نشرة الإنسان والتطور
الخميس: 4-9-2025
السنة التاسعة عشر
العدد: 6578
الكتاب الأول: فى شرف صحبة نجيب محفوظ [1]
الحلقة الثانية عشر
أم الأعمى أدرى برقاد الاعمى
الثلاثاء: 10/1/1995
مررت عليه ظهرا، قال لى بادئا: إن الحكم سيصدر اليوم، ذهبت إلى مستشفى الشرطة على الناصية المقابلة، وقابلت المدير وأخبرنى بتفاصيل الحكم وكأنه يهنئنى، اثنين إعدام واثنين مؤبد وتسعة سجن وثلاثة براءة، رجعت لتوى منقبضا، فأنا لا أتصور أن هذا الحكم ضمن هذا المسلسل له أية فائدة حقيقية، لا فائدة جزائية، ولا وقائية، ولا رادعة، وأظن أن الأستاذ كان يشاركنى الرأى، حين أبلغته بالحكم رأيت تعبير وجهه متألما، وكأنه يشفق على المحكوم عليهم، وكان قد رفض من قبل أن يتدخل طالبا العفو عنهم كما اقترحتُ ذات مرة مادام مشفقا عليهم هكذا، أبانَ لى بوضوح أن القضاء هو القضاء وأن العدل له مجراه لصالح الأفراد والمجتمع، حين أبلغته نص الحكم قال: ”لا تعليق، حيث لا يحق لأى شخص أن يعلق على حكم القضاء حتى ولو بالمديح”، فهمتُ، واحترمتُ، وذكرته بعبد العزيز باشا فهمى ورفضه شكر أو مديح شخص مهما بلغت أهميته لحكم أصدره، محتجا بأن من يملك حق المديح اليوم يملك حق الذم غدا، خيل إلى أن زوجته الفاضلة تعانى مثله من حكم الاعدام على اثنين، انتبهت من حوار قصير معها أن ما انتبهتْ إليه من الحكم أكثر هو الحكم ببراءة ثلاثة، و أنها تخشى أن هؤلاء الثلاثة حين يطلق سراحهم سيكونون مصدرخطر جديد، طمأنتها قائلا إنها حادثة غير صالحة للتكرار، لا من هؤلاء الثلاثة ولا من الثلاثمائة ألف أو مليون من زملائهم، وأن الله خير حافظا، وهو أرحم الراحمين، وأن هؤلاء القتلة الأغبياء لو علموا موقفه منهم لتمنوا على الله أن يكون شفيعهم عنده، اطمأنّتْ، ودعتْ، وشكرتْ، وحمدتُ الله.
خرجت متألما
وتركته متألما أكثر.
والتفتُّ إلى الزوجة الفاضلة، واستأذنت واحترمت عودة مخاوفها وانصرفت.
الأربعاء: 11/1/1995
تأخرت قليلا (6 دقايق)، كان محمد يحيى (إبنى) وزكى سالم قد سبقانى إلى منزله، حين دخلت هذه المرة، ومال زكى عليه يخبره أننى القادم، قال: ”حضر؟ أخيرا”؟ ثم أردف وهو يهم بالقيام فورا من جلسته: و”إنى وإن كنت الأخير زمانه، لآت بما لم تستطعه الأوائل”، خرجنا للتو كالعادة، “ياللا بينا”، أصبحت معتادا هذه اللهفة وهذه الدقة معا، هذه الأدلة الدالة دائما على تجدد عمق علاقته بالحياة والشارع والناس، ما زلت أرى الطفولة المتفجرة تطل من حيويته وتصرفاته، هكذا كانت تتمثل لى اندفاعاته نحو الباب مثل الطفل الذى تحقق من قرب انطلاقه إلى المشوار الذى يحبه، والذى وعدوه به فانتظره غير مصدق، ثم ها هو يتأكد من بداية رحلته إليه، كنت أشعر أحيانا أنه يكاد يحذَرُ من أن يتراجع أى منا عن الانطلاق فى المشوار اليومى، ولو يوما واحدا، ولو ساعة أو بعض ساعة، لست متأكدا من هذا التأويل، لكنه كان يفرحنى.
نفس المكان! وليس نفس الميعاد، نويت بينى وبين نفسى على التمسك برأيى فى تثبيت الأماكن والمواعيد كما هى حتى لا أخـِلّ بنظام إيقاع حياة الأستاذ اليومية التى ما صدقنا أنه ألـِـفـَـهـَـا واعتادها بعد ما حدث، قررت أن يكون ذلك كذلك مستقبلا، هو هو نفس الموعد كل يوم كما حددناه وبدأنا فى تنفيذه، لم أقتنع أبدا بجدوى التغيير لا فى المكان ولا فى التوقيت مهما بلغت المخاوف، كم بقى له ولنا حتى نجعله يعيش كل يوم فى حال، وكل ساعة فى توجـّس، وكل لقاء فى مكان، يسقط كل شىء إلا الأمان ينبع من داخلنا بما تيسر لنا من واقع.
وصلنا للعوامة، مع أنه لم يكن يومها، اكتشفت أن العاملين فيها هم الذين ينتظروننا رغم أنى هاتفتُ كل ‘الشلة’ بموعد اليوم المبكر قليلا، العمدة (عماد العبودى) هو المسئول عن تهيئة هذه الجلسة الخاصة، فوجئ أهل العوامة بنا، جلسنا بالقرب من شاب وفتاة يتناجيان، وآخران (رجل وامرأة) لا أعرف ماذا يفعلان، ظننت أننى أخطأت المكان وأن المكان الخاص الذى اعتدنا الدخول إليه لا زال بالداخل، لكن الأثاث هو هو وإن كان الترتيب تغير، ربما ذلك لأننا وصلنا مبكرين قليلا، أعيدََ الترتيب بسرعة، واقتطعوا لنا الجزء الخاص بنا، فانقسم المكان – بعد استئذان الجلوس – إلى ما يخصنا، وما هو عام، وقام الرواد القلائل إلى أماكنهم الجديدة يعلو وجوههم خليط من السماحة والاحتجاج.
أثناء وجوده بالسيارة معى وأنا جالس على عجلة القيادة وهو بجوارى مازحنى قائلا: “فاكر يوم الاثنين” (أمس) ثم أردف بنغم جميل: “يوم ما اتقابلنا احنا الاثنين”، وضحك عاليا، فرِحتُ وهو يتذكر لقاءنا “رأسا لرأس” منفردين كما ذكرت بالتفصيل فى الحلقة السابقة، هذه الفرحة بالناس والخروج تتجدد باستمرار لدرجة تبرر لى أى شىء أفعله لأحافظ له على مثل ذلك، هكذا وزيادة، كما تبرر تفسيرى السالف الذكر للهفته فى موعد الخروج وانطلاقه نحو الباب بمجرد أن يلقانى.
بدا الحديث ونظرت إلى ثلاثتهم، هو وزكى ومحمد يحيى، افتقدت الآخرين، اكتشفت أننى بدأت أحبهم بحكم العادة، أين يوسف القعيد بأخباره؟ أين جمال بحضوره الحاد اليقظ، التراثى حينا، السياسى أحيانا؟ أين رجال الأعمال: عماد عبودى وحسن ناصر ومحمود كمال بمصريتهم الإيجابية ومشاكساتهم للغيطانى والقعيد بشأن اقتصاد السوق وعبد الناصر “العظيم”؟.
بدأت الحديث ذاكرا له لمحات من ندوة حضرتها أمس كنت أخبرته أننى شاركت فيها فى ‘المركز الإقليمى العربى للتوثيق والأبحاث فى العلوم الاجتماعية’، وكانت عن دور العلم فى مكافحة الإرهاب، قلت له إن المدعوين كانوا عقولا راجحة، وأسماء بارزة استفدت من الحوار معهم، وأن رأيى أن أهم المتحدثين وأوضحهم كان اللواء “حسن أبو باشا” كما كان من بين المدعوين د.أسامة الباز ود. محمد احمد خلف الله، وقلت له إننى عشت فى هذه الندوة وجها لوجه إشكال الاستقطاب الذى تحدثنا عنه يوم الاثنين معا، وأننى كنت متأثرا بكلامه، وأننى واجهت الأمور هكذا: أبيض وأسود، إما ديمقراطية مستمرة تسمح لنا بخلع من لا يرعى مصالح الناس ويساير التطور، وإما الديكتاتورية المعلنة أو المزركشة والمقنعة والمدعمة بالتزوير والخطب والشلل والانفصال عن الناس، قلت له أن حديثنا أمس قد أثر فىّ، لكننى أضفت أننى مصمم أن يكون تأثيرا مؤقتا، وأننى أنوى التراجع ولو بعد حين، وسوف أصبر على قبول رأيه حتى يكتشف البشر ديمقراطية أرقى وأقدر، طرح الأستاذ من جديد وجهة نظره قائلا: ‘إن الشعب أحسن الانتقاء طول عمره، وحين أخطأ الانتقاء دفع الثمن، وحين دفع الثمن، رجع إلى الانتقاء الأفضل، وهكذا، ثم أضاف “… دع من يخطيء فى الانتقاء يدفع الثمن ولو لفترة، أما حين حرم الشعب مـن مسئولية المشاركة فيما يجرى حدثت المصائب تلو المصائب برغم البدايات الواعدة”، قلت له: إن كل هذا صحيح، لكن الخوف الحقيقى هو أن من يأتى من خلال هذا الانتقاء هكذا، ثم يتولى أمرنا ويحكمنا بمرجعية دينية ثابتة أو أيديولوجية جامدة، كما سبق أن أبنتُ، هو نفسه الجاهز لمحو فرص الانتقاء التالى حتى لا يسمح بأية فرصة لخلعه”، قال: “لقد انتظرنا وتحملنا أربعين سنة حين قرر أحدهم لنا ماذا نفعل ومن نكون، ألا يمكن أن نتحمل أربع سنوات أخرى يتولى فيها المسلمون الحكم لنرى الواقع، بدلا من أن نحكم حكما مسبقا على ماذا سيفعلون، وكيف يتراجعون، إنهم حين يتقدمون لنا سيتقدمون ديمقراطيا ببرنامج، ولن يكون هذا البرنامج حاويا لهذه الفكرة التى نخاف منها طبعا (الانقلاب على الديمقراطية)، وإذا غيروا البرنامج بعد الوصول إلى الحكم فقد أخلوا بالعقد، وحين يخلون بالعقد يصبحون غير أهل للثقة، فنسقطهم”.
سكتُّ خشية أن أكرر، واكتفيت بأن قلت: إننى أفهم بدرجة كافية، لكننى لا أصدق إمكان حدوث ذلك بهذه البساطة.
عرضت بقية اقتراحاتى الشاطحة الغريبة التى لم أتردد فى أن أعرض بعضها فى ندوة مكافحة الإرهاب تلك، وهى (1) أن تتوقف كل الصحف عن الصدور لفترة لا تقل عن ستة أشهر، وتصدر بدلا من الكلام الكثير الذى يملؤها بلا معنى نشرة من أربع صفحات، بشلن، بدون إعلانات حتى نتمكن من النظر فى المختصر المفيد. (2) أن يحلّوا كل الأحزاب وأولها الحزب الوطنى، ثم تعلن حرية تكوين الأحزاب، بلا لجنة أحزاب ولا يحزنون (3) أنه فى حالة السماح بحزب إسلامى، لا بد من السماح بحزب قبطى مع التأكيد على نفى أية مرجعية ثابتة، إلا صالح الناس وواقع الحال، ولنواجه واقعنا بشجاعة مشتركة (4) أن تزيد جرعة الإجبار على الاقتراع فى الانتخابات على كل المستويات ولو زيدت العقوبة لدرجة الحبس. طبعا سخر الجميع من هذا الكلام، ولم يصدقوا أننى قلته فى الندوة، وربما لم اقله بهذه المباشرة، لا أذكر، وأعيد النقاش بعد حضور القعيد والغيطانى وسرت همهمة وتحفظ، وأثيرت مخاوف، وكان الأستاذ فارس هذا النقاش دون منافس، وظل على رأيه وعلى ثقته فى الناس وفى حركة التاريخ، ,وإمكانية التصحيح!!! سألنى: من ذا الذى سينفذ اقتراحاتك هذه؟ قلت له: “أنا”، فاستلقى إلى الخلف مقهقها.
حضر حسن ناصر، ثم محمود كامل، الجناح الرأسمالى فى الجلسة، وكان الاستاذ قلقا أن يكون تغيير الميعاد هو الذى منعهم، وكان أهل العوامة قد أتموا فصل الجزء الخاص بنا، وبدا الحديث رأسماليا: وكيف أقام د. إبراهيم كامل (صاحب العوامة ومانح هذه ‘الوقفية”، كما يسميها الاستاذ) أقام مصانع فى ألبانيا لأنها الأكثر فقرا والأهم موقعا فى أوروبا، وكيف أن سرعة الإيقاع وحدة التنافس تتطلب من رأس المال أن يتحرك طليقا فى كل مكان فى العالم، وأن يتنوع الاستثمار حتى إذا ضـُـرِبَ نشاط ما سنده آخر من غير نوعه وكلام من هذا، كل ذلك والاستاذ يتابع فى اهتمام وكأنه يستمع لأول مرة لهذا الحديث الجديد القديم، لكن سرعان ما وصلنى شخصيا ما لم أكن أعرفه من قبل، وهو موقف الدولة من تجريم الاحتكار، وأيضا ضرورة مراقبة الشركات (أو الأعمال الكبيرة) إذا لم يكن لها منافس، مثل منع ضم أى شركتين إذا كان ضمهما سيحرم السوق من التنافس الحقيقى، فرحتُ بهذه المعلومات الرأسمالية الجديدة، وتمنيت أن يتم تطبيقها فعلا بالعدل والقسطاس على الجميع، قال حسن ناصر إنه لم يعد هناك مكان للهواة فى عالم رجال الأعمال، وفسَّر الهواية بأنها الممارسة بدون قواعد علمية وتخطيط ممتد.
سألت عن ما يمكن أن يضيفوة إلى معلوماتى عن طبيعة الشركات المتعددة الجنسيات، ولا مؤاخذة’، فهى عندى تشير إلى، أو تدل على، ما يشين أخلاقيا أو وطنيا أو اقتصاديا، وهل هى لا تدفع ضريبة لأى بلد طالما أنها لا تنتمى إلى جنسية بذاتها؟ أجابوا بأن ذلك غير صحيح وأنها تدفع ضريبة لكل بلد حسب قوانينه وحسب النشاط الذى تمارسه فيه، وأن المسألة لم تعد فى التهرب من الضرائب، وإنما هى فى ذكاء التعامل مع قوانين الضرائب، أعجبت بهؤلاء الناس الممتازين الذين يعرفون بكل هذا اليقين كيف تدار الأموال هكذا، لكننى لم أمنع نفسى من ترجيح أنهم يعرفون ما هو على ظاهر الأرض دون باطنها، فمعلوماتى عن شركات الدواء ليس لها علاقة بكل هذه العلانية المطمئنة المفيدة، حاولت أن أنبههم إلى القوى التحتية، وإلى خبرتى فى تتبع لوبى شركات الدواء وتأثيرها على السياسة حربا وسلما، بل وتأثيرها السلبى على الممارسة الطبية وصالح المرضى، فلم أستطع، فهم خبراء فى لعبة الرأسمالية 100%، “وأم الاعمى أدرى برقاد الاعمى”، ولم أتماد فليس عندى غير خبرتى مع مرضاى وأدويتهم، وهى ليست قليلة، لكنها تبدو بالنسبة لهم هامشية، تعجبتُ كيف كان الأستاذ يتابع كل ذلك، برغم صعوبة السمع، بدليل أنه كان يستعيد بعض ما لا يصله واضحا، وقد انتبه أكثر ما انتبه إلى دور الدولة فى منع الاحتكار بهذه الصورة التجريمية الواضحة، وأضاف محمود كامل شارحا كيف أن التنافس قد هبط بأسعار السوبر ماركت فى انجلترا فى الثلاث سنوات الأخيرة بمقدار 19%، بل إن السوق المحلى فى القاهرة شهد انخفاضا فى أسعار السيارات لنفس السبب: التنافس الحقيقى، إزداد عجبى، وفضلت أكثر فأكثر عدم التصديق، ولو مؤقتا حتى أعيد النظر، قاطعتُ المتحمسين منبها أننا نفتقر إلى الجناح اليسارى فى جلستنا الرأسمالية هذه، ولم يكن القعيد قد حضر بعد، فسألت يا ترى ماذا كان سيفتى به لو كان حاضرا كل هذه الرأسمالية؟ حضر القعيد – ربما على السيرة– أخيرا بجلبته الحيوية، وفرح الاستاذ به وربما بالتوازن المتوقع، لكن حضور القعيد قد غيّر الموضوع فورا، إذْ سأله الأستاذ السؤال التقليدى الذى يسأله إياه عادة فور حضوره “هه.؟ هل من أخبار؟”. قال القعيد الجاهز: كان اليوم هو يوم افتتاح معرض الكتاب الرسمى بحضور الرئيس، وحكى القعيد عما سمع عن الاشتباك بين سعد الدين وهبة ولطفى الخولى عن التطبيع، وقلنا ننتظر الغيطانى الذى حضر الاجتماع يحكى لنا التفاصيل – تغير جو الجلسة وحلت السياسة محل الاقتصاد، حضر الغيطانى وحكى عن اندفاعـِه أمام الرئيس، ووصف سعد الدين وهبة بأنه يمثل ضمير المصريين ، وتحفظتُ على هذا الوصف لأنه لا يمثلنى – مثلا، فقال القعيد: فهو يمثل ضمير مصر، فقلت له هل معنى ذلك أن تنفينى من ضمير مصر، دع لى قطعة ضمير يا رجل، وضحك الأستاذ، ولم يضحك القعيد، أما الغيطانى فوقف بين بين.
فتحوا موضوع التطبيع من جديد، وكان رأى الغيطانى أن المسألة ليست فقط مصالح وسياسة، ولكنها مسألة التخلى عن المـُسـَلـَّمـَات والثوابت فى مواجهة سرقة التاريخ وطمس الانتماء، فكرت أن المسلمات والثوابت هذه قد تعنى أحيانا، ربما فى سياق آخر، قدرا غير مفيد من الجمود والتشنج، أشار الغيطانى إلى أننا على وشك الدخول فى ”الحقبة العبرية” للمنطقة، قلت له إن هذا التعبير يُلزمنا أن نسارع فى إحياء اللغة العربية الحقيقية، هيا نتساءل كم من شبابنا يمكن أن يفخر بأنه يتكلم لغة عربية سليمة (دعك من السؤال عما إذا كان يتقنها أم لا) نحن نتخلى عن هويتنا ولغتنا بما نفعله وما لا نفعله دون حاجة إلى تدخلات عبرية، إنها ظاهرة تؤكد كلا من عدم الاتقان وعدم الانتماء معا، وأنها حدثت وتحدث بتأثير وبدون تأثير إسرائيلى، وافقنى الغيطانى لكن بدا عليه أنه ربما بصفته مراسل حربى سابق، وخاصة أيام حرب الاستنزاف وقبلها، لا يستطيع أن ينسى القتل والقتلة، وربما بصفته صعيديا لا يستطيع أن ينسى، الثأر وهذا طيب هنا.
محمد يحيى (إبنى) يذكرنا بحديث لنجيب محفوظ مع جلال أحمد أمين وهو يسأله ماذا نعمل تجاه الغزو الثقافي؟ فيجيب: ‘نموت يا أخي’، لم أصدق ذاكرة محمد بسهولة، وأشرت إليه أن يعيد هذا الحديث على الأستاذ ليستوضحه، فتذكره الاستاذ لتوه ولم ينكره، وشرح: ‘….. إن المسألة كلها، أو أغلبها هى عيوب فينا، وما دمنا قد اكتشفناها بفضل التطبيع أو التهديد بالتطبيع فإنه علينا أساسا وابتداءا أن نصلحها، وأن نتحدى أية إغارة بإيجابياتنا لا بتجنبنا الملاقاة، إن كل ما نخاف منه لا يرجع إلى قوة العدو بل إلى ضعفنا نحن، والأوْلى والأبقى أن نصلح ضعفنا ونقوى، هذه هى القضية، وأضاف: أنا أفهم أن نهدئ التطبيع لسبب مرحلى مثل استعادة الحقوق والضغط لصالح ما تبقى من مفاوضات إن كان هناك مجال للضغط، أما أن يكون عدم التطبيع هو موقف مبدئى دائم هكذا، فهذا ما لا أفهمه”.
تشجعت فذكرت لهم اقتراحى الذى قلته فى ندوة مكافحة الارهاب، ذلك الاقتراح الذى بدا غريبا، وهو ما أردت به تعرية الحزب الوطنى، وقبول تحدى زعم: “أن البلد خالية من القوى الشعبية الإيجابية”، علماً بأن هذا الحزب هو المثل الشائه للفراغ السياسى الممتلىء بالدُّمى التى تشبه الناس، وهو يدعى الديمقراطية (والناصرية والرأسمالية وربما البوذية معا… إلخ) كما أنه يتصور أنه يقف فى مواجهة الجماعات والإخوان، قلت لهم: إننى! فى نهاية الندوة طرحت سؤالا فى شكل تصور خيالى كان هكذا: ماذا لو أن الرئيس مبارك استيقظ غدا. وقال إنه رأى فى المنام سيدنا عمر ابن الخطاب (أو أى من الصالحين) يقول له: “لقد آن الآوان”، ففسر ذلك بأن عليه أن يتوجه للإذاعة وأن يعلن بوضوح – تفسيراً للحلم – بأنه قرر أن يحكم بالشريعة الاسلامية حرفيا إذا أعيد انتخابه، وفعلها فعلا، فماذا سيكون موقف أعضاء الحزب الوطنى كلهم؟ هل سيخرجون من الحزب، ويكوّنون حزبا مدنيا يواصل الكفاح ضد الرئيس الذى تجاوز منهج الحزب ومبادئه، أم أن كل ناسه سيشدون الرحال فورا إلى حزب الشريعة الجديد بقيادة مبارك (أو أى مبارك مبروك) كما خرجوا مهرولين من حزب مصر إلى الحزب الوطني حين فعلها السادات ؟ لم أنتظر الجواب، لا من حضور الندوة، ولا من أصدقاء العوامة، نظرت فى وجه الأستاذ وشعرت أنه لا يكاد يصدق أننى قلت هذا الكلام فى الندوة، سألنى عن رد الفعل، فقلت له إنهم تصوروا أننى أمزح، فقال ضاحكا: “لكن يبدوا أنك كنتَ فعلا تمزح دون أن تدرى”، وضحك ومال إلى الخلف دون أن ينتظر تعليقى، فلم أعلق.
فى طريق العودة سألنى زكى سالم لماذا تحفظت على أصدقاء الاستاذ فى مقدمة كتابك “قراءات فى نجيب محفوظ”، ولم أجد ردا جاهزا فقلت له لعل ذلك راجع إلى تخوفى أو تصوراتى التى ليست بالضرورة هى الحقيقة، ثم استدركت لقد كنت أتعجب لاختلاف الطباع فيما بينهم، وأظن أنه كان فى ذهنى ساعتها أنه كيف يطيق الأستاذ مصاحبة كل هذا الاختلاف مع ثروت أباظة مثلا،
وحين أعاد زكى الحديث على الاستاذ ابتسم وتساءل الأستاذ موجها كلامه لى: “ألم يذكر جمال الغيطانى اليوم أن ثروت أباظة كان من أحسن من تكلموا مع الرئيس فى افتتاح معرض الكتاب”، قلت له: لكنه لم يقل لنا ماذا قال؟
ما هذا؟ كيف أسمح لنفسى أن أحكم على الناس هكذا دون معرفة قريبة فعلا؟ سمعت بعد ذلك الكثير عن علاقة نجيب محفوظ بثروت أباظة، وحب وتقدير كل منهما للآخر، كما استطعت أن أتبين كم هى علاقة عاطفية صادقة ليس من حقى أن أتحفظ عليها لمجرد عدم استساغتى لما يكتبه ثروت أباظة.
أعاد على الأستاذ أثناء العودة وأنا أودعه إلى باب الشقة التأكيد أننى قد انضممت فعلا إلى الحرافيش، وأننى سوف أحضر يوم الخميس، خجلت من إلحاحه هكذا، وطمأنته أننى قبلت دعوته الكريمة ولم أعد مترددا (لكننى قلت فى نفسى: ولو ”منتسبا”، ولو ”تحت الاختبار”).
*****
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]- يحيى الرخاوى: “فى شرف نجيب محفوظ” الكتاب الأول، الطبعة الأولى 2018 ، منشورات جمعية الطبنفسى التطورى، والكتاب متاح فى مكتبة الأنجلو المصرية بالقاهرة وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية – المقطم – القاهرة.
يحيى الرخاوى طبيب نفسى


بمناسبة اليمين واليسار وصحبة محفوظ
ادركت ان ابشع ما فعله عبد الناصر او حقبة عبد الناصر انه افرغ الوجود الحيوي لما يمكن ان يكونه المصريون .
بمعني انه بحكم غبائه وجهالته ونرجسيته وغشوميته والاهم دكتاتوريته هوي بمصر الي درك سحيق سيأخذ اجيال وسنين لتصحيح المصائب التي ارتكبها .
ومحصلة حكمه هي اصفار كثيرة ما زالت مصر تتحملها حتي هذه اللحظة واوسخها طبعا تقنين حكم الفتوات اعني حكم العسكر.