الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / الحلقة السابعة والثلاثون الاثنين‏: 20/2/1995

الحلقة السابعة والثلاثون الاثنين‏: 20/2/1995

نشرة “الإنسان والتطور”

19-8-2010

السنة الثالثة

العدد: 1084
Photo_Mafouz

الحلقة السابعة والثلاثون

الاثنين‏: 20/2/1995

جلس‏ ‏الأستاذ‏ ‏وسطنا‏ ‏وكأنه‏ ‏عاد‏ ‏إلى ‏بيته، ‏نعم‏ ‏هذا‏ ‏مكان‏ ‏حديث‏ ‏جدا‏ ‏نظيف‏ ‏جدا، ‏نوفوتيل‏ ‏المطار، ‏لكنه‏ ‏أصبح‏ ‏معتادا‏ ‏جدا، ‏هذا هو‏ ‏الأستاذ، ‏يجلس‏ ‏ ‏فى ‏نفس‏ ‏الموقع‏ ‏من‏ ‏نفس‏ ‏المكان‏ ‏فى ‏نفس‏ ‏الوقت فيستقر فيصبح بيته الجديد الذى ينتظره فى وقته مع أهله فى هذا اليوم بالتحديد.

بدأ الأستاذ بأن ‏حكى ‏ ‏حلما‏ ‏حلمه ليلة أمس‏ (‏وهو نادرا ما يفعل)، ‏قال‏: ‏إنه‏ ‏حلم‏ ‏بجلستنا‏ ‏هذه، ‏وأننا‏ ‏كنا‏ ‏فى ‏بهو‏ ‏شديد‏ ‏الفخامة‏ ‏والاتساع، ‏وأن‏ ‏الرهبة‏ ‏لم‏ ‏تغادرنا‏، ‏ثم‏ ‏يظهر‏‏ ‏ ‏ ‏يس‏ ‏سراج‏ ‏الدين‏ أخو فؤاد ‏سراج‏ ‏الدين ‏فى ‏هذا‏ ‏البرنامج‏ ‏الذى ‏اسمه‏…”‏يا‏ ‏تليفزيون‏ ‏يا‏” أو شيئا من هذا القبيل، المهم أنه البرنامج ‏الذى ‏يظهر‏ ‏فيه‏ واحد اسمه ‏رمسيس‏، (كان الأستاذ مواظبا على مشاهدة كثيرا من برامج التليفزيون قبل تراجع بصره)، ويسأل رمسيس ويجيب سراج الدين إجابات غير مترابطة وهو يذكر ‏ “‏إن‏ ‏بالقصر‏ 22 ‏حجرة”، ويدهش الأستاذ وهو يحكى من ورود هذا الرقم بهذا الوضوح فى الحلم، ‏وأتعجب‏ ‏من‏ ‏قدرة‏ ‏الأستاذ‏‏ ‏على ‏الحلم‏ ‏بما‏ ‏يسمى “‏بقايا‏ ‏النهار‏”، فهذا ما يميز أحلام الأطفال بوجه خاص، ‏وأتأكد‏ ‏أننى ‏عرفت‏ ‏تعبيرات‏ ‏وجه‏ ‏الأستاذ‏ ‏بما‏ ‏يطمئننى ‏على ‏بعض‏ ‏استنتاجاتى ‏لما‏ ‏يعتريه‏ ‏من‏ ‏مشاعر‏ ‏خوف‏ ‏أو‏ ‏دهشة‏ ‏أو‏ ‏رفض‏ ‏أو‏ ‏ضغط‏ ‏على ‏النفس‏ ‏مجاملة، ‏وحين‏ ‏بدأ‏ ‏حكاية‏ ‏حلمه‏ ‏أنه‏ “‏حلم‏ ‏بقعدتنا‏” ‏فرحت‏ ‏أننى (‏وأنا‏ ‏ضمن‏ ‏قعدتنا‏) ‏ظهرتُ‏ ‏حتى ‏فى ‏حلمه، ‏ولا‏ ‏أخفى ‏أننى ‏تبينت‏ ‏بانقباض‏ ‏طفلى ‏أن‏ ‏شخوصنا‏ (‏واحدا‏ ‏واحدا‏) ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏لهم‏ ‏حضور‏ ‏خاص‏ ‏فى ‏الحلم، وإنما الأهم كانوا شخصوص التليفزيون، ‏إذن‏ ‏فأنا‏ ‏كشحص مفرد لم‏ ‏أظهر‏ ‏فى ‏حلم‏ ‏الأستاذ، ‏لكننى ‏تذكرت‏ ‏كلام‏ ‏حرمه‏ الفاضلة ‏فى ‏الهاتف‏ ‏أثناء إجازتى ذات أسبوع فى دهب حين كنت أطمئن عليه تليفونيا، تذكرت كيف قالت لى‏ ‏أن‏ ‏الأستاذ‏ ‏كان يحلم‏ ‏بي بصوت مرتفع (الحلقة السابعة)، ‏ولفرط عدم تصديقى كدت أعتبر كلامها ‏ مجاملة، اكتشفت كيف أننى أود لو ‏أمثل‏ ‏حضورا ما ‏ ‏فى ‏وعى ‏الأستاذ‏ ‏الأعمق، وأضاف‏ ‏الأسستساذ بعد‏ ‏حكاية‏ ما تيسر (أو حضر) من ‏الحلم‏ ‏تنبيها‏ ‏إلى ‏أنه‏ ‏معتاد‏ ‏على ‏مثل هذه‏ ‏القصور‏ ‏من‏ ‏زمان، ‏وأن‏ ‏أكثر‏ ‏قصر‏ ‏بهره‏ ‏وما‏ ‏زال‏ ‏يذكره‏ ‏هو‏ ‏قصر‏ ‏مصطفى ‏عبد‏ ‏الرازق، ‏ذلك‏ ‏الشيخ‏ ‏أستاذ‏ ‏الجامعة‏ ‏الجليل‏ ‏الذى ‏كان‏ ‏يقابل‏ ‏طلبته‏ ‏فى ‏بيته‏ (‏لا أذكر تحديد لقاءه بالدكتور عبد الرحمن بدوى عند الشيخ على عبد الرازق هل كان فى هذه المرة أم فى مرة أخرى)، ‏قال‏ ‏لى ‏زكى ‏سالم‏ ‏بعد‏ ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏الأستاذ‏ ‏يحب‏ ‏ويقدر‏ ‏الشيخ‏ ‏مصطفى ‏إلى ‏مدى ‏ليس‏ ‏له‏ ‏مثيل، ‏وأنه‏ ‏يصفه‏ ‏خاصة‏ “‏بالنبل‏”، ‏والنبل‏ ‏صفة‏ ‏نادرة‏ ‏رائعة‏ ‏إذا‏ ‏وصف‏ ‏بها‏ ‏الأستاذ‏ ‏أحد‏ ‏الناس‏ ‏فهى ‏تعنى ‏الكثير، ‏مرت علىّ صورة سريعة جدا للقصور التى وردت فى بعض أعمال الأستاذ، وبالذات ‏ذلك‏ ‏القصر‏ ‏الذى ‏كانت تسكنه الشابة الجميلة التى أحبها‏ ‏كمال‏ ‏أحمد‏ ‏عبد‏ ‏الجواد‏ ‏عن بعد، حتى ‏أصابه‏ ‏ما‏ ‏أصابه‏ ‏من‏ ‏إحباط‏ ‏فانسحب أيضا عن بعد.

 أعود إلى الأستاذ وهو يكمل‏ ‏كيف‏ ‏أن‏ ‏الشيخ‏ ‏مصطفى – ‏رغم‏ ‏دراسته‏ ‏فى ‏باريس‏ ‏وعلاقته‏ ‏بها‏ ‏وناسها‏ ‏وحضارتها وأدواتها‏ – ‏كان‏ ‏يحضر‏ ‏إلى ‏الكلية‏ ‏فى ‏عربة‏ ‏حنطور، ‏يحضر‏ ‏وقد‏ ‏قلوظ‏ ‏العمة‏ ‏والجبة‏ ‏والقفطان‏ ‏فى ‏أزهى ‏حضورهما، ‏سألته مقاطعا: ‏ ‏كارتة‏ ‏أم‏ ‏حنطور؟ ‏وأكد‏ ‏أنه‏ ‏حنطور‏ ‏خاص‏ ‏له‏ ‏سائق‏ ‏خاص‏ ‏وفرس‏ ‏خاص، ‏وبدا أن ‏ ‏هذا‏ ‏يعنى عند‏ ‏الأستاذ‏ (‏وعندى ‏أيضا‏) ‏ ‏ ‏دلالة‏ ‏خاصة‏ فعلا.‏

انتقل الحكى عن دور الحنطور عند بعضنا، وذكرت شخصيا علاقتى بسوارس فى القلعة وأنا أزور خالتى فى سوق السلاح فى أوائل الأربعينات، وعن علاقتى بالحنطور فى طنطا قبل ذلك، وكيف كنا نجرى ونركب خفية فى تجويف الحنطور الخلفى دون أن يرانا السائق (العربجى)، وكيف كنا نمتلئ غيظا حين ينادى أحد الصبية الذى يرانا فى مخبئنا فيصيح بالعربجى “كربج ورا يا اسطى”، ونتعجب على ما يدعو مثل هذا الصبى إلى حرماننا من هذه المتعة الخفية، وأذكر للأستاذ أن علاقتى بالحنطور ظلت وثيقة حتى كنت أستعمله بانتظام وأنا منتدب للدتريس فى طب المنصورة من محطة سكة حديد المنصورة إلى الكلية التى كانت بعد تحتل المدرسة الثانوية، ربما سنوات 1963-1965، وحكيت له كيف كنت أتمتع بهذا التوصيلة التى أتعرف من خلالها على الناس والشوارع بإيقاع أهدأ، ‏وذكرت للأستاذ أن مثل هذه الخبرات الباكرة كانت تحضرنى وأنا اقرأ ‏الثلاثية‏ مثلا، وكيف ‏لم يكن صعبا على أن يحضر سوارس فى وعيى بالبغلة والعربجى وأنا أقف بجوار يس أحمد عبد الجواد وهو يتابع ‏ ‏عجيزات‏ ‏الراكبات‏ ‏وهن‏ ‏يصعدن‏ ‏إلى ‏الكارو الذى كان أرخص وأرحب من سوارس. قال الأستاذ تعقيبا موجزا كيف‏ ‏كان‏ ‏الحنطور‏ ‏هو ‏المواصلة‏ ‏الرئيسية‏ ‏فى ‏الاسكندرية‏ ‏فى ‏يوم‏ ‏ما، ‏وحكى ‏كيف‏ ‏أنه‏ ‏عقب‏ ‏مباراة‏ ‏كرة‏ ‏بين‏ “‏مصر‏” (‏القاهرة‏) ‏والاسكندرية‏ (‏أيام‏ ‏حودة‏) ‏كان‏ ‏يجلس‏ ‏فى ‏حنطور‏ ‏مع‏ ‏عبد‏ ‏الحميد‏ ‏السحار‏ ‏وكان‏ ‏بعض‏ ‏رفاقه‏ ‏يصف‏ ‏المباراة‏ ‏عقب‏ ‏فوز‏ ‏مصر، ‏وأخذ‏ ‏يمدح‏ ‏فى ‏وصف‏ ‏هدف‏ ‏وضعه‏ ‏لاعب‏ ‏مصر‏ ‏فى ‏مرمى ‏الاسكندرية‏ ‏فانتفض‏ ‏السائق‏ (‏العربجي‏) (‏وكان‏ ‏‏اسكندراني جدا‏) ‏مغيظا‏ ‏وطاح فى الراكب، بل وجميع الركاب، بما ‏تيسر‏ ‏من‏ ‏سباب‏، ‏ ‏وكأن‏ ‏إعادة‏ ‏حكى ‏جمال‏ ‏الهدف‏ ‏المنطلق‏ ‏كالسهم‏ ‏إلى ‏المرمى ‏قد‏ ‏غاص‏ ‏فى ‏قلب‏ ‏العربجى ‏بالسرعة‏ ‏البطيئة‏ ‏من جديد حتى ثار كما ثار‏.‏

تفرع الحديث إلى فضل الإيقاع البطئ الذى كان يمثله سوارس والحنطور، وإلى درجة أقل الترام، وكيف كان ذلك يسمح ‏للركاب‏ ‏أن‏ ‏يعرفوا‏ ‏بعضهم‏ ‏البعض، ‏كانت‏ ‏وسائل‏ ‏المواصلات‏ ‏تمثل‏ ‏مجتمعا‏ ‏بشريا‏ ‏أليفا‏ ‏متحركا‏ (‏أذكر أننى ذكرت فى يومية سابقة كيف كنا نسترق السمع فى مترو مصر الجديدة لجلسة ‏ ‏فتحى ‏رضوان‏ ‏وزكى ‏مبارك‏ ‏فى ‏الدرجة الأولى) ‏وتساءلت‏ ‏عن‏ ‏أطفالنا وشبابنا الآن‏ (‏أحفادى مثلا‏) ‏الذين‏ ‏لم‏ ‏يركبوا‏ ‏أتوبيسا‏ ‏طول‏ ‏حياتهم، ‏كيف وأين ومتى يتعرفون على ناسهم الحقيقيين بشكل مباشر؟

ثم انتقل‏ ‏الحديث‏ ‏من‏ ‏الحنطور‏ ‏وسوارس‏ ‏إلى ‏تطور‏ ‏الأتوبيس‏ ‏فذكرت‏ ‏السانت‏ ‏كروفت، ‏وكيف‏ ‏أنه‏ ‏كان‏ ‏صاخبا‏ ‏بطيئا‏ ‏ذا‏ ‏شخصية‏ ‏تلم‏ ‏محتواها‏ ‏من البشر بحنان‏ ‏شائك فى ‏حوار‏ ‏صامت، ‏وقال‏ ‏الأستاذ‏ ‏أنه‏ ‏قبل‏ ‏السانت‏ ‏كرفت‏ ‏كان‏ ‏هناك‏ ‏أتوبيسات‏ ‏”الحسين”، ‏ثم‏ ‏أردف‏ ‏أن‏ ‏السانت‏ ‏كرفت‏ ‏حين‏ ‏دخل‏ ‏الحسينية‏ ‏رفضه‏ ‏أهلها لأنه‏ ‏بدا‏ ‏لهم‏ ‏أنه‏ ‏دخل‏ ‏يقتحم‏ ‏عرين‏ ‏الفتوة، ‏فهو‏ ‏لم‏ ‏يستأذن‏ ‏الفتوة، ‏فكان‏ ‏فتوة‏ ‏الحى ‏يطلق‏ ‏على ‏عربات‏ ‏السانتكرفت‏ ‏صبية‏ ‏الحى ‏يقذفون‏ ‏العربات‏ ‏بالحجارة، ‏فاحتال‏ ‏أصحاب‏ ‏الشركة‏ ‏على ‏ذلك‏ ‏بأن‏ ‏أستأجروا‏ ‏مساعدى ‏الفتوات‏ ‏ليعملوا‏ ‏مفتشين‏ ‏فى ‏الأتوبيسات‏ ‏فيحمونها، ‏وكان‏ ‏أحدهم‏ ‏واسمه‏ “‏بيومي‏” ‏كبير‏ ‏الحجم‏ ‏بحيث‏ ‏لم‏ ‏تدخل‏ ‏فى ‏جسده‏ ‏ملابس‏ ‏الشركة‏ ‏الجاهزة‏ ‏لكن‏ ‏الشركة‏ ‏احتالت‏ ‏حتى ‏أتت‏ ‏له‏ ‏بسترة‏ ‏وسروال‏ ‏قميص‏ ‏على ‏مقاسه، ‏لكن‏ ‏كان‏ ‏من‏ ‏المستحيل‏ ‏أن‏ ‏يجدوا‏ ‏له‏ ‏حذاء‏ ‏يدخل‏ ‏فى ‏قدمه‏ ‏فقد‏ ‏كانت‏ ‏قدمه‏ ‏كبيرة‏ أيضا، ‏ ‏وأدعو‏ ‏للأستاذ ‏ ‏بالحفاظ‏ ‏على ‏هذه‏ ‏الذاكرة‏ ‏البانوارمية‏ ‏التفصيلية هكذا‏.‏

أخيرا انتقل‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏قصة‏ ‏الأستاذ‏ ‏القصيرة‏ ‏التى ‏نشرت‏ ‏اليوم‏ ‏فى ‏نصف‏ ‏الدنيا‏ ‏باسم‏ “‏عاشق‏ ‏الظلام‏” ‏ومدحها‏ ‏زكى سالم ‏وأوجزها للباقين. سألت‏ ‏الأستاذ‏ ‏متى ‏كتب‏ ‏هذ‏ ‏المجموعة، ‏وعرفت‏ ‏أن‏ ‏ذلك‏ ‏كان‏ ‏قبل‏ ‏الحادث، ‏ونبهت‏ ‏الحاضرين إلى ‏رأيى أنه من الأمانة تحديد وقت كتابة أى قصة (أو عمل) بغض النظر عن توقيت نشرها، فالسن والظروف الملابسة قد تساعد الناقد على قراءة دلالات يصعب عليه الوصول إليها بدون ذلك.

‏وتكلم‏ ‏الأستاذ‏ ‏عن‏ ‏عجزه الحالى عن متابعة التفاصيل بالنسبة لما ينشر له، فقد كانت‏ ‏للنشر‏ ‏عنده طقوسا‏ ‏من‏ ‏التصحيح‏ ‏والإهداء‏ ‏والمعايشة‏ ‏قبل أن يظهر له أى عمل، وأن هذه الطقوس هو‏ ‏محروم‏ ‏منها‏ ‏الآن جميعا، ‏وبالتالى ‏هو‏ ‏لا‏ ‏يرى أن فى استطاعته الآن أن يختار التوقيت أو أن ينبه على التفاصيل مثل أن يذكر تاريخ الكتابة أو ما شابه، وقد‏ ‏احترمت‏ ‏منه‏ ‏هذا‏ ‏احتراما‏ ‏بالغا، وأعلنت خشيتى أن تكون هذه الصعوبات هى التى ‏حبست أصداء السيرة الذاتية بعيدا عن متناول الناس “مجتمعة” حتى الآن ؟ سألته عن ذلك مباشرة، فهز ‏رأسه‏ ‏بما‏ ‏يعنى ‏أنه‏ “‏ربنا‏ ‏يسهل‏” ‏وتيقنت‏ – ‏آملا‏ ‏داعيا‏ – ‏أنه‏ ‏سيسهل، ‏لكننى ‏أردفت‏: ‏كيف‏ ‏ينشر‏ ‏عمل‏ ‏للأستاذ‏ ‏باللغة‏ ‏الانجليزية‏ ‏قبل‏ ‏نشره‏ ‏بالعربية، ‏حيث‏ ‏كنت‏ ‏سمعت‏ ‏أنه‏ ‏تعاقد‏ ‏مع‏ ‏الجامعة‏ ‏الأمريكية‏ ‏على ‏ذلك، ‏فأوضح‏ ‏لى ‏أن‏ ‏التعاقد‏ ‏هو‏ ‏على ‏الترجمة‏ ‏وليس‏ ‏على ‏النشر، ‏وأن‏ ‏المترجم‏ (‏فلان‏- نسيت اسمه!) ‏له‏ ‏علاقة‏ ‏قديمة‏ ‏به‏ (‏وهو‏ ‏فى ‏مثل‏ ‏سنه‏ ‏تقريبا‏) ‏وأنه‏ ‏بعد‏ ‏الإنتهاء‏ ‏من‏ ‏ترجمته‏ ‏سوف‏ ‏يبحث‏ ‏عن‏ ‏ناشر، ‏قد‏ ‏تتغير‏ ‏الأمور‏ ‏لتكون‏ ‏النسخة‏ ‏العربية‏ ‏قد‏ ‏ظهرت‏ ‏كما‏ ‏أريد، ‏وذكر‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏المترجم‏ (‏فلان‏) ‏هو‏ ‏أول‏ ‏من‏ ‏عرض‏ ‏عليه‏ ‏أن‏ ‏يترجم‏ ‏زقاق‏ ‏المدق‏ ‏سنة‏ 1949، ‏وأنه‏ ‏فرح‏ ‏فرحا‏ ‏شديدا‏ ‏بالمبدأ، ‏لكن‏ ‏المسألة‏ ‏لم‏ ‏تكن‏ ‏بهذه‏ ‏السهولة، ‏فقد‏ ‏طلب‏ ‏مقابلا‏ ‏ماديا‏ ‏لهذه‏ ‏الترجمة‏ ‏التى ‏لا‏ ‏يمـولها‏ ‏ناشر‏ ‏ابتداء، ‏وكانت‏ ‏الحال‏ – ‏طبعا‏ – ‏لا‏ ‏تسمح أن يساهم الأستاذ فى التمويل، ‏فاعتذر‏ ‏أو‏ ‏فى ‏الحقيقة‏ ‏عجز‏ ‏عن‏ ‏الاستجابة‏ ‏للطلب، ‏وأضاف‏ ‏الأستاذ‏ “‏لقد‏ ‏وجدت‏ ‏أن‏ ‏تأليف‏ ‏رواية‏ ‏أخرى ‏مثل‏ ‏زقاق‏ ‏المدق‏ ‏أخف‏ ‏من‏ ‏الوفاء‏ ‏بمطلبه‏” ‏ثم‏ ‏أردف‏ ‏أن‏ ‏ثمة‏ ‏شبهة‏ ‏كانت‏ ‏تحوم‏ ‏حول‏ ‏هذا‏ ‏المترجم‏ “‏مستر‏ ‏فلان‏” ‏وأنه‏ ‏من‏ ‏عملاء‏ ‏السفارة‏ ‏الانجليزية، ‏لكن‏ ‏تلك‏ ‏كانت‏ ‏التهمة‏ ‏الشائعة‏ ‏حول‏ ‏كل‏ ‏أجنبي، ‏وليست‏ ‏بالضرورة‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏صحيحة، ‏ ‏فكل‏ ‏أجنبى ‏يجد‏ ‏فى ‏نفسه‏ ‏ميلا‏ ‏واجبا‏، ‏بحكم وطنيته العادية، أن‏ ‏يبلغ‏ ‏سفارته‏ ‏ما‏ ‏يرى، ‏سواء‏ ‏كان‏ ‏ملاحظة ‏ ‏أم‏ ‏خبرا‏ ‏أم‏ ‏معلومة‏ ‏عادية‏،‏ وهذا‏ ‏يعتبر‏ – ‏بشكل‏ ‏ما‏ – ‏نوع‏ ‏من‏ الولاء لوطنه دون أن يكون جاسوسية كما اعتدنا أن نصفه.

ولما‏ ‏جاء‏ ‏ذكر‏ ‏الترجمة‏ ‏ذكرت‏ ‏للأستاذ‏ ‏قراءتى ‏حديثا‏ ‏لرواية‏ “‏هموم‏ ‏شخصية‏” ‏للكاتب‏ ‏اليابانى ‏دى ‏كنزابورو‏ ‏الذى ‏فاز‏ ‏بجائزة‏ ‏نوبل‏ ‏هذا‏ ‏العام، ‏وأنه‏ ‏بالرغم‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏الترجمة‏ ‏تبدو‏ ‏متوسطة‏ ‏أحسن‏ ‏قليلا‏ (‏صبرى ‏الفضل‏) ‏وفى ‏الأغلب‏ ‏هى ‏من‏ ‏الانجليزية، ‏فقد‏ ‏نقلت‏ ‏لى ‏انطباعا‏ ‏عن‏ ‏الأدب‏ ‏اليابانى ‏ذكـرنى ‏بالرواية‏ ‏اليابانية الوحيدة‏ ‏التى ‏قرأتها‏ ‏ باكرا، ‏لمؤلف‏ ‏أظن‏ ‏أن‏ ‏اسمه‏ ‏يورى ‏يوسيما‏ ‏واسمها‏ “‏اعترافات‏ ‏قناع‏”، ‏وذكرت‏ ‏للأستاذ‏ ‏أنه‏ ‏بالرغم‏ ‏من‏ ‏بعد المسافة بين قراءتى للروايتين،‏ ‏فإنه‏ ‏قد‏ ‏بلغنى ‏عمق‏ ‏معين‏ ‏مشترك بينهما، وخاصة‏ ‏فى ‏منطقة‏ ‏وصف‏ ‏المشاعر‏ ‏الجسدية‏ (‏وليس‏ ‏بالضرورة‏ ‏الجنسية‏)، ‏وكأن‏ ‏هذا‏ ‏الكاتب‏ (‏وزميله‏ ‏على ‏ما‏ ‏أذكر‏) ‏يصاحب‏ ‏الدم‏ ‏واللحم، ‏ويستطيع‏ ‏أن‏ ‏يجعلهما‏ ‏يظهران‏ ‏فى ‏عمله‏ ‏بما‏ ‏لهما‏ ‏من‏ ‏نبض‏ ‏وصفى ‏خاص‏ ‏ومخترق‏ ‏ومتنوع، ‏وعرجت‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏الموضوع‏ ‏على ‏ضعف‏ ‏التفرقة‏ – ‏عند‏ ‏عامتنا‏ – ‏ما‏ ‏بين‏ ‏الجنس‏ ‏الجسد، ‏صحيح‏ ‏أن‏ ‏الجنس‏ ‏هوتعبير‏ ‏رائع‏ ‏من‏ ‏تعبيرات‏ ‏الجسد، ‏إلا‏ ‏أنهما‏ ‏ليسا‏ ‏مترادفان، ‏وأحيانا‏ ‏كثيرة، ‏ما‏ ‏ينفصلان‏ (‏مثلا‏: ‏حين‏ ‏يصبح‏ ‏الجسد‏ ‏مجرد‏ ‏حامل‏ ‏لطاقة‏ ‏جنسية‏ ‏تنطلق‏ ‏من‏ ‏فتحة‏ ‏فى ‏نهايته‏ ‏دون‏ ‏إندماج‏ ‏بكليته‏) – ‏وذكرت‏ ‏أن‏ ‏ما‏ ‏تناوله‏ ‏هذا‏ ‏الكاتب‏ “‏بورو‏” ‏كان‏ ‏من‏ ‏الدقة‏ ‏والعمق‏ ‏بحيث‏ ‏غطى ‏مساحة‏ ‏رائعة‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏المنطقة، ‏مع‏ ‏أننى ‏كنت ‏بدأت‏ ‏قراءة‏ ‏الرواية‏ ‏حذرا‏ ‏حاسبا‏ ‏أنها‏ – ‏كما‏ ‏أشار‏ ‏يوسف القعيد ‏- ‏وصف‏ ‏مشاعر‏ ‏أب‏ ‏يعايش‏ ‏طفلا‏ ‏معوقا‏ ‏عقليا، ‏لكننى ‏وجدتها‏ (‏ومضيت‏ ‏أوجزها‏ ‏حسب‏ ‏طلب‏ ‏الأستاذ‏) ‏تجرى ‏خلال‏ ‏يوم‏ ‏واحد‏ ‏تقريبا‏ ‏مع‏ ‏هامش‏ ‏من‏ ‏بضعة‏ ‏أيام‏ ‏محيطة، ‏وأنها‏ ‏تصف‏ ‏مفاجأة‏ ‏والد‏ ‏سكير‏ (‏أو‏ ‏كان‏ ‏سكيرا‏) ‏وهو‏ ‏يتلقى ‏نبأ‏ ‏ميلاد‏ ‏طفل‏ ‏مشوه‏ ‏عاجز، ‏عنده‏ ‏فتق‏ ‏فى ‏المخ، ‏وأن‏ ‏المأساة‏ ‏كانت‏ ‏فى ‏قرار‏ ‏الوالد‏ ‏بترك‏ ‏طفله‏ ‏يموت، ‏وأثناء‏ ‏انتظار‏ ‏هذا‏ ‏الفرج‏ ‏يذهب‏ ‏إلى ‏صديقة ‏قديمة‏ ‏ويقضى ‏معها‏ ‏أوقاتا‏ ‏جنسية‏ ‏تتراوح‏ ‏بين‏ ‏العجز‏ ‏والشذوذ‏ ‏والصحوة‏ ‏واللذة، ‏والهرب، ‏ثم‏ ‏يرفض‏ ‏إجراء‏ ‏عملية‏ ‏لإبنه‏ ‏ربما‏ ‏تنقذه‏ ‏أو‏ ‏على ‏الأقل‏ ‏تعطيه‏ ‏فرصة‏ ‏كافية، ‏ويأخذ‏ ‏الطفل‏ ‏هو‏ ‏وصاحبته‏ ‏ليسلماه‏ ‏إلى ‏طبيب‏ ‏تخصصى ‏فى ‏الإجهاض‏ ‏وقتل‏ ‏الأطفال‏ ‏بوسائل‏ ‏طبية‏ ‏لا‏ ‏يمكن‏ ‏اكتشافها، ‏ولكنه‏ ‏فى ‏آخر‏ ‏لحظة‏ ‏يعدل‏ ‏عن‏ ‏قراره، ‏ويتحمل‏ ‏مسئولية‏ ‏أبوته‏ ‏وحياته‏ ‏واستمراره،

 ‏وأقول‏ ‏للأستاذ‏ ‏إننى ‏رفضت‏ ‏نهاية‏ ‏القصة‏ ‏حين‏ ‏استعار‏ ‏الأب‏ ‏كلمة‏ ‏كان‏ ‏قد‏ ‏سمعها‏ (‏أو‏ ‏لاحظها‏) ‏أثناء‏ ‏زيارته‏ ‏لمنشق‏ ‏سوفيتى ‏وهى “‏الأمل‏”، ‏فأضاف‏ ‏عليها‏ ‏كلمة‏ “‏الصبر‏” ‏فشعرت‏ ‏أنها‏ ‏نهاية‏ ‏مثل‏ ‏نهايات‏ ‏السينما‏ ‏المصرية‏ ‏قديما، ‏ولم‏ ‏يكن‏ ‏ينقصنى ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏يلوح‏ ‏لى ‏البطل‏ ‏بيده‏ ‏قائلا‏ “‏مع‏ ‏السلامة‏” ‏بعد‏ ‏ظهور‏ ‏لفظ‏ “‏النهاية‏”.‏

وضحك‏ ‏الأستاذ‏ ‏على ‏هذا‏ ‏التشبيه الساخر‏، واستطردت ‏ ‏إلى ‏الموضوع‏ ‏الأصلى ‏الذى ‏ذكرت‏ ‏الرواية‏ ‏من‏ ‏أجله‏ ‏وهو‏ ‏حرمان‏ ‏الروائى‏ (‏المبدع)‏ ‏المصرى ‏من‏ ‏أن‏ ‏يغوص‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏المناطق‏ ‏الإنسانية‏ ‏الجسدية‏ ‏والجنسية‏ ‏مثلا‏، ‏مع‏ ‏السماح‏ ‏للمترجم‏ ‏أن‏ ‏ينقلها‏ ‏بحروفها، ‏فقد‏ ‏جاء‏ ‏فى ‏الرواية‏ ‏وصف‏ ‏لأعضاء‏ ‏الجنس‏ ‏فى ‏حالة‏ ‏العجز‏ ‏والقدرة، ‏وكذلك‏ ‏جاء‏ ‏فيها‏ ‏وصف‏ ‏دقيق‏ ‏لبعض‏ ‏الممارسات‏ ‏الشاذة‏ ‏والطبيعية، ‏فلو‏ ‏أن‏ ‏كاتبا‏ ‏مصريا‏ ‏أو‏ ‏عربيا‏ ‏كتب‏ ‏مثل‏ ‏ذلك‏ ‏إذن‏ ‏لقامت‏ ‏الدنيا‏ ‏ولم تقعد، ‏ ‏وربما‏ ‏كفروه، ‏وقال‏ ‏الأستاذ‏ ‏هذا‏ ‏صحيح، ‏وهو‏ ‏ظلم، ‏ووافقنى على أن هذا التحفظ‏ ‏يسرى ‏ ‏فعلا‏ ‏على الترجمة أكثر من التأليف، فما يسمح ‏ ‏به‏ ‏فى ‏الترجمة‏ ‏قد‏ ‏لا‏ ‏يسمح‏ ‏به‏ ‏فى ‏التأليف، ‏وأضاف الأستاذ‏ أنه يظن‏ ‏أنه‏ ‏لو‏ ‏كان‏ ‏المترجم‏ ‏مشهورا، ‏فربما‏ ‏حاسبوه‏ ‏بنفس‏ ‏القسوة‏ ‏والشجب‏ ‏والرفض.

 ‏انتقل‏ ‏الأستاذ‏ ‏‏إلى ‏الموضوع‏ ‏الأصلى ‏واستوضحنى ‏رأيى الذى كنت قد اشرت إليه مرات سابقة عن دور الجنس والجسد فى الإبداع، ‏فقلت‏ ‏له‏ ‏ما‏ ‏سبق‏ ‏أن‏ ‏أشرت‏ ‏إليه‏ ‏من‏ ‏أننى ‏أعتبر‏ ‏الجسد‏ ‏عضوا‏ ‏مفكرا‏ ‏مبدعا، ‏وأننى ‏كنت‏ ‏على ‏وشك‏ ‏أن‏ ‏أكتب‏ ‏لأوضح‏ ‏هذه‏ ‏الفكرة‏ ‏حين‏ ‏أثيرت‏ ‏قضية‏ ‏الختان‏ ‏أثناء‏ ‏مؤتمر‏ ‏السكان‏ ‏وتصوير‏ ‏حالة‏ ‏ختان‏ لفتاة مصرية ‏فى ‏محطة‏CNN ‏الأمريكية، ‏كنت‏ ‏سأكتب‏ ‏لأوضح‏ ‏أن‏ ‏الختان‏ ‏ليست‏ ‏قضية‏ ‏جنسية، ‏وأن‏ ‏هذا‏ ‏العضو‏ ‏الأنثوى (‏البظر‏) ‏ليس‏ ‏مركز‏ ‏الشهوة‏ ‏ طول العمر عند المرأة كما‏ ‏يشاع، ‏وأن‏ ‏المرأة‏ ‏حين‏ ‏تنضج‏ ‏جنسيا‏ ‏تنتقل‏ ‏الأماكن‏ ‏الشبقية‏ ‏أولا‏ ‏من‏ ‏البظر‏ ‏إلى ‏المهبل‏ ‏ثم‏ ‏يصبح‏ ‏جسدها‏ ‏كله‏ ‏عضوا‏ ‏شبقيا‏ (‏حتى ‏يعتبره‏ ‏فكر‏ ‏فرويد‏ ‏فى ‏التحليل‏ ‏النفسى ‏بمثابة‏ ‏قضيب‏ ‏كامل، ‏الجسد‏ ‏كله‏ ‏يصبح‏ ‏قضيبا‏‏) – ‏ومضيت‏ ‏أشرح‏ ‏أن‏ ‏الختان‏ ‏هو‏ ‏امتهان‏ ‏للجسد‏ كله وبالتالى فهو امتهان للوجود، ‏وليس‏ ‏تخلصا‏ ‏من‏ ‏قطعة أكثر حساسية بالجنس‏ ‏خوفا‏ ‏من‏ ‏الانحراف، ‏ أرجعنى الأستاذ إلى استيضاح كيف يكون الجسد عضوا مفكرا لدرجة أن يشارك ‏فى ‏العمليات‏ ‏الإبداعية‏، لم أستطع أن أشرح أكثر، وعدت للإشارة المحدودة من أن الإبداع الأعمق فالأعمق يكون مصحوبا أحيانا‏ ‏بانتقاضات‏ ‏ورعشات‏ ‏وامتلاء‏ ‏ونبض‏ ‏وحضور‏ ‏وثقل فى أنحاء متفرقة من الجسد، وكأنه مخاض حقيقى، وأن كل‏ ‏هذا‏ ‏موصوف‏ ‏ليس‏ ‏فقط‏ ‏عند‏ ‏المبدعين‏ ‏الأدباء‏ ‏وإنما‏ ‏عند‏ ‏المبدعين‏ ‏العلماء‏ ‏مثل‏ ‏أينشناين‏ (‏وربما‏ ‏أرشميدس‏ ‏أثناء‏ ‏استحمامه واكتشافه قاعدة الطفو‏) – ‏سألنى الأستاذ أن أوضح ذلك بخبرة شخصية إن وجدت، فقلت له أننى أذكر أن ‏ ‏كثيرا‏ ‏من‏ ‏التنظيمات‏ ‏والتشكيلات‏ ‏التى ‏جاءتنى ‏ ‏أثناء‏ ‏كتابة‏ ‏نظريتى ‏الأساسية‏ ‏فى ‏الإبداع‏ ‏فى ‏الدراسة‏ ‏المسماة‏ “‏الإيقاع‏ ‏الحيوي‏ ونبض الإبداع” ‏كانت ‏ ‏أثناء‏ ‏عدوى ‏الصباحى ‏وحدى ‏وأنا‏ ‏أتصبب‏ ‏عرقا، ‏وهذا‏ ‏لا‏ ‏يعنى ‏أننى ‏كنت‏ ‏أفكر‏ ‏فى ‏شىء‏ ‏بذاته‏ ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏يعنى ‏أن‏ ‏تحريك‏ ‏الجسد‏ (‏وأنا‏ ‏فى ‏حالة‏ ‏هذا‏ ‏الحمل‏ ‏قرب‏ ‏المخاض‏) ‏فى ‏مواجهة‏ ‏الهواء‏ ‏المنعش‏ ‏والشمس‏ ‏البازغة‏ ‏والعرق‏ ‏المتصبب‏ ‏والدورة‏ ‏الدموية‏ ‏المنتفضة، ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏كان‏ ‏ينتج‏ ‏عنه‏ ‏ما‏ ‏يرتبنى ‏من‏ ‏جديد‏ ‏وبالتالى “‏يحضر‏ “‏بعد‏ ‏عودتى ‏من‏ ‏العدو‏ ‏فى ‏صورة‏ ‏فكرية‏ ‏مصقولة‏ ‏تظهر‏ ‏فى ‏عملى ‏كما‏ ‏حدث‏” ‏آنذاك‏ – ‏ثم ‏ ‏أضفت‏ ‏أن‏ ‏فكرة‏ ‏الطبع (البصم : Imprinting) ‏ ‏التى ‏تحدثت‏ ‏عنها‏ ‏سالفا، ‏لا‏ ‏يمكن‏ ‏قبولها‏ ‏إلا‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏تصور‏ ‏لاماركى (‏نسبة‏ ‏إلى ‏لامارك‏) الذى تدعم مؤخرا بإنجازات الهندسة الوراثية الأحدث، ‏فهى ‏فكرة‏ ‏ندعم احتمال‏ ‏ترتيب‏ ‏الــ‏DNA ‏فى ‏الخلية‏ ‏المخية‏ ‏يمصاحبه‏ ‏ترتيب‏ ‏مقابل‏ ‏فى ‏كل‏ ‏خلايا‏ ‏الجسد‏ ‏بما‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏الخلايا‏ ‏التناسلية‏ ‏التى ‏تنتقل‏ ‏من‏ ‏جيل‏ ‏إلى ‏جيل‏ ‏حاملة‏ ‏الخبرات‏ ‏المنطبعة‏ (‏وليس‏ ‏مجرد‏ ‏الخبرات‏ ‏المتعلمة‏) ‏وتابعنى ‏الأستاذ‏ ‏صامتا، ‏ولكننى ‏لم‏ ‏أشعر‏ ‏منه‏ ‏بموافقة‏ ‏أو‏ ‏رفض‏ ‏كما‏ ‏اعتدت‏ ‏منذ‏ ‏حين، ‏فخجلت ربما لأننى نسيت نفسى وكأننى ألقى محاضرة، فتراجعت لأضرب مثلا أبسط، فأضفت‏ ‏أننى ‏حين‏ ‏عرفت‏ ‏عادة‏ ‏الأستاذ‏ ‏فى ‏المشى ‏ذهابا‏ ‏إلى ‏عمله‏ ‏كل‏ ‏صباح، ‏قدرت‏ ‏أو‏ ‏افترضت‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏السير‏ ‏كان‏ ‏جزءا‏ ‏لا‏ ‏يتجزأ‏ ‏من‏ ‏طقوس‏ ‏إبداعه، ‏ليس‏ ‏فقط‏ ‏لتنشيط‏ ‏الجسد‏ ‏أو‏ ‏الترويح‏ ‏بعد‏ ‏طول‏ ‏الجلوس‏ ‏إلى ‏الورقة‏ ‏والقلم، ‏ولكننى ‏اعتبرتها‏ ‏عملية‏ ‏أساسية‏ ‏فى ‏الإسهام‏ ‏الإبداعي، ‏وهنا‏ ‏تصورت‏ ‏أن‏ ‏الأستاذ‏ ‏قد‏ ‏أقرنى ‏قائلا‏: “‏يجوز‏”، ‏لكنها‏ ‏كانت‏ “‏يجوز‏” ‏أكبر‏ ‏وأوضح‏ ‏من‏ “‏يجوز‏” ‏المجاملة‏ ‏أو‏ “‏يجوز‏” ال‏تعليق‏ ‏على حلمه السابق، وتأكدت أننى عجزت توصيل فكرتى، ولم يتح الوقت أكثر من ذلك‏.‏

وأستأذنت‏ ‏لأذهب للعيادة على ‏عيني‏.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *