الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / شرح على المتن: ديوان أغوار النفس “نيجاتيف” إنسان، وتعرية قاسية صادقة (الحلقة الثانية)

شرح على المتن: ديوان أغوار النفس “نيجاتيف” إنسان، وتعرية قاسية صادقة (الحلقة الثانية)

نشرة “الإنسان والتطور”

13-1-2010

السنة الثالثة

العدد: 866

13-1-2010

مقدمة:

وصلتنى هذه القراءة الأمينة المحركة من الصديق صاحب الفضل ، الإبن أ.د. جمال الترك، وأنا أعرف مدى اهتمامه بما أكتب، وتقديره لما أحاول، واحترامه لما أرى فقررت أن أخصص هذه النشرة اليوم ، التى يعتبر النقاش فيها تكملة لنشرة الأربعاء الماضى.

الحالة (16)

“نيجاتيف” إنسان، وتعرية قاسية صادقة

( الحلقة الثانية)

حوار:

د. جمــــــال التركـــــــى X د. يحيى الرخاوى

المقتطـــــــــفلا أجد فى نفسى رغبة فى الاعتذار، لكننى أجد تفسيرا لعزوف الأصدقاء والقراء، أو عجزهم، عن المتابعة  والمشاركة فى مناقشة  عمل بهذا التنوع والتذبذب طول الوقت

د. جمال التركى:

من يعتذر لمن .. أجزيتَ فأوفيتَ، أنت حجة علينا/على قصورنا/على اغترابنا/… أنت تعرى دفاعاتنا الواهية حتى لا تبقى لنا حجة أمام ذواتنا/ الإنسان/ الحق… علّنا نُلقى السمع ونشهد…

د. يحيى:

أستغفر الله العظيم يا جمال، أكثر الله خيرك يا رجل، قصور ماذا وتقصير ماذا والناس فى حال أنت أدرى بها؟، كل الحكاية أننا تعودنا على التلقى والترديد، أكثر من النقد أو حتى النقض، نقيس حياتنا، وعلمنا ومعرفتنا “كميا” فقط بمقاييس ليست من صنعنا، ولا تنتمى لثقافتنا، إن ما تتفضل به أنت، وكل أبنائى وبناتى الذين يساهمون بسؤال، أو إقرار، أو تصحيح، هم زادى وزوادى لأستمر، برغم أن أغلب المشاركين إنما يشاركون بضغط  تعليمى منى كما تعرف، لكننى آمل بعد مضى المدة،  أن يعتاد بعضهم على  الأخذ والرد، فلا يتوقف بعد رفع الضغط، ولو من باب العادة، ثم خذ عندك هذا المثل الكريم: ضيف جديد، لعله زميل عزيز، اسمه د. أشرف، يكتب لنا من كندا، فى البدء كتب لنا بالإنجليزية منذ أسابيع، وقمنا بالترجمة ترحيبا به، ثم طلبنا منه الكتابة بالعربية، -أو بخط اليد- (صورة)، فأنا أعرف صعوبات من يقيم فى الخارج ويستعمل حاسوبا ليس به إمكانية الكتابة بالعربية، لكنه تفضل مشكورا وحل الإشكال بطريقة ما، وكتب لنا بالعربية الجميلة تعقيبا، وتصحيحا، وإضافة كانت من أجمل وأعمق ما تلقيت،  أليس هذا كافيا يا رجل؟ (أرجو أن تقرأ  حوارنا معه يوم الجمعة الماضى) أكثر الله خيره وخيركم جميعا.

 المقتطـــــــــف ” … الألم الساحق يمحق الوجود البشرى النابض ويقلبه شبحا بلا حضور.

د. جمال التركى:

 الألم الجسدى ( مهما بلغت قسوته) لا يرقى إلى الألم النفسي/ المعنوي/ الروحي… ألم الخواء.. ألم اللامعنى… ألم العبث الوجودي. إنه ألم يسحق الوجود البشرى النابض.. إنه يحوله شبحا فاقد الملامح… وهل من سحق أكثر …

د. يحيى:

أنت تعرف طبعا أننى لا أعنى الألم الجسدى ابتداء، وإن كان من أرقى وأصعب الخبرات، كما أننى لا أرحب بالألم النفسى الساحق، لكننى أعلن دوما أنه بدون ألم حقيقى ومناسب، فلا علاج ولا نمو، حتى أننى حين كتبت مؤخرا عن ما أسموه “شريان الحياة” أعلنت مخاوفى أن نُستدرج إلى الحلول التسكينية كبديل عن المواجهة المؤلمة، بما فى ذلك إعلان الاستسلام، وكنت أود أن أقول: إن حربا يموت فيها أربعين مليون مصريا، ويتألم الباقين لفقدهم، (ناهيك عن من يتفضل من العرب ليستشهد معنا)،  لهى أفضل الف مرة من الانجرار وراء إلهاء متعمد، وتسكين خبيث، تحت مظلة الشفقة الإعلامية، دون تغير النظم الظالمة القاهرة، أنا لم أطلب إغلاق المعابر أو الحدود كما تصور البعض، وإنما نبهت إلى أن شريان الحياة هو الشريان الذى تجرى فيه دماء العدل، وبلازما الحقوق الإنسانية الحقيقية، وليس مجرد المعونات الاحتفالية مهما كانت ثرية وجادة،  الألم الإنسانى الأرقى كدحا إلى وجهه تعالى هو الذى التقطته مؤخرا فى نقدى المقارن بين السيميائى لكويلهو، وبين “رحلة ابن فطومة” لنجيب محفوظ، والذى سوف ينشر قريبا فى دوريته النقدية ، يصفه نجيب محفوظ على لسان قنديل (ابن فطومة) أثناء رحلته وهو يسعى إلى امتداد الذات نحو الحق تعالى، يصفه محفوظ قائلا: “فنضجت الرغبة الأبدية فى الرحلة على لهيب الألم الدائم”، وقد علقت على ذلك فى نقدى بقولى : ” أليس هذا هو “الكدح” إليه تحديدا!!؟،  فى هذه الأطروحة قارنت بين امتداد الذات إلى الوعى الكونى فوجه الله، وهو ما يميز ثقافة المؤمنين عامة، وثقافتنا إن كنا مؤمنين أو فى طريقنا إلى ذلك، وهى الفكرة المحورية فى رواية ابن فطومة، وبين تحقيق الذات التى فلقونا بها حتى تضخمت ذواتنا على حسابنا،  ودمتم (سوف أرسل لك فى بريدك الخاص هذه الأطروحة التى فكرت فى إنزالها بالنشرة، ولكنها عشرون صفحة من الحجم الكبير : حوالى 7000 كلمة).

 المقتطـــــــــف: “إن المطروح الوحيد على أى منا، إذا أفرغوه، أو أفرغ نفسه من ذاته، هو أن يستمر “كأنه هو”، فى حين أنه غير موجود أصلا، وكلما همَّ أن يحقق بعض “ما هو” بمزيد من البحث والرؤية، لحقه ألم المواجهة ساحقا حتى يفسد المحاولة، التى تشلها شدة جرعة الرؤية الصارخة …”

د. جمال التركى:

 أفرغوه/أفرغوهم/أفرغونا/أفرغوا الإنسان … قفوهم إنهم مسؤولون، إنهم  من تعرف من لوبيات “قوى خفية” ولا تعلم/أعلم/نعلم أكثرهم

إذا أفرغ ذاته… وهل يفرغ الإنسان ذاته، إلا إذا بُرمج ( مبنى للمجهول ) عن وعى منه أو دون ذلك ( و ما أكثر البرامج الخفية التى تعمل فينا ولاندركها/ يدركونها هم)  وتم تنضيبها فى عقولنا فعملت فعلها فينا و نحن نعتقد أننا أحرار فى قراراتنا واختياراتنا وتوجهاتنا. إنها قوة البرمجة… أن تنفذ إرادة  واضع البرنامج معتقدا أنها إرادتك وأنك تفعل ما تريد/ يريدون دون أن تعى أو حتى تشك.

د. يحيى:

هذا صحيح، أرجو أن يكون عندك الوقت لتتبع ما أنشره كل اثنين عن ” الحرية”، من وحى ما تعلمته من مرضاى”حكمة المجانين”، وقد وصلت إلى الحلقة الأخيرة (العاشرة) أول أمس. إن منهج “نعم- لا”، هو هو منهج “إما – أو”، وهو يختزل المعرفة إلى معرفة “كمّية” يختزلون بها وجود البشر، إلى ما يريدون، لأننا لا نستعمل فيها إلا أقل ما هو نحن، أعنى ذلك الجزء الذى يسمونه العقل، وهو ليس إلا العقل الظاهر المبرمج بواسطة السلطات الطاغية، الخائبة فى نفس الوقت، برغم أنها منتشرة فى كل مكان، وهل هناك فضيحة أكبر من برمجة العالم جميعه على الاعتقاد بأن ثم مرضا وهميا  جديدا قد ظهر فجأة، وما هو إلا أنفلونزا كل سنة، وهو أقل خطورة وأضعف انتشارا، وأقل وفيات، هو هو الإنفلونزا منذ كانت الإنفلونزا مرضا له حجمه وتاريخه كما تقول الإحصاءات، لكنهم أضافوا عليها هذا العام مضافا إليه كنوع من التدليل فأصبحت  “أنفلونزا الخنازير”، وهات يا إى ون وإتش ون، وهات يا بيع مصل وعقاقير كما تشاء لمن لا يعيد النظر فى أى شىء، كل هذه الموجة من التضليل والتخويف والتهويل والكذب هى شعار هذه المؤسسات على مستوى العالم، ولعلك تابعت يا جمال  كيف كشفت الخدعة رسميا حتى نوقشت أخيرا على مستوى البرلمان الأوربى الذى قرر كما جاء فى صحف اليوم (الأحد) المطالبة بالتحقيق فورا فى أسباب تصنيف هذه الإشاعة وباء عالميا، كما قرر مساءلة شركات نوفارتس، وجلاسكو وغيرها، وأيضا مساءلة مسئولين فى منظمة الصحة العالمية، ومع أننى أرجح أنهم لن ينتهو  إلى إدانة، فالقانون لا يدين العلماء على علم زائف، تدعمه كل هذه القوى، هذا مثل صارخ لما يحدث فى كل شىء من أول 19 سبتمر والبرجين إياهم، وأوهام القاعدة حتى حرب العراق وحوادث الإرهاب المصنوعة منهم أنفسهم فى كل مكان. لا أريد أن انتقل بك إلى السياسة، فلهذا مقام آخر، وكلام آخر، لكننى أوافقك على التحذير من البرمجة، بما فى ذلك البرمجة العلمية، أعنى شبه العلمية.

 المقتطـــــــــف:  “….‏أن الذات الداخلية، إذا بلغت درجة بشعة من التشويه، ‏ ‏من فرط ما لحقها من إنكار، وإلغاء، وإهمال، وإيلام، وسحق، لا يكون هناك حل إلا إخفاءها تماما بميكانزمات شديدة التغطية..

د. جمال التركى:

هذه الميكانيزمات الشديدة التغطية  تعتم “الذات الداخلية” عن الوعي.. فلا يدرك الإنسان ما لحقها من تشوه بشع ويظل ينعم  بالعيش الرغد… إنها العيش القشرة/ العيش السطح ، وأى ألم فظيع يلحق من تجرأ فك هذه الميكانيزمات و الإطلاع عما وراء القشرة.

د. يحيى:

ما زلت مجتهدا يا جمال فى تدريب نفسى، وزملائى على ضبط جرعة الألم التى نسمح بها، أو نسعى إلى تنشيطها عند المريض وعند أنفسنا أثناء رحلة العلاج (والتربية والنمو)، ضبط جرعة الألم أصعب طبعا من ضبط جرعة الدواء، وكلاهما ضرورى، لا يجوز أن نروج لإيجابية الألم إلا إذا أحسنا الحسبة، حتى لا ينقلب الألم سحقا معجزا، وهذا بعض ما جاء فى هذه اليومية، وسوف يأتى كثيرا فى بقية هذا  العمل.

أما عن انشغالى بالذات الداخلية، فسوف تجد تفاصيل البحث عنها ، ثم التفرقة بينها وبين الأسطورة الذاتية ، وأيضا بينها وبين الذات الممتدة إلى الوعى الكونى فوجه الحق تعالى، سوف تجدها أيضا فى أطروحة النقد المقارن السالفة الذكر بين كويلهو ومحفوظ، وهى التى سوف أرسلها لك بصفة شخصية، يوم الأربعاء، يوم نشر هذا الرد بمشيئة الله.

 المقتطـــــــــف: “الذى ‏يخفى ‏صورة‏ ‏النفس‏ ‏المشوهة‏ ‏هى‏ ‏الحيل‏ ‏الدفاعية‏ (‏العمى‏)، ‏وحين‏ ‏تتراجع ‏هذه‏ ‏الحيل أو تضمحل‏ ‏وفى نفس الوقت تشتد‏ ‏البصيرة‏ ‏يعجز‏ ‏الإنسان‏ ‏عن‏ ‏أن‏ ‏يخفى ‏على ‏نفسه‏ ‏هذا‏ ‏الإدراك‏ ‏المؤلم‏، ‏وفى ‏نفس‏ ‏الوقت‏ ‏يعجز‏ ‏أن‏ ‏يعيش‏ ‏مجرد‏ ‏صورة‏ – ‏مثل‏ ‏سائر‏ ‏الناس‏ – ‏وليس‏ ‏كيانا‏ ‏حيا‏ ‏متطورا‏”.‏

د. جمال التركى:

من اشتدت بصيرته فقد أوتى خيرا كثيرا… من استطاع أن يتخلص من جاذبية ميكانزمات مستحكمة فقد أدركت بصيرته رحمة الحق تعالى… سيتألم حتما،  إنها ضريبة الإدراك الخلاق، الإدراك الذى يجعل الإنسان فى تناغم مع الكون والحياة… يجعله كيانا حيا متطورا جديرا بالتفضيل و الكرامة على كثير مما خلق تفضيلا… و إلا فهو كـ……. بل أضل سبيلا.

د. يحيى:

هل تسمح لى أن أذكـّر الجميع بدءا بنفسى وبك، أننا ما دمنا ما زلنا بشرا نسعى، فإننا نحتاج عددا من  الميكانزمات العاملة إيجابيا طول عمرنا، أذكّرنا بذلك لأننى أخشى من التمادى فى التركيز على سلبيات وجود الميكانزمات حتى نتصور إمكانية، أو حتى أفضلية الاستغناء عنها جملةً، حتى ننكرها فى غير أوان الاستغناء عنها، وكأن أحدنا يستطيع أن يعيش بدونها، إن غاية السعى – كما تعلم- هى أن تقل حاجتنا إليها باستمرار، وباضطراد  لا أكثر ولا أقل؟  كثيرا ما اعتبرت هذه الميكانزمات، فى الوقت المناسب، للغرض المناسب رحمة من ربنا، حتى قلت يوما: ” ياربنا يا ربنا، أدِمْ علينا نعمة العمَى”، وحين فـُهم هذا الشطر خطأ من كثيرين، زدت صفة على العمى، ليكون ألا يحرمنا من رحمة  العمى المؤقت، أو  العمى المرحلى، أوالعمى الضرورى، لا أكثر، رحلة النمو يا جمال هى رحلة الاستغناء عن الميكانزمات تدريجيا بكل الألم الذى ذكرتـَه أنت حالا، عبر نبضات النمو المتلاحقة، من خلال كل الإيقاع الحيوى الرائع، “ليل/نهار“، “لباسا/معاشا“، “نوم/يقظة” “حلم/نوم“، “قبض/بسط“،”صلاة/كدح“.. ، إلى آخر ما أدعو الله أن يمكننى أن  أقدمه للناس من واقع ما رأيت، وأن يصل إلى وعى بشرى يقظ، ولو واحد مثلك أو مثل د. أشرف، حتى أصدق فأكمل، ثم يصل إلى أصحابه وقتما يشاء ربنا.

 المقتطـــــــــف: “حين حيل بيننا وبين أن نكون أنفسنا، أن نواصل تحقيق أسطورتنا الذاتية، لم يعد أمامنا إلا الاستسلام بأن نلغى وجودنا لنصبح هذا الحلم الشبح نيجاتيف الصورة”.

د. جمال التركى:

إذا أصبحنا ” نيجاتيف الصورة/ نيجاتيف انسان” … أصبحنا الحلم/ الانسان الشبح/ الإنسان الهيكل/ الإنسان الجسد له خوار… عندها لن نلغى وجودنا فقط ( بالاستسلام) إنما سنلغى الآخر… وآخر يلغى آخر…  فآخر و آخر.. ولا يكون الفرد” فقط هو ” نيجاتيف الصورة” إنما  كل المجتمع “نيجاتيف الصورة”..  كل البشرية “نيجاتيف الصورة” .. عندها ينقرض ما بداخل الإنسان كإنسان فينقرض كإنسان.

د. يحيى:

عندك حق، كل الحق، بعد تهريج 11 سبتمبر المتناهى الخبث، وغباء من اعترف بما لم يقترف، ليتباهى بقدرات يستحيل أن يمتلكها أصلا، وبعد قتل الشيخ يسن دون محاكمة بقرار رسمى من مجلس وزراء دولة معترف بها عضوا فى الأمم المتحدة، وبعد اجتياح غزة، وغير غزة، وكل غزة، وبعد شراء العلماء، وبرمجة الأبحاث لصالح أصحاب الأموال لترويج مصل وعقار، وبعد شراء منظمات عالمية، وبعد…،وبعد…، وبعد…: علينا أن نطلق نفيرا طويلا عاليا فعلا ينبه أن الجنس البشرى أصبح معرضا للانقراض أسرع مما كنا نتصور. لكن عندك!! دعنى أطمئنك، وأطمئن كل من يسعى كدحا: إن تواصل حركية النمو تجعل الكادح محصن بمصل ضد الاغـتراب والتشظى لصالح التواصل مع من مثله ممن يحاول نفس المحاولة، فى أى مكان فى العالم المسكين الممزق هكذا الآن، الأمل يزداد خاصة بعد تمادى ثورة  التواصل الأحدث (وأنت وما تفعله  خير مثال على ذلك)، كل ذلك يفتح باب التفاؤل على مصراعيه آملين أن يتجاوز كل الناس خطر الانقراض لو أحسنوا التواصل وداوموا الكدح،  وقاوموا البرمجة الخبيثة الجارية على  الناحية الأخرى.

 المقتطـــــــــف: “ويتم الانتقال من استقبال الموضوع على أنه موضوع ذاتى إلى موضوع حقيقى ليس فقط على مسار النضج العادى الذى يتواصل أو لا يتواصل، وإنما يبدو أنه هو أيضا آلية رحلة الكدح إلى التناغم مع الوعى المطلق، إلى وجه الحق تعالى، أو لعلهما واحد”.

د. جمال التركى:

الانتقال فى الموضوع” من ” الذاتي” إلى ” الحقيقي” عبر مسيرة النضج… إن لهذه النقلة/الرحلة أدوات ومتطلبات.. فهل المتاح من حولنا من إعلام، فكر، سياسة، فلسفة.. .يدفع برحلة الكدح هذه إلى التناغم مع الوعى المطلق فيثريها ليسمو الإنسان فيما هو انسان أم يعوقها فينتكس لما هو فيه بدائى حيوانى ؟

د. يحيى:

هو انتقال تدريجى إيقاعى حيوى بالضرورة، نحن نبدأ مسيرة الإدراك من إدراكنا للموضوع خارجنا كما نحب أن نراه، وكما نسقط عليه منا ما تيسر حتى لا يعود هو، وهذا هو الموضوع الذاتى، ثم تتدرج المسألة مع اضطراد النمو، حتى نتمكن من أن نراه رويدا رويدا بما هو كما هو، أى نراه موضوعا حقيقيا، وكل هذا يحتاج طبعا إلى أدواته الخاصة جدا، والأساسية جدا، كما تقول، وهى موجودة بفضل الله، اكتسبها الإنسان بعناد رائع عبر تاريخ تطوره، فهو يستحقها، أما ما يجرى الآن حولنا، وهو المتاح لنا منهم (لا منا، ولا من ربنا) ، فهو كما تقول، وألعن، لكن  يذهب الزبد جفاء يا جمال، يذهب الزبد جفاء بلا أدنى شك.

 أنتهز هذه الفرصة لأطمئنك أن مواصلتى كتابة النشرة يوميا أعطتنى أنا شخصيا فرصا كثيرة لإعادة النظر فيما كنت قد توقفت عنده من أفكار وفروض، خذ مثلا كيف أن هذا الجزء من المتن الذى استشهدت فيه بأفلاطون، وكنت قد حذفته، ثم أعدته وأنا أكتب هذا الشرح على المتن، كيف أنه فجأة جعلنى أتصالح  مع أفلاطون جزئيا، ذلك أننى كنت قد استقبلت أفلاطون  كما استقبله الكثيرون باعتباره مثاليا ميتافيزيقيا منظرا، وكلام من هذا، لكننى  حين أعدت النظر من خلال مدخل “الموضوع الذاتى” و”الموضوع الحقيقى” هكذا، عرفت أنه رأى ما نرى الآن بلغة أخرى، ولم يملك إلا أن يعبر عنها بما كان، جزاه الله خيرا من عنده، وغفر لنا وله، أنا لم أحب أفلاطون، ولا أرسطو الذى سجن الفكر الإنسانى فى “منطقه” قرنين من الزمان، أحببت سقراط  طبعا وخاصة من خلال محاكمته، لكن يبدو أننى مثل غيرى لم ننتبه أننا لم نعرف أغلب سقراط إلا عن طريق أفلاطون فى محاوراته، فقد أجرى أفلاطون محاوراته على لسان سقراط احتراما وعرفانا، أو تحايلا واختراقا، لست أدرى، وإنى آمل أن أصالح أرسطوا فربما عرفته عن طريق من عرّفنى به وليس منه مباشرة، باب المعرفة مفتوحه، وإعادة النظر ممكنة دائما، لقد فرحت يا جمال فرحة شديدة وأنا أعيد اكتشاف أفلاطون أثناء كتابتى، فشعرت بفضل النشرة علىّ شخصيا حتى لو لم يحاورنا إلا بضعة نفر، فلا تشغل بالك.

 المقتطـــــــــف: “.. الأرجح أننا ندرك دواخلنا على مسار متدرج أيضا من “الموضوع الداخلى الذاتى، إلى الموضوع الداخلى الحقيقى”، وبالتالى، نحن معرضون لخبرة رؤية حقيقة داخلنا مرحلة فمرحلة، حسب كدح النمو، وتناسب المسئولية، فإذا اختل هذا التناسب يبدأ التخوف والتحذير واحتمال المفاجآت”

د. جمال التركى:

نعم مرحلة فمرحلة، حسب كدح النمو… لكنى أرى أن هذا ” النمو الكادح” يتراجع أكثر فأكثر ليغدو لصالح ” النمو البيولوجي/ النباتي/الغرائزي/الدوافعى ، خاضعا فقط لـ”نوتة الشفرة” المركب فينا… ومع تدنى مستوى النمو الكادح لوجه الحق تعالى رفعة بالإنسان يتقهقر إنسان هذا العصر إنسانيا.. الا نكون مقبلين على زمن شهد/سيشهد  فيه الإنسان من القلق والحبرة والضياع ما لم يعرفه على مدى تاريخه (رغم انفجار معرفى علمى لا يبقى و لا يذر )

د. يحيى:

عندك يا جمال، أنا استعمل “البيولوجى” لاحتواء كل شىء حتى ما يدور حولنا فى الكون، بيو:حياه، لوجى: علم، وهل هناك ما يقع خارج “علم الحياة” لا علم المؤسسات المغلق عليهم، تصور يا جمال أننى من فرط عناد تفاؤلى، أتعامل مع الغرائز باعتبارها برامج متطورة متحورة، لا ساكنة ولا بدائية، هذه البرامج هى أيضا بيولوجية، تكاملية نولد بها بشرا منذ وجدت، إلى أن نتكامل بها ومعها، وعلينا تعهدها وإطلاقها إلى غايتها، وربما تتطور بدورها من واقع الممارسات الأقوى، وقد تعاملت مع غريزة الجنس فى أطروحتى “الغريزة الجنسية من التكاثر إلى التواصل” من هذا المنطلق، ثم هكذا أيضا تعاملت مع الإيمان فى أطروحتى عن الغريزة الإيقاعية التوازنية، من  هنا بدأ تصالحى مع الغرائز التى نسميها نباتية، أو بدائية، لأنها لا تكون كذلك إلا إذا  استقلت وارتدت إلى فجاجتها المنفصلة عن باقى البرامج التطورية (الغرائز) الأحدث فالأحدث، الجنس إذا استقل كان نشاطا بيولوجيا لذيا تكاثريا على أحسن الفروض، لكنه إذا تكامل مع الوعى الأرقى، مع الغريزة التواصلية، وحتى مع العدوان فى حضوره الإبداعى لا التحطيمى أصبح هو ما يسمى “إيروس“، وهو لفظ لم أجد له مقابلا بالعربية حتى الآن ففضلت تعريبه لا ترجمته، نشرة 8-1-2010 “حوار/بريد الجمعة” كذلك توصلت من خلال هذه الفكرة نفسها إلى فرض يتعلق بما أسميته ” الغريزة الإيقاعية التوازنية”، وهى البرنامج الذى يوجهنا بفطرتنا إلى هارمونية التناسق مع الوعى الكونى إلى وجه الحق تعالى، منذ ذلك الحين وأنا لا أتكلم عن الغريزة كغريزة إلا إذا كانت منفصلة، أما إذا اتصلت بمستويات الوجود الإنسانى، فالكون، فى حركية جدلية تطورية، فهى برامج إنسانية راقية ورائعة تحتوى ما قبلها باستمرار وتجَدُّدْ، تصور يا جمال أننى حين تعاملت مع هذا الفرض، قابلت أناسا عاديين ومرضى يخافون من الإيمان فيكبتونه أو يعقلنونه خشية أن يتحرك برنامجه بداخلهم، مثلما يخاف غيرهم  من انطلاقة الجنس فجًّا أو محارميا فيكبتونه، جاءنى أحدهم يتصور أنه ملحد، وكنت قد أبلغتهُ رأيى (أو فرضى) أن الخلايا لا تستطيع أن تلحد ما دمنا  ما زلنا  على قيد الحياة، جاءنى منزعجا أنه حلم أنه يصلى، وأنه بعد أن قرأ التحيات التفت يمينا ويسارا وقال السلام عليكم ورحمة الله، “هل هذا كلام”؟ هكذا قال، كان منزعجا وخائفا أن يكون هذا معناه ردة إلى التخلف، وكذا وكيت، طمأنته إلى أنه مازال ملحدا بفضل عقله، إلى ان يتصالح مع  باقى خلاياه، وباقى عقوله، كان صديقا طيبا، فابتسم وهو يودعنى، وخف رعبه من هذه الغريزة الإنسانية الأرقى.

 الغريزة الإيمانية يا جمال يكبتها المرعوب من انطلاق برنامجها خشية أن يمتد ذاته إلى “مالا يعرف”، (الغيب)، وهو حين ينجح فى كبتها، حتى لو حسب نفسه متدينا لا يتبقى له إلا شكل الدين، أو هو يُعَقلنها فيختزلها فى تفسيرات لفظية مغتربة عن الوعى الحركى الذى يصلنا مثلا من القرآن الكريم مباشرة،  والنتيجة هى ألا يبقى لدينا إلا  صورة دين مغترب يحبسالنص النابض، فى اللفظ القابض، فلا يشحذ جدل الكدح النوابى إلى الغيب، الإبداع اليقين،

أسف للإطالة، (وللحديث بقية)

 ولك شكرى،

 وعليك السلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *