الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / الكتاب الأول: فى شرف صحبة نجيب محفوظ: الحلقة السادسة عشر: … صنّ شوية “يا حسن بيه”

الكتاب الأول: فى شرف صحبة نجيب محفوظ: الحلقة السادسة عشر: … صنّ شوية “يا حسن بيه”

نشرة الإنسان والتطور

الخميس: 2-10-2025

السنة التاسعة عشر    

 العدد: 6606

الكتاب الأول: “فى شرف صحبة نجيب محفوظ”[1]

الحلقة السادسة عشر

… صنّ شوية “يا حسن بيه”

الاربعاء‏: 18/1/1995[2]

ذهبت‏ أمس ‏إلى‏ ‏”فرح بوت”، مباشرة‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏رافق‏ ‏محمد‏ ‏يحيى ‏الأستاذ‏ ‏من منزله إلى العوامة، ذلك أننى كنت قد فكرت أنه قد آن الآوان أن أعيد تنظيم وقتى لأستطيع أن ‏أواصل ‏القيام‏ ‏ببعض ما تراكم علىّ من واجبات ‏وسط‏ ‏مسئولياتى ‏المتنوعة‏، كل يوم، كل يوم، كل يوم، هذا شرف لى وهو يـُـفرحنى من حيث المبدأ، لكن لا أظن أن الأستاذ بالذات يرتاح لذلك أو يريد أن يكون الأمر كذلك، ‏أحسست‏ ‏أن‏ ‏الآوان‏ ‏قد‏ ‏آن فعلا ‏ أن اقتنص لى يوما أو أكثر فى الأسبوع، أمارس فيه ما تيسر من أعمال أخرى، ‏دخلت‏ العوامة، ‏فوجدت‏ ‏الغيطانى ‏نشطا‏ ‏فى إكمال ‏حكْى ‏ما‏ ‏جرى فى ‏معرض‏ الكتاب، ‏والأستاذ‏ ‏ينصت‏ ‏رافعا‏ ‏حاجبيه‏ ‏بهذه‏ ‏الدهشة‏ ‏المحبـَّبَةَ لى خاصة‏، ‏وكان‏ ‏محمد‏ ‏يحيى ‏قد‏ ‏عقب‏ ‏على ‏هذه‏ ‏الدهشة‏ ‏المتجددة‏ ‏مع‏ ‏رفع‏ ‏الحاجبين‏، ‏قال‏ ‏محمد‏ – لاحقا- ‏أنه‏ ‏كان‏ ‏يتصورلأول‏ ‏وهله‏ ‏أن ‏رفع‏ ‏حاجبيه هكذا هو ‏لازمة،‏ ‏أو‏ ‏أن‏ ‏تقاطيع‏ ‏وجه‏ ‏الأستاذ‏ ‏هى ‏هكذا‏ ‏طول‏ ‏الوقت‏، ‏لكنه‏ ‏اكتشف‏ ‏أنه‏ ‏تعبير‏ ‏عن‏ ‏دهشة‏ ‏مستمرة‏ ‏ومتجددة‏، وهو فى هذه السن!! الحمد لله، ربنا يخليه.

أعاد‏ ‏الغيطانى ‏ما دار حول‏ ‏ضرورة‏ ‏تأصيل‏ ‏اللغة‏ ‏العربية‏ ‏أملا‏ ‏فى ‏الوحدة‏ ‏الثقافية‏ ‏العربية‏، ‏وأن‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏الهدف المشترك ‏ ‏المناسب‏ ‏أو‏ ‏المتبقى ‏لنا‏ ‏بعد‏ ‏كل‏ ‏هذه‏ ‏الفـُرقة‏ ‏والتخثر‏، ‏وألمح‏ ‏إلى ‏إنشقاق‏ ‏المثقفين‏ ‏عن‏ ‏عامة‏ ‏الناس‏ ‏لدرجة‏ ‏العزلة‏ ‏أو‏ ‏الفوقية‏، ‏وأن‏ ‏هذا‏ ‏ما‏ ‏أكده‏ ‏فاروق‏ ‏خورشيد‏ ‏وهو‏ ‏يتكلم‏ ‏عن‏ ‏الأدب‏ ‏الشعبى ‏وإهماله‏، ‏كما‏ ‏ذكر‏ ‏تأكيد‏ ‏جابر‏ ‏عصفور‏ ‏على ‏ضرورة‏ ‏عدم‏ ‏تدخل‏ ‏الدين‏ ‏فى ‏السياسة‏، ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏وهو‏ ‏يحكى ‏عن‏ ‏أحداث معرض الكتاب‏، ‏والأستاذ‏ ‏شديد‏ ‏الإنصات‏ ‏شديد‏ ‏الاهتمام‏، ‏وذكر‏ ‏الغيطانى ‏مديحا‏ ‏قويا‏ ‏وصادقا‏ ‏فى ‏رواية‏ ‏صدرت‏ ‏عن‏ ‏روائى ‏غير‏ ‏معروف‏ (‏جديد‏ ‏نسبيا‏) ‏هو‏ “‏فتحى ‏إمبابي‏”، ‏ذكر‏ ‏اسمها‏ “‏مراعى ‏القتل”[3]، ‏وهى ‏هى ‏نفس‏ ‏الرواية‏ ‏التى ‏كان‏ ‏الأستاذ‏ ‏توفيق صالح ‏ ‏قد‏ ‏ذكرها‏ ‏للأستاذ بمديح طيب منذ أيام‏، ‏لكن‏ ‏أن‏ ‏أسمع‏ ‏من‏ ‏الغيطانى، ‏الروائى جدا، ‏وهو‏ ‏يصف‏ ‏النقلات‏ ‏والتداخل السلس بين‏ ‏أحداث وآثار حرب67 (‏وهو‏ ‏المراسل‏ ‏الحربى ‏أصلا‏) والتراث الشعبى، و‏ما‏ ‏يجرى ‏للعمال المصريين العاملين‏ ‏فى ‏ليبيا‏ ‏كنموذج‏ ‏لما‏ ‏يلحقهم‏ ‏فى ‏العالم‏ ‏العربى، أن أسمعه وهو يمدح كل هذا بكرم وطيبة، جعلنى أحترمه ناقدا كما أحبه روائيا، يفرح ‏الأستاذ‏ ‏حين يسمع عن عمل جيد من مصرى أصغر، راح يستزيد من شرح الغيطانى للتكنيك الذى أتبعه الكاتب وهو يضفر ‏التراث‏ ‏الشعبى، ‏بالقهر‏ المعاصر فى الغربة، بحرب 67، فى سلاسة وحبكة، يؤيده توفيق‏ ‏صالح – وهو نادرا ما يفعل – و‏يحكى بدوره ‏بنفس الحماس وبعين المخرج عن‏ ‏نفس‏ ‏الرواية‏ ‏ونفس‏ ‏المؤلف‏، رحت أتابع ‏فرح‏ ‏الأستاذ مثل فرح ‏ ‏الوالد‏ ‏أو‏ ‏الجد‏ ‏الذى أنجب ‏ ‏أبناء‏ ‏وأحفادا‏ ‏يحملون‏ ‏الراية‏

قلت‏ ‏للغيطانى ‏فجأة‏: (ربما ‏من‏ ‏فرحتى ‏با كتشافى له عن قرب هكذا‏) ‏متى ‏تنتقل‏ ‏نقلتك‏ ‏الثالثة؟‏ ‏قال‏ ‏ماذا‏ ‏تعنى؟‏، ‏قلت‏ ‏”أتصور‏ ‏أنه‏ ‏قد آن‏ ‏الآوان‏، ‏أو‏ ‏آمل‏ ‏أنك‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏تفعلها” قال: أفعل ماذا؟ قلت: ‏‏لابد‏ ‏أن‏ ‏تتجاوز‏ ‏المرحلة‏ ‏التراثية‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏غرقت فيها وحذقت لغتها، وأعدت إبداعها بكل هذا الإتقان. ظل‏ ‏تساؤله‏ ‏قائما على وجهه،‏، ‏قلت‏ ‏وأنا‏ ‏أجازف‏ ‏بعرض‏ ‏تصورى أو آمالى: ‏إنى ‏أتصور‏ ‏أن‏ ‏المرحلة‏ ‏الثالثة‏ ‏هى ‏أن‏ ‏يقرأك‏ ‏قارئ ‏لا‏ ‏يعرفك،‏ ‏فيشعر‏ ‏أنك‏ ‏تكتب‏ ‏بلغة‏ ‏عادية‏، ‏‏بتشكيل ‏ ‏عادى،‏ ‏لا‏ ‏يذكرّه‏ ‏بأى ‏شكل‏ ‏من‏ ‏أشكال‏ ‏التراث‏، ‏وفى ‏نفس‏ ‏الوقت‏ ‏يصله‏ ‏زخم‏ ‏التراث‏ ‏وريحه ‏وصقله‏ ‏وتكامله‏، ‏أجاب‏ ‏فى ‏طيبة‏ ‏مرحِّبة وقد وصله ما أعنى:”‏ ‏أظن‏ ‏أننى ‏بدأت‏ ‏هذه‏ ‏المرحلة‏ ‏التى ‏تشير‏ ‏إليها‏، ‏وأحسب‏ ‏أن‏ روايتى: “‏متون‏ ‏الأهرام”‏ ‏تدل‏ ‏على ‏ذلك‏، ‏هل‏ ‏قرأتها؟‏” ‏فأجبت‏ ‏بالنفى (وللأسف لم أقرأها حتى الآن 2011) ‏، ‏قال‏ ‏يبدو‏ ‏أنك‏ ‏لم‏ ‏تقرأنى ‏مؤخرا‏، ‏ووافقت‏، ‏واعتذرت، ‏وقلت‏ ‏سأقرأها ‏ثم‏ ‏نعاود الحوار”، كان‏ ‏الأستاذ‏ ‏يتابع‏ ‏الحوار حيث تعلمت أن أميل على أذنه اليسرى وأنا أخاطب أيا من الجالسين، علمت أنه كان يتابعنا حين تابعت هزات رأسه ‏ ‏كالعادة‏، ‏فخيل‏ ‏إلى ‏أنه راض عن هذا الحوار، أو عن تقاربنا، حتى تصورت أنه ‏يمد‏ ‏ذراعه‏ ‏على ‏كتف‏ ‏أحدنا ويمد الأخرى على كتف الآخر‏، ‏ويربت‏ ‏علينا‏، ويقرب رأسينا إلى بعضهما، شعرت بهذه الهدهدة، ورضيت‏ ‏بها جدا‏، ‏ودعوت‏ ‏له‏ ‏بالسلامه‏ ‏وطول‏ ‏العمر‏.‏

حضر‏ ‏هذه‏ ‏الجلسة‏ ‏الأستاذ‏ ‏على ‏الشوباشى ‏الذى ‏يقيم‏ ‏فى ‏باريس‏ ‏كممثل‏ ‏لإحدى ‏وكالات‏ ‏الأنباء‏ ‏الفرنسية‏ ‏منذ‏ ‏سنين‏، ‏وهو‏ ‏شقيق‏ ‏شريف‏ ‏الشوباشى، ‏وأظن‏ ‏أنه‏ ‏قريب تماما ‏لفريدة‏ ‏الشوباشى، وخجلت أن استفسر، ‏ودار‏ ‏الحديث‏ ‏حول‏ ‏السياسة‏ ‏والاقتصاد‏ ‏والأمن‏ ‏والناس‏، ‏تكلم الشوباشى عن ‏‏كارثة‏ ‏المكسيك‏ ‏التى ‏على ‏وشك‏ ‏الإفلاس‏ ‏نتيجة‏ ‏للطاعة‏ ‏العمياء‏ ‏لتوصيات‏ ‏البنك‏ ‏الدولى، ‏وسألت‏ ‏عن‏ ‏مدى ‏المسئولية‏ ‏التى ‏تقع‏ ‏على ‏البنك‏ ‏الدولى ‏حين‏ ‏تحدث‏ ‏كارثة‏ ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏نتيجة‏ ‏لتوصياته‏،‏؟‏ ‏قالوا‏ “‏ولا‏ ‏حاجة‏”، ‏وتحول‏ ‏الحديث‏ ‏إلى اقتراح ‏التوصية‏ ‏بتخفيض‏ ‏قيمة‏ ‏الجنية‏ ‏المصرى ‏لزيادة‏ ‏الصادرات‏، ‏وقيل‏ ‏إنه‏ ‏ليس‏ ‏عندنا‏ ‏صادرات‏ ‏تبرر‏ ‏ذلك‏، ‏ولم‏ ‏نعد‏ ‏نستطيع‏ ‏المنافسة‏،‏ وأشار‏ ‏الشوباشى ‏إلى ‏ضعف‏ ‏مصداقية‏ ‏التصدير، وضرب مثلا لما حدث فى رسالة‏ ‏صدرت من البرتقال‏ ‏و‏‏اليوسفى ‏والبصل‏، ‏فقال‏ ‏حسن‏ ‏ناصر‏ ‏كلاما‏ ‏يربط‏ ‏بين‏ ‏نسبة‏ ‏رطوبة‏ ‏البصل‏ ‏والسعر‏ ‏العالمى ‏وسرعة‏ ‏الفساد‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏يصل‏ ‏إلى ‏أسواق‏ ‏أوربا‏، كلامٌ صعبٌ علىّ متابعته، لكن‏ ‏الأستاذ‏ يميل إلى الأمام‏ بكل انتباه، ‏يحاول‏ ‏أن‏ ‏يتابع‏ ‏النقاش‏ ‏باجتهاد‏ ‏رائع‏، ‏لكنه‏ ‏يبدو‏ ‏أنه‏ ‏لم‏ ‏يتمكن‏ ‏تماما‏، ‏فيقول‏ ‏لحسن ناصر ‏ حين ذكر البصل: “‏صِنّ [4]  ‏شوية‏” ‏وقل‏ ‏لنا‏ ‏ماذا‏ ‏تعنى ‏تفصيلا‏”، ‏ونلتقط‏ ‏قافية‏ ‏إبن‏ ‏البلد‏، ‏ونضحك‏ ‏جميعا‏، ‏ويقول‏ ‏الغيطانى ‏فرحا:‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏، ‏قد‏ ‏عاد‏، ‏وأفرحُ‏ ‏وأدعو‏ ‏لهما‏، ‏وتغلب‏ ‏روح‏ ‏الدعابة‏ ‏على ‏الأستاذ‏ ‏فيشير‏ ‏إلى ‏جمال‏ ‏الإشارة‏ ‏التى ‏نعرف‏ ‏معها‏ ‏أنه‏ ‏يريد‏ ‏الذهاب‏ ‏إلى ‏دورة‏ ‏المياة‏، ‏وقد‏ ‏سبق‏ ‏أن‏ ‏تبادلنا‏ ‏الدعابة‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏الشأن‏، ‏وكنت‏ ‏اسمّى ‏هذا‏ ‏الإستئذان‏، ‏أنه‏ ‏لتسديد‏ ‏الرأى‏، استشهادا بالفتوى الفقهية الرائعة أنه “لا حكم لحاقن”، والتى احترمتها للتأكيد على تحرى الموضوعية والعدل، ‏لأن‏ ‏امتلاء‏ ‏المثانة‏ ‏قد‏ ‏يعوق‏ ‏التفكير‏ ‏السليم، ومن ثم الحكم العادل، وأقول للأستاذ تفسيرى لهذه القاعدة، فيفرح به، ونبدأ فى استعمال التعبير “تسديد الرأى”، بدلا من “الذهاب للحمام أو للدورة”، أذكر أننى حكيت للأستاذ أن لى موقفا من هذا الطقس، حتى أننى اعتدت أن ‏أتعرف على مدى ‏ ‏حضارة‏ ‏بلد‏ ‏ ‏من‏ ‏البلاد‏ ‏التى ‏أزورها‏ ‏بمدى ‏نظافة‏ ‏هذه‏ ‏الأماكن‏ ‏التى ‏”نسدد‏ ‏فيهاالرأى”‏، ‏لأنه كان يصلنى من ذلك بشكل ما دليل على مدى ‏احترام‏ ‏الآخرين، قلت له هذا، وأننى كنت أفرق بين لا فتة تقول “أرجو أن تدع المكان كما وجدتـَه” (المقصود: نظيفا كما وجدته)، وأخرى أكثر دقة تقول “أرجو أن تدع المكان كما كنتَ تحبُّ أن تجدَه” (ربما: خشية أن تكون قد وجدته قذرا أو غير لائق!)، ويفرح الأستاذ بهذا التمييز، ويصله ما أعنى من ذلك، فأضيف أننى كنت أستنتج‏ ‏الموقف‏ ‏الحضارى ‏بمعنى أنه يشير إلى حضور‏‏ ‏الآخرين‏ ‏فى ‏وعى ‏الفرد ‏ ‏وهم‏ ‏غائبون‏ ‏عن‏ ‏حواسه‏. ثم يمضى الأستاذ وهو يتأبط ذراع جمال، وهو يقول: “..‏ ‏نذهب‏ ‏لقياس‏ ‏درجة‏ ‏تحضرنا‏”، وتغلبه روح الفكاهة فيضيف “أو ربما ‏لتنشيط‏ ‏الحركة‏ ‏الثقافية‏”، ‏ويضحك‏، ‏ونضحك ونبدأ فى استعمال “تنشيط الحركة الثقافية” بعد ذلك تعبيرا عن الذهاب لقضاء الحاجة بالإضافة إلى تعبير “تسديد الرأى”: باستمرار‏.‏

يتكلم‏ ‏عـَـلـِـى ‏الشوباشى ‏عن‏ ‏إبنه‏ ‏الذى ‏غادر‏ ‏مصر‏ ‏فى ‏سن‏ ‏سبع‏ ‏سنوات‏، ‏ثم‏ ‏عاد‏ ‏ليعمل‏ ‏بها‏ ‏رغم‏ ‏أنه‏ ‏تزوج‏ ‏من‏ ‏فرنسية‏، ‏وأنه‏ ‏تربى ‏هناك‏، ‏ويناقش‏ ‏الأستاذ‏ ‏موضوع فتحه بحثا عن أسباب ‏من‏ ‏يفضل‏ ‏البقاء‏ ‏فى ‏مصر‏ ‏من‏ ‏الأجانب‏، ‏وأذكر‏ ‏حكاية‏ ‏زوجة‏ ‏زميلنا‏ السورى الذى كنت أقابله بانتظام أثناء كنت أتولى مهمة مقرر لجنة الامتحانات فى الزمالة العربية للطب النفسى، وكنت أذهب مرتين إلى دمشق لألتقى بالزملاء العرب لمواصلة هذه المهمة التى قد أعود للحكى عنها إذا أتيحت الفرصة، زميلنا هذا اسمه “.د. حنا‏ ‏خورى‏” ‏وهو متزوج من إنجليزية رقيقة، تعرفتُ عليها فى منزله فى منتجع قريبا من أعلى جبل بلودان‏، ‏حكيت للأستاذ أن د. حنا اقترح على زوجته الإنجليزية‏ ‏أن‏ ‏يقضيا‏ ‏آخر‏ ‏أيامهما‏ ‏بعد‏ ‏المعاش‏ ‏فى ‏بيتهما‏ ‏فى ‏لندن‏، ‏فإذا‏ ‏بها‏ ‏ترفض‏ ‏متسائلة‏: “‏لماذا؟‏”، ثم تضيف ” ‏هل‏ ‏يمانع‏ ‏أهلك‏ ‏أن‏ ‏أدفن‏ ‏فى ‏مدافنهم؟‏”، ثم تنتهز الفرصة وتستأذن أهله فعلا أن ترقد بجوارهم بعد أن ترحل، ‏إلى ‏هذا‏ ‏الحد‏ يمكن ‏يرتبط‏ ‏إنسان‏ ‏أجنبى ‏بأرضنا‏ ‏العربية‏ ‏حتى ‏يمتد تصوره إلى امتداد ‏جسده‏، بجوار أجسادنا، يحيطنا تراب وطننا معا، وأتساءل: “فلماذا‏ ‏انفصلنا‏ ‏نحن‏ العرب، بل والمصريين، عن بعضنا البعض هكذا‏ ‏ونحن ما زلنا أحياء فوق‏ ‏أرضنا‏ ‏لا تحت ترابها بعد؟، ‏ويضيف‏ ‏الشوباشى – ربما ردا على سؤال ما – تفسيرا لا يقنعنى تماما عن سبب عودة ابنه، وهو‏ ‏أن‏ ‏البطالة‏ ‏تتزايد‏ ‏فى ‏أوربا‏ ‏وإبنه‏ ‏حامل‏ ‏الليسانس‏ ‏من‏ ‏السوربون‏‏ ‏لا‏ ‏يجد‏ ‏فرصة‏ ‏حقيقية‏ ‏لعمل‏ ‏مناسب‏ هناك، ‏وأن‏ ‏الذين‏ ‏لا‏ ‏مأوى ‏لهم‏ ‏فى ‏باريس‏ (‏الكبرى‏) ‏وحدها‏ ‏يبلغون‏ ‏أربعمائة‏ ‏ألف‏، ‏فيتعجب‏ ‏الأستاذ‏ ‏ويعقب‏: “‏ياه‏!! ‏مهما‏ ‏بلغت‏ ‏بلد‏ ‏من‏ ‏حضاره‏ ‏وثراء‏ ‏لا‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏ترضى ‏كل‏ ‏أبنائها‏ ‏أو‏ ‏تكفلهم‏”!!، ‏وتستمر‏ ‏المقارنة‏ ‏بمصر‏، ‏وأنه‏ ‏لا‏ ‏يوجد‏ ‏ما‏ ‏يسمى ‏إنسان‏ ‏بلا‏ ‏مأوى ‏حقيقى، ‏حتى ‏سكان‏ ‏المقابر‏ ‏لهم‏ ‏مأوى ‏مدحتُه – عكس الشائع –  للأستاذ ‏أثناء‏ ‏عودتنا فى السيارة‏، معترضا على تصور سكان العمارات البلاستيك لهذه المساكن لمجرد اسم المقابر، مع أنها أكثر تهوية وأقل ازدحاما، ‏قلت‏ “‏إننى ‏أذهب‏ ‏إلى المقابر أحيانا لا لأزور الموتى، ولكن لأجالس بعض من تعرفتُ عليهم من ساكنيها، فأمضى بعض الوقت معهم‏ على مصاطبهم الجميلة الملاصقة للقبور، ‏وأشاهد‏ ‏أولادهم‏ ‏وهم‏ ‏يلعبون‏ ‏حولنا‏، ‏وأفرح بمجموعة هذه المساكن ذات الدور الواحد، وأنه لا يوجد احتمال أن تتعملق المقابر لتصير ناطحات سحاب، وأتأمل الفضاء المحيط بين كل مسكن ومسكن، التى هى بين كل قبر وقبر، وأشعر كيف يمتزج الحى بالميت فى تصالح آمن، ويصلنى أن الموتى يأتنسون بهؤلاء الأحياء الطيبين مثلما يأتنس هؤلاء الأحياء بهم، وتصلنى حرارة العلاقات بين الجيران أوثق مائة مرة منها بين سكان عمارة شاهقة لها ثلاثة مصاعد لا يحيِّى فيها الساكن جاره حتى لو ضمّهما المصعد وحدهما، واقترحت بدلا من أن نحكم على بؤسهم ونحن جلوس على مقاعدنا المرتفعة أمام مكاتبنا، أن نسمى مساكنهم تلك “منتجع المتواصلين”، ‏مثلما يسمى أولاد البلد ‏‏ماء‏ ‏الطرشى‏ ‏فى ‏الحسين‏ “‏خمْر‏ ‏الصالحين‏”، ‏ويضحك‏ ‏الأستاذ‏.

ويمتدُّ الحديث عن البطالة عبر العالم ‏ ‏إلى ‏أيام‏ ‏الإتحاد‏ ‏السوفيتى، ويقول الأستاذ ‏”إنه‏ ‏بالرغم‏ ‏مما‏ ‏سلبه‏ هذا ‏النظام‏ ‏من‏ ‏الأفراد‏ ‏من‏ ‏الحرية‏ ‏الشخصية‏ ‏وحرية‏ ‏التعبير‏، ‏فإنه‏ ‏حقق‏ ‏لهم‏ ‏العمل‏ ‏والمأوى ‏على ‏الأقل‏، ‏فأعلق‏: “‏لكن‏ يبدو أن الصفقة كانت غير متكافئة”، ويأتى ذكر ستالين وعدد من أعدَم، وأعداد من شرَّد، ‏فيوافق الأستاذ متألما، فأضيف: “يبدو أنه ثـّـمَّ فترات فى التاريخ يحتكر فيها الحاكم الإجرام بالقانون!!”، ‏فيلتقط‏ ‏الأستاذ‏ ‏التعقيب‏‏ ‏ويميل‏ ‏إلى ‏الخلف‏ ‏ضاحكا‏، ‏ويترجمه إلى أن هذا هو بمثابة “‏تأميم‏ ‏الجريمة‏”، ويضحك الجميع (!!!).‏

يعود‏ ‏خيط‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏الغيطانى ‏الذى ‏يذكر‏ ‏لنا لقاءه‏ ‏مع‏ ‏رجل‏ ‏أمن‏ ‏مهم‏، مازال يشغل منصبه بكفاءة، وأنه استنتج من حواره معه ما يطمئن ‏إلى متانة ‏قبضة‏ ‏الدولة‏ على ما يجرى فى كل مكان، ‏وحين‏ ‏أتشكك‏ ‏سرا‏ ‏وعلنا‏، ‏يضيف جمال: ‏”‏إن‏ ‏الدولة‏ ‏فى ‏مصر – ‏وربما‏ ‏فى ‏العالم‏ ‏أجمع‏ – هى ‏البوليس‏ ‏والجيش‏، ‏هكذا‏ ‏نستقبلها‏ ‏فى ‏الصعيد‏، ‏وهذا‏ ‏هو‏ ‏الأصل‏ ‏الحقيقى ‏لمفهوم‏ ‏الدولة‏ ‏عبر‏ ‏تاريخ‏ ‏مصر”‏، ‏وأتردد‏ ‏فى ‏قبول‏ ‏هذا‏ ‏الرأى ‏وأتحفظ عليه مشيرا إلى ‏أن‏ ‏البوليس‏ ‏والجيش‏ ‏هما‏ ‏يد‏ ‏الدولة‏ ‏القوية‏ ‏فى ‏الداخل‏ ‏والخارج‏ ‏على ‏التوالى، ‏لكنهما ‏ليسا‏ ‏الدولة‏ ‏هكذا‏ ‏دون‏ ‏شارع‏ ‏سياسى ‏ودون‏ ‏دعم‏ ‏جماهيرى، ودون انضباط تعليمى، ودون قانون صارم، ودون مشروع قومى، ‏ويهز‏ ‏الأستاذ‏ ‏رأسه‏، ‏وأتصور‏ ‏الموافقة‏.‏

يتطرق‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏أمور‏ ‏طيبة‏ ‏أخرى ‏كثيرة‏، جادة وعابرة، وأتصور أننا فى مجلس شورى شعبى تلقائى، وينتهى اللقاء لأرافقه‏ ‏حتى ‏المنزل‏، ‏ويذكرنى و‏أنا‏ ‏أودعه‏: ‏أن‏ “‏لا‏ ‏تنسى ‏الخميس موعد‏ ‏الحرافيش”، ‏‏فأطمئن‏ ‏إلى ‏موقعى ‏الجديد‏ ‏الحقيقى ‏فى ‏وعيه‏ ‏الحرافيشى، ‏لكننى ‏لا‏ ‏أنسى ‏ما قررتُه بينى وبين نفسى، وهو أننى ما زلت ‏تحت‏ ‏الاختبار، “ظهورات” حرافيش لم أتثبت بعد..‏

فعلا: لم‏ ‏أقتنع‏ بعد‏ ‏بأننى ‏أصبحت‏ ‏حرفوشا‏ ‏رسميا، حتى بعد تصريح الأستاذ لتوفيق بأننى: “‏آخر‏ ‏الحرافيش‏”.‏‏.‏

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]- يحيى الرخاوى: “فى شرف نجيب محفوظ” الكتاب الأول، الطبعة الأولى 2018 ، منشورات جمعية الطبنفسى التطورى، والكتاب متاح فى مكتبة الأنجلو المصرية بالقاهرة وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية  وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية – المقطم – القاهرة.

[2] – أحيانا أكتب تاريخ الكتابة، وأحيانا أكتب تاريخ اللقاء، ولم أحاول توحيد القاعدة.

[3] – كان لهذه الرواية قصة لاحقة، فقد ناقشناها فى الندوة الشهرية لجميعة الطب النفسى التطورى لاحقا بعد سنوات، وكتبت فيها نقدا لم ينشر بعد، كما عرض توفيق صالح استعداده لإخراجها بعد سنوات، وتصورت أنه سيكون عملا سينمائيا عملاقا، وخاصة بعد أن شاهدت له فيلم “المخدوعون”، إلا أن المؤلف المهندس فتحى امبابى – كما أبلغنى توفيق مصادفة – طلب من المنتج مبلغا خياليا، (وتوقف المشروع للأسف حتى الآن 2011 على حد علمى).

[4] – “صنّ” كلمة بالعامية المصرية تعنى “إنتظر”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *