن التسجيل معها بسبب صوته، تأكدت من حساسيته تجاه هذه الإعاقة المعلنة هكذا، هو حين يعتذر، يعتذر بحق، برغم أننى أكره الاعتذار عموما، لكن اعتذاره شىء آخر، وقد قام بالتوقيع للمذيعة الضيفة على ما طلبت بخط لا يقرأ – هو حين يقدم كل هذه الاعتذارات البسيطة ينسى أنه نجيب محفوظ، حضرتنى هذه الرسالة وأنا أقارن موقفه هذا بموقف كل من ينفخ فى صورته وذاته وكرشه وإسمه وهو يتفضل على من حوله برد التحية، مجرد رد التحية، وأتألم لهم مشفقا، وأدعو له بطول العمر، وأحمد الله.
أخبرنى الأستاذ كيف أنه استمتع بحديث إبنى عن رسالته للدكتوراة عن “الفائض اللغوي”، كنت قد ذكرت له فى حديث سابق موضوع رسالة إبنى يوم أن اعتذرت له لأننى ذاهب لحضور مناقشته، وإذا به يلتقط الموضوع فورا ويلخصه كالآتى: “يعنى مثلا بدل ما نقول ما قلناه منذ قليل فى عشرين جملة نقوله هو هو فى خمسين، فيكون الفائض هو ثلاثين، ويبدو أن هذا ليس عيبا خالصا”، قلت له ضاحكا “الله نوَّر، فلماذا البحث وتعب القلب؟ وهل هذه الجملة تحتاج إلى بحث دكتوراه لنثبتها”، وتطرَّق الحديث – مرة أخرى – إلى تكرار توقيع سلماوى على الحديث معه فى “وجهة نظر” فى الأهرام، وطلبتُ من الاستاذ أن يشترط قراءة الحديث قبل نشره، لأننى أشعر أحيانا أن ثم اقتطاعا قد حدث، مما قد يوصل للناس فكرة مبتورة، ورفض الاستاذ مرة أخرى، وقال “إن أحاديثه تنشر بأمانة، وأنه لا يريد أن يعقد الأمور”، وسكتُّ على مضض.
حولت الموضوع مذكرا إياه بموافقته على أن أواصل الدراسة التى بدأتها عن “أصداء السيرة الذاتية” رغم خطأ الترتيب التسلسلى فى الأهرام، وأعاد موافقته، قلت له إننى لاحظت أن “عبد ربه التائه” قد ظهر لأول مرة بعد أن تحدثَّ وأفتى فى حلقة سابقة، فابتسم قائلا أن اختلاف الترتيب هذا قد حدث فى ترتيب النشر فى الأهرام ليس إلا، ثم أضاف أن “بتوع الحداثة” اعتبرو أن هذا مقصود منه، وأنه هكذا أصبح يمثل منتهى الحداثة، وخبط بقدمه الأرض ومال إلى الخلف ضاحكا ضحكته الرائعة، وفرحت به وأنا أردد تعبيره الطيب (بتوع الحداثة).
ذكرته بهذا العمل المهم الذى سمعت أنه يقوم به مركز احصاء ونقد فى الخارج إذ يجمع ألفاظ أعماله كلها فى قاموس ألفاظ يسهل للباحث أن يلم بمواقعها عبر أعماله طوليا، وقلت له أن هذا لا يفيد إلا إذا كان مجرد مفتاح للمقتطف، وليس دليلا على موقف بذاته من تكرار لفظ بذاته عددا من المرات هنا أو هناك، فهز رأسه وتساءل أليس فى هذا جهد ضائع؟ وأكدت له أنه مجرد مؤشر وليس فى ذاته عمل خلاق، لكن المسألة تتوقف على الخطوة التالية وطريقة الاستفادة من هذا الجهد.
عقـَّب محمد إبنى فيما بعد على ضحكته وخبطة الأرض بقدميه ومدى خفة ظله وهو يفعل ذلك، وحكى لى تعقيبه على من قال له إن أى واحد فى أمريكا يستطيع أن يفتح مكتبا للعلاج النفسى أو للمناقشات التوجيهية أو للإرشاد الفلسفى، أو سمِّ أى من ذلك ما تشاء من أنواع التسمية التى يحددها القانون، حتى لو كان صاحب المكتب هو صاحب فلسفة أو عقيدة أو مذهبا خاصا، وليس طبيبا نفسيا أو معالجا نفسيا، فعقب الاستاذ ساخراً قائلا: “… يعنى مثلا ممكن أن أذهب إلى أحد هؤلاء الفلاسفة، وأدفع له أربعين دولارا مثلا، وأقول له إثبت لى وجود الله!!؟؟ ما هذا؟!!
الأحد: 8/1/1995
بعد غيبة اضطرارية لمدة 48 ساعة ذهبت مساءا إليه، وحين دخلت الشقة وجدته يمشى فى الصالة، وحين رآنى هتف “مش معقول”، وأخطرنى كيف راح يبحث عن رقم تليفونى ليسأل عن صحتى، اعتدت هذا الاستقبال وأخذت اعتبره من طبعه وليس لأهميتى الخاصة، ومع ذلك لم أستطع بعدُ أن أكتم فرحتى – عن نفسى – فى كل مرة يعطينى فيها هذه الأهمية.
استفسرتُ منه عن رأى قرأته له، وهو الرأى الذى َأرْسـَلـَهُ لندوة الأهرام بعنوان: “نحو مشروع قومى حضاري” وقد بلغنى أنه جاء فى هذا الرأى قوله ما معناه: “… إن السبيل إلى نهضتا هو الإسلام، فقال لى إنه قال ذلك فعلا رابطا إياه بأن يتم هذا فى حوار مع معطيات العلم والآراء الأخرى”، فذكـّـرته أن استعمال كلمة الاسلام تعنى عند كل واحد معنى مختلفا عن ما تعنيه عند الآخر، وأننى أجادل إبنى وزملاءه منذ عامين على التزامى الخاص، وأننى مدين للغتى ودينى بكثير من أفكارى بل وإبداعاتى فى كثير من المجالات، ثم سألته مرة أخرى عن كلمته التى أرسلها لهذه الندوة فى الأهرام فحكاها لى واضحة مؤكدة، وسألنى بدوره وهل كنت مشاركا فى هذه الندوة؟ فأجبت بالنفى، لكننى أردفت أن بعض المشاركين قد التقيتهم مساء نفس اليوم فى المجلس الأعلى للثقافة وسألتهم عن كلمته قبل أن تنشر فقال لى د. ميلاد حنا (وكان أحد حضور الندوة) ماطا شفتيه أن الكلمة كانت ماسخة، وأنك لم تقل فيها إلا “أنك مسلم”، وكأنك تتحفظ متراجعا، وذكرتُ له شعورى الرافض أن يختزلوا كلمته إلى مثل ذلك، وخاصة بعد ما قرأت تفاصيل الكلمات فى أهرام الجمعة التالى، ومن بينها كلمته الشاملة، وهى غير هذا الاختزال المخل كما وصلنى من د.ميلاد، تعجب الأستاذ، وصمت أطول، كما يفعل حين يفاجأ بما لايحِب، وقال “ماذا يريدون؟ وكأن الأقلية تريد – لكى تشعر بالأمان- أن تتخلى الأغلبية عن أصول دينها الصحيح، إنهم رغم ذكائهم أغبياء حين يتصورون أن هذا يؤمـِّـنهم، مع أن الأمان لا يأتى إلا حين يمارس الناس ما “هم”، وأغلب الناس فى مصر مسلمون، فليمارسوا إسلامهم، وحين يمارسونه بطريقة صحيحة، فإن الأمان سيعم كلا من الأغلبية والأقلية، ولا يوجد سبيل آخر”، قلت له، إن المشكلة تتمثل فى حكاية التطبيق السليم هذه، من الذى سيطبق كل هذا الخير؟ ومن له حق وضع مساحة الحركة أو تحديد طول حبل القيود، قال: هذه هى مشكلة كل القوانين والنظريات: التطبيق وليس القانون نفسه.
وسكتُّ وأنا فرح بالاقتراب النسبى.
أخبرته أن مجموعة الثلاثاء قد غيرت الموعد هذا الأسبوع إلى الأربعاء بمناسبة إعلان الحكم ومخاوف بعض الأصدقاء، مع أننى شخصيا لا أجد مبررا لأى من ذلك، قال: “ليكن ما يريدون”، ثم صمتَ قليلا وأردف: “أليس بعيدا يوم الأربعاء”؟
أدركت لتوى حاجته المنتظمة إلى الهواء والناس، وقلت فوراً لنخرج غدا، حتى لو كنا لا نعرف إلى أين.
فتهلل، وطلب أن أكلم زكى سالم وتوفيق صالح ومن أستطيع لنتفق.
*****
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]- يحيى الرخاوى: “فى شرف نجيب محفوظ” الكتاب الأول، الطبعة الأولى 2018 ، منشورات جمعية الطبنفسى التطورى، والكتاب متاح فى مكتبة الأنجلو المصرية بالقاهرة وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية – المقطم – القاهرة.
يحيى الرخاوى طبيب نفسى

