نشرة الإنسان والتطور
الخميس: 14-8-2025
السنة الثامنة عشر
العدد: 6557
الكتاب الأول: فى شرف صحبة نجيب محفوظ [1]
الحلقة التاسعة
يا مفرِّج الكروب!
الثلاثاء: 3/1/1995
رويدا رويدا أصبحت- أو سمحت لنفسى أن- أضيق نـِسـْـبيا بهذه الجلسة، جلسة الثلاثاء، لكننى أنظر فى وجه الأستاذ وهو يستمع إلى يوسف القعيد يروى الأخبار بسرعة وتمثيل وكاريكاتيرية، وهو يضحك ويشارك، وهو يعلق ويهتم، فأعجب للأستاذ ومنه، كيف يحتمل كل هذا التنوع من الفروق الفردية بين كل هؤلاء الناس، كلما نظرت فى وجهه وجدته مسرورا بالجلسة حريصا عليها، كما أعلم أنه ينتظرها، ربما مثل سائر اللقاءات وأكثر، (عكس توفيق صالح الذى يشاركنى شعورى بالتحفظ على جلسة الثلاثاء، وليس تماما عكس زكى سالم الذى يفرح لفرح الأستاذ أينما كان مع كل الناس فى أى مكان). كلما رأيت ذلك منه مؤكدا مكررا منه، تعلمت أن الإنسان المحب لخلق الله هو الذى لا يضيق بأحد، هو الذى يجد مع كل لقاء متعة، هو الذى يعرف كيف يضبط موجة تواصله مع موجة تواصل من يتواصل معه أيا كان، ولِمَ لا؟ أليس هكذا خُلِقنا، وليس معنى هذا أن الأستاذ يساوى بين الناس بطريقة فوقية مائعة، فهو يحب هذا، ويضيق بذاك، ويعلق على زيارة أحدهم، ويسخر من وصولية آخر، لكنه يحافظ على العلاقة صادقة نقية، بعيدة عن الأحكام الفوقية، بما فى ذلك هذا اللقاء العوّاماتى الثلاثائى، إذن ما دام هو مسرور هكذا بهذا فليكن ذلك مصدر سرورى، ولأحاول أن أتقمص زكى سالم، ولأشارك بالقدر الذى أستطيع، لكننى لا أستطيع كثيرا، ثم إنها جلسة تضم رجال أعمال مثل عماد العبودى، وحسن ناصر، ومحمود كمال، وجها لوجه مع رجال إعلام يمثلون اليسار والناصرية والثقافة، وكلنا فى ضيافة أ. د. إبراهيم كامل فى عوامته “فرح بوت”، كان الأستاذ قد حكى لى أن د. إبراهيم كامل أستاذ الهندسة ورجل الأعمال المشهور وصاحب هذه العوامة “فرح بوت” قد جعل ضيافة هذا اليوم هدية منه للأستاذ وصحبه، وحكى لى الأستاذ بعض النوادر التى تتعلق بالأكل والشرب مجانا، مما لا يصح أن أذكرها تفصيلا، لم أر هذا المضيف الطيب، ولا مرة واحدة، ولا سمعت أنه جاء يعود الأستاذ بعد سلامته، ربما فعل ولم يذكر ذلك أحد أمامى، وإن كنت قد علمت فيما بعد أنه كان دائما يستأذن حين يحضر لزيارة المجموعة والترحيب بالأستاذ والاطمئنان عليه.
فى لقاء الثلاثاء هذا الأسبوع أشار الغيطانى إلى تحفظه على أن يوقع محمد سلماوى على الأحاديث التى يجريها مع الأستاذ، وهى التى يأخذها سلماوى مشافهة من الأستاذ كل سبت، (اليوم الوحيد الذى لا يخرج فيه الأستاذ ويخصصه للقاء الزوار، وأهمهم سلماوى، بانتظام)، كنت قد عرضت على الأستاذ أن يعود لإملاء “وجهة نظر” لتنشر فى نفس الركن الذى كان ينشر فيه وجهة نظره الأسبوعية فى الأهرام، وإذا به يخبرنى أن سلماوى قد اقترح نفس الاقتراح، وأنه وعده بأن يفى به، وقد كان. كان سلماوى يوقع تحت الحديث باسمه دون ذكر صفة المحاوِر، وهذا ما أشار إليه الغيطانى فى تحفظه. لكن الأستاذ أصر أنه “ومالُه”؟ يوقع كما يشاء مادام لم يقل أن هذا كلامه هو، قلت له أنه كان يمكن أن يكتب قبل توقيعه: “أجرى الحديث فلان” ثم يوقع الكلمة بـ: “نجيب محفوظ” حتى يستقبل الناس كلماتك بتوقيعك من جديد، بدلا من أن يضع توقيعه هو، أو أنه كان يمكن أن يترك الحديث بدون توقيع، مكتفيا بالعنوان: وجهة نظر نجيب محفوظ”، ومع ذلك أصر الأستاذ أنه ابدا، وأنه: “ما يضرش”
أحسست بالتحفز الجاهز من الغيطانى والقعيد كلما ذكر اسم سلماوى، واعتبرته من قبل هذا التنافس الظريف الذى كنا نسمع عن بعضه بين شعراء وأدباء ومفكرين فى العشرينات والثلاثينات، ولم أعتبره خلافا قاسيا، بل إنه أصبح مادة طريفة للمداعبة و”النكش”، وذكر الأستاذ أنه لم يكن يعرف سلماوى جيدا قبل نوبل، وأن تكليفه بإلقاء كلمته عندما استلمت كريمتاه جائزة نوبل كان مصادفة، حيث أن قريب سلماوى (ربما شقيق زوجته أو زوج أخته، – لا أذكر – كان سفيرا لنا فى السويد)، وأنه يتذكر أيضا أن ثمة علاقة مصاهرة بين سلماوى وبين توفيق الحكيم، فتبرع أحد الجالسين يذكر أن أخته كانت زوجة لابن توفيق الحكيم، مال الأستاذ إلى الخلف وكأنه وجدها وقال “هكذا”!!.
جرى تعليق على كتاب نشر حديثا (ليس حديثا جدا) عن خطابات توفيق الحكيم إلى زوجة ابنه، واعترض البعض على ما جاء فى هذا الكتاب من تسطيح أحيانا، ومن حرارة مفرطة أحيانا أخرى، وأنه كتاب لا موقع له: لا فى الأدب ولا فى السيرة الذاتية، ولم يذكر المتحدث اسم جامع الخطابات ولا ناشرها، ولم يعلق الاستاذ، وتذكرت حساسيته المفرطة نحو أى حديث عن شؤونه الخاصة او شئون أسرته، فكيف لو عبث عابث بهذه المنطقة مثلما صنع كاتب هذا الكتاب عن توفيق الحكيم، واحترمت تحفظه وحذره وامتناعه عن التعليق.
فتح موضوع طلب وزير الداخلية حسن الألفى تصوير لقطة (ربما تليفزيونية) مع الأستاذ بمناسبة عيد الشرطة، وتصورتُ أنه سيحضر ليبادله الحديث أو التهنئة أو ما شابه، وتحفظت إزاء هذا الطلب، كما تحفظت قبلها على زيارة المفتى (مفتى الديار) للأستاذ (بعد ما سمعت بعض التفاصيل من الأستاذ عن زيارة محمد الغزالى – ثم د.أحمد فؤاد أبو المجد) وكانت وجهة نظرى أن نجيب محفوظ هو نجيب محفوظ، ولا ينبغى أن نسمح باستقطابه فى أى ناحية، فإذا زاره المفتى – والحالة كما نعلم بينه وبين شيخ الأزهر، فنحن قد نضعه فى جانب فى مواجه الآخر، وهذا نوع من الاستعمال ينبغى الحرص على تجنبه، وبالقياس رأيت أن ظهوره مع حسن الألفى سوف يضعه فى جانب واحد مع الحكومة بما لها وعليها، وتذكرت الهمس الذى أثاره الدفاع من أن الحادث ملفق من قبل الحكومة عملا على زيادة كره الناس للجماعات من خلال تعاطفهم وحبهم لنجيب محفوظ، وبرغم عبثية هذا الهمس الذى ناقشناه سالفا، وبرغم أننى أعرف يقينا أن موقف محفوظ لا يقاس بأنه مع الحكومة أو ضد الحكومة، أية حكومة، وإنما هو له موقفه الخاص من كل حدث، ومن كل شخص ثم إن موقفه من الجماعات التى حاولت قتله هو شديد التسامح والدعاء لهم بالهداية، لكل ذلك اعترضتُ على طلب وزير الداخلية، وثار خلاف، وغلب الرأى لمعظم (أو ربما كل) الجالسين أنه لا مانع، وأنهم يوافقونى على رفض الاستقطاب الأول (المفتى مقابل الأزهر) لكنهم لا يوافقوني على أن ثمة احتمال لأى استقطاب لما هو: “الحكومة مقابل الناس”، بعد أن استمع الأستاذ إلى ما استطاع من هذا النقاش الحاد، راح يقول إنه مدين للشرطة بلا أدنى شك، سواء من ناحية الأمن بصفة عامة أو من ناحية ما نال من رعاية فى مستشفى الشرطة، وأنه لا يستطيع أن يرفض لهم طلبا، ثم إن الوزير كلم السيدة حرمه وأخذت رأيه ووافق، وهو لا يملك أن يتراجع – ولأننى بدأت أعرف طبعه فقد سارعت بالتراجع عن موقفى احتراما وتعلّما، تعلمت كيف نهتم بآداب السلوك الصغيرة قبل الكبيرة، وكيف أنه يفى بالوعود البسيطة وغير البسيطة، وهو يحرص على المجاملات العادية فى حدود نظامه المحكم، ومعانى العرفان بالجميل والالتزام بردّه، ورأفة باعتراضاتنا أراد الأستاذ أن يخفف الموقف فأثار تحفظا فكِهًا يقول: إن الحرج الوحيد بالنسبة لمقابلة الوزير هو أن يتكلم معه بصوته هذا المتحشرج، فيصبح دعاية سيئة للشرطة ومستشفى الشرطة وكأنهم لم ينجحوا فى شفائه تماما!!
وضحك عاليا، فضحكنا فرحين.
ثم أثار الغيطانى أساسا، ثم العقيد، مسألة ضرورة الحذر فى الخروج فى نفس الموعد المرات القادمة، ومحاولة تغيير الميعاد، والمكان باستمرار، وخاصة بعد صدور الحكم الذى يرجح أن يكون فيه إعدام واحد أو أكثر، وانقبض قلبى من هذا الاحتمال، رفضت المبالغة فى الخوف هكذا، فما زلت أعتبر أن ما حدث حادث عابر، من شاب أعمى نال أو سينال جزاءه، أكثر منه موقفا عاما من جماعة قَتَله. حاولت أن أقاوم التيار أنا وزكى سالم، ولم أنجح، وقلت دعوا لى هذا الأمر، فأنا المتعهد بتدبير الأماكن والتوقيت، وسوف أخطركم بالتغيير إن لزم الأمر، ولم يكن فى نيتى أية محاولة لتغيير مااعتدنا عليه، ولو بعد بضعة أسابيع، فقد عرفتُ طبعه، وكم هو يتعلق بنفس التوقيت، ونفس المكان، ونفس الكرسى، وأحيانا نفس الجار فى كل جلسة، فحرصت أن أحافظ على تثبيت إيقاع مواعيد الأستاذ مهما بدت المخاطرة، ليس استهتارا، ولكن رفضا للحياة تحت سيف خطر لا يمكن تجنبه إذا صمم القدر، ولم أحاول أن أشرح تفاصيل نواياى له حتى لا أثير مخاوفه التى تغذيها بشكل ما مخاوف هؤلاء الصحبة الطيبة، وتحفظات السيدة الكريمة زوجته الفاضلة الحريصة على سلامته أكثر منّا جميعا.
الأربعاء: 4/1/1995
الأستاذ منزعج انزعاجا متوسطا، ومتحفز ومستعد للدفاع عن رأيه، أخبرتنى السيدة زوجته أنه سيذهب ابتداء من غد إلى المستشفى، لأنه توجد آلات هناك لابد أن يستعملها أثناء تدريبات العلاج الطبيعى، ولم أفهم دوافع رغبة السيدة زوجته وإصرارها على مثل ذلك، وقد سبق أن طرحَتْهُ وحاولتُ أن أشرح لها أنها ليست ضرورة بلا بديل، المهم أن الأستاذ كان خائفا تماما من أن يـُفرض هذا الاجراء عليه، وكان فى ذلك مثل طفل يخشى العودة إلى مدرسة تخرج منها بنجاح متوسط، وقارنت تمسكه بالمستشفى سابقا وخوفه من العودة للبيت، بتمسكه بالبيت حاليا ورفضه التردد على المستشفى، وتأكدت من علاقته بالأمكنة والاستقرار فيها لدرجة الاحتماء بها أيا كانت، وطمأنته والسيدة حرمه إلى درجة أقل، ومع إقرارى بفائدة العلاج الطبيعى والتدريبات، فإنى شرحت أن كل شىء ممكن فى حدود الأصول العلمية والمهنية فى أى مكان، ووعدته أنه إذا كان فى الأمر ضرورة توفير أجهزة بذاتها، فالدولة أبدت استعدادها لنقلها إليه أو حتى لشرائها له، ثم يتبرع بها لأى مركز تأهيل بعد انتهاء العلاج، وكل ذلك كان من تأليفى لطمأنته، ولو أننى كنت مصرا فى نفسى سرًّا على أن هذا محتمل ولو على حسابى الخاص، وأصررت على رأيى رغم الاعتراض المتكرر من الزوجة الفاضلة الحريصة على أفضل فرص للتأهيل، وحين تأكد الأستاذ من إصرارى وقدرتى على تحمل المسئولية، واقتناع زوجته الفاضلة بذلك انفرجت أساريره، وقبـّلنى وأنا منصرف هاتفا:
“يا مفرِّج الكروب”
وأحببته كثيرا جدا.
_______________
[1]- يحيى الرخاوى: “فى شرف نجيب محفوظ” الكتاب الأول، الطبعة الأولى 2018 ، منشورات جمعية الطبنفسى التطورى، والكتاب متاح فى مكتبة الأنجلو المصرية بالقاهرة وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية – المقطم – القاهرة.
يحيى الرخاوى طبيب نفسى


الوجه الآخر لمحفوظ — وهو له وجوه كثيرة طبعا — زينا كلنا يعني !!!!!!! او عقول كثيرة كما نبهنا عمنا اقتداء بانواع العقول الذي نقله عن صاحب الكتاب دانيل دينت .
اقول ان الوجه الآخر لمحفوظ الذي لا يظهره للمحيطين به مهما بدا ظاهره اكبر واعمق من اي رصد .
يظهر لي محفوظ كثيرا انه عالَم كبير جدا من عقول كثيرة تتناغم فقط في لحظات فائقة في قمة الابداع التي تتجلي في ابداعاته .
ولذلك من المستحيل رصد كل هذه الوجوه الكثيرة ببساطة لانها متوارية حتما
وهذا حال كل مبدع .
محاولة عمنا رصد هذا الظاهر طيبة ولكنها ليست كافية لاستكشاف وجود هذا المبدع بكل ما يتواري وراءه من حتم محاولة لجم ما هو وجوده الحقيقي كي لا يظهر علي السطح فلا يتحمله المحيطون به .