الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / الحلقة السادسة والثلاثون الأحد‏: 19/2/1995

الحلقة السادسة والثلاثون الأحد‏: 19/2/1995

نشرة “الإنسان والتطور”

12-8-2010

السنة الثالثة

العدد:1077

Photo_Mafouz

الحلقة السادسة والثلاثون

الأحد‏: 19/2/1995

‏أضع‏ ‏يدى ‏على ‏قلبى ‏كلما‏ ‏اقترحت‏ ‏مكانا‏ ‏تصورت‏ ‏أنه‏ ‏سيريح‏ ‏الأستاذ، لم نستقر بعد بشكل نهائى على تحديد أى الأماكن أفضل فعلا للقاءاتنا المنتظمة، ما زلنا فى مرحلة الاختبار أملا فى حسن الاختيار فالاستقرار، اليوم نجرب فندق ‏الماريوت، ‏ ‏الخديوى ‏اسماعيل، ‏الإمبراطورة‏ ‏أوجيني، ‏لطف‏ ‏الله‏ ‏باشا، ‏جمال‏ ‏عبد‏ ‏الناصر، ‏تتلاحق‏ ‏الصور‏ ‏مع‏ ‏تلاحق‏ ‏دقات‏ ‏قلبى ‏حرصا‏ ‏على ‏راحة‏ ‏الأستاذ‏ ‏وأملا‏ ‏فى ‏قبوله‏ ‏للمكان‏ ‏الجديد ، ‏يستقبلنا‏ ‏الناس‏ ‏الطيبون الذين هاتفتهم أمس وعرفنى رقمهم ابن أخى السالف الذكر، ‏كل‏ ‏الناس‏ ‏طيبون‏ ‏إذا‏ ‏ما‏ ‏ذكر‏ ‏الأستاذ، ‏ناجى ‏عبد‏ ‏المسيح، ‏إسم‏ ‏المدير‏ ‏المسئول‏ ‏الذى ‏كان فى استقبالنا خصيصا، ‏أحسست‏ ‏أنه‏ ‏ليس‏ ‏ناجى ‏ولا‏ ‏عبد‏ ‏المسيح‏، وليس “أى بيه” مديرا مسئولا، وصلنى كأنه أحد أصدقاء والدى السريين ممن يعملون عنده ويصادقهم من ورائنا غالبا،   ‏ربما‏ ‏يكون‏ ‏عم‏ ‏محمد‏ ‏السعداوى ‏خفير‏ ‏حظيرتنا ليلا، أو لعله \‏ ‏محمود‏ ‏أبو‏ ‏عبد‏ ‏الفتاح‏ (‏هو‏ ‏الذى ‏علمنى ‏لعب‏ ‏الورق‏ ‏على ‏طبلية‏ ‏ولمبة‏ ‏جاز‏ ‏فوق‏ ‏كوم‏ ‏التبن‏  ‏وسط‏ ‏الجرن، ‏والنورج‏ ‏واقف‏ ‏على ‏الرامية‏ ‏ينتظر‏ ‏البقرة تجره ‏فى دائرة مغلقة تشبه مفاوضات السلام الجارية، كل هذه الطيبة، كل هذه الطيبة المصرية وصلتنى من ناجى عبد المسيح وهو يستقبلنا مع الأستاذ، فتحضرنى – لست أدرى لماذا– صورة النورج ‏الذى ‏تجره‏ ‏بقرتين ‏ ‏دون‏ ‏عرق‏ ‏الخشب‏ “‏الناف‏” ‏الذى يربط البقرة الواحدة إلى ‏المركز‏ ‏وأنا‏ ‏أتحدى محمود أبو عبد الفتاح أننى أستطيع أن أقود البقرتين وحدى، ولا يخرج النورج عن المدار، ما زال هذا التحدى يصبغ معظم أسلوب حياتى وأنا أرتب أغلب أمورى وأمور من يثق فى حكمى وحدى، لعل هذا هو موقفى وأنا أنتقل من فندق لفندق دون معلومات كافية، نجرب ونرى ونجرب حتى نستقر، أتساءل: ‏ ‏كيف‏ ‏تتواتر‏ ‏هذه‏ ‏الذكريات‏ ‏بالذات‏ ‏وأنا‏ ‏مع‏ ‏الأستاذ‏ ‏مع‏ ‏أنه‏ ‏ليس‏ ‏فلاحا‏ ‏أبدا، ‏ولا‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏فلاحا، ‏كنت أتصور صغير أن أى مصرى لا بد أن يكون فلاحا تماما، ثم حين مارست مهنتى وتعرفت على معنى “صعيدى” قلت فى نفسى، وصعيدى أيضا حتى لو لم يزر الصعيد مرة واحدة، فأين يقع الأستاذ فى شطحاتى التعميمية الباكرة هذه؟ الأستاذ ليس فلاحا، وليس صعيديا وليس مصريا، الاستاذ هو مصر نفسها،

رحت أحكى للأستاذ عن معنى “الطيبة القوية” التى أتصور أنها تميز من هو مصرى، قلت له إنها وصلتنى من أشخاص  مختلفين وأنا بعد صبيا، جعلتنى أربط بين من هو مصرى، بمن هو طيب فاهم حاضر بشكل أو بآخر، لم أوصل الرسالة جيدا كالعادة، سألنى الأستاذ: مثل من ؟ رحت أحكى له عن ‏عزوز‏ ‏افندى مدرس العربى فى الثقافة العامة (قبل التوجيهية بسنة)، ‏وهو‏ ‏يفرح‏ ‏بى ‏وأنا‏ ‏أقول‏ ‏له‏ ‏إن‏ “‏العِثيَر” (‏كلمة‏ ‏وردت‏ ‏فى ‏شعر‏ ‏أبى ‏فراس‏ ‏الحمدانى ‏أو‏ ‏المتنبى ‏لست‏ ‏أذكر‏) ‏هو‏ “‏الغبار‏” ‏ولا‏ ‏تفتح‏ ‏فيه‏ ‏العين‏ ‏فلا‏ ‏نقول‏ ‏العَـثير، بما فى ذلك من تورية حيث أننا – أيضا- لا ‏نستطيع‏ ‏أن‏ ‏نفتح‏ ‏أعيننا‏ ‏فى ‏الغبار، ‏فيفرح‏ ‏عزوز‏ ‏أفندى ‏بحذقى وبحثى فى المعاجم وأنا فى هذه السن (15 سنة)، ولا أقول له إن أبى هو الذى غششنى ذلك، لكنه يعرف أن أبى مدرس لغة عربية، ويفوتها لى وهو يربت على كتفى وكنت أجلس فى الصف الأول، أحكى للأستاذ أيضا عن  ‏عبد‏ ‏المعز‏ ‏أفندى ‏فى ‏سنة‏ ‏خامسة ‏ ‏ثانوى  حين بدأ حصة العربى ذات صباح (قرب قيام الثورة) بأن راح ‏يعدد‏ ‏لنا‏ ‏الأخطاء النحوية التى وردت فى خطبة‏ ‏العرش لحسين‏ ‏سرى ‏باشا‏ ‏ولم يكن بذلك يشجب رئيس الوزراء بقدر ما كان ينبهنا كيف أننا لابد أن نتعلم قيمة الإتقان ونحن بعد فى هذا العمر، وإلا فهذه هى النتيجة حتى لو أصبح أحدنا رئيسا للوزراء !!، أقول للأستاذ ذلك وانا أؤكد له أن ما كان يصلنا من عبد المعز افندى هو أن ذلك محتمل، أن يصبح أحدنا رئيسا للوزراء، فيعقب الأستاذ أن ذلك لو حدث الآن، لاتهم عبد المعز افندى بالتحريض على قلب نظام الحكم.

كنا قد وصلنا إلى القاعة التى خصصها لنا الأستاذ ناجى عبد المسيح ولم نحتج أن نستعمل  كلمة السر التى لقننى إياها الأستاذ ناجى وهى ‏ ‏بالإنجليزية  ‏Cultural Meeting  ‏وترجمتها “لقاء ثقافى”، ويبدو أنه استعمل هذا المصطلح حتى يخصص لنا ركنا بعيد نسبيا، ، لكن ثبت لنا أنه لا داعى لكل ذلك، فالأستاذ شخصيا هو كلمة السر لكل الأبواب المغلقة.

ذهبنا‏ ‏إلى ‏قاعة‏ ‏ممفيس‏ (‏مع أنهم كانوا ‏ ‏قد‏ ‏قالوا‏ ‏لنا إنها‏ ‏قاعة طيبة‏) ‏فوجئنا أن الصوت يتردد فى القاعة بصدى يمكن أن يكون مزعجا، لكننا اطمأننا إلى أن ضعف السمع عند الأستاذ قد يحميه من هذا الإزعاج، أخذ الأستاذ يقلب نظره المتواضع وهو ينظر إلى السقف، ثم سأل عن الارتفاع فقدرنا أنه يمكن أن يكون ‏ارتفاع‏ ‏ثلاثة‏ ‏أدوار‏ ‏من‏ ‏المبانى ‏الحديثة، ‏وجرى ‏حديث‏ ‏عن‏ ‏تاريخ‏ ‏القصر‏ ‏ ‏والخديوى إسماعيل ‏والامبراطورة‏ ‏أوجيني، ‏وقال‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏إنه‏ ‏كان‏ ‏قصر‏ ‏لطف‏ ‏الله‏ ‏باشا، ‏وكان‏ ‏يسكنه‏ ‏وحده‏ ‏مع‏ ‏اثنين‏ ‏من‏ ‏الخدم، ‏ونبه‏ إلى ‏أن‏ ‏النقوش‏ ‏الحالية‏ ‏ليست‏ ‏هى ‏التى ‏كانت‏ ‏حينذاك، (وتساءلت بينى وبين نفسى كيف هو واثق هكذا)، ‏وأن‏ ‏هذا‏ ‏القصر‏ ‏قد‏ ‏بنى ‏خلال‏ ‏أربعين‏ ‏يوما‏ ‏وذلك‏ ‏منذ‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏قرن لعله فعلا مصنوع من خشب أجوف، ‏وقد‏ ‏تم‏ ‏إعداده‏ ‏لأداء‏ ‏غرض‏ ‏ضيافة‏ ‏محدد، ‏وكنا‏ ‏نشعر‏ ‏بهزة‏ ‏ما‏ ‏كلما‏ ‏تحركت‏ ‏الأرائك‏ ‏أو‏ ‏قام‏ ‏وجلس‏ ‏أحدنا‏ ‏فجأة، ‏معلومات‏ ‏صعبة‏ ‏لا‏ ‏دليل عليها، ‏والأستاذ‏ ‏لا‏ ‏يخفى ‏دهشته، ‏وراح‏ ‏يحكى بعض‏ ‏خبراته‏ ‏فى ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏الأماكن، ‏فذكر‏ ‏موقفه‏ ‏فى ‏قصر‏ ‏عابدين‏ ‏وهو‏ ‏يعمل‏ ‏فى ‏وزارة‏ ‏الإرشاد‏ ‏القومى، ‏وكيف‏ ‏أن‏ ‏الحوائط‏ ‏كانت‏ ‏من‏ ‏الرخام‏ ‏أو‏ ‏ما‏ ‏أشبه، ‏وأنه‏ ‏كان‏ ‏يخشى ‏عليها‏ ‏من‏ ‏التلوث‏ ‏بما‏ ‏لا‏ ‏يليق، ‏ثم‏ ‏ذكر‏ ‏قصر‏ ‏عائشة‏ ‏فهمى ‏الذى ‏شغلته  ‏وزارة‏ ‏الثقافة، ‏ثم‏ ‏إنه جعل يتلفت‏ ‏حوله‏ بين الحين والحين ‏أكثر مما اعتدنا، فوصلنى أنه لم يرتح لهذا المكان الجديد، وقررت بينى وبين نفسى أن تكون هذه أول مرة وآخر مرة، مع الاعتراف بالفضل لمن سمح لنا بهذه الضيافة القصيرة.

يصلنى ارتياح الأستاذ من عدمه دون ألفاظ، فهو أرق من أن يعترض على محاولاتنا، وحين أخبرته قرب انصرافنا أننى قررت أن نكتفى بهذه الزيارة الاستطلاعية، انفرجت أساريره، وعرفت أن ما وصلنى هو الصواب.

يا عمنا، يا عمنا، لماذا لا تفصح بما عندك حتى تعفينا من كل هذه التخمينات التى تصيب أو لا تصيب، تخاف يا عمنا على شعورنا ونحن لا نحرص إلا على راحتك، بدأت أثق فى حدسى حين يجتمع لدى ما يصلنى من الأستاذ، بالهمس الذى يدور حولى، بما أستشعره داخلى، لأحقق لهذا الرجل الجميل ما يرضيه ويؤنسه، دون أن أنسى تكراره المستمر من أن أهم ما يرضيه هو وجودنا حوله فى أى مكان مهما كان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *