الرئيسية / الأعمال الأدبية / كتب أدبية / كتاب: حركية الوجود وتجليات الإبداع

كتاب: حركية الوجود وتجليات الإبداع

الأهـداء واستهلال

الأهـداء واستهلال

حركية الوجود وتجليات الإبداع

[جدلية الحلم والشعر والجنون]

 يحيى الرخاوى

المجلس الأعلى للثقافة

 2007

الإهـــــداء

إلى فوزية إبراهيم داوود

و

محمد يحيى الرخاوى

استهلال

 نحن‏ ‏قادرون‏ ‏على ‏الإضافة‏ ‏البادئة‏، ‏وليس‏ ‏فقط‏ ‏على ‏التطبيق‏ ‏الملتزم‏ ‏أو‏ ‏التحوير‏ ‏المتردد‏ ‏من‏ ‏منقول‏ ‏ليس‏ ‏مقدسا‏‏، ‏وهذا‏ ‏لا‏ ‏يعنى ‏الدفاع‏ ‏عن‏ ‏صحة‏ ‏أو‏ ‏جدارة‏ ‏ما‏ ‏أقدم‏ ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏يؤكد‏ ‏حق‏ ‏المبادأة‏ ‏بما‏ ‏يحتمل‏ ‏الخطأ‏ ‏والصواب‏.‏

هى محاولة‏ ‏ لعلها ‏ ‏تكون‏ ‏إضافة‏ ‏أصيلة ‏ ‏تساهم‏ ‏فى ‏التخفيف‏ ‏من‏ ‏شعورنا‏ ‏بالنقص‏، ‏والخضوع‏ ‏لقهر‏ ‏التبعية‏،  ‏وهو‏ ‏الشعور‏ ‏الذى ‏يحرمنا‏ ‏أن‏ ‏نقول‏ ‏ما‏ ‏نرى، ‏وما‏ ‏نعرف‏، ‏وما‏ ‏نخبر‏، ‏إلا‏ ‏إذا‏ ‏سبق‏ “‏لأصحاب السبق الحديث‏ ‏فى ‏الشمال‏، ‏والشمال‏ ‏الغربى ‏بالذات‏”، ‏قوله‏ ‏قبلنا‏، ‏أو‏ ‏تفضلوا‏ ‏بالإشارة‏ ‏إليه‏، ‏أو‏ ‏حتى ‏بالسماح‏ ‏لنا‏ ‏بالتفكير‏ ‏فيه‏، ‏علما‏ ‏بأن‏ ‏أغلب ذلك ‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏نصوره‏ ‏لأنفسنا‏ ‏ونفعله‏ ‏بنا‏، ‏وليس‏ ‏بالضرورة نتيجة مؤامرتهم علينا‏، ‏فكثير منهم – أحيانا على الأقل -‏ ‏أحرص‏ ‏منا‏ ‏على ‏الاستماع‏ ‏لنا‏، ‏لما‏ ‏هو‏ ‏نحن‏، ‏لا‏ ‏لما‏ ‏نقلناه‏ ‏مشوها‏ ‏ـ‏ فى ‏الأغلب‏‏ ـ‏ ‏عنهم‏.‏

كما‏ ‏آمل‏ ‏أن‏ ‏تـثبت‏ ‏هذه‏ ‏التجربة‏ ‏أن‏ ‏البحث‏ ‏فى ‏الإبداع‏ ‏بمناهج‏ ‏تقليدية‏ ‏وكمية‏، ‏على ‏أهميته‏، ‏ليس‏ ‏هو‏ ‏بالضرورة‏ ‏الإضافة‏ ‏الوحيدة‏ ‏المنتظرة منا‏.‏

والكاتب يأمل أن يشاركه القارئ فى استقبال النص مبدعا متلقيا.

‏ ‏كما تجدر الإشارة ‏ ‏إلى ‏أنه‏ ‏قد لا‏ ‏يتم‏ ‏استيعاب‏ ‏المراد‏ ‏من‏ ‏المتن‏ ‏دون‏ ‏الرجوع‏ ‏تفصيلا‏ ‏إلى ‏الهوامش‏ ‏التى ‏تعتبر‏، ‏بذلك‏، ‏جزءا‏ ‏لا‏ ‏يتجزأ‏ ‏من‏ ‏المداخلة‏ و ‏الفروض‏‏.‏

كذلك قد يحتاج الأمر للرجوع إلى فصل سابق بين الحين والحين حتى تصل رسالة فصل لاحق، والعكس صحيح بمعنى أن انتظار ما تتم به النظرية أو الفرض قد يوضح بعض الغموض الباكر.

وعن‏ ‏المنهج‏: ‏فلابد‏ ‏من‏ ‏نفى ‏أنه‏ ‏استبطانى ‏أو‏ ‏تأملى، (ليس من قبيل ‏تنظير‏ ‏المقعد‏ ‏الوثير‏)، ‏ولسوف‏ ‏ترد‏ ‏الاشارة‏ ‏تحديدا‏ ‏إلى ‏فينومينولوجية‏ ‏المعايشة‏ ‏من‏ ‏واقع‏ ‏الخبرة‏ ‏الذاتية‏ ‏حالة‏ ‏كونها‏ ‏منصهرة‏ ‏فى ‏الممارسة‏ ‏المهنية الموضوعية‏، ‏وفى ‏تجارب‏ ‏القراءات‏ ‏النقدية‏ ‏المختلفة، والإبداع الخاص،‏ ‏وسوف‏ ‏تتكرر‏ ‏الاشارة‏ ‏إلى ‏بعض‏ ‏تفاصيل‏ ‏ذلك‏ ‏كلما‏ ‏لزم‏ ‏الأمر‏، ‏سواء‏ ‏فى ‏المتن‏ ‏أو‏ ‏فى ‏الهوامش‏.‏

الفصل الأول

الإيقاع الحيوى ونبض الإبداع

الإيقاع الحيوى ونبض الإبداع

الإيقاع الحيوى ونبض الإبداع

تقدم‏ ‏هذه‏ ‏المداخلة‏ ‏فرضا‏ ‏يقول‏ ‏بأن‏ ‏الحلم‏ ‏هو‏ ‏نشاط‏ ‏معرفى، ‏يقوم‏ ‏بوظيفة‏ ‏تنظيمية‏ ‏أقرب‏ ‏إلى ‏الإبداع،‏ ‏سواء‏ ‏تم‏ ‏ذلك‏ ‏مع‏ ‏إعلان‏ ‏تأليف‏ ‏حلم‏ ‏يرويه‏ ‏الحالم‏ ‏عند‏ ‏استيقاظه‏، ‏أم‏ ‏ظهرت‏ ‏نتائجه‏ ‏المعرفية‏ ‏والتنظيمية‏ ‏تؤكد‏ ‏كفاءة‏ ‏أدائه‏ ‏لهذا‏ ‏النشاط‏ ‏المنتظم‏ ‏المعاود،‏ ‏كجزء‏ ‏من‏ ‏الإيقاع‏ ‏الحيوى ‏الشامل‏.‏

يستتبع‏ ‏ذلك‏ ‏إعادة‏ ‏النظر‏ ‏فى ‏مستويات‏ ‏الحلم‏ ‏من‏ ‏أعمق‏ ‏حركية‏ ‏التنشيط‏ ‏البيولوجى ‏الإيقاعى ‏الراتب‏، ‏حتى ‏التقاط‏ ‏بعض‏ ‏آثار‏ ‏هذا‏ ‏التنشيط‏ ‏من‏ ‏معلومات‏ ‏هى ‏مادة‏ ‏صياغة‏ ‏الحلم‏ ‏المحكى  ‏قبيل‏ ‏اليقظة (هذا إذا حكاه الحالم أصلا)‏، ‏وما‏ ‏بين‏ ‏هذا‏ ‏وذاك‏ ‏تقع‏ ‏مستويات‏ ‏وسطى ‏من‏ ‏التنشيط‏ ‏العشوائى ‏غير‏ ‏المعلن‏ ‏إلى ‏إعادة‏ ‏التنظيم‏ ‏الإبداعى، ‏مع‏ ‏احتمال‏ ‏تزييف‏ ‏بديلٍ‏ ‏بخيالٍ‏ ‏مصنوع،‏ ‏يحل‏ ‏محل‏ ‏إبداعية‏ ‏الحلم‏.‏

كما‏ ‏تتناول‏ ‏المداخلة‏ ‏مقارنة‏ ‏قياسية‏ ‏بين‏ ‏مراحل‏ ‏إبداع‏ ‏الحلم‏، ‏ومراحل‏ ‏إبداع‏ ‏الشعر‏ ‏خاصة‏، ‏مع‏ ‏إشارة‏ ‏للإبداع‏ ‏القصصى (‏والروائى‏)، ‏كذلك‏ ‏تمتد‏ ‏المقارنة‏ ‏لموازاة‏ ‏قراءة‏ ‏الحلم‏ ‏بالنقد‏ ‏الإبداعى، ‏بدلا‏ ‏من‏ ‏تفسيره‏ ‏الملتزم‏ ‏بقواعد‏ ‏من‏ ‏خارجه‏. ‏تماما‏ ‏مثل‏ ‏التذكرة‏ ‏برفض‏ ‏محاولة‏ ‏تقييم‏ ‏النص‏ ‏الأدبى ‏بعـلْـمَنَةٍ‏ ‏نقدية‏ ‏تقيسه‏ ‏بمقاييس‏ ‏جامدة‏، مهما بدت مُحْكمة‏.‏

 ‏تنتهى ‏المداخلة‏ ‏بتفضيل‏ ‏التزام‏ ‏النقد‏ الأدبى ‏بقراءة‏ ‏النص‏ ‏إبداعا‏ً‏، لتكون ‏ ‏الاجتهادات‏ ‏ ‏التى ‏يقال‏ ‏عنها‏ ‏إنها‏ ‏أكثر‏ “‏علمية‏ ‏ومنهجية‏” ‏بمثابة‏ ‏الاجتهادات‏ ‏النقدية‏ ‏المساعدة‏، ‏وليست‏ ‏بديلا‏ ‏عن‏ ‏إعادة‏ ‏إبداع‏ ‏النص‏ ‏نقدا‏ ‏خلاقا‏.

‏1- حركية‏ ‏الإبداع‏ ‏الذاتى ‏ونوابيته‏:‏

‏1- 1 ‏منطلق‏ ‏الدراسة‏

‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏ هى ‏من‏ ‏منطلق‏ ‏شخصى ‏خبراتى‏[2] أساسا‏، ‏حيث تتحدد‏ ‏أبعاد‏ ‏هذا‏ ‏المنطلق‏ ‏من‏ ‏ممارستى ‏لفن‏ ‏اللأم‏ Art of Healing ‏ أو‏ ‏ما‏ ‏أسميته‏ ‏فن‏ ‏المواكبة‏ ‏العلاجية ‏[3]، ‏ومن‏ ‏محاولاتى ‏الإبداعية‏ ‏المتواضعة‏ ‏فى ‏مجالات‏ ‏القص‏، ‏وقرض‏ ‏الشعر‏، ‏والتنظير‏ ‏فى علم‏ ‏السيكوباثولوجي‏، ‏ومن‏ ‏موقفى ‏بوصفى ‏إنسانا‏ “‏يحلم‏”، ‏ويتعلم‏، ‏ويقرأ‏ النصوص‏ ‏الأدبية ‏ناقدا بقدر ما ‏ ‏يقرأ‏ ‏النصوص‏ ‏البشرية‏ ‏فى ‏تعريها‏ ‏وتحديها فيما يسمى: الممارسة الإكلينيكية توصيفا وعلاجا.‏

‏1‏-‏2 ‏الإيقاعية‏ ‏الحيوية

أشير‏ ‏فى ‏عجالة‏ ‏إلى ‏المنطلق‏ ‏البيولوجى ‏[4] ‏الذى ‏أتناول‏ ‏من‏ ‏خلاله‏ ‏ظاهرتىْ: ‏الحلم‏ ‏والإبداع‏ ‏معا‏.

‏1- ‏تمثل‏ ‏ظاهرة‏ ‏تناغم‏ ‏الإيقاع‏ ‏الحيوى [5]امتدادا‏ ‏على ‏متدرج‏ ‏يبدأ‏ ‏مما هو قبل ‏ ‏الجزئ  ‏إلى ‏الكون‏ ‏الأعظم‏.‏

‏2 – ‏تقع‏ ‏الظاهرة‏ ‏البشرية‏ ‏فى ‏موقع‏ ‏متوسط‏ ‏على ‏هذا‏ ‏المتدرج‏ ‏الإيقاعى ‏الحيوى، ‏حيث‏ ‏تعد‏ ‏ظاهرة‏ ‏البشرية‏ ‏ظاهرة‏ ‏حيوية‏ ‏نابضة‏، ‏تمثل‏ ‏كونا‏ ‏أصغر‏ ‏متداخلا‏ ‏فيما‏ ‏هو‏ ‏أعظم‏ ‏من‏ ‏أكوان‏، ‏حاويا‏ ‏لما‏ ‏هو‏ ‏أصغر‏ ‏فـأصغر‏.‏

‏3 – ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏متضَّـمن‏ ‏فى ‏دورات‏ ‏هيراركية‏ – ‏متناغمة‏ ‏التناوب‏ ‏والدوائر‏- ‏ديالكتيكية‏ ‏الحركة‏، ‏من‏ ‏خلال‏ ‏الإيقاع‏ ‏الحيوى ‏الدورى ‏على ‏كل‏ ‏المستويات‏. ‏

‏4- ‏يستتبع‏ ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏يظل‏ ‏التركيب‏ ‏البشرى ‏فى ‏حالة‏ ‏حركية‏ ‏متناوبة‏، تشمل‏ ‏فى ‏أحد‏ ‏أطوارها‏ ‏تفكيكا‏، ‏يهدف‏ ‏إلى ‏إعادة‏ ‏التنيسق‏ ‏والولاف‏ ‏على ‏مستوى ‏أعلى، ‏مستعملا‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏المتاح‏ ‏من‏ ‏المعلومات‏ ‏الموروثة‏ ‏والمكتسبة‏ [6]، ‏فى ‏تصعيد‏ ‏تدريجى ‏متناوب‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏دورات‏ ‏الاستيعاب‏ ‏والبسط‏.‏

5- يتجلى ‏بعض‏ ‏نتاج‏ ‏ذلك‏ ‏فى ‏نوع‏ ‏الإبداع‏ ‏الذى ‏يظهر‏ ‏فى ‏صوره‏ ‏المختلفة‏، ‏والذى ‏يصنف‏ ‏فى ‏النهاية‏ ‏بحسب‏ ‏اللغة‏ ‏المستعملة‏ (‏الأدوات‏ – ‏والأبجدية‏)، ‏أو‏ ‏النتاج‏ ‏الظاهر‏، ‏أو‏ ‏كليهما‏، ‏أو‏ ‏لا‏ ‏يصنف‏ ‏أصلا‏.‏

ويظهر‏ ‏الإبداع‏ ‏بالمعنى ‏الأشمل‏ ‏والأعمق‏ ‏فى ‏صورة‏ ‏متنامية‏ ‏ومتعددة‏.‏

أ‏- ‏فهو يشمل‏ ‏مفهوم‏ “‏النمو‏” ‏المتصل‏ ‏فى ‏دوراته‏ ‏الإيجابية‏‏ ‏على ‏المستوى ‏الفردى، ‏حيث‏ ‏يعاد‏ ‏تخليق‏ ‏الإنسان‏ ‏على ‏مسار‏ ‏النمو‏ ‏فى ‏كل‏ ‏أزمة‏ ‏إبداع بلا انقطاع‏.‏

ب‏ – ‏كما‏ ‏يمثل‏ ‏الحلم‏ ‏إبداعا‏ ‏بيولوجيا‏ ‏آخر‏ ‏على ‏مستوى ‏الدورة‏ ‏الليلنهارية‏ (‏اليوماوية‏)‏.

جـ‏- ‏وأخيرا‏، ‏فإن‏ ‏الناتج‏ ‏الإبداعى (‏وأحد‏ ‏صوره‏ ‏الإبداع‏ ‏الأدبي‏) ‏هو‏ ‏الصورة‏ ‏المتاحة‏ ‏لعطاء‏ ‏هذه‏ ‏العملية‏ ‏الحيوية‏، ‏وهو‏ ‏الصورة‏ ‏التى ‏تتجلى ‏بالأدوات‏ ‏والمهارات‏ ‏الممكنة‏: ‏على ‏مستوى ‏فائق‏ ‏من‏ ‏الوعى ‏والإرادة‏.‏

أرجو‏ ‏ألا‏ ‏ينزعج‏ ‏القارئ ‏من‏ ‏فرط‏ هذا ‏الإيجاز‏ ‏المبدئى‏، ‏أو‏ ‏من‏ ‏إقحام‏ ‏كلمات‏ ‏مثل‏ ‏المخ‏ ‏والإيقاع‏ ‏الحيوى، ‏فى ‏حديث‏ ‏عن‏ ‏النقد‏ ‏والإبداع‏، ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏المخ‏ ‏بأعقد‏ ‏ماوصل‏ ‏إليه‏ ‏تركيبيا‏ ‏ووظيفيا‏ ‏هو‏ ‏الممثل‏ ‏الأول‏ للوجود البشرى ‏ـ‏ ‏و إن كان ليس‏ ‏الأوحد، بعد أن‏ استعاد الجسد دوره المحورى فى الإسهام فى المعرفة، ومن ثم جدل الإبداع. ‏وحدة “المخ / الجسد”[7] هى‏ ‏بمثابة‏ “‏الوجود‏ ‏الجامع‏” ‏فى ‏كل‏ ‏نتاج‏ ‏إبداعى، ‏سواء‏ كان ‏استمرارا‏ ‏فى ‏نمو‏ ‏خلاق‏، ‏أم‏ ‏حلما‏ ‏معزز‏ا ‏منظما، ‏أم‏ ‏جنونا ‏مقتحما فاشلا (إبداعا مجهضا)‏، ‏أم‏ ‏إضافة خلاقة ‏ ‏أصيلة متميزة (الناتج التشكيلى بكافة تجلياته) ‏.‏

تتبين‏ ‏مشروعية‏ ‏هذا‏ ‏المدخل‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏التأكيد‏ ‏على ‏أن‏ ‏بداية‏ ‏هذه‏ ‏المداخلة‏ ‏هى “‏الحلم‏”. ‏التحدى ‏الملقى ‏فى ‏وجوهنا‏ ‏هو‏ ‏التوفيق‏ ‏بين‏ ‏معطيات‏ ‏معامل‏ ‏الأحلام‏ ‏الأحدث‏ (‏والمبنية‏ ‏أساسا‏ ‏على ‏تسجيل‏ ‏إيقاع‏ ‏المخ‏ الكهربى ‏أثناء‏ ‏النوم‏)، ‏وبين‏ ‏الحلم‏ ‏بوصفه‏ ‏ظاهرة‏ ‏نفسية‏ (‏معرفية‏/‏إبداعية‏)، ‏لها‏ ‏لغتها‏ ‏الخاصة‏، ‏شغلت‏ ‏الناس‏ ‏والنفسيين‏ ‏عبر‏ ‏التاريخ‏ ‏بمحتواها‏ ‏ودلالاتها‏.‏

يتناول‏ ‏المخ‏ ‏معلوماته‏ (‏محتواه‏/‏تركيبه‏/‏ذواته‏…‏إلخ‏) ‏بطرق‏ ‏متعددة‏ ‏لامجال‏ ‏لتفصيلها‏ ‏هنا‏. ‏وسأكتفى ‏بالإشارة‏ ‏إلى ‏تنظيم‏ ‏نشاط‏ ‏الحلم‏ ‏من‏ ‏جانب‏، ‏ونشاط‏ ‏الإبداع‏ ‏من‏ ‏جانب‏ ‏آخر‏، ‏وهما‏ ‏محور ‏هذا‏ ‏التناول‏ الحالى:‏

الحلم‏ ‏هو‏ ‏نشاط‏ ‏مناوِبْ‏ ‏تنظيمى ‏غائى[8] “‏لمستوى ‏آخر‏” ‏من‏ ‏الوعى ‏البشرى. الحلم‏ ‏يحاول‏ ‏بانتظام‏ إيقاعى ‏أن‏ ‏يحكم‏ ‏التناغم‏، ‏ويعزز‏ ‏التعلم‏، ‏فى ‏

حالة‏ ‏من‏ ‏وعى نشط – متبادِل- آخر[9]‏.‏

الإبداع‏ ‏يقوم‏ ‏بالمحاولة‏ ‏نفسها‏، ‏إلا‏ ‏أنه‏ ‏ليس‏ ‏دوريا‏ ‏بالضرورة‏، ‏كما‏ ‏أنه‏ ‏يتم‏ ‏بقصد‏ ‏إرادى نسبى ‏بشكل‏ ‏ما‏، ‏و هو يتم فى ‏حالة‏ “‏وعى ‏فائق‏” (جدلىّ مشتمل، لا وعى عادى، ولا وعى بديل).‏

الحلم‏ – ‏أساسا‏ – ‏”بسط‏”[10] دورى ‏مناوب‏، والإبداع‏ – ‏أساسا‏ – ‏بسط‏ ‏إرادى ‏ولافى.

 أما‏ ‏الجنون‏ (‏النشط‏)[11] ‏فهو‏ – ‏أساسا‏- ‏بـسـط‏ ‏قهرى ‏مقتحِم‏.‏

[1] – نشرت فى صورتها الأولى فى مجلة فصول- المجلد الخامس – العدد (2) سنة 1985 ص (67 – 91) وقد تم تحديثها دون مساس بجوهرها.

[2]- “شخصى” بالمعنى الفينومينولوجى، وليس الذاتى بمعنى “الشخصنة Personification، وهو يشمل أن تقل جرعة الذاتية الإسقاطية، لحساب استيعاب الموضوع فى وحدة “الذات لموضوع الكلية”، التى تفرز الخبرة بمقدار نجاحها فى التخلص من الشخصنة والإسقاط.

[3] – يحيى ‏الرخاوى: “‏دراسة‏ ‏فى ‏علم‏ ‏السيكوباثولوجى” (ص 698- 702، 788-790، 783-784) – ‏دار الغد للثقافة والنشر (1979) – القاهرة.

[4]- أعنى ‏بكلمة‏ “‏بيولوجي‏” ‏طوال‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏، ‏المعنى ‏الأشمل‏ ‏للكلمة‏، ‏وهو‏ “‏علم الحياة ‏”، ‏بادئا‏ ‏بما هو دون الجزيئى، شاملا التفاعل البيوكيميائى، ‏حتى ‏الوجود‏ ‏الواعى ‏فى ‏حالة‏ ‏الظاهرة‏ ‏البشرية‏ – ‏مارا‏ ‏بمختلف‏ ‏أشكال‏ ‏وتجليات‏ ‏السلوك‏ ‏ـ‏ ‏وعلى ‏هذا‏ فلابد ‏ ‏من‏ ‏الانتباه‏ ‏إلى ‏رفض‏ ‏معنى ‏كلمة‏ “‏بيولوجي‏” ‏الضيق‏ ‏الذى ‏شاع‏ ‏بسوء‏ ‏الاستعمال‏ ‏بوصفها‏ ‏تـعنى ‏ما‏ ‏هو‏  ‏كيميائى ‏أو‏ ‏فسيولوجى. ‏إن هذا‏ ‏المعنى ‏الشامل‏ ‏لكلمة بيولوجى‏، ‏هو‏ ‏الذى ‏استعملته‏ ‏فى ‏أغلب‏ ‏كتاباتى ‏السابقة‏، ‏ويبدو‏ ‏هذا‏ ‏التحديد‏ ‏ضروريا‏ ‏وبخاصة‏ ‏فيما‏ ‏يتعلق‏ ‏بما‏ ‏أسميته‏ ‏فيما‏ ‏بعد،‏ ‏هنا‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الدراسة،‏ “‏الواقعية‏  ‏البيولوجية‏”.‏ إن جاك لاكان وهو يرفض بحدة ما هو بيولوجى عاد يعلن أو يقترح أنه ينتمى إلى ما أسماه البيولوجيا غير البيولوجية Non-biological Biology ، كما أن ميلانى كلاين (ممثلة للمدرسة الإنجليزية فى التحليل النفسى)، رفضت بيولوجية سيجموند فرويد بما تشير إليه من أولوية الغرائز ودفعها، لتُحل محلها “العلاقة بالموضوع” كأساس للنمو وفهم المسيرة البشرية فى السواء والمرض. إن مفهوم البيولوجى فى هذه الدراسة وكما يتبناه الكاتب هو مفهوم تطورى نوعا وأفرادا.

[5]- الإيقاع الحيوى Biorhythm الذى هو محور هذه الدراسة هو كل عمليات‏ ‏التوازن‏ ‏الحيوى ‏المتكرر ‏ ‏فى ‏إيقاع‏ ‏منتظم‏ ‏لا‏ ‏يتوقف‏، ‏مع‏ ‏اختلاف‏ ‏وحدة‏ ‏الزمن‏ : ‏حيث‏ ‏تتراوح‏ ‏من‏ ‏الميكروثانية‏ ‏فى ‏تفاعلات‏ ‏الكيمياء‏ ‏الحيوية‏، ‏إلى ‏الملليثانية‏ ‏فى ‏نشاط‏ ‏الإطلاق‏ Firing ‏النيورونى ‏المنتظم‏، ‏إلى ‏الثانية‏ ‏الكاملة‏ ‏فى ‏دورة‏ ‏القلب‏، ‏إلى ‏تسعين‏ ‏دقيقة‏ ‏فى ‏نشاط‏ ‏النوم‏ ‏النقيضي‏-‏ الحالم‏-‏ إلى ‏الدورة‏ ‏الليلنهارية‏ / ‏اليوماوية‏ /‏السركادية‏ Circadian، ‏يوما‏ ‏كاملا‏: ‏نهارا‏ ‏وليلا‏ ‏واحدا‏، ‏إلى ‏دورات‏ ‏النمو‏ ‏المتعاقبة‏ ‏فى= ‏= حياة‏ ‏الفرد‏ Macrogeny، ‏إلى ‏جماع‏ ‏دورات‏ ‏النمو‏ ‏الفردى Ontogeny ‏إلى ‏الطفرة‏ ‏فى ‏تاريخ‏ ‏النوع‏ ‏كله‏Phylogeny.

 ‏إن‏ ‏الإيقاعية‏ ‏الحيوية‏ Biorhythm هى ‏دورية‏ ‏منتظمة‏ ‏ـ‏ ‏بالنسبة‏ ‏لنشاط‏ ‏المخ‏ ‏بالذات‏ (‏الذى ‏كان‏ ‏يبدو‏ ‏قبل‏ ‏ذلك‏: ‏إما‏ ‏كمشتبك‏ ‏توصيلات‏، ‏أو‏ ‏مخزن‏ ‏معلومات‏) ‏وذلك‏ ‏من‏ ‏أول‏ ‏الإطلاق‏ ‏النيورونى ‏الدورىPeriodical Neuronal Firing ‏إلى ‏الجهد‏ ‏الفاعل‏ Action Potential ‏لمحور‏ ‏الخلية‏ ‏العصبية‏ ‏المفردة‏، ‏إلى ‏محصلة‏ ‏النشاط‏ ‏الكهربى ‏للمخ‏ ‏ككل‏. ‏وقد‏ ‏أوردت‏ ‏كل‏ ‏هذه‏ ‏التفاصيل‏ ‏لأن‏ ‏هذا‏ ‏البعد الإيقاعى الحيوى‏ ‏هو‏ ‏المحور‏ ‏الأساسى ‏الذى ‏تدور‏ ‏حوله‏ ‏الدراسة‏، ‏وهو‏ ‏المحور‏ ‏الذى ‏بنى عليه الكاتب ‏ ‏نظريته  ‏المسماة‏ “‏النظرية‏ ‏التطورية‏ ‏الإيقاعية‏ Evolutionary Rhythmic Theory ‏لتفسير‏ ‏السلوك‏ ‏البشرى ‏فى ‏وحدة‏ ‏سيكوبيولوجية‏ ‏متصلة‏-‏ فى ‏الصحة‏ والمرض (‏يحيى ‏الرخاوى: ‏محاضرات‏ ‏مختارة‏ ‏فى ‏الطب‏ ‏النفسى، الموقع ‏www. Rakhawy.org، ‏وأيضا‏ ‏أنظر‏ هامش 3)

[6]- حتى ‏المعلومات‏ ‏الموروثة‏ ‏من‏  ‏الأسرة‏ ‏أو‏ ‏من‏ ‏النوع‏-‏ هى ‏قابلة‏ ‏للتعتعتة‏ ‏والتحريك‏; ‏فمزيد‏ ‏من‏ ‏التمثيل‏، ‏وأعنى ‏بالتمثيل‏ ‏مايقابل‏ ‏العملية‏ ‏الحيوية‏ ‏التى ‏تقلب‏ ‏العناصر‏ ‏الأولية‏ ‏البسيطة‏ ‏إلى ‏التركيب‏ ‏العضوى ‏الحى ‏المركب‏ ‏لتصبح‏ ‏جزءا‏ ‏لا‏ ‏يتجزأ‏ ‏منه‏، ‏وهو‏ ‏ما‏ ‏يقابل‏ ‏الأيض‏ ‏البنائى Metabolism، ‏وبالنسبة‏ ‏للمعلومة‏ ‏فى ‏المخ‏ ‏فإن‏ ‏هذا‏ ‏الفرض‏ ‏المتضـمن‏ ‏فى ‏النظرية‏ السالفة ‏ ‏الذكر‏ ‏يعامِـل‏ ‏المعلومة‏ ‏مبدئيا‏ ‏كجسم‏ ‏غريب‏ ‏مُـدخل‏،  ‏ثم‏ ‏يأخذ‏ ‏الإنسان‏ ‏فى ‏هضم‏ ‏وتمثيل‏ ‏هذا‏ ‏الجسم‏/‏المعلومة‏ ‏ـ‏  ‏مع‏ ‏كل‏ ‏نبضة‏ ‏حيوية‏، ‏على ‏كل‏ ‏المستويات‏ ‏لتواصل‏ ‏النمو‏، ‏وتغـير‏ ‏النوع‏ ‏معا‏ ‏. إن هذا‏ ‏البعد‏ ‏له‏ ‏علاقة‏ ‏بالأنماط‏ ‏الأولية‏Archetypes ‏عند‏ ‏يونج‏ Jung، ‏كما‏ ‏أن‏ ‏له‏ ‏علاقة‏ ‏بظاهرة‏ “‏البصم‏” Imprinting.‏ عند لورنز وتينبرحن بوجه خاص (أنظر بعد)

[7]- هذا الاصطلاح “المخ/الجسد” هو تحديث أدخل بدلا من التركيز على ” المخ” فى صورة الفرض الأولى وإن كان استعمال لفظ المخ سيغلب حتما إلا أنه سوف يعنى دائما هذه الوحدة المشتملة “المخ/الجسد”،  تأكيدا لما كشف عنه العلم المعرفى الأحدث لدور الجسد فى التفكير والإبداع!

[8]- غائية الحلم تعنى هنا أنه ليس عشوائيا مطلقا، كما أنه ليس أساسا “تحقيق رغبة” كما شاع عن فرويد  خطأ وصوابا، وإنما أعنى بالغائية هنا تحقيق برمجة تنظيمية مكملة لغائية اليقظة فى تجليات الوجود.

يحيى الرخاوى (‏دليل‏ ‏الطالب‏ ‏الذكى “‏الجزء‏ ‏الأول”)‏ ‏ص‏94- 99‏، دار‏ ‏الغد‏ ‏للثقافة‏ ‏والنشر- (1982) ‏القاهرة‏ ‏.‏

[9]- أستعمل‏ ‏كلمة‏ ‏الوعى ‏هنا‏ ‏ـ‏ ‏مبدئيا‏ ‏ـ‏ ‏بمعنى ‏تركيبى ‏محدد‏; ‏فهى ‏تعنى أية: “‏منظومة‏ ‏بنيوية‏ ‏، ‏متناغمة‏ ‏فى ‏مستوى ‏بذاته‏، ‏تصبغ‏ ‏كل‏ ‏نشاط‏ ‏المخ‏ ‏وحركية‏ ‏محتوياته‏ ‏بصبغتها‏ ‏وقوانينها‏ ‏على ‏كل‏ المستويات ، كل فى موقعه من تطور ودورات‏ ‏النشاط‏‏، ‏وتبادل‏ ‏التنظيم‏”، ‏وعلى ‏ذلك‏ ‏فكلمة‏ ‏الوعى ‏هنا‏ ‏لا‏ ‏تشير‏ ‏بالضرورة‏ ‏إلى ‏إدراك‏ ‏معرفى ‏أو‏ ‏حسى ‏فى ‏حالة‏ ‏اليقظة‏، ‏فثمّ‏ “‏وعى ‏النوم‏” ‏و‏ “‏وعى ‏الحلم‏” ‏و‏”‏وعى ‏اليقظة‏”. من‏ ‏هذا‏ ‏المنطلق‏ ‏أنبه‏ ‏إلى ‏رفضى ‏للاستعمال‏ ‏الشائع‏ ‏لكلمات‏ ‏مثل‏ ‏اللاوعى، ‏واللاشعور‏ (‏انظر‏ للمؤلف ‏دليل‏ ‏الطالب‏ ‏الذكي‏- ‏الجزء‏ ‏الأول‏ ‏ص‏ 235) ‏هذا‏ ‏وقد‏ ‏تطور‏ ‏عندى ‏مفهوم‏ ‏الوعى ‏بعد‏ ‏ذلك حتى عدلت عن الاكتفاء بأن يكون الوعى بمثابة وساد للوظائف الأخرى، ذلك أنه ليس أرضية لمحتوى غيره، بقدر ماهو هو متداخل فاعل طول الوقت على مستويات متعددة متداخلة ومتبادلة ومتجالة معا.

[10]- ستتكرر‏ ‏كلمة‏ “بسط”  “‏Unfolding” ‏طوال‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏، ‏لذلك‏ ‏يلزم‏ ‏أن‏ ‏يتضح‏ ‏معناها‏ ‏وتتبين استعمالاتها‏ ‏بشكل‏ ‏كاف‏ ‏ومحدد‏ ‏منذ‏ ‏البداية‏، ‏حيث‏ ‏أعنى ‏بها‏ “‏الطور‏ ‏النشط”ُ ‏فى ‏دورة‏ ‏الإيقاعية‏ ‏الحيوية‏ ‏لحركية‏ ‏المخ‏، ‏وهو‏ ‏الطور‏ ‏الذى ‏تُـَقـلْـقَـل‏ ‏فيه‏ ‏المعلومات‏ ‏المدخلة‏ ‏والسابقة‏ ‏التى ‏لم‏ ‏يكتمل‏ ‏تمثيلها‏ ‏بوجه‏ ‏خاص‏، ‏وذلك‏ ‏بغية‏ ‏استكمال‏ ‏تنظيمها‏ ‏وتناغمها‏ ‏واستقرارها‏ ‏حتى ‏المواءمة‏ ‏الولافية‏ ‏والتمثيل‏”. ‏إن‏ ‏نشاط‏ ‏المخ‏ ‏يتراوح‏ ‏بين‏ ‏طورين‏ (‏آخذين‏ ‏حركة‏ ‏القلب‏ ‏كنموذج‏ ‏قياسى): ‏طور‏ ‏التمدد‏ Diastole، ‏حيث‏ ‏تكون‏ ‏العملية‏ ‏التحصيلية‏ ‏هى ‏الغالبة‏ (‏وهو‏ ‏مايقابل‏ ‏طور‏ ‏ملء‏ ‏عضلة‏ ‏القلب‏ ‏بالدم‏) ‏ثم‏ ‏طور‏ ‏الاندفاعية‏ Systole، ‏وهو‏ ‏مايقابل‏ ‏انقباض‏ ‏عضلة‏ ‏القلب‏ ‏لدفع‏ ‏محتوى ‏القلب‏ ‏إلى ‏الدورة‏ ‏الدموية فى سائر أنحاء الجسد‏. (تعبير “ما يقابل” لا يعنى مثل) ‏لكننا‏ ‏إذا‏ ‏قبلنا‏ ‏مضطرين‏ ‏فكرة‏ ‏التمدد‏ ‏مجازيا‏ ‏فى ‏نوابية‏ ‏المخ ‏، ‏فإن‏ ‏كلمة‏ ‏الاندفاعية‏ ‏لاتصلح‏ ‏حتى ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏مجازا‏. ‏لذلك‏ ‏سوف نستعمل هنا‏ ‏كلمة‏ ‏بسط‏ Unfolding، ‏لتفيد‏ ‏التنشيط‏ ‏الدورى، ‏وفى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏تفيد‏ ‏فكرة‏ “‏الاستعادة‏”، بمعنى أن ‏ ‏يستعيد‏ ‏نشاطٌ‏ ‏ما‏ ‏أطواره‏ ‏السابقة‏ ‏بالترتيب‏ ‏نفسه‏، ليضيف ‏ ‏إليها‏ ‏ما‏ ‏لم‏ ‏يكتمل=‏ ‏= فى ‏الطور‏ ‏الحالى بولاف جديد، وهو ما كان الطور السابق يعده به (تطوريا) . إن هذا هو ما يقول به‏،  ‏ما سمى ‏بالقانون‏ ‏الحيوي‏ Biogenic Law،(نظرية الاستعادةRecapitulation Theory)  ‏من‏ ‏حيث‏ ‏إن‏ ‏الأنتونجينيا‏ (‏تاريخ‏ ‏تطور‏ ‏الفرد‏) ‏تعيد‏ ‏الفيلوجينيا‏ (‏تاريخ‏ ‏تطور‏ ‏النوع‏)، ‏ثم‏ ‏التطبيقات‏ ‏القياسية‏ ‏اللاحقة‏ ‏على ‏وحدات‏ ‏أصغر‏ ‏فأصغر‏، (‏الماكروجينيا‏ – ‏الميكروجينيا‏)، ‏وفى ‏المرض‏ ‏تجرى الاستعادة أيضا ولكنها تتحول إلى نبضة‏ ‏مجهضة‏ ‏أو‏ ‏متفجرة (هامش 3).

[11]- يستعمل لفظ “الجنون” عند معظم الذين يكتبون فى النقد أو الإبداع استعمالا فضفاضا لا يجوز، وخاصة  بعد تعدد تصنيفات الذهان (الجنون Psychosis) إلى عشرات الأنواع، لذلك أحدد من ناحيتى أن الجنون العضوى التشريحى المباشر مستبعد فى هذه الدراسة (مثل  الخرف أو الجنون الناتج عن أورام فى الدماغ..إلخ). إن ما أعتبره الجنون الأم أو الجنون الأصل (إن صح هذا التعبير) الذى يرد فى هذا الفصل، وفى كل الفصول  هو الفصام بكل مراحله، وبالذات فى شكله التفسخى Disorganized وأحيانا التدهورى Deteriorated  مضافا إليه – أحيانا– بعض أنواع الجنون الأخرى التى ليست سوى محاولة بديلة للحيلولة دون التمادى فى التفسخ والتدهور بأشكال أقل إمراضية (وإن كانت أخطر أحيانا) من العملية الفصامية(دراسة فى علم السيكوباثولوجى هـ3) وتحديد‏ ‏الجنون‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏السياق‏ ‏الحالى ‏بأنه‏ “‏الجنون‏ ‏النشط‏” ‏يشير‏ ‏إلى ‏نوع‏ ‏الجنون‏ ‏ذى ‏الأعراض‏ ‏الإيجابية‏ ‏مثل:‏ ‏الهلاوس‏ ‏والضلالات‏ ‏والتفسخ‏ ‏النشط‏، ‏والهياج‏، ‏فى ‏مقابل‏ ‏الجنون‏ ‏المندمل‏ ‏أو‏ ‏السلبى ‏الذى ‏هو‏ ‏أقرب‏ ‏إلى ‏الانسحاب‏ ‏والهمود‏ ‏والتبلد‏ ‏والتخثر‏، ‏أو‏ ‏لتقريب‏ ‏الأمر‏ ‏للقارئ: ‏ ‏فإن‏ ‏الجنون‏ ‏النشط‏ ‏هو‏ ‏أقرب‏ ‏إلى ‏مرحلة‏ ‏إضرام‏ ‏الحريق‏، ‏أما‏ ‏الجنون‏ ‏المندمل‏ ‏فهو‏ ‏أقرب‏ ‏إلى ‏الرماد‏ ‏المتخلف‏ ‏بعد‏ ‏الحريق ، كما أن العملية الذاهانية المؤدية إلى التفسخ الفصامى هى المراد بها الجنون أساسا، وهى العملية التى تصل فى نهايتها الأخطر إلى نوع من التدهور السلبى الذهانى أيضا، لكنه أبعد ما يكون عما يراد به حين نستعمل لفظ الجنون فى هذه الدراسة بوجه خاص.

الحلم: إبداع الشخص العادى

الحلم: إبداع الشخص العادى

2- ‏الحلم‏: ‏إبداع‏ ‏الشخص‏ ‏العادى

يتواتر‏ ‏الحديث‏ ‏عن‏ ‏الحلم‏، ‏فى ‏سياق‏ ‏النقد‏، ‏بشكل‏ ‏وصل‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏يطلق‏ ‏اسم‏: “‏الأدب‏ ‏الحلم‏” [1] ‏على ‏بعض‏ ‏أشكال‏ ‏الأدب‏. ‏وقد‏ ‏بلغت‏ ‏الثقة‏ ‏بمن‏ ‏يستعملون‏ ‏هذا‏ ‏التشبيه‏ ‏درجة‏ ‏توحى – بشكل ما- ‏بأن‏ ‏المشبه‏ ‏به‏ (‏الحلم‏) ‏هو‏ ‏ظاهرة‏ ‏واضحة‏ ‏المعالم‏، ‏تسمح‏ ‏بهذا‏ ‏القياس‏، ‏وتبرر‏ ‏تأصيل‏ ‏حضور‏ ‏الحلم‏ ‏وعيا‏ ‏تركيبيا‏ ‏غائيا‏ ‏دالا‏.

 ‏ولنبدأ‏ -كالعادة‏-‏ بفرويد‏.‏

‏2-1 ‏فرويد‏ ‏بين‏ “‏تفسير‏ ‏الأحلام‏” ‏و‏” ‏السيرة‏ ‏الذاتية‏”‏

مازال‏ ‏كتاب‏ ‏تفسير‏ ‏الأحلام‏ ‏لفرويد[2] ‏يمثل‏ ‏أساسا‏ ‏لكثير‏ ‏من‏ ‏محاولات‏ ‏فهم‏ ‏الحلم‏ ‏وتفسيره‏. ‏لاشك‏ ‏أنه‏ ‏عمل‏ ‏رائد‏ ‏جيد‏، ‏ربما‏ ‏لغرض‏ ‏آخر‏ ‏غير‏ ‏ما‏ ‏استُـعمل‏ ‏فيه‏، ‏ولسبب‏ ‏آخر‏ ‏غير‏ ‏ما‏ ‏شاع‏ ‏عنه‏، ‏فقد‏ ‏خاطر‏ ‏فيه‏ ‏فرويد‏، ‏بتعرية‏ ‏نفسه – ‏بدرجة‏ ‏ما‏- مما‏ ‏أضاف‏ ‏إلى ‏رصيد‏ ‏شجاعته‏ ‏الكثير‏. ‏وتتضاعف‏ ‏قيمة‏ ‏هذا‏ ‏العمل‏-‏عندى- ‏إذا‏ ‏أخذناه‏ ‏بوصفه‏ ‏إبداع‏ ‏شاعر‏ ‏واعترافات‏ ‏قاص‏ (‏وهذا‏ ‏ماحاول‏ ‏فرويد‏ ‏نفيه‏ ‏طوال‏ ‏الوقت‏!)[3]، ‏غير‏ ‏أن‏ ‏فرويد‏ ‏قد‏ ‏جعل‏ ‏من‏ “‏نظريته‏” ‏وصية‏ ‏على ‏أحلامه‏ ‏وتداعياته‏، ‏فإذا‏ ‏به‏ ‏يجعل‏ ‏الحلم‏ ‏الظاهر:‏ ‏تمويها‏ ‏وإخفاء‏، ‏ويجعل‏ ‏الحلم‏ ‏الكامن:‏ ‏رغبة‏ ‏وإلحاحا‏، ‏فيعارضه‏ “‏كارل‏ ‏يونج‏”، ‏إذ‏ ‏يعد‏ ‏الحلم‏ ‏كَشْفا‏ ‏لا‏ ‏إخفاء. ‏يأخذ يونج‏ ‏الحلم‏ ‏الظاهر‏- ‏بلغته‏ ‏الخاصة‏- مكملا‏ ‏لحياة‏ ‏اليقظة‏ ‏على ‏طريق‏ ‏التكامل‏ ‏الفردى “‏التفرد‏” [4]، ‏ولكن‏ ‏يتفق‏ ‏الاثنان‏ (‏مثل‏ ‏غيرهما‏)، ‏على ‏أن‏ ‏الحلم‏ “‏لغة‏” ‏خاصة‏.‏

‏2-2 ‏الصدمة‏:‏

منذ‏ ‏انتشر‏ ‏استعمال‏ ‏رسام‏ ‏المخ‏ ‏الكهربائى ‏وماهية‏ ‏الأحلام‏ ‏تتضح‏ ‏فسيولوجيا‏. ‏إمكانية تحديد‏ ‏ظهور‏ ‏النشاط‏ ‏الحالم‏ ‏بإيقاع‏ ‏حتمى ‏منظم‏ (20 ‏دقيقة‏ ‏كل‏ 90 ‏دقيقة‏ ‏أثناء‏ ‏النوم‏) برصدها تخطيطا أحدثت ‏أثر‏ ‏الصدمة‏ ‏على ‏المفسرين‏ ‏والمحللين[5]. ‏إن من‏ ‏أهم‏ ‏ما أثبته ‏ ‏هذا‏ ‏الاكتشاف هو إقرار‏ ‏أن‏ ‏الحلم‏ ‏يحدث‏ ‏حتما‏، ‏سواء‏ ‏تذكرناه‏ ‏وحكيناه‏، ‏أم‏ ‏لا‏، ‏وأن‏ ‏الحلم‏ ‏ليس‏ ‏-أساسا‏‏-‏ ‏حارسا‏ ‏للنوم‏ ‏كما‏ ‏قال‏ ‏فرويد [6] ، ‏بل لعل‏ ‏النوم‏ ‏هو‏ ‏خادم‏ ‏الحلم‏، ‏أى ‏أننا‏ ‏لانحلم لنحافظ على استمرار نومنا، وإنما الأصح أننا ننام لنحلم أساسا، وبانتظام راتب، وأننا إن لم ننم، فلن نحلم، ولن نعيد تنظيم معلوماتنا. لقد تأكد من خلال تجارب الحرمان من النوم، ثم من تجارب الحرمان من الحلم (من النوم الحالم) أن وظيفة الحلم هى وظيفة تنظيمية، تعزيزية تعليمية[7]  أساسا، الحلم ليس مجرد تنفيث أو تفريغ أو تحقيق رغبة، كما أنه ليس مجرد حارس للنوم، وقد أدت هذه الصدمة المعرفية إلى التقليلٍ من التركيز على محتوى الحلم لحساب الاهتمام أكثر فأكثر بدوره فى تحقيق التوازن النفسى والتنظيم التركيبى فى الصحة والمرض.

 2-3 ‏المأزق‏:‏

لا مفر من التسليم‏‏ ‏بالمعطيات‏ ‏الفسيولوجية‏ ‏للنشاط‏ ‏الحالم‏، ‏ولابديل عن الإقرار، ‏فى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏، ‏بخبرة‏ ‏الناس‏، ‏والمبدعين‏، ‏والمفسرين‏، ‏فيما‏ ‏يتعلق‏ ‏بالمحتوى، وبالتالى: فلابد‏ ‏من‏ ‏حل‏ ‏يخرجنا‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏المأزق‏. ‏هذا‏ ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏تحاوله‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة،‏ ‏وبيان‏ ‏ذلك‏:‏

إن‏ ‏ظاهرة‏ ‏الحلم‏ ‏المسجلة‏، ‏فسيولوجيا‏، ‏هى ‏النشاط‏ ‏الحالم‏ ‏الحيوى ‏المتناوب‏ ‏مع‏ ‏نشاط‏ ‏اليقظة‏ ‏من‏ ‏ناحية‏، ‏ومع‏ ‏طور‏ ‏بقية‏ ‏النوم‏ (‏غير‏ ‏الحالم‏ ‏أساسا، وليس تماما‏) ‏من‏ ‏ناحية‏ ‏أخرى.

 ‏هذا‏ ‏النشاط‏ ‏الحالم‏ ‏يقوم‏ ‏بتحريك‏ ‏الكيانات‏ ‏الداخلية‏، ‏أى ‏أنه‏ ‏يقوم‏ ‏بقلقلة‏ ‏المعلومات‏ ‏التى ‏لم‏ ‏تـُتمثل‏ ‏تماما‏، أى: ‏بتفكيك‏ ‏البنية‏ ‏القائمة‏ ‏نسبيا‏ ‏بهدف‏ ‏تحقيق‏ ‏درجة‏ ‏أكبر‏ ‏من‏ ‏التوازن‏ ‏والتكامل‏ ‏والتمثل‏ ‏والاستيعاب‏. يتكرر‏ ‏هذا‏ ‏النشاط‏ ‏إيقاعيا‏، ‏فى ‏محاولة‏ ‏دائبة لاستكمال‏ ‏مهمة‏ ‏التوازن‏ ‏والنمو‏ ‏البيولوجى التى لا تكتمل أبدأ مادامت الحياة تنمو باستمرار.

‏2-4 ‏الفرض‏ (‏فيما‏ ‏يتعلق‏ ‏بالحلم أساسا‏):‏

من خلال‏ ‏ما‏ ‏تابعته‏ ‏فى‏ ‏الممارسة‏ ‏الإكلينيكية، ‏‏وأيضا من الخبرة‏ ‏الشخصية تبين لى ‏أنه‏ ‏حين‏ ‏يستيقظ‏ ‏النائم‏ ‏ـ‏ أو‏ ‏يوقظ‏ ‏فى ‏أثناء‏ ‏هذا‏ ‏التنشيط‏ ‏الإيقاعى ‏المسمى ‏النوم‏ ‏الحالم‏ (‏أو‏ ‏النوم‏ ‏النقيضى: ‏أنظر‏ ‏بعد‏) ‏فإنه‏ ‏يواجَـه‏ -“‏وهو‏ ‏يستيقـظ‏”- ‏بكم‏ ‏غامر‏ ‏من‏ ‏مفردات‏ (‏معلومات‏) ‏تم‏ ‏تحريكها‏ ‏أثناء‏ ‏هذا‏ ‏النشاط‏ (‏الحالم‏). ‏وهو‏ ‏حين‏ ‏يحكى ‏الحلم‏ ‏إنما‏ ‏يؤلف‏ ‏بين‏ ‏بعض‏ ‏هذه‏ ‏المعلومات‏ ‏بطريقة‏ ‏لفظية مَرْوِيّة حتى يمكن‏ ‏للغة‏ ‏الحكى ‏أن‏ ‏تستوعبها‏، ‏بدرجة‏ ‏ما‏، ‏ومن‏ ‏ثَـم‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏تنقلها‏ ‏إلى ‏آخر‏، ‏أو‏ ‏أن‏ ‏يتذكرها‏ ‏الحالم‏ ‏أو‏ ‏يسجلها‏ ‏لنفسه‏، ‏ويتم‏ ‏التأليف‏ (‏قبل‏ ‏التسجيل‏) – فى ‏جزء‏ ‏من‏ ‏ثانية‏- ‏بطريقة‏ ‏غير‏ ‏طريقة‏ ‏التفكير‏ ‏والتأليف‏ ‏فى ‏أثناء‏ ‏اليقظة‏، ‏ليكون‏ ‏الناتج‏ ‏هو‏ ‏هذه‏ ‏الصورة‏ ‏المكثفة‏ ‏المتداخلة‏، ‏بما‏ ‏تحمل‏ ‏من‏ ‏سرعة‏ ‏نقل‏، ‏وتدوير‏ ‏للزمن‏، ‏أو‏ ‏عكسه‏، ‏أو‏ ‏تقطيعه‏.(‏أنظر‏ ‏بعد‏).‏

‏ انطلاقا من هذه المقدمة، التى هى جزء لا يتجزأ من الفرض ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يصاغ‏ ‏الفرض‏ ‏الأساسى ‏لهذه‏ ‏المداخلة‏ ‏على ‏الوجه‏ ‏التالى‏:‏

1- ثَمَّ‏ ‏نشاط‏ ‏بيو‏نفسى[8] ‏يسمى ‏الحلم‏، ‏وهو‏ ‏نشاط‏ ‏يشير‏ ‏إلى ‏العملية‏ ‏الناتجة‏ ‏عن‏ ‏النشاط‏ ‏الإيقاعى ‏الذى يمكن تسجيله‏ ‏برسام‏ ‏المخ‏، ‏فيما‏ ‏يسمى نوم‏ ‏حركة‏ ‏العين‏ ‏السريعة‏. ‏وهذا‏ ‏النشاط‏ ‏يشمل‏ ‏عمليات:‏ ‏القلقلة‏ ‏والتفكيك‏ ‏فإعادة‏ ‏الترتيب‏ ‏والصقل‏.

‏2-  ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏النشاط‏ ‏الأساسى ‏ليس‏ ‏هو‏ ‏الحلم‏ ‏الذى ‏نحكية‏ (‏فيفسره‏ ‏لنا‏ ‏ابن‏ ‏سيرين‏، ‏أو‏ ‏فرويد‏) ‏ولكنه‏ ‏المصدر ‏الحركى ‏للحلم‏ ‏المحكى، ‏أو‏ ‏هو‏ ‏معمل‏ ‏أبجديته‏.‏

3 – ‏تمثل‏ ‏المعلومات‏ ‏المُقَلْقلَة المُفكَكة المادة الخام (الأبجدية) التى نسج منها الحلم المحكى.

4- يتم‏ ‏تأليف الحلم‏ ‏أثناء‏ (‏لحظات‏) ‏عملية‏ ‏الاستيقاظ‏، ‏لا‏ ‏قبلها‏.‏

‏‏5- إن‏ ‏الحلم‏ ‏المحكى ‏ـ بناء‏ ‏على ‏ذلك ‏‏ـ‏ ‏هو‏ ‏نتاج‏ ‏عملية‏ ‏إبداعية‏ ‏هائلة‏ ‏السرعة‏، ‏تتم‏ ‏فى ‏جزء‏ ‏من‏ ‏الثانية‏، ‏أو‏ ‏فى ‏بضع‏ ‏ثوان[9] ، ‏فى ‏حالة‏ ‏بـينية‏ ‏من‏ ‏الوعى، ‏لاهى ‏وعى ‏الحلم‏، ‏ولاهى ‏وعى ‏اليقظة.

‏‏6- إن‏ ‏تذكر‏ ‏الحلم‏ ‏أو‏ ‏حكيه‏ ‏أو‏ ‏تسجيله‏ هى‏عمليات‏ ‏لاحقة‏ ‏لما‏ ‏تم‏ ‏تشكيله‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏المعلومات‏ ‏المُقَلْقَلة‏، ‏بتأليف‏ ‏تال‏ ‏فى ‏زمن‏ ‏آخر‏، ‏يسمح‏ ‏بالحكى ‏أو‏ ‏التسجيل‏.‏

2-5 ‏مستويات‏ ‏الحلم ومراحله‏:‏

أتوقف‏ ‏قليلا‏، ‏لأعتذر‏ ‏للأديب‏ ‏والشاعر‏ ‏والناقد‏، ‏والقارئ ‏عامة‏، ‏لإقحامه‏ ‏بعيدا‏ ‏عن‏ ‏بؤرة‏ ‏ما‏ ‏اعتاده الحديث عن الأحلام أو الإبداع‏، ‏إلا‏ ‏أنى ‏أطلب‏ ‏منه‏ ‏أن‏ ‏يصبـر‏ ‏حتى ‏يحكم‏ ‏على ‏ضرورة‏ ‏هذه‏ ‏المقدمة‏ ‏وأهمية‏ ‏هذا‏ ‏الفرض‏ ‏فى ‏التطبيقات‏ ‏المقترحة‏ ‏لقراءة‏ ‏الحلم‏ ‏وما‏ ‏يوازيها‏ ‏من‏ ‏كيفية‏ ‏قراءة‏ (‏نقد‏) ‏النص‏ ‏الأدبى.‏

يمكن‏ ‏تحديد‏ ‏المراحل‏ (‏المستويات‏) ‏التى ‏يمر‏ ‏بها‏ ‏الحلم‏ ‏المحكى، ‏من‏ ‏أول‏ ‏التنشيط‏ ‏الفسيولوجى، ‏وحتى ‏حكايته‏ (‏حلما‏) (‏فى ‏قص‏ ‏مسلسل‏ ‏أو‏ ‏صورة‏ ‏مشكلة‏) ‏كما‏ ‏يلى:‏

1)    ‏‏تبدأ‏ ‏العملية‏ ‏ بالظاهرة ‏الأساسية‏ ‏التى ‏تتمثل‏ ‏فى ‏التنشيط‏ ‏الإيقاعى ‏بالتناوب‏، ‏الذى ‏يسجل‏ ‏تحت‏ ‏مايسمى نوم الريم ‏‏REM  [10] وهو‏ ‏الحلم‏ ‏بمعناه‏ ‏الفسيولوجى، ‏وفيها‏ ‏يتم‏ ‏التحريك‏، ‏والقلقلة‏، ‏والتناثر‏، ‏للمعلومات‏

2)    تتحرك الكيانات‏ ‏المكونة‏ ‏للدماغ‏/‏المخ‏ (‏الذات‏)[11]، ‏تأهبا‏ ‏للتأليف‏، ‏والتمثل‏، ‏والتعزيز‏. ‏هذا‏ ‏المستوى ‏المبدئى ‏إنما‏ ‏يمثل‏ ‏حدة‏ ‏التنشيط‏ ‏الدورى ‏فى ‏طور‏ ‏البسط.

3)    ‏‏إن‏ ‏المحتوى ‏الفج‏ ‏الذى ‏يتحرك‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏المستوى ‏لايظهر‏ ‏أصلا‏ ‏فى ‏وعى ‏اليقظة‏، ‏فهو‏ ‏بالتالى ‏أبعـد‏ ‏عن‏ ‏أن‏ ‏تتناوله‏ ‏قدرة‏ ‏الحكى ‏من‏ ‏حيث‏ ‏المبدأ‏ (‏فى ‏الأحوال‏ ‏العادية‏)، ‏فيظل‏ ‏رصده‏ ‏لا‏ ‏يتعدى ‏رصد‏ ‏النشاط‏ ‏الكهربى ‏الدال‏ ‏عليه‏، ‏لكن‏ ‏آثاره‏ ‏التنظيمية‏، ‏والتعليمية‏، ‏والنمائية‏، ‏هى ‏التى ‏يمكن‏ ‏قياسها‏، ‏أما‏ ‏محاولة‏ ‏تسجيل‏ ‏المراحل‏ ‏الأسبق فتبدو مستحيلة بالأدوات، الحالية[12].

4)      قد‏ ‏يظهر‏ ‏هذا‏ ‏النشاط‏ ‏الفج‏ ‏بأقل‏ ‏قدر‏ ‏من‏ ‏التأليف‏ ‏الضام‏ ‏أو‏ ‏المسلسل‏، ‏وهو‏ ‏ما‏ ‏نستنتج‏ ‏بعض‏ ‏ملامحه‏ ‏فيما‏ ‏يظهر‏ ‏فى ‏شكل‏ ‏ما‏ ‏يسمى “‏الأحلام‏ ‏الذهانية‏” ‏أو‏ ‏شبه‏ ‏الذهانية‏، ‏حيث‏ ‏يبدو‏ ‏محتوى ‏الحلم‏ ‏مقطـعا‏ ‏وبدائيا‏ ‏وفجا‏ ‏ومتناثرا‏ ‏ومرعبا‏ ‏مشتملا‏ ‏على ‏أجزاء‏ ‏الجسد‏، ‏والكائنات‏ ‏الخرافية‏ ‏والنقلات‏ ‏المستحيلة،‏ ‏مما‏ ‏لا‏ ‏يمكن‏ ‏جمعه‏ ‏إلا‏ ‏لصقا‏ ‏متعسفا‏.‏ ‏إن‏ ‏ما‏ ‏يسمى ‏الأحلام‏ ‏الذهانية‏ ‏ليس‏ ‏ذهانا‏ (‏مرضا‏) ‏ولا‏ ‏هى ‏أحلام‏ ‏الذهانى، ‏لكنها‏ قد ‏تعتبر‏ ‏فى ‏بعض‏‏ ‏الأحيان‏ ‏إرهاصات‏ ‏بالنكسة‏ ‏أو‏ ‏إنذارات‏ ‏ تفسًّخ ‏قادم‏.‏ على ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏التناثر‏ ‏هو‏ ‏نفسه‏ ‏الذى ‏قد‏ ‏يكون‏ ‏المادة‏ ‏الأكثر‏ ‏أصالة‏ ‏لما‏ ‏سوف‏ ‏يسمى ‏فيما‏ ‏بعد‏ “‏الإبداع‏ ‏الفائق‏” ‏أو‏ “‏الخالقى‏”.‏

5)    ‏أغلب‏ ‏الأحلام‏ ‏المحكية‏ ‏يتم تشكيلها‏ “‏أثناء‏” ‏عملية‏ ‏الاستيقاظ‏، ‏لا‏ ‏بعد‏ ‏الاستيقاظ‏ ‏الكامل‏، ‏ولا‏ ‏هى ‏ما‏ ‏حدث‏ ‏أثناء‏ ‏الحلم‏ ‏فعلا‏، ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏الشخص‏ ‏وهو‏ ‏يعايش‏ ‏مرحلة‏ ‏استيقاظه‏ ‏يلتقط‏ ‏بعض‏ ‏معالم‏ ‏المادة‏ ‏المستثارة‏ ‏بدرجة‏ ‏تسمح‏ ‏له‏ ‏أن‏ ‏يؤلف‏ ‏منها‏ ‏حلمه‏ ‏الذى ‏يحكيه‏ ‏على ‏أنه‏ ‏الحلم‏.‏

6)    فى ‏كثير‏ ‏من‏ ‏الأحيان‏، ‏وبعد‏ ‏أى ‏مرحلة‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏المراحل‏، ‏قد‏ ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏الحالم‏ ‏أن‏ ‏يحكى ‏الحلم‏، ‏وكثيرا‏ ‏ما‏ ‏ينكر‏ ‏أنه‏ ‏حلــم‏ ‏أصلا‏، ‏وهذا‏ ‏لا‏ ‏يعنى ‏أن‏ ‏ذلك‏ ‏صحيح‏، ‏بل‏ ‏إنه‏ قد ‏يشير‏ ‏إلى ‏غلبة‏ ‏ميكانزمات‏ ‏الإنكار‏ ‏والمحو‏ ‏والكبت‏ ‏التى تمنعه من مجرد حكى أحلامه‏.‏

يمكننا‏، ‏إذن‏، ‏صياغة‏ ‏عملية‏ ‏الحلم‏ ‏فى ‏مراحل‏ ‏ثلاث‏ ‏أساسية‏، ‏هى‏:‏

‏‏المرحلة‏ ‏الأولى:

 ‏يتم‏ ‏فيها‏ ‏الحلم‏، ‏دون‏ ‏إمكان‏ ‏حكايته‏، ‏وهى ‏ما‏ ‏سوف‏ ‏نسميه‏ ‏هنا‏: “‏الحلم‏ ‏بالقوة‏”، ‏أو‏ ‏الحلم‏ ‏الخام‏ (‏حركية‏ ‏الحلم‏ ‏الأولية‏).‏

‏‏المرحلة‏ ‏الثانية‏:

يغلب‏ ‏فيها‏ “‏الرصد‏” ‏على “‏التأليف‏” ‏مع‏ ‏احتمال‏ ‏حكاية‏ ‏الحلم‏. “‏هكذا‏”، ‏بقدر‏ ‏هائل‏ ‏من‏ ‏تناثره‏ ‏وتكثيفه‏، ‏ونسميها‏: “‏الحلم‏ ‏بالفعل‏”، ‏أو‏ “‏الحلم‏ ‏الحركى“‏.‏

المرحلة‏ ‏الثالثة‏:

هى ‏المرحلة‏ ‏التى ‏تسمى ‏عند‏ ‏العامة‏ ‏وعند‏ ‏الخاصة‏ ‏أيضا ‏”‏حلما‏” ‏من‏ ‏حيث‏ ‏إنها‏ ‏الحلم‏ ‏كما‏ ‏يحكيه‏ ‏الحالم‏ ‏تأليفا‏‏ ‏عادة‏، ‏ونسميها‏: “‏الحلم‏ ‏بالتأليف‏”. ‏أو‏ “‏الحلم‏ ‏المبدَع”، على ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏المرحلة‏ ‏الأخيرة‏ ‏ليست‏ ‏واحدة‏، ‏عند‏ ‏كل‏ ‏الناس‏، ‏ذلك‏ ‏لأن‏ ‏التأليف‏ ‏يختلف‏ ‏أصالة‏ ‏وتزييفا‏، ‏بحسب‏ ‏درجة‏ ‏وصاية‏ ‏نوع‏ ‏التفكير‏ ‏االذى ‏يقوم‏ ‏بعملية‏ ‏الإبداع‏ ‏ساعة‏ ‏اليقظة‏، ‏أى الذى يتولى مهمة ‏إعادة‏ ‏التشكيل‏ ‏من‏ ‏المادة‏ (المعلومات)  ‏المتاحة‏ ‏عند‏ ‏الاستيقاظ‏ ‏مباشرة‏.‏

‏ ‏وتقل‏ ‏جرعة‏ ‏إبداع‏ ‏الحلم‏ ‏كلما‏ ‏اقتربت‏ ‏حكاية‏ ‏الحلم‏ ‏من‏ ‏اللغة‏ ‏العادية‏ ‏والتسلسل‏ التتابعى ‏العادى، ‏حتى ‏تصل‏ ‏بعض‏ ‏الأحلام‏ ‏إلى ‏حد‏ ‏تكاد‏ ‏عنده‏ ‏ألا‏ ‏تكون‏ ‏لها‏ ‏علاقة‏ ‏أصلا‏ ‏بالنشاط‏ ‏الحالم‏ ‏الذى ‏أثارها‏. مثل هذه الأحلام هى التى  ‏تستحق  ‏أن‏ ‏يقال‏ ‏عنها‏ “‏الحلم‏ ‏بالتزييف‏”.‏

‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نتصور‏ ‏متدرجا‏ ‏ـ ‏‏نظريا‏‏ـ‏ ‏لإبداع‏ ‏الحلم‏، ‏يبدأ‏ ‏فى ‏أقصى ‏ناحية‏ ‏من‏ ‏تصور‏ ‏أن‏ ‏المادة‏ ‏التى ‏نُشطت‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يلتقطها‏ ‏الحالم‏ ‏كما‏ ‏هى (‏كالتصوير‏ ‏الفوتوغرافى ‏العادى‏)، ‏وهذا‏ ‏مستحيل‏ ‏كما‏ ‏أشرنا‏، ‏وينتهى ‏فى ‏أقصى ‏الناحية‏ ‏الأخرى، ‏بتصور‏ ‏أن‏ ‏المادة‏ ‏المُنشطة‏ ‏سوف‏ ‏تختفى ‏تماما‏ ‏من‏ ‏وعى ‏اليقظة‏، ‏وتحل‏ ‏محلها‏ ‏مادة‏ ‏مزيفة‏‏، ‏وهذا‏ ‏ما‏ ‏يبدو‏ ‏فى ‏صورة‏ ‏الأحلام‏ ‏التى ‏تُـحكى ‏متسقة‏ ‏ومنتظمة‏ ‏ومسلسلة‏ ‏وظاهرة‏ ‏الدلالة‏، ‏والتى ‏تشبه‏ ‏كثيرا‏ ‏أحلام‏ ‏اليقظة‏، ‏أو‏ ‏أحداث‏ ‏اليقظة‏.‏

وكل‏ ‏مايقع‏ ‏بين‏ ‏هاتين‏ ‏النقطتين‏ ‏القصويين‏ ‏يمثل‏ ‏درجة‏ ‏ما‏ ‏من‏ ‏درجات‏ ‏الإبداع‏ ‏الذى ‏يختلف‏ ‏باختلاف‏ ‏قدر‏ ‏تحمل‏ ‏المواجهة‏ ‏الغائرة‏ ‏التى ‏ تَعْتَعَها‏ ‏نشاط‏ ‏الحلم‏ ‏الأساسى‏.‏

بقدر اختلاف‏ ‏جرعة‏ ‏أمانة‏ ‏التسجيل‏ ‏من‏ ‏ناحية‏، ‏ونشاط‏ ‏التأليف‏ ‏الضام‏ ‏للمادة‏ ‏المستثارة‏ ‏من‏ ‏ناحية‏ ‏أخرى، ‏فى ‏مقابل‏ ‏التسجيل‏ ‏المَلَّفق‏، دون‏ ‏وعى كامل: ‏يبدو‏ ‏الحلم‏ ‏إبداعا‏ ‏أصيلا‏، ‏أو‏ ‏تفسخا‏ ‏غامضا‏ ‏أو‏ ‏تسطيحا‏ ‏بديلا‏. ‏

الحلم‏ ‏بالقوة

على ‏هذا‏ ‏الأساس‏ ‏يمكن‏ ‏تقسيم‏ ‏الأحلام‏ ‏حسب‏ ‏موقعها‏ ‏على ‏هذا‏ ‏المتدرج‏ ‏إلى ‏مستويات‏ ‏حسب‏:

(‏أ‏) ‏درجة‏ ‏التكثيف‏ ‏ ‏

(‏ب‏) ‏فرط‏ ‏التداخل

(‏جـ‏) ‏مستوى ‏اللغة‏ ‏المستعملة ‏ 

(‏د‏) ‏نوع‏ ‏العلاقات‏.‏

1)     ‏فثم‏ ‏حلم‏ ‏شديد‏ ‏التكثيف‏، ‏سريع‏ ‏النقلات‏، ‏متعدد‏ ‏الطبقات‏، ‏واهـى ‏العلاقات‏، ‏وهو‏ ‏الأقرب‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏أسميناه‏ “‏الحلم‏ ‏بالفعل‏” (= الحلم الحركى) مع‏ ‏تذكر‏ ‏أن‏ ‏الحلم‏ الخام، أى الحلم ‏بالقوة،‏ ‏السابق‏ ‏للحلم‏ ‏بالفعل‏ ‏لا‏ ‏يظهر‏ ‏كما‏ ‏هو‏ ‏أبدا‏.‏ فعل‏ ‏الإبداع‏ (‏إبداع‏ ‏الحلم‏ ‏بالفعل‏) ‏هنا‏ ‏قوى ‏وصادق‏، ‏لأنه‏ ‏ليس‏ ‏تصويرا‏ ‏بسيطا‏، ‏ومن‏ ‏ثم‏ ‏فإن‏ ‏حكايته‏ ‏كما‏ ‏هو‏ ‏-‏ ‏لو‏ ‏أمكن -‏ ‏هى ‏محاولة‏ ‏إحاطة‏ ‏ضامّة‏ ‏لتناقضات‏ ‏مواجهة‏، ‏فى ‏إطار‏ ‏مسئولية‏ ‏الوعى، ‏وعادة ما يصعب أو يستحيل ترجمته حرفيا‏ ‏إلى ‏لغة‏ ‏اليقظة‏، ‏فهو‏ لا ‏يُحكى ‏عادة‏ ‏بما هو، فإذا حُكى فإنه يحكى بشكل‏ ‏غامض‏ ‏ومتداخل‏ ‏واحتمالىّ، وليس بشكل‏ ‏حكى ‏واضح‏ ‏مسلسل‏.‏

وقد تظهر لمحة منفصلة من هذا الحلم بشكل ‏ ‏شديد‏ ‏التركيز‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نطلق‏ ‏عليه‏ ‏إسم‏: “‏الحلم‏ ‏اللقطة‏  Shot ‏تكون‏ ‏أكثر‏ ‏وضوحا‏ ‏وأقل‏ ‏تشكيلا ‏ ‏لشدة‏ ‏قصر الحلم ‏ ‏مما‏ ‏يخفف‏ ‏من‏ ‏غموضه‏ ‏وإن‏ ‏لم‏ ‏يقلل‏ ‏من‏ ‏عمقه‏‏.‏

2)    ‏وكلما‏ ‏قلت‏ ‏جرعة‏ ‏التناثر‏ ‏وخف‏ ‏التكثيف‏ ‏وزادت‏ ‏غلبة‏ ‏التفكير‏ ‏العادى (‏التفكير‏ ‏من‏ ‏نوع‏: “‏حل‏ ‏المشاكل‏”) ‏نبتعد‏ ‏عن‏ ‏عمق‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏حلم‏ ‏بالقوة‏ ‏أو‏ ‏بالفعل‏، ‏لنتجه‏ ‏نحو‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏تأليف ‏و‏إبداع‏ ‏فى ‏حالة‏ ‏وعى ‏متوسط‏ ‏بين‏ ‏النوم‏ ‏واليقظة‏.‏

3)    ‏ثم‏ ‏ينتهى ‏المتدرج‏ ‏إلى ‏الحلم‏ ‏المزيف‏ (‏الحلم‏ ‏اللا‏ ‏حلم‏)؛ ‏وهو‏ ‏الحلم‏ ‏الذى ‏يكاد أن ينفصل ‏عن جوهر ‏التنشيط‏ ‏الحالم‏، ‏ومن‏ ‏ثم‏ المادة‏ ‏المفككة‏ ‏المستثارة‏؛ ‏وكأنه‏ ‏استبدال‏ ‏للحلم‏ ‏الأصيل‏ ‏بحلم‏ ‏مصنوع‏ ‏بتأثير‏ ‏خيال‏ ‏يشبه‏ ‏خيال‏ ‏حلم‏ ‏اليقظة‏، ‏وهو‏ ‏يتم‏ ‏فى ‏وساد‏ ‏ما‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يسمى: ‏الوعى ‏المنشق[13]‏‏ وهو‏ ‏وعى ‏مواز‏ ‏لوعى ‏اليقظة‏ ‏وليس‏ ‏متبادلا‏ ‏معه‏ ‏مثل‏ ‏وعى ‏النوم‏ ‏ووعى ‏الحلم‏ ‏الفسيولوجى (‏ الخام بالقوة‏).

قد‏ ‏نقابل‏ ‏هذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏الأحلام‏ ‏المزيفة‏، ‏عندما‏ ‏نوقظ‏ ‏النائم‏ ‏فى ‏فترة‏ ‏النوم‏ ‏غير‏ ‏الحالم‏ (‏بدون‏ ‏الريم) ‏NREM، ‏فنجده‏ ‏يحكى ‏حلما‏ ‏يقال‏ ‏عنه‏ ‏إنه‏ “‏مثل‏-‏التفكير‏ ‏المفهومى ‏فى ‏اليقظة‏”[14]، ‏ويقصدون‏ ‏أنه‏ ‏مرتب‏، ‏منطقى، ‏مسلسل‏، ‏واضح‏. ‏وهذا‏ ‏يؤكد‏ ‏ماذهبنا‏ ‏إليه‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏مثل‏ ‏هذا‏ ‏الحالم‏ ‏حين‏ ‏أوقظ‏ ‏لم‏ ‏تكن‏ ‏فى ‏مواجهته‏ ‏مادة (معلومات)‏ ‏مفككة‏ ‏متزاحمة‏ ‏متحركة‏ ‏أصلا‏، ‏وبالتالى ‏لم‏ ‏تتحرك‏ ‏العين‏ ‏بسرعة‏ ‏لتتبعها‏، ‏فانشق‏ ‏وعى اليقظة‏ ‏ونسج‏ ‏ما‏ ‏يتلاءم‏ ‏مع‏ ‏شقه‏ ‏الواعى، ‏مثلما‏ ‏تعّود‏ ‏فى ‏حالة‏ ‏اليقظة‏.

2-6 ‏الحلم‏ ‏نشاط‏ ‏معرفى[15] (‏معرفى‏/‏إبداعى‏)‏

أكدنا‏ ‏فيما‏ ‏سبق‏ ‏أن‏ ‏الحلم‏ ‏ليس‏ ‏مجرد‏ ‏تفريغ‏ ‏دوافعى، ‏أو‏ ‏انفعال‏ ‏موجه‏، ‏أو‏ ‏إدراك‏ ‏سلبى، ‏وقد‏ ‏نوقش‏ ‏ذلك‏ ‏فى ‏الأدبيات‏ ‏المنشورة‏ ‏بتفصيل‏ ‏مسهب‏، ‏ثم‏ ‏إن‏ ‏النظر‏ ‏الأحدث‏ ‏إلى ‏نشاط‏ ‏الحلم‏ ‏ينفى ‏أنه‏ ‏نشاط‏ ‏بدائى ‏يستعمل‏ ‏العمليات‏ ‏الأولية‏ ‏فحسب‏ (‏كما‏ ‏زعم‏ ‏فرويد‏) ‏تلك‏ ‏العمليات‏ ‏التى ‏تغلب‏ ‏على ‏تفكير‏ ‏الطفل‏، ‏والمجنون‏، ‏والشخص‏ ‏البدائى (‏كما‏ ‏يزعمون‏)، ‏فى ‏مقابل‏ ‏العمليات‏ ‏الثانوية[16] ‏التى ‏تصف‏ ‏تفكير‏ ‏الناضج‏ ‏الممنطق‏ (‏منطق‏ “‏أرسطو‏، وليس منطق ‏فون‏ ‏دوماروس‏”[17]، ‏فإلى ‏أى ‏نوع‏ ‏من‏ ‏النشاط‏ ‏العقلى ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏ينتمى ‏الحلم؟

إن‏ ‏الحلم‏ ‏يستعمل‏ ‏مزيجا‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏العمليات‏ ‏العقلية‏: ‏الأولية‏ ‏فى ‏مراحله‏ ‏الأولى، ‏والثانوية‏ ‏فى ‏مراحله‏ ‏المزيفة‏ ‏والإبدالية‏، ‏لكنه‏ ‏أيضا‏ ‏يستعمل‏ ‏العمليات‏ ” ‏الثالثوية‏” ‏التى ‏قال‏ ‏بها‏ “‏أريتى S.Arieti”  ‏وهى ‏العمليات‏ ‏التى تجمع‏ ‏بين‏ العمليات ‏الأولية‏ ‏والثانوية‏ ‏فى ‏ولاف‏ ‏ضام‏[18]، ‏وقد‏ ‏أشار‏ ‏إلى ‏مثل‏ ‏ذلك‏ “‏ديستويفسكى‏” ‏نصا‏ ‏حين‏ ‏قال‏: “… ‏تتميز‏ ‏الأحلام‏ ‏ببروز‏ ‏قوى، ‏وشدة‏ ‏خارقة‏، ‏وتتميز‏ ‏كذلك‏ ‏بتشابه‏ ‏كبير‏ ‏مع‏ ‏الواقع‏، ‏قد‏ ‏يكون‏ ‏مجموع‏ ‏اللوحة‏ ‏عجيبا‏ ‏شاذا‏، ‏ولكن‏ ‏الإطار‏، ‏ومجمل‏ ‏تسلسل‏ ‏التصور‏ ‏يكونان‏ ‏فى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏، ‏على ‏درجة‏ ‏عالية‏ ‏من‏ ‏المعقولية‏، ‏ويشتملان‏ ‏على ‏تفاصيل‏ ‏مرهفة‏ ‏جدا‏، ‏تفاصيل‏ ‏غير‏ ‏متوقعة‏، ‏تبلغ‏ ‏من‏ ‏حسن‏ ‏المساهمة‏ ‏فى ‏كمال‏ ‏المجموع‏ ‏أن‏ ‏الحالم‏ ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يبتكرها‏ ‏فى ‏حالة‏ ‏اليقظة‏، ‏ولو‏ ‏كان‏ ‏فنانا‏ ‏كبيرا‏، ‏مثل‏ “‏بوشكين‏”، ‏أو‏ “‏تورجنيف‏”[19]. (‏وسوف‏ ‏أرجع‏ ‏إلى ‏تفصيل بعض‏ ‏ذلك‏ ‏عند‏ ‏التطبيق‏ ‏المقارن‏).‏

إذن‏، فالحلم‏ ‏ليس‏ ‏مجرد‏ ‏خلط‏ ‏عشوائى، ‏وإنما‏ ‏هو‏ ‏أحد‏ ‏تجليات‏ ‏الإبداع‏ ‏الخاص‏ ‏فى ‏ظروف‏ ‏لا‏ ‏تسمى ‏إبداعا‏ ‏أصلا‏، ‏ذلك‏ ‏لأنه‏ ‏يحضر فجّا‏ ‏ ‏نتيجة‏ ‏سرعته‏ ‏الهائلة، وتناهى قصر وحدته الزمنية‏، ‏مما‏ ‏يجعل‏ ‏احتمالات‏ ‏تشويهه‏ ‏وتسطيحه‏ ‏أكثر‏ ‏تواترا‏ ‏من‏ ‏الإبداع‏ ‏المصقول‏، لكنه إبداع بمعنى أن ناتجه، فى حالة كفاءة وظيفته ولو على المدى الطويل، هو إعادة تنميط [20]،  أى أنه تنسيق تلقائى دورى راتب (انظر بعد)، مقارنة بالإبداع الذى هو إعادة تشكيل فى حالة من الوعى الفائق والإرادة الغامضة المشتمِلة.

‏2-7 ‏مادة‏ ‏الحلم‏ (‏أبجديته‏)، ‏وظروف‏ ‏إبداعه‏، ‏ولغته‏:‏

النشاط‏ ‏الحالم‏ ‏الأساسى ‏يعلن‏ ‏حالة‏ ‏حركية‏ ‏من‏ ‏صور‏ ‏متداخلة‏ ‏وكيانات‏ مقلقلة ‏‏‏نشطة‏، ‏وتفكيك‏، ‏وتناثر‏، ‏ومستويات‏، ‏وتداخل.‏ ‏هذا‏ ‏كله‏ ‏هو‏ ‏المادة‏ ‏التى ‏ينسج‏ ‏منها‏ ‏الحالم‏ ‏موضوع‏ ‏إبداعه‏، ‏هذا‏ ‏ما‏ ‏يخص‏ ‏نشاط‏ ‏الحلم‏ ‏أثناء‏ ‏حركة‏ ‏العين‏ ‏السريعة‏ نوم “الريم”‏ ‏دون‏ ‏نشاط‏ ‏الحلم الخطى المفهومى (إن صح التعبير)‏ ‏ ‏ ‏الذى ‏يحدث‏ ‏فى ‏غياب‏ ‏”الريم”[21].

‏2-8 “‏أبجدية‏ ‏الحلم‏” ‏وطبيعتها‏ ‏البيولوجية‏ ‏والتركيبية‏.‏

يتطلب‏ ‏ذلك‏ ‏منا‏ ‏عددا من الاعتبارات أهمها‏:‏

1)    ‏‏ عدم اختزال‏ ‏الدال‏ ‏فورا‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏يدل‏ ‏عليه[22].‏

2)    ‏ العزوف عن معاملة‏ ‏المعلومة[23] ‏باعتبارها‏ ‏رمزا‏ ‏لا‏ ‏كيانا‏.‏

3)    ‏ تجنّب تغليب‏ ‏العلامة‏ ‏على ‏الصورة‏ ‏المباشرة‏.

على ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏صعوبة‏ ‏هذه‏ ‏المتطلبات‏، ‏إلا‏ ‏أنها‏ ‏ضرورية ‏ ‏للتقدم‏ ‏لاستيعاب‏ ‏اعتبارات‏ ‏أساسية‏ ‏عن‏ ‏كل‏ ‏من‏:‏

1- ‏تعدد‏ ‏الكيانات‏/الذوات/مستويات الوعى/حالات العقل[24] (‏بلا‏ ‏حصر‏) ‏فى ‏كلية‏ ‏الوجود‏ ‏البشرى[25].

2- ‏حضور‏ ‏المعلومات‏ ‏باعتبارها‏ ‏كيانات‏ ‏مُـدخلة‏ ‏من‏ ‏الخارج‏، ‏ومستثارة‏ ‏من‏ ‏الداخل‏، ‏قابلة‏ ‏للتمثيل‏ (‏الهضم‏ ‏فالولاف‏) ‏على ‏مراحل‏.‏

3- ‏التعامل‏ ‏مع‏ ‏هذه‏ ‏الكيانات‏/‏المعلومات‏ ‏من‏ ‏منطلق‏ “‏بيولوجى/نفسى/كيانى” ‏ ‏فى ‏آن‏.‏

هذا‏ ‏المدخل‏ ‏يعلّـمنا‏ ‏كيف‏ ‏نتعامل‏ ‏مع‏ ‏الكيان‏ ‏البشرى ‏باعتباره‏ ‏جـُّمـّاعا‏ ‏حركيا‏ ‏من‏ ‏الكيانات‏/المعلومات‏ ‏فى ‏تشكيل‏ ‏مستمر‏، ‏كما‏ ‏يمكننا‏ ‏أن‏ ‏نتمثل‏ ‏المعلومة‏ ‏المُـدخلة‏ ‏والمستثارة‏، ‏باعتبارها‏ ‏فى ‏حركية‏ ‏جدلية‏ ‏نوابية‏ ‏متصلة‏ ‏بين‏ ‏الاستقلال‏ ‏من‏ ‏ناحية،‏ ‏ومشروع‏ ‏التلاشى ‏بالتمثل‏ ‏- ‏‏ولافيا ‏‏- ‏ ‏فى ‏الكل‏ ‏النامى (‏حالة كونه فى إبداع متصل تلقـِّـيا، فتمثـُّلا، فحركيَـة‏) ‏من‏ ‏ناحية‏ ‏أخرى. يتم‏ ‏هذا‏ ‏فى ‏دورات‏ ‏الإبداع‏ ‏اليومى (‏اليقظة‏/‏النوم‏/‏الحلم‏)، ‏كما‏ ‏يتم‏ ‏بشكل‏ ‏أكثر‏ ‏إحاطة‏ ‏وأطول‏ ‏زمنا‏ ‏فى ‏دورات‏ ‏النمو‏ ‏الدورى ‏على ‏مسار‏ ‏النمو‏ ‏الفردى، ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏حركية‏ ‏ما‏ ‏يسمى ‏”الإيقاع‏ الحيوى” ‏والذى ‏تتكون‏ ‏دوراته‏ ‏معرفيا‏ ‏من‏ ‏طور‏ ‏يغلب‏ ‏عليه‏ ‏التزود‏ ‏بالمعلومات، هو طور التلقى أو الملء [26]، ثم دور البسط، ‏ حيث‏ ‏يتم‏ ‏بسط‏ ‏هذه‏ ‏المعلومات – مع‏ ‏غيرها‏- ‏لإمكان‏ ‏تمثلها‏.‏

‏ ‏هذا‏ ‏التحريك‏ ‏الحيوى يتجلى فى نشاط‏ ‏الحلم‏ ‏الأقرب إلى  ‏طور‏ ‏البسط‏، ‏ذلك‏ ‏الطور‏ ‏الذى ‏يقلقل‏ ‏هذه‏ ‏الكيانات‏، ‏وينشط‏ ‏المعلومات‏ ‏التى ‏لم‏ ‏تُتَمثل‏ ‏تماما‏ ‏بهدف‏ ‏استكمال‏ ‏سعيها‏ ‏إلى ‏الاندماج‏ ‏التام‏ ‏فى ‏الكل‏ ‏الحيوى، ‏فيصبح‏ ‏المخ‏ ‏فى ‏طور‏ ‏البسط‏ ‏هذا عالَمًا ‏يموج‏ ‏بالناس‏ (‏ناس‏ ‏الداخل‏)، ‏والمفاهيم‏، ‏والموضوعات، والأجزاء‏، ‏والحروف‏، ‏واللغات‏.‏

هنا‏ ‏يجب‏ ‏أن‏ ‏ننبه‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏التحريك‏ ‏لا‏ ‏يتوقف‏ ‏على ‏المعلومات‏ ‏المكتسبة‏ ‏بالخبرة‏ ‏فحسب‏، ‏بل‏ ‏يمتد‏ ‏أيضا‏ ‏إلى ‏المعلومات‏ ‏الموروثة‏ ‏عبر‏ ‏تاريخ‏ ‏الفرد‏، ‏بل‏ ‏النوع‏، ‏فتصبح‏ ‏كل‏ ‏هذه‏ ‏المادة‏ ‏الكامنة‏ ‏سابقا، ‏و إلى درجة أكبر كثيرا: المُـدخله‏ ‏حديثا، ‏ ‏فى ‏متناول‏ ‏مستوى ‏ما‏ ‏من‏ ‏وعى ‏الحالم‏ ‏فى ‏أثناء‏ ‏عملية‏ ‏الاستيقاظ‏.‏

يختلف‏ ‏كل‏ ‏شخص‏ ‏عن‏ ‏الآخر‏ ‏فى ‏كيفية‏ ‏التعامل‏ ‏مع‏‏ ‏المادة‏ ‏المستثارة‏ ‏فى ‏طور‏ ‏البسط (التنشيط) اختلافا هاما من حيث ما يلى‏:

1- حسب‏ ‏قدر‏ تصالحه‏ ‏مع‏ ‏الداخل‏ (‏التصالح‏ ‏مع‏ ‏الداخل‏: ‏بمعنى ‏تناغم‏ ‏المعلومات‏، ‏معا‏، ‏مع‏ ‏تحمل‏ ‏الناشز‏ ‏منها‏ ‏سعيا‏ ‏للتقابل‏ ‏فالجدل‏)،

2-  وكذلك:‏ ‏حسب‏ ‏قدرته‏ ‏على ‏قبول‏ ‏لغة‏ ‏أخرى ‏دون‏ ‏الإسراع‏ ‏بترجمتها ‏إلى ‏اللغة‏ ‏السائدة‏،

3- وأيضا‏: ‏باختلاف‏ ‏نوع‏ ‏المادة‏ ‏المثارة‏، ‏ومدى ‏عمق‏ ‏انغراسها‏ ‏فى ‏تاريخ‏ ‏الشخص‏ ‏أو‏ ‏تاريخ‏ ‏النوع،‏

4وأخيراً: حسب‏ ‏ما‏ ‏تمثله‏ ‏كل‏ ‏هذه‏ ‏العمليات‏ ‏من‏ ‏تهديد‏ ‏لتماسك‏ ‏ذات‏ ‏الشخص‏ ‏الكلية، ‏سواء‏ ‏أثناء‏ ‏الحلم،‏ ‏أم‏ ‏أثناء‏ ‏النمو‏، ‏أم‏ ‏فى ‏خبرة‏ ‏الإبداع‏.

‏إن‏ ‏تناسب‏ ‏جرعة‏ ‏المادة‏ المتاحة بفعل البسط ‏مع‏ ‏قدرة‏ ‏السماح‏ ‏بمثولها‏ ‏فى مستوى ما من مستويات ‏وعى ‏اليقظة‏، ‏هو‏ ‏الذى ‏يسمح‏ ‏باستيعابها‏ ‏من‏ ‏جديد‏ ‏حسب‏ ‏القدرة‏ ‏النمائية‏ (‏الإبداعية)‏ ‏للفرد‏ ‏فى ‏وقت‏ ‏بذاته‏ (أو مرحلة بذاتها أو ‏لحظة‏ ‏بذاتها‏).‏

‏2-9 ‏لغة‏ ‏الحلم

اختلف‏ ‏المفسرون‏ ‏والحالمون‏ ‏جميعا‏ ‏على ‏”أبجدية و‏طبيعة‏ ‏لغة‏ ‏الحلم‏”، ‏ولكنهم‏ ‏اتفقوا‏ ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏، ‏على ‏أن‏ ‏ثمة‏ ‏لغة‏ (‏مع لزوم تكرار‏ ‏أن‏ ‏اللغة‏ ‏غير‏ ‏الكلام‏، ‏فاللغة‏ ‏بنية‏، ‏والكلام‏ ‏بعض‏ ‏مظاهرها‏). ‏وقد‏ ‏كاد‏ ‏الاتفاق‏ ‏ينعقد‏ ‏على ‏أن‏ ‏لغة‏ ‏الحلم‏ ‏هى ‏لغة‏ ‏مصورة‏ ‏أساسا‏، ‏لها‏ ‏نحوها‏ ‏وبلاغتها‏ ‏الخاصة‏، ‏وأنه‏ ‏يمكن‏ ‏حل‏ ‏شفرتها‏ ‏نسبيا‏ ‏بجهد‏ ‏منظم‏.‏

هنا‏ ‏تثار‏ ‏قضية‏ ‏إنكار‏ ‏حق‏ “‏الصورة‏” ‏فى ‏المثول‏ “‏هكذا‏” ‏من‏ ‏حيث‏ ‏هى ‏كيان‏ ‏دال‏ ‏قائم‏ ‏بذاته‏، ‏كيان‏ ‏قادر‏ ‏على ‏التشكيل‏ ‏الحر،‏ ‏حتى ‏لو‏ ‏لم‏ ‏يُـفِـد‏ ‏ما اعتدنا أن نستقبله باللغة المفهومية. ‏هذا‏ ‏الإنكار‏ ‏إنما‏ ‏يعلن‏ ‏قدرا‏ ‏هائلا‏ ‏من‏ ‏التحيز‏ ‏للرمز‏ “‏المفهومي‏”، ‏على ‏حساب‏ “‏المثول‏ ‏العيانى‏”؛ ‏الأمر‏ ‏الذى ‏حاول‏ ‏الشعر‏ ‏أن‏ ‏يعدله‏ ‏ويرد‏ ‏عليه‏، ‏حتى ‏وصل‏ ‏إلى ‏ماسمى ‏بـ ‏”‏الشعر‏ ‏العيانى‏”[27]‏. على ‏أن‏ ‏الفرض‏ ‏المطروح‏ ‏هنا‏ ‏يتجاوز‏ ‏مجرد‏ ‏فهم‏ ‏أو‏ ‏احترام‏ ‏ما‏ ‏هو‏ “‏صورة‏” ‏إلى ‏اعتبار‏ ‏الصور‏ ‏المتاحة‏ ‏لتأليف‏ ‏الحلم‏ ‏ليست‏ “‏صورا‏”، ‏بل‏ ‏واقعا‏ ‏حيا‏: ‏كيانات‏ ‏متحركة‏ ‏مشحونة [28]‏. نحن‏ ‏ننفى ‏بذلك‏ ‏أن‏ ‏الحلم‏ ‏لكى “‏يقول‏”، ‏أى ‏لكى ‏يتشكل/يتألف،‏ ‏فإنه‏ ‏يتحتم‏ ‏عليه‏ ‏أن‏ ‏يقلب‏ “‏الأفكار‏” ‏إلى “‏هلاوس‏”، ‏لتكون‏ ‏صورا‏، ‏ومن‏ ‏ثـم‏ ‏لا‏ ‏يصح‏ ‏أيضا‏ ‏أن‏ ‏نفعل‏ ‏نحن‏ ‏عكس‏ ‏الشئ ‏ونحن نتصور اننا نقوم  بتفسير‏ ‏الحلم‏، ‏أى:  ‏لا يصح أن‏ ‏نقلب‏ ‏الصور‏ ‏برمـتها‏ ‏إلى ‏أفكار‏ ‏ومفاهيم‏. هذا‏ ‏هو‏ ‏خطأ‏ ‏فرويد‏، ‏وابن‏ ‏سيرين‏ ‏معا‏ (‏كمثالين‏ ‏مختلفين‏). الصور‏ ‏كما‏ ‏تحضر‏ ‏فى ‏الحلم‏ ‏هى ‏كيانات‏ ‏قائمة‏، ‏هى ‏الأصل‏، ‏ويمكن‏ ‏التعامل‏ ‏معها‏ ‏بما‏ ‏هى ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏.‏

‏ ‏أسهمت‏ ‏الأبحاث‏ ‏الفسيولوجية‏ ‏الأحدث‏ ‏فى ‏تأكيد‏ ‏الطبيعة‏ ‏الأولية‏ ‏للصور‏ ‏المنشطة‏ ‏فى ‏الحلم‏ ‏حتى ‏أسمت‏ ‏النشاط‏ ‏الحالم‏ “‏نوم‏ ‏حركة‏ ‏العين‏ ‏السريعة‏” REM (‏نوم‏: ‏حرعس‏ = نوم الريم)، ‏الذى يعلن كيف‏ ‏أن‏ ‏العين‏ ‏تتحرك‏ أثناء هذا النشاط  ‏بسرعة‏ ‏فائقة‏، ‏كأنها‏ ‏تتابع‏ ‏حشدا‏ ‏‏من‏ ‏الصور‏ ‏المتحركة‏، ‏أمامها‏. ‏ولكن‏ ‏علينا‏ ‏ألا‏ ‏نتمادى ‏فى ‏الحماس‏ ‏لتأكيد‏ ‏حق‏ ‏الصورة‏ ‏فى ‏المثول‏ ‏تجسيدا‏ ‏عيانيا‏ ‏فى ‏الحلم‏، (‏وإن‏ ‏كان‏ ‏ذلك‏ ‏يرجحه‏ ‏منهج‏ ‏تسجيل‏ ‏الأحلام‏ ‏بالرسم‏) [29]؛ ‏لأننا‏ ‏عادة‏ ‏نتكلم‏ ‏عن‏ ‏لغة‏ ‏الحلم‏ ‏المحكى، (‏وليس‏ ‏الحلم‏ ‏بالقوة‏). ‏الحلم‏ ‏المحكى بمجرد أن يُحكَى ليس‏ ‏صورا‏ ‏كله‏. ‏وعملية‏ ‏نقل‏ ‏الحلم‏ ‏من‏ ‏معاينة‏ ‏حركة‏ ‏كيانات‏ ‏على ‏مسرح‏، ‏إلى ‏قصة‏ ‏تحكى ‏بألفاظ‏، ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏تقلب‏ ‏بعض‏ ‏الصور‏، ‏إلى ‏مفاهيم‏، ‏فتتداخل‏ ‏الصورة‏ “‏كما‏ ‏هى‏” ‏بالصورة‏ ‏”الرمز”‏. ‏إن هذا‏ ‏الخلط‏ ‏والتكثيف‏ ‏بين‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏صورة‏ ‏فعلية‏ ‏وما‏ ‏هو‏ “‏تعيين‏ ‏نشط‏”  ‏للمفهوم [30] هو‏ ‏من‏ ‏الأمور‏ ‏التى ‏تزيد‏ ‏من‏ ‏صعوبة‏ ‏فهم‏ ‏لغة‏ ‏الحلم‏.‏

‏2-10 ‏الزمن‏ ‏فى ‏الحلم‏:‏

فرق‏ ‏بين‏ “‏زمن‏ (‏وقت‏) ‏الحلم‏” (‏الزمن‏ ‏الذى ‏يستغرقه‏ ‏الحلم‏ ‏فعلا‏، ‏ثم الزمن الذى يرد فى حكيه) ‏وبين‏ “‏الزمن‏ ‏فى ‏الحلم‏”. ‏ونعنى ‏بالأخير‏ ‏العلاقات‏ (‏الزمنية)‏ ‏والنقلات‏ ‏بين‏ ‏الأحداث‏.‏ ماهية‏ ‏الزمن‏ ‏فى ‏الحلم‏ ‏تقبل‏ ‏كل‏ ‏الاحتمالات‏. عندنا‏: ‏الزمن‏ “‏الدائرى‏”، ‏و‏”‏المتقطع‏”، ‏و‏”‏الثابت‏” (‏المتوقف‏)، ‏و‏”‏العكسى‏”، ‏و‏”‏المتداخل‏”، ‏وذلك‏ ‏فى ‏مقابل‏ ‏الزمن‏ “‏التسلسلى ‏التتابعى‏” ‏فى ‏اليقظة‏. ‏ويرجع‏ ‏هذا‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏الزمن‏، ‏فى ‏الحلم‏، ‏يصبح‏ ‏مكانا‏ ‏وتركيبا وعلاقات، يصبح زماناً وليس زمنا‏ فقط، ‏الشائع‏ ‏الغالب‏ ‏أن‏ ‏الزمن‏ ‏هو‏ ‏علاقة‏ ‏بين‏ ‏حدثين‏، ‏ولابد‏ ‏أن‏ ‏يقع‏ ‏الحدثان‏ (‏فأكثر‏) ‏فى ‏اليقظة‏ (‏العادية‏، ‏دون‏ ‏إبداع‏) ‏فى ‏تتابع‏، ‏فيتحدد‏ ‏الزمن‏ ‏طوليا‏. ‏أما‏ ‏فى ‏الحلم‏، ‏ومع‏ ‏التنشيط‏ ‏بالبسط‏ ‏الإيقاعى، ‏فإن‏ ‏الأحداث‏ (‏الكيانات‏/‏المعلومات‏) ‏تتحرك‏ “‏معا‏”، ‏ثم‏ ‏تنشئ ‏علاقات‏ ‏مستعرضة ومتداخلة ومتنوعة ‏ ‏بسهولة‏ ‏لا يُحترم‏ ‏فيها‏ ‏التتبع‏ ‏التسلسلى، ‏الذى ‏يؤلف‏ ‏الزمن المعروف‏ ‏فى ‏اليقظة[31]. ‏من‏ ‏هنا‏ ‏نفهم‏ ‏كيف‏ ‏أن‏ ‏أى ‏علاقة‏، ‏وكل‏ ‏علاقة‏، ‏هى ‏احتمال‏ ‏قائم‏. ‏يتحدد‏ ‏طول‏ ‏الزمن‏ فى الحلم ‏بمدى ‏سهولة‏ ‏أو‏ ‏صعوبة‏ ‏عملية‏ ‏التوصيل‏ ‏أو‏ ‏الترابط‏ ‏بين‏ ‏معلومة‏ ‏ومعلومة، بين حدث‏ ‏وحدث‏، ‏بين تشكيل‏ ‏وتشكيل‏، ‏وهكذا‏ ‏تتباعد‏ ‏كل‏ ‏هذه‏ ‏الكيانات‏ ‏وتتقارب‏ ‏وتتبادل‏ ‏وتتداخل‏، ‏بحيث‏ ‏يصبح‏ ‏من‏ ‏السهل‏ ‏أن‏ ‏تختزل‏ ‏القرون‏ ‏فى ‏جزء‏ ‏من‏ ‏الثانية‏، ‏وأن‏ ‏تمتد‏ ‏الثانية‏ ‏إلى ‏عقود‏ ‏من‏ ‏الزمان‏ ‏بحسب‏ ‏سرعة‏ ‏التوصيل، أو غير ذلك‏، ‏كما‏ ‏يمكن‏ ‏للمستقبل‏ ‏أن‏ ‏يبدو‏ ‏قبل‏ ‏الحاضر‏، ‏ويكاد‏ ‏لا‏ ‏يكون‏ ‏ثَمَّ‏ ‏ماضٍ‏ ‏أصلا‏، ‏وكل‏ ‏ذلك‏ ‏مؤسس‏ ‏على ‏أن‏ ‏الترابط‏ ‏بين‏ ‏الأحداث‏ ‏أصبح‏ ‏مكانيا‏، ‏مستعرضا‏، (‏فى ‏الجهاز‏ ‏العصبى ‏أساسا‏ ‏وفى ‏المخ‏ ‏بالذات‏ ‏دون‏ ‏استبعاد‏ ‏سائر‏ ‏الجسد‏) ‏إن‏ ‏ذلك‏ ‏يتيح‏ ‏حركية‏ ‏تبدو‏ ‏عشوائية‏ “‏كيفما‏” ‏اتفق”‏،‏ بدلا‏ ‏من‏ ‏الاقتصار‏ ‏على ‏الزمن‏ ‏المسلسل‏ ‏الطولى ‏الترابطى ‏المتتالى‏، علما بأنها فى عمق تركيبها ليست عشوائية أصلا.

يتناسب‏ ‏عمق‏ ‏الحلم‏ ‏المحكى وصدقه، ‏أى بعده عن التزييف‏ ‏، ‏مع‏ ‏قدر‏ ‏ما‏ ‏يظهر‏ ‏فيه‏ ‏من‏ ‏قلب‏ ‏الزمان‏ ‏إلى مكان وعلاقات‏ ‏بالصورة‏ ‏السالفة‏ ‏الذكر‏. ‏كثيرا‏ ‏ما‏ ‏يحكى ‏الحالم‏ ‏المؤلـِّـف‏ (‏لا‏ ‏المزيـِّـف‏) ‏أحداث‏ ‏الحلم‏ ‏وكأنه‏ ‏يكتب‏ ‏سيناريو‏ ‏فيلم‏ ‏بمعنى ‏أنه‏ ‏بدلا‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏يحكى ‏بصيغة‏ ‏الماضى التى ‏تقول …. “‏ثم‏ ‏ذهبتْ‏ ‏وقالتْ‏ ‏ثم‏ ‏سمعتْ‏… ‏الخ‏، ‏نجده‏ ‏يتحدث‏ ‏بصيغة‏ ‏المضارع‏ “‏ثم‏…. (‏يتغير‏) ‏المنظر‏، ‏ثم‏ ‏أجد‏ ‏نفسى فى…….، ‏و يظهر‏ ‏لى فجأة‏‏ ‏كذا‏.. ‏إلخ‏،  ‏والفرق‏ ‏واضح‏ ‏بين‏ ‏الحكاية‏ ‏المسلسلة‏ ‏والسيناريو‏ ‏المصور.‏

هذا‏ ‏القلب‏ ‏من‏ ‏البعد‏ ‏الطولى ‏للزمن‏، ‏إلى ‏البعد‏ ‏العرضى المتداخل المتنوع  ‏للعلاقات‏، ‏هو‏ ‏الذى ‏يظهر‏ ‏بصورة‏ ‏أو‏ ‏بأخرى ‏فى ‏نوع‏ ‏من‏ ‏الرواية‏ ‏الحديثة‏، ‏وكذلك‏ ‏فى ‏الشعر وفى بعض أنواع الإبداع المستلهمة – دون قصد – لآلية الأحلام، والتى تجلت مؤخرا بشكل مباشر فى أحلام فترة النقاهة (لنجيب محفوظ)[32].

‏2-11 ‏وظيفة‏ ‏الحلم‏، ‏وشبهة‏ ‏التشويه‏:‏

قد‏ ‏لا تكون‏ ‏للحلم‏ ‏وظيفة‏ ‏محددة‏ ‏بالمعنى ‏السببى ‏المسطح‏، ‏إذ‏ ‏أن‏ ‏الحلم‏ ‏لا‏ ‏يحدث‏ ‏بالضرورة- ‏‏كما‏ ‏شاع‏ ‏الزعم‏-‏ ‏لتحقيق‏ ‏رغبة‏، ‏أو‏ ‏لتفريغ‏ ‏طاقة‏. الحلم‏ ‏ظاهرة‏ ‏إيقاعية‏ ‏دورية‏ ‏حتمية‏، ‏ينبغى ‏أن‏ ‏نحترم‏ ‏حدوثها‏ ‏لمجرد‏ ‏أنها‏ ‏صفة‏ ‏حيوية‏ ‏للكائن‏ ‏البشرى، إذ تعددت مستويات وعيه، ‏مثلها‏ ‏مثل‏ ‏وظيفة‏ ‏اليقظة‏ ‏ووظيفة‏ ‏النوم..،‏ ‏أما‏ ‏ما‏ ‏يحدث‏ ‏فيها‏ ‏ومنها‏ وبها ‏فهذه أبعاد أخرى‏.

إذا‏ ‏تحدثنا‏ ‏عن‏ ‏وظيفة‏ ‏الحلم‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏نبدأ‏ ‏بوظيفة‏ ‏النشاط‏ ‏الحالم‏ (‏الحلم‏ ‏بالقوة‏)، ‏حيث‏ ‏أثبتت‏ ‏تجارب‏ ‏الحرمان‏ ‏من‏ ‏الأحلام‏، ‏أن‏ ‏الأحلام‏ ‏تؤدى ‏وظائف‏ ‏صمام‏ ‏الأمن‏، ‏والتفريغ‏، ‏وإعادة‏ ‏تنغيم‏ (‏هارمونية‏) ‏المعلومات‏، ‏وكذلك‏ ‏فالنشاط‏ ‏الحالم‏ ‏هو‏ ‏بعض‏ ‏أنشطة‏ ‏التعلّم‏: ‏بمعنى ‏تعزيز ما تيسر من‏ ‏المادة‏ ‏المكتسبة‏ ‏حتى ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏تُتمثل‏ ‏لكى ‏تصبح‏ ‏تحويرا‏ ‏فى ‏التركيب‏ ‏الكلـى، وهكذا باستمرار. ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏يحدث‏ ‏حتى ‏لو‏ ‏لم‏ ‏يعرف‏ ‏الحالم‏ (‏أى ‏لو‏ ‏أنكر‏ ‏على ‏نفسه‏ تلقائيا دون أن يدرى) ‏أنه‏ ‏حلم‏ ‏أصلا‏.‏ من هذا المنطلق نتبين أن ‏وظيفة‏ ‏الحلم‏ ‏كما‏ ‏يعرفه‏ ‏العامة‏ ‏والمفسرون‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏يعاد‏ ‏النظر‏ ‏فيها، وذلك‏ ‏من‏ ‏خلال‏ معرفة وظيفة ‏النشاط‏ ‏الحالم‏ نفسه، ومن الأساس،‏ ‏وليس‏ ‏فقط‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏ما‏ ‏يعلن‏ ‏من‏ ‏ناتجه‏ ‏فى ‏وعى اليقظة ‏فى ‏صورة‏ ‏الحلم‏ ‏المحكى، ‏أو‏ ‏حتى ‏الحلم‏ “‏فى ‏المتناول‏”.‏ ‏تختلف‏ ‏درجات مستويات ‏تأثير‏ ‏وتوظيف‏ ‏الحلم‏ ‏من‏ ‏شخص‏ ‏إلى ‏آخر بشكل متنوع، ومن ذلك:

1- إن ‏مجرد‏ مبدأ ‏أن‏ ‏يتذكر‏ ‏شخص‏ ‏ما‏ ‏بعض جوانب أحلامه‏ ‏أو‏ ‏يحكيها‏ ‏هو إعلان عن‏ ‏قدرة‏ ‏هذا‏ ‏الحالم‏ ‏على ‏رؤية‏ “‏ما‏ ‏ليس‏ ‏كذلك‏” ‏فى ‏نفسه‏، ‏أو‏ ‏على ‏الأقل‏ ‏قبوله‏ ‏محاولة‏ ‏أن‏ ‏ينظر‏ ‏فى ‏الجانب‏ ‏الآخر‏ ‏من‏ ‏وجوده‏، ‏أى ‏أن ذلك ‏يشير ‏- بشكل‏ ‏ما‏‏-‏ ‏إلى ‏ترجيح‏ ‏قـُـرب‏ ‏ذواتـه‏ (‏حالات‏ ‏ذاته‏، ‏طبقات‏ ‏وعيه‏)، ‏بعضها‏ ‏من‏ ‏بعض‏.(هذا باستثناء الحلم المزيف تماما، إذ قد يؤدى دورا عكسيا يدل – أيضا- على الخوف من التهديد بتقارب مستويات الوعى).

2- حين‏ ‏يكون‏ ‏الحلم‏ ‏إبداعا‏ ‏أصيلا‏ ‏مستمدا‏ ‏من‏ ‏واقع‏ ‏داخلى ‏متحرك‏، ‏فإنه‏ ‏يعمل‏ ‏على ‏تعزيز‏ ‏المعلومات‏ ‏فى ‏طريق‏ ‏تمثيلها‏ ‏فى ‏الكل‏ ‏النامى دفعا ‏لاستمرار‏ ‏مسار‏ ‏التطور‏ ‏الذاتي‏. وهذا‏ ‏ما‏ ‏يستدل عليه من التأكيد على طبيعة وظيفة مجرد حدوث ظاهرة الحلم فى ذاتها  (بغض النظر عن محتواها)، وذلك فيما  يسمى  الصقلconsolidation‏، ‏وإعادة ‏ ‏التنميط  ‏re-patterning ‏

3- أما ‏إذا‏ ‏تمت‏ ‏رواية‏ ‏الحلم‏ ‏وحكيه‏ ‏بشكل‏ ‏تتابعى ‏مسلسل‏ ‏على ‏حساب‏ ‏إبداع‏ (‏إعادة‏ ‏تشكيل‏) ‏ناتج‏ ‏التنشيط‏، ‏فإن‏ ‏ذلك‏ ‏يدرج‏ ‏فى “‏ميكانزمات‏” ‏الدفاع‏ ‏التى تقلل من احتمال فهم ‏ ‏وظيفة‏ ‏الحلم‏‏ ‏فى ‏التشكيل‏ ‏الإبداعى ‏الممكن‏ ‏لما‏ ‏أتيح‏ ‏من‏ ‏المعلومات‏ ‏المتعتعة‏.‏

‏2-12 ‏مخاطر‏ ‏التفسير‏:‏

‏ ‏ننظر‏ الآن ‏فى ‏العلاقة‏ ‏بين‏ ‏وظيفة‏ “‏حكى ‏الحلم‏”، ‏و‏”‏محاولة‏ ‏تفسيره‏”: ‏إن‏ ‏مجرد‏ ‏الحكى (= ‏إعلان ناتج إبداع الحلم ‏ فى ‏مرحلة  الاستيقاظ التى ‏تتيح ذلك‏) ‏هو‏ ‏بمثابة التفسير الذى‏ ‏لايحتاج‏ ‏إلى ‏تفسير‏، ‏بل‏ ‏إن‏ ‏التفسير‏ ‏قد‏ ‏يقوم‏ ‏أحيانا‏ ‏بدور‏ ‏سلبى، ‏حين‏ ‏يُحِل‏ ‏مفهوماً‏ ‏شائعا‏، ‏أو‏ ‏متحيزا‏ ‏لعقيدة‏ ‏ما‏، ‏أو‏ ‏نظرية‏ ‏ما‏، ‏أو‏ ‏موقف‏ ‏مسبق‏، ‏محل‏ ‏أصالة‏ ‏الحلم،‏ ‏فإذا‏ ‏بالكشف‏ ‏المعرفى ‏الذى ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يقوم‏ ‏به‏ ‏الحلم‏ ‏يتوارى ‏وسط‏ ‏أكوام‏ ‏الدفاعات‏ الوصية ‏التبريرية‏ ‏والتأويلية‏، ‏سواء‏ ‏كان‏ ‏ذلك‏ ‏التفسير‏ ‏تقليديا (‏مثلا‏: ‏ابن‏ ‏سيرين‏) ‏أم‏ ‏كان‏ ‏تحليليا (‏مثلا‏: فرويد‏).‏

‏2-13 ‏عن‏ ‏الجنون‏ ‏والحلم‏:‏

سوف‏ ‏نتجنب‏ ‏فى هذه‏ ‏المداخلة‏ ‏تفصيلات‏ ‏المقارنة‏ ‏بين‏ ‏الحلم‏ ‏والجنون‏. (‏مما‏ ‏سيأتى ‏بعضه فيما بعد ‏ ‏فى ‏الفصل الثانى:‏ ‏جدلية‏ ‏الجنون‏) ‏و‏ ‏سنكتفى ‏هنا‏ ‏بالإشارة‏ ‏إلى ‏بعض‏ ‏أوجه‏ ‏الشبه‏ ‏والاختلاف بين الحلم والجنون‏، ‏مما‏ ‏يفيدنا‏ ‏فى ‏المقارنة‏ ‏الأساسية‏ ‏اللاحقة‏ هنا ‏بين‏ ‏الحلم‏ ‏والإبداع‏.‏

‏ ‏الجنون‏ ‏الذى ‏سأتناوله‏ هنا‏- كما أشرت فى هامش (11)‏ ‏هو‏ ‏الجنون‏ ‏بمعنى ‏التناثر‏، ‏والاغتراب‏، ‏واللغة‏ ‏الخاصة‏، ‏وضرب‏ ‏الزمن‏، ‏وهو‏ ‏أقرب‏ ‏مايكون‏ ‏إلى ‏المستوى ‏الأعمق‏ ‏من‏ ‏الحلم‏ ‏المقابل‏ ‏لنشاط‏ ‏الحلم‏ ‏البدئى ‏الأوّلى‏ ‏أثناء‏ ‏نوبة‏ ‏النوم‏ ‏النقيضى (‏نوم‏: ‏الريم‏)، (= ‏الحلم‏ ‏الفعل‏/‏الحلم‏ ‏الحركة‏). ‏

‏فى ‏حالة‏ ‏الجنون‏ ‏يحدث‏ ‏مثل‏ ‏هذا‏ ‏التنشيط‏ ‏الذى يحدث فى الحلم، لكنه يحدث ‏أثناء‏ ‏اليقظة‏، ‏فتـقـتحم‏ المادة‏ ‏ ‏المـنَـشـّطة عشوائيا‏ ‏وعى ‏اليقظة‏، ‏ملتحفة‏ ‏بوعيها‏ ‏الخاص‏، ‏ليتداخل‏ ‏المستويان‏ ‏فى ‏بعضهما‏ ‏فيحدث‏ ‏التشوش‏ ‏والخلط‏، ‏فضلا‏ ‏عن‏ ‏أن‏ ‏الظاهرة‏ ‏الإيقاعية‏ ‏فى ‏الجنون‏ ‏عامة‏ ‏عادة‏ ‏ما‏ ‏تتجلى ‏فى ‏بعد‏ ‏زمنى ‏أطول‏ ‏يقدر‏ ‏بالشهور‏ ‏وأحيانا‏ ‏بالسنين‏، ‏وهو‏ ‏مايشار‏ ‏إليه‏ ‏باسم‏ ‏الجنون‏ ‏الدورى Periodical ‏وأيضا‏ ‏المتفتر‏ Intermittent (‏وهذا ‏هو‏ ‏الأساس‏ ‏لكل‏ ‏الأنواع‏ ‏الأخرى من الجنون ‏من‏ ‏منظور‏ ‏معين‏)[33].‏

إن أهم‏ ‏ما‏ ‏يعنينا‏ ‏هنا‏ ‏هو‏ ‏أن‏ ‏وجه‏ ‏الشبه‏ ‏بين‏ ‏الحلم‏ ‏والجنون‏ ‏يزداد‏ ‏كلما‏ ‏اقتربنا‏ ‏من‏ ‏بداية‏ ‏العمليتين‏: ‏بداية‏ ‏الحلم‏، ‏وبداية‏ ‏الجنون‏؛ ‏أو‏ ‏بتعبير‏ ‏أدق‏، ‏كلما‏ ‏اقترينا‏ ‏من‏ ‏عمق‏ ‏المستوى ‏الأول‏ ‏لنشاط‏ ‏كل‏ ‏منهما‏، ‏ثم‏ ‏يظهر‏ ‏الاختلاف‏ ‏مع‏ ‏تقدمنا‏ ‏إلى ‏المستويات‏ ‏التالية‏. على ‏أن‏ ‏غلبة‏ “‏السلبية‏” (‏غاية‏ً ‏وناتجاً‏) ‏فى ‏حالة‏ ‏الجنون‏، ‏وغلبة‏ “‏الإيجابية‏” ‏فى ‏حالة‏ ‏الحلم‏، ‏لا يعنى ‏بالضرورة‏ ‏أن‏ ‏الجنون‏ ‏كله‏ ‏تناثر‏ ‏وهزيمة‏ ‏وانسحاب‏، ‏أو‏ ‏أن‏ ‏الحلم‏ ‏كله‏ ‏إبداع‏ ‏وولاف‏ ‏ونمو‏؛ ‏فقد‏ ‏يتعدل‏ ‏المسار‏ ‏فى ‏الأول‏، ‏فى ‏أية‏ ‏لحظة‏، ‏تلقائيا‏، ‏أو‏ ‏بتدخل‏ ‏علاجى ‏تكاملى خلاّق، ‏كما‏ ‏قد‏ ‏لايعدو‏ ‏الحلم‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏نشاطا‏ ‏دائريا‏ ‏منغلقا‏ ‏يفرغ‏ ‏الطاقة‏ ‏عشوائيا‏ ‏وهو‏ ‏يحافظ‏ ‏على ‏توازن‏ ‏هش‏ ‏فى ‏محله‏، ‏أى ‏بنفس‏ ‏طبيعة‏ ‏التركيب‏ ‏القائم‏ ‏الثابت‏، ‏دون‏ ‏نمو‏ ‏أو‏ ‏إبداع‏.‏

أما‏ ‏الإبداع‏، ‏فهو‏ ‏يشترك‏ ‏مع‏ ‏كل‏ ‏من‏ ‏الحلم‏ ‏والجنون‏ ‏فى ‏البدايات‏ ‏أيضا‏ (‏المستويات‏ ‏الأولى‏)، ‏ولكن‏ ‏مساره‏ ‏ونِتاجه‏ ‏يختلفان‏، ‏مع‏ ‏اختلافات‏ ‏نوع‏ ‏الوعى ‏وتكامل‏ ‏مستوياته‏، ‏واتساع‏ ‏المسؤولية‏، ‏واتجاه‏ ‏الغائية‏، ‏وفعل‏ ‏الإرادة‏، ‏وأخيرا‏ ‏الطبيعة‏ ‏الولافية‏ ‏للناتج‏ ‏وآثاره‏ (‏وهذا‏ ‏ما سنعود‏ ‏إليه‏ ‏فى ‏الفصل الثانى من هذه الدراسة).

2-14 ‏الخلاصة المرحلية‏:‏

نوجز – ‏فى ‏خطوط‏ ‏عامة‏‏ -‏ ‏ما‏ ‏قدمناه‏، ‏حتى ‏الآن‏، ‏بما‏ ‏يسمح‏ ‏بالمقارنة‏ ‏حين‏ ‏ننتقل‏ ‏إلى ‏الجزء‏ ‏التالى‏:‏

1- إن‏ ‏المخ‏ ‏البشرى، ‏والجسد البشرى، والوجود‏ ‏البشرى، ‏من‏ ‏أبسط‏ ‏مستوى ‏داخل‏ ‏خلوى (‏بما‏ ‏يشمل‏ ‏تمثيل‏ ‏البروتينات‏)، ‏فى ‏حالة إيقاع حيوى نوبى‏ ‏بما‏ ‏يحقق‏ ‏تنظيم‏ ‏تركيبه‏، ‏والحفاظ‏ ‏على ‏دفع‏ ‏النمو‏. ‏وما الحلم‏ ‏والجنون‏ ‏والإبداع‏ ‏إلا ‏بعض‏ ‏مظاهر‏ ‏هذه‏ ‏النوابية‏ ‏الحتمية‏ ‏سلبا‏ (‏الجنون‏) ‏وإيجابا‏ (‏الحلم‏ ‏والإبداع‏).‏

2- إن‏ ‏مايحكى‏عن‏ ‏محتوى ‏الحلم‏ ‏ليس‏ ‏هو‏ ‏هو‏ ‏النشاط‏ ‏الحالم،‏ ‏بل‏ ‏هو‏ ‏جزء‏ ‏يسير‏ ‏جدا‏ ‏من‏ ‏نهاية‏ ‏عملية‏ يكاد ‏لا‏ ‏يمكن‏ ‏رصد‏ ‏تفاصيلها‏ ‏السابقة‏ بما يربطها بعضها ببعض، وإن أمكن رصد والتقاط بعض علامات مايدل عليها.

3- إن‏ ‏الحلم‏ ‏ليس‏ ‏ظاهرة‏ ‏تفريغية‏ ‏بديلة‏ ‏تحدث‏ ‏أثناء‏ ‏النوم‏، ‏بل‏ ‏هو‏ ‏تنشيط‏ ‏بيولوجى ‏معرفى ‏منتظم‏ ‏يمثل‏ ‏جرعة‏ ‏إبداع‏ ‏مكثف‏ ‏فج‏ ‏معا‏.‏

4- إن‏ ‏ما‏ ‏يسمى ‏حلما‏ ‏إنما‏ ‏يتم‏ – بشكل عام – ‏على ‏مرحلتين‏ (‏درجتين‏ ‏من‏ ‏درجات‏ ‏الوعى‏) : ‏مرحلة‏ ‏التقاطه‏-‏تذكره‏- (‏وفى ‏الواقع‏ ‏أنها‏ -‏جزئيا‏-‏ عملية‏ ‏تخليقية‏ ‏فى ‏الذاكرة‏ الأعمق = ‏الحلم‏ ‏الفعل‏)، ‏ثم‏ ‏مرحلة‏ ‏روايته‏ ‏أو‏ ‏تسجيله، أى‏‏ ‏مرحلة‏ ‏إعادة‏ ‏تخليقه‏ ‏ومراجعته‏ ‏ا‏(‏لحلم‏ ‏المحكى/ ‏المُبدع‏ ‏أو‏ لعله ينقلب إلى: ‏الحلم المزيف‏ ‏البديل‏: ‏حسب‏ ‏درجة‏ ‏ونوع‏ ‏علاقته‏ ‏بالحلم‏ ‏الفعل‏).‏

5- إن‏ ‏المعطيات‏ ‏الحديثة‏، ‏من‏ ‏معامل‏ ‏الأحلام‏، ‏لاتولى ‏اهتماما‏ ‏خاصا‏ ‏لما‏ ‏يسمى “‏سبب‏ ‏الحلم‏” ‏أو‏ “‏دافع‏ ‏الحلم‏”، ‏بمعنى ‏تحقيق‏ ‏رغبة‏، ‏أو‏ ‏تعويض‏ ‏نقص‏، ‏إذ‏ ‏أنها‏ ‏تؤكد‏ ‏على ‏الفهم‏ ‏الأعمق‏ ‏للطبيعة‏ ‏التلقائية‏ ‏الإيقاعية‏ ‏للنشاط‏ ‏الحالم‏ ‏أساسا‏.‏

6- إن‏ ‏لغة‏ ‏الحلم‏، ‏ليست‏ ‏كلاما‏ ‏ناتجا‏ ‏عن‏ ‏بنية‏ ‏لغوية‏ ‏راسخة‏، ‏ولاهى ‏لغة‏ ‏مصورة‏ ‏لابد‏ ‏من‏ ‏إعادتها‏ ‏إلى ‏مفاهيمها‏ ‏اللفظية‏ ‏أو‏ ‏الرمزية‏ ‏ليمكن‏ ‏شرحها‏ ‏وتفسيرها‏، ‏ولاهى ‏نتاج‏ ‏العمليات‏ ‏الأولية‏ ‏البدائية‏ ‏تماما‏، ‏لكنها‏ ‏لغة‏ ‏حيوية‏ ‏جديدة‏، ‏متجددة‏، ‏يختلط‏ ‏فيها‏ ‏العيانى ‏بالمجرد‏، ‏وتتكثف‏ ‏فيها‏ ‏المفردات‏ ‏المتنوعة‏، ‏فتقوم‏ ‏صياغة‏ ‏الحلم‏ ‏الإبداعية‏ ‏بترتيبها‏ ‏بالقدر‏ ‏الممكن‏ ‏لروايتها‏.‏ وهكذا ‏تختلف‏ ‏جرعة‏ ‏الأصالة‏ ‏والإبداع‏ ‏فى ‏رواية‏ ‏الحلم‏ ‏بقدر‏ ‏قدرة‏ ‏الحالم‏ ‏الراوى ‏على ‏تحمل‏ ‏الغموض‏ ‏واحتواء‏ ‏التناقض‏ ‏واستيعاب‏ ‏المعلومات‏ ‏المحركة‏ ‏فى ‏كل‏ ‏اتجاه‏، ‏وأيضا‏ ‏بقدر‏ ‏تماسك‏ ‏توجهه‏، ‏وعمق‏ ‏حرية‏ ‏حركية‏ ‏إبداعه‏ (‏انظر‏ ‏الفصل‏ ‏الثالث‏ عن الحرية والإبداع).‏

7- إن‏ ‏نشاط‏ “الحلم‏ ‏بالقوة‏” ‏يقوم‏ ‏بوظيفة‏ ‏تعليمية‏ ‏معرفية‏ ‏تنظيمية‏، ‏كما‏ ‏أن‏ ‏نشاط‏ ‏الحلم‏ ‏المروى (‏حقيقةً ‏- ‏لا‏ ‏المستبدَل‏ ‏تزييفا‏) ‏هو‏ ‏إبداع‏ ‏فج‏ ‏عميق‏ ‏الدلالة‏ (‏فى ‏حالة‏ ‏السواء‏ ‏النامي‏)، ‏وهو‏ ‏يقوم‏ ‏بوظيفة‏ ‏دفع‏ ‏عجلة‏ ‏النمو‏ ‏الذاتى، ‏ويعمق‏ ‏الوعى، ‏ويؤصـل‏ ‏حركية‏ ‏التطور،‏ ‏ولكن‏ ‏فى ‏جرعات‏ ‏لا‏ ‏تصل‏ ‏إلى ‏الوعى ‏الذاتى ‏الظاهر‏ ‏بالضرورة‏.‏

8- إن‏ ‏علاقة‏ ‏الحلم‏ ‏بالجنون‏ ‏بالإبداع‏ ‏هى ‏علاقة‏ ‏مركبة؛ ‏حيث‏ ‏يجمع‏ ‏بينهم‏ ‏منبع واحد‏، ‏ثم‏ ‏تفرقهم ‏ظروف‏ ‏تناسب‏ ‏جرعة‏ ‏التنشيط‏ ‏مع‏ ‏فعل‏ ‏الإبداع‏ ‏القادر‏ ‏على لمّ وتوليف وتكامل ‏هذا‏ ‏الفيضان‏ ‏الدورى ‏المناسب‏ (‏الحلم‏) ‏أو‏ ‏المفرط‏ ‏العشوائى (‏الجنون‏ ‏النشط‏).‏

9- إن‏ ‏ظاهرة‏ “‏الحلم‏” (‏بغض‏ ‏النظر‏ ‏عن‏ ‏حكى ‏محتواه‏) ‏تمثل‏ ‏حتم‏ ‏الإيقاع الحيوى‏، ‏ونوابية‏ ‏التنشيط‏، ‏ونـُـظم إطلاق‏ ‏الطاقة‏، ‏ونشاط حركية‏ ‏التناقض‏، التى نتاجها هو ما نسميه “إبداع الشخص العادى”، بمعنى “تغيـّره المستمر المتراكم الموزع على مدار الإيقاع الحيوى على طول مدى حياته”.

[1] – أنظر‏ ‏مثلا‏: ‏يحيى ‏عبدالدايم‏: “‏تيار‏ ‏الوعى ‏والرواية‏ ‏العربية‏ ‏المعاصرة‏” ص 158، المجلد‏ ‏الثانى، ‏العدد‏ ‏الثانى 1982  “‏مجلة فصول‏”، ‏ثم‏ ‏انظر‏ ‏تعبير‏ ‏أدونيس‏ “‏إنه‏ ‏يرفع‏ ‏الواقع‏ ‏إلى ‏مستوى ‏الحلم‏”، ‏أو‏ “‏فالأحداث‏ ‏التى ‏تجرى ‏فى ‏هذا‏ ‏المسرح‏ ‏تشبه‏ ‏الأحداث‏ ‏التى ‏تجرى ‏فى ‏الحلم‏”، ” ‏وهى ‏لذلك‏ ‏كأحداث‏ ‏الحلم‏” (‏ص‏187) ‏ثم‏ “‏بل‏ ‏هو‏ ‏الحلم‏”، “‏الحلم‏ ‏هو‏ ‏ذلك‏ ‏الزمن‏ ‏الآخر‏ ‏الذى ‏يختلف‏ ‏عن‏ ‏الزمن‏ ” (‏ص‏202) “‏أدونيس‏ ‏زمن‏ ‏الشعر‏”، ‏دار‏ ‏العودة‏، 1979.‏

ومؤخرا (2005) يمثل ما يصدره نجيب محفوظ تباعا بعنوان “أحلام فترة النقاهة” نقلة مركزة متواصلة تسمح بتناول هذه الظاهرة بشكل تفصيلى، وبرغم أن نجيب محفوظ لجأ إلى هذا الشكل مضطرا (مع الاعتراف بأن إرهاصاته ظهرت فى أعمال سبقت، وخاصة أصداء السيرة الذاتية)، إلى أن طبيعة هذا الإبداع الأخير تؤيد الأطروحة الحالية بشكل يكاد مباشرا ، برغم أن معالمها (معالم الأطروحة) قد ظهرت فى إنتاج محفوظ قبل عقدين على الاقل من توالى صدور أحلام فترة النقاهة، وسوف نعود لذلك لا حقا فى المتن، وفى الملحق، وفى الهوامش على حد سواء.

[2] – سيجموند‏ ‏فرويد‏: “‏تفسير‏ ‏الأحلام”‏ ‏ترجمة‏ ‏مصطفى ‏صفوان،‏ دار‏ ‏المعارف(1981)، ‏القاهرة‏.

[3] – يقول‏ ‏فرويد‏ “… ‏فإذا‏ ‏رويت‏ ‏أحلامى. ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏مفر‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏أطلع‏ ‏نظرات‏ ‏الغرباء‏ ‏على ‏أكثر‏ ‏مما‏ ‏كنت‏ ‏أود‏ ‏أطلاعهم‏ ‏عليه‏….. (‏ثم‏ ‏يضيف‏).. ‏ومما‏ ‏يـلزم‏ ‏فى ‏العادة‏ ‏كاتبا‏ ‏هو‏ ‏من‏ ‏رجال‏ ‏العلم‏ ‏وليس‏ ‏بشاعر‏” (‏تفسير‏ ‏الأحلام‏-‏الترجمة‏ ‏العربية‏-‏ص‏31). ‏

هنا‏ ‏أود‏ ‏أن‏ ‏أعلن‏ ‏من‏ ‏جانبى ‏رأيا‏ ‏مناقضا‏ لما ‏يقوله ‏فرويد: ‏إن‏ ‏عطاء‏ ‏فرويد‏ ‏شاعرا‏ ‏هو‏ ‏العطاء‏ ‏الذى ‏بقى‏، ‏وأن‏ ‏بعض‏ ‏من‏ ‏يتصور‏ ‏أنه‏ ‏يعلى ‏من‏ ‏قدره‏ ‏إذ‏ ‏ينفى ‏عنه‏ ‏هذه‏ ‏الصفة‏ (صفة الشاعر) ‏قد‏ ‏يكون‏ ‏سائرا‏ ‏فى ‏الاتجاه‏ ‏العكسى ‏تماما‏، ‏حتى ‏لو‏ ‏استلهم‏ ‏هذا‏ ‏النفى ‏من‏ ‏تأكيد‏ ‏فرويد‏ ‏نفسه‏.وقد ذهب “جاك  لاكان” إلى مثل هذا الرأى بشكل ما حين قرأ فرويد مبدعا كنص بذاته أكثر منه عالما فى التحليل النفسى.

[4] – التفرد‏، ‏هى ‏الكلمة‏ ‏الشائعة‏ ‏ترجمة‏ ‏لمصطلح‏ ‏يونج‏ Individuation، ‏وأنا‏ ‏لا‏ ‏أرتاح‏ ‏لهذه‏ ‏الترجمة‏، ‏بل‏ ‏إن‏ ‏المفهوم‏ ‏الأصلى ‏عند‏ ‏يونج‏ ‏لا يشير إلى التفرد بمعنى تحقيق الذات بقدر ما يوحى ‏ ‏إلى ‏ ‏أن‏ ‏الرحلة‏ ‏تتخطى ‏هذه‏ ‏الفردية‏ البدئية ‏إلى “عملية التكامل ‏ ‏الحتمي‏ للذات بمستوياتها معا فى تشكل مستمر“، ‏وإلى ‏أن‏ ‏نجد‏ ‏حلا‏ ‏فى ‏ترجمة‏ ‏أصلح‏، ‏وجب‏ ‏التنويه دعوة للاجتهاد

[5] – فكرة‏ ‏علاقة‏ ‏الأحلام‏ ‏بالدورة‏ ‏البيولوجية‏ ‏قديمة‏ ‏ ‏قبل‏ ‏اكتشاف‏ ‏رسام‏ ‏المخ‏ ‏أصلا‏، ‏وقد‏ ‏نبه‏ ‏إليها‏ ‏فرويد‏ ‏حين‏ ‏ذكر‏ ‏أن‏ ‏فيلسوفا‏ ‏شابا‏ ‏هو‏ “‏هـ‏. ‏سفوبودا‏” ‏حاول‏ ‏أن‏ ‏يستخدم‏ ‏فكرة‏ ‏الدورة‏ ‏البيولوجية‏ ‏التى ‏اكتشفها‏ ‏فليس‏ Fliess (‏صديق‏ ‏فرويد‏).. ‏وقال‏ ‏بأن‏ ‏المادة‏ ‏التى ‏يتألف‏ ‏منها‏ ‏الحلم‏ ‏ينبغى ‏تعليلها‏ ‏باجتماع‏ ‏جميع‏ ‏الذكريات‏ ‏التى ‏تختتم‏ ‏إحدى”‏الدورات‏ ‏البيولوجية‏”.‏وبرغم‏ ‏بساطة‏ ‏الاقتراح‏ ‏فالفكرة لابد‏ ‏أن‏ ‏تعطى ‏حق‏ ‏السبق‏ ‏بعد‏ ‏الاكتشافات‏ ‏الحديثة التى ثبتت برسام المخ الهربائى ورصده ما يسمى “حركة العين السريعة” أثناء النوم النقيضى الذى هو النوم الحالم‏. ‏وقد‏ ‏استهان‏ ‏فرويد‏ ‏بهذه‏ ‏الفكرة‏ ‏فى ‏حينها‏، ‏بل‏ ‏خاف‏ ‏منها‏ ‏على ‏الأحلام‏ ‏وعلى ‏نظريته‏ ‏حيث‏ ‏قال‏ “… ‏ولو‏ ‏صحت‏ ‏آراؤه‏ (‏فرويد‏ ‏يقصد‏ آراء ‏الفيلسوف‏ ‏سفوبودا‏) ‏لنفقـت‏ ‏أهمية‏ ‏الأحلام‏ ‏سريعا‏”، ‏بل‏ ‏إن‏ ‏فرويد‏ ‏قد‏ ‏فرح‏ ‏حين‏ ‏تراجع‏ ‏سفوبودا عن‏ ‏فكرته‏ ‏‏ ‏فقال‏: ‏إنه‏ (‏الفيلسوف‏) ‏قد‏ ‏أرسل‏ ‏يعلنه‏ ‏فيها‏ ‏أنه‏ ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏يأخذ‏ ‏نظريته‏ ‏هذه‏ ‏مأخذ‏ ‏الجد‏ (‏تفسير‏ ‏الأحلام‏ ‏فرويد‏، ‏الترجمة‏ ‏ص‏ 125).‏

على ‏أن‏ ‏مخاوف‏ ‏فرويد‏ ‏وتراجع سفوبودا‏ ‏لا‏ ‏تلزمنا‏ ‏بالتراجع‏ ‏معهما‏، ‏ذلك‏ ‏أننا‏ ‏بمراجعة‏ ‏النظريات‏ ‏الأقدم‏ ‏التى ‏أوردها‏ ‏فرويد‏ ‏وفندها‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نجد‏ ‏كثيرا‏ ‏منها‏ ‏قد‏ ‏عاد‏ ‏إلى ‏الظهور‏ ‏بشكل‏ ‏يحفظ‏ ‏له‏ – ‏بالرغم‏ ‏منه‏ – ‏حق‏ ‏السبق‏، ‏مثل‏ ما أورده فرويد عن: ‏نظرية‏ ‏اليقظة‏ ‏الجزئية‏، ‏أو‏ ‏الاستيقاظ‏ ‏الفارقى (‏تفسير‏ ‏الأحلام‏ ‏ص‏ 109-110). ‏ويهمنا‏ ‏هنا‏ ‏أن‏ ‏ننبه‏ ‏على مبدأ عام يسمح باستقبال أفضل لما يضيفه المبدعون، وهو ‏أن‏ ‏تراجع‏ ‏صاحب‏ ‏النظرية‏ ‏التى ‏لا‏ ‏تملك‏ ‏وسائل‏ ‏إثباتها‏ ‏فى ‏حينها‏، ‏لاينفى ‏صحة‏ ‏النظرية‏ ‏التى ‏أعلنت دون دليل ‏آنذاك‏، ‏وإنما‏ ‏قد‏ ‏يعنى ‏دعوة لبحث متواصل لعلنا نجد لاحقا ‏‏ ‏أدوات‏ ‏ومناهج‏ ‏إثباتها‏، ‏وهذا‏ ‏ماثبت‏ ‏فى ‏كثير‏ ‏من‏ ‏الأحيان‏ ‏حتى ‏فيما‏ ‏يتعلق‏ ‏بأول‏ ‏عمل‏ ‏لفرويد‏ ‏الذى ‏تنكر‏ ‏له‏ ‏فرويد‏  شخصيا ‏ورفض‏ ‏نشره‏ ‏باسمه‏ ‏حتى ‏أنه‏ ‏لم‏ ‏ينشر‏ ‏إلا‏ ‏بعد‏ ‏وفاته‏، ‏وهو‏ ‏ما‏ ‏يسمى “‏المشروع‏” The Project، ‏وهو‏ ‏ما‏ ‏ثبت‏ ‏صحة‏ ‏كثير‏ ‏من‏ ‏أفكاره‏ ‏بعد‏ ‏امتلاك‏ ‏وسائل‏ ‏البحث‏ ‏النيوروفسيولوجية‏ ‏الأحدث‏ ‏وخاصة‏ ‏التصوير‏ ‏المقطعى ‏التشريحى ‏والوظيفي ‏C.T. , SPECT & PECT.. etc. ‏

[6] – يقصد‏ ‏فرويد‏ ‏بتعبير‏ ‏أن‏ ‏الحلم‏ ‏حارس‏ ‏للنوم‏: ‏أن‏ ‏الحلم‏ ‏يحدث‏ ‏ليستوعب‏ ‏المؤثر‏ ‏القادم‏ ‏من‏ ‏البيئة‏ الخارجية ‏مباشرة‏، ‏والذى ‏يهدد‏ ‏النائم‏ ‏بالاستيقاظ‏، ‏فيتخلق‏ ‏الحلم‏ ‏فورا‏ ‏ليحتوى ‏المنبه‏ ‏فى ‏أقصوصة‏ ‏أو‏ ‏رؤية‏ ‏فلا‏ ‏يستيقظ‏ ‏النائم‏ ‏بفضل‏ ‏أنه‏ ‏يحلم‏، ‏وهذا‏ ‏قد‏ ‏يحدث‏ ‏فعلا‏، ‏ولكنا‏ ‏نتحفظ‏ ‏على ‏التفسير‏ ‏الفرويدى، ‏بمعنى ‏أن‏ ‏حالة‏ ‏النشاط‏ ‏الحالم‏ ‏هى ‏سابقة‏ ‏ولاحقة‏ ‏للمؤثر‏ ‏الخارجى ‏الذى ‏قد‏ ‏يثير‏ ‏ترابطات‏ ‏خاصة‏ ‏= = متعلقة‏ ‏بنوعه‏، ‏وكذلك‏ ‏بمعنى ‏أن‏ ‏تأليف‏ ‏الحلم‏ ‏أثناء‏ ‏الاستيقاظ‏ ‏فى ‏وجود‏ ‏هذا‏ ‏المؤثر‏ ‏يحمل‏ ‏فرصة‏ ‏أن‏ ‏يحتويه‏ ‏لا‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏نتيجة‏ ‏له‏ (‏انظر‏ ‏بعد‏).‏

[7]- Foulkes, D. (1978)، A Grammar of Dreams, New York Basic Books, Inc. (P3-18)

– انظر‏ ‏أيضا (هامش 3) ‏خاصة‏ ‏ص‏637، 638.

[8] – Psychobiological

[9]- من‏ ‏أهم‏ ‏مايساعد‏ ‏فى ‏فهم‏ ‏ما‏ ‏ترمى ‏إليه‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏ ‏هو‏ ‏تصور‏ ‏الوحدة‏ ‏الزمنية‏ ‏الأصغر‏ ‏وقدرتها‏ ‏على ‏احتواء‏ ‏تأليف‏ ‏مكثف‏، ‏يبدو‏ ‏ممتدا‏ ‏عند‏ ‏روايته‏. ‏ولتوضيح‏ ‏ذلك‏ ‏أورد‏ ‏ملاحظتين‏: ‏الأولى ‏حلم‏ ‏اقتطفه‏ ‏فرويد‏ (‏حلم‏ ‏مورى 1878) (‏تفسير‏ ‏الأحلام‏ ‏ص‏64، 65) “.. ‏كان‏ ‏مريضا‏ ‏يلزم‏ ‏الفراش‏ ‏وإلى ‏جواره‏ ‏أمه‏، ‏فرأى ‏فيما‏ ‏يرى ‏النائم‏ ‏أن‏ ‏الوقت‏ ‏هو حكم‏ ‏الإرهاب‏ ‏فى ‏عهد‏ ‏الثورة‏ (‏الفرنسية‏)، ‏وجعل‏ ‏يشهد‏ ‏بعض‏ ‏مناظر‏ ‏الموت‏ ‏المروعة‏، ‏ثم‏ ‏دعى ‏للمثول‏ ‏أمام‏ ‏المحكمة‏، ‏وهناك‏ ‏رأى ‏روبسبير‏، ‏ومارا‏، ‏وفوكييه‏-‏تانفيل‏ ‏وسائر‏ ‏الأبطال‏ ‏المفجعين‏ ‏لهذا‏ ‏العهد‏ ‏الرهيب‏، ‏وسأله‏ ‏هؤلاء‏ ‏الحساب‏. ‏ثم‏ ‏بعد‏ ‏عدة‏ ‏من‏ ‏التفاصيل‏ ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏يذكرها‏، ‏أدين‏ ‏وسيق‏ ‏إلى ‏ساحة‏ ‏الإعدام‏، ‏يحيط‏ ‏به‏ ‏جمهور‏ ‏لا‏ ‏حصر‏ ‏له‏. ‏وصعد‏ ‏مورى ‏على ‏المنصة‏ ‏وشده‏ ‏الجلاد‏ ‏إلى ‏العارضة‏، ‏وانقلبت‏ ‏هذه‏، ‏وهوى ‏نصل‏ ‏المقصلة‏، ‏وأحس‏ ‏مورى ‏برأسه‏  ‏ينفصل‏ ‏من‏ ‏جذعه‏، ‏فاستيقظ‏ ‏فى ‏رعب‏، ‏فإذا‏ ‏هو‏ ‏يتبين‏ ‏أن‏ ‏رأس‏ ‏السرير‏ ‏قد‏ ‏سقط‏، ‏فأصاب‏ ‏عموده‏ ‏الفقرى ‏عند‏ ‏العنق‏، ‏مثلما‏ ‏يفعل‏ ‏نصل‏ ‏المقصلة‏ ‏ ‏. ‏

‏ ‏أوردت‏ ‏هذا‏ ‏الحلم‏ ‏‏ لسبب غير السبب الذى أورده فرويد وهو يحاول الربط ‏ ‏بين‏ ‏الحدث‏ ‏الخارجى ‏ومحتوى ‏الحلم‏. إن هذا الحلم يظهر مدى‏ ‏التناسب‏ ‏الظاهرى ‏بين‏ ‏الحدث‏ ‏المسئول‏ ‏عن‏ ‏محتوى ‏الحلم‏ ‏وبين‏ ‏القصة‏ ‏الممتدة‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏الزمن،‏ ‏بمعـنى ‏أن‏ ‏سقوط‏  ‏رأس‏ ‏السرير‏ ‏لم‏ ‏يستغرق‏ ‏سوى ‏ثانية‏، ‏أو بضع‏ ‏ثوان‏ ‏فى ‏حين‏ ‏أن‏ ‏الحلم‏ ‏كما‏ ‏حكى، ‏استغرق‏ ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏الزمن‏، ‏بما‏ ‏يدعم ‏ ‏فكرة‏ ‏تناهى ‏صغر‏ ‏زمن‏ ‏الحلم‏، ‏وعدم‏ ‏ارتباطه‏ ‏بالزمن‏ ‏المحكى ‏فى ‏محتوى ‏الحلم‏، فضلا عن ترجيح ما سيأتى به الفرض من أن الحلم قد تم تأليفه كله مع لحظة الاستيقاظ بسبب سقوط رأس السرير.‏

الملاحظة‏ ‏الثانية‏ ‏من‏ ‏خبرات‏ ‏شخصية‏ ‏أورد‏ ‏إحداها‏ ‏كمثال‏:‏

كنت‏ ‏أقود‏ ‏سيارتى ‏ليلا‏ ‏فى ‏طريق‏ ‏مصر‏- ‏اسكندرية‏ ‏الزراعى- ‏وقبل‏ ‏كوبرى ‏قليوب‏ ‏العلوى ‏بعشرات‏ ‏الأمتار‏ ‏رأيـتنى ‏وأنا‏ ‏أخطب‏ ‏فى ‏جمع‏ ‏من‏ ‏الناس‏، ‏وأنادى ‏أخا‏ ‏لى، ‏وأتوعد‏ ‏بعض‏ ‏المارقين‏، ‏وأسمع‏ ‏أغنية‏ ‏سخيفة‏ ‏ثم‏ ‏أستيقظ‏ ‏فزعا‏- ‏لأنى ‏كنت‏ ‏مازلت‏ ‏أقود‏ ‏السيارة‏ -‏ وأجد‏ ‏السيارة‏ ‏لاتزال‏ ‏تسير‏ ‏مستقيمة‏ ‏وبسرعة‏، ‏وأنظر‏ ‏إلى ‏جارى ‏الممتلئ ‏ ‏يقظة‏ ‏فلا‏ ‏أجده‏ ‏قد‏ ‏لاحظ‏ ‏شيئا‏، ‏فأعلم‏ ‏أنى ‏حلمت‏ ‏كل هذه‏ ‏الأحداث‏ ‏فى ‏جزء‏ ‏من‏ ‏الثانية‏، ‏أو‏ ‏أقل‏ ‏أو‏ ‏أكثر‏ ‏قليلا‏، ‏فأحكى ‏الحلم‏ ‏لجارى ‏فلا‏ ‏يكاد‏ ‏يصدق‏. ‏‏ ‏أوردت‏ ‏هذا‏ ‏المثال‏ ‏الشخصى ‏لتأكيد‏ ‏زمن‏ ‏الحلم‏ ‏المتناهى ‏فى ‏الصغر‏ ‏من‏ ‏ناحية‏، ‏وللإشارة‏ ‏إلى ‏عدم‏ ‏ضرورة‏ ‏علاقة‏ ‏محتوى ‏الحلم‏ ‏بالأحداث‏ ‏الخارجية‏ ‏من‏ ‏جهة‏ ‏أخرى. ‏ويمكن‏ ‏ربط‏ ‏هذه‏ ‏الفكرة‏ المزعجة‏ (‏تناهى ‏صغر‏ ‏لحظة‏ ‏الحلم‏/ ‏الإبداع‏) ‏بمفاهيم‏ ‏كثيرة‏ ‏شائعة‏ ‏وصعبة‏ ‏الاستيعاب‏، ‏مثل‏ ‏مفهوم‏ ‏الميكروجينى (‏الذى ‏اقتطفه‏ ‏أريتى ‏من‏ ‏فرنر‏)، ‏و‏”‏لحظة‏” ‏الإلهام عند المبدعين‏، ‏وربما‏ ‏أصل‏ ‏به‏ ‏لمفهوم‏ “‏الوثبة‏”  ‏فى ‏إبداع‏ ‏الشعر‏… ‏إلخ‏. ‏مما‏ ‏لا‏ ‏مجال‏ ‏لتفصيله‏ ‏هنا‏، [‏راجع‏ ‏أيضا‏ ‏هامش‏ (5) ‏بالنسبة‏ ‏لوحدة‏ ‏الزمن‏]‏

فى عمل لاحق  لى “ترحالات” (مزيج من أدب الرحلات والسيرة الذاتية) مررت بتجربة مشابهة أتيتها فى هذا العمل الجزء الثالث من الترحالات (ذكر ما لا ينقال)(ص 202) عام 2000القاهرة. فتأكدت أن الخبرة الأولى فى الطريق الزراعى لم تكن مجرد مصادفة أو تصورا من جانبى.

[10]- كنت قد وضعت‏ ‏اختصارات‏ ‏عربية‏ ‏لطورى ‏النوم‏،  ‏أسوة‏ ‏بالاختصارات‏ ‏الإنجليزية‏، ‏وهى ‏نوم‏ “‏حرعس‏” REM sleep= Rapid Eye Movement Sleep ‏اختصار‏ ‏لـ‏ “‏حركة‏ ‏العين‏ ‏السريعة‏”، ثم ‏نوم‏ “‏بدون‏ ‏حرعس‏” NREM sleep ‏اختصار‏ ‏الـ‏ “‏النوم‏ ‏بدون‏ ‏حركة‏ ‏العين‏ ‏السريعة‏” REM = Non Rapid Eye Movement. ‏لكننى تراجعت عن استعمال‏ ‏هذه‏ ‏الاختصارات‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الدراسة‏ ‏على ‏الرغم‏ ‏من‏ تفضيلى لها، ذلك أن  د. أحمد مستجير قد نحت مؤخرا كلمة نوم  “الريم” نسبة إلى الحروف الإنجليزية، REM وهى كلمة أسهل مع أن بها – من وجهة نظرى – تغريبا نحن فى غنى عنه، ولكنها أسهل نطقا فتصبح أيسر استعمالا.

[11]- تستعمل‏ ‏كلمتى: ‏المخ‏ ‏ـ‏ ‏الدماغ‏ ‏بالتبادل‏ ‏كمؤشر‏ ‏دال‏ ‏على ‏التركيبة‏ ‏البشرية‏ ‏الرائدة‏، ‏بيولوجيا‏، ‏إلا‏ ‏أنها‏ ‏ليست‏ ‏بديلة‏ ‏عن‏ ‏كلمات:‏ ‏الذات‏ ‏ـ‏ ‏الوجود‏ ‏ـ‏ ‏التركيب‏، ‏باعتبار‏ ‏أن‏ ‏لغة‏ ‏هذا‏ ‏المقال‏ ‏تركز‏ ‏على ‏كلية‏ ‏الكيان‏ ‏البشرى، ‏وإن‏ ‏كان‏ ‏المنطلق‏ ‏المبدئى ‏بيولوجيا كما اسلفنا‏.‏

[12] – فى ‏محاولة‏ ‏لإدراك‏ ‏علاقة‏ ‏مستوى ‏اليقظة‏ ‏بتأليف‏ ‏الحلم‏، ‏فى ‏أطوار‏ ‏مختلفة‏ ‏من‏ ‏عملية‏ ‏الاستيقاظ‏. ‏قمت‏ ‏بمحاولة‏ ‏تسجيل‏ ‏ذاتى ‏فى ‏أثناء‏ ‏كتابة‏ ‏هذا‏ ‏المقال‏، ‏كما‏ ‏تابعت‏ ‏بعد‏ ‏ذلك‏ ‏خطوات‏ ‏بحث‏ ‏فى ‏الأحلام‏ ‏كرسالة‏ ‏دكتوراة‏ ‏قام‏ ‏بها‏ ‏د‏. ‏سيد‏ ‏حفظى ‏وكنت‏ ‏المشرف‏ ‏عليها‏، ‏وقد‏ ‏حاولنا‏ ‏تسجيل‏ ‏الأحلام‏ ‏فى ‏أثناء‏ ‏الاستيقاظ‏، ‏وبخاصة‏ ‏إذا‏ ‏عاد‏ ‏الحالم‏ ‏إلى ‏النوم‏، ‏وأيضا‏ ‏حاولنا‏ ‏التسجيل‏ ‏الفورى ‏بالكتابة‏، ‏والتسجيل‏ ‏الفورى ‏صوتيا‏ ‏عقب‏ الاستيقاظ‏ ‏بفترة‏ ‏ما‏، ‏وكذلك‏ ‏التسجيل‏ ‏بالرواية‏ ‏لآخر‏، ‏ثم‏ ‏الاستعادة‏…‏إلا‏ ‏أن‏ نتائج ‏كل‏ ‏هذاه  المحاولات ‏لم‏ ‏‏‏ ‏يقربنى أكثر ‏ ‏من‏ ‏فروض‏ ‏هذا‏ ‏البحث‏ ربما  ‏لاختلاف‏ ‏الوحدة‏ ‏الزمنية.

[13] – Dissociated   consciousness

[14] – Castaldo V. Shevrin H. (1968): Different Effects of an Auditory Stimulus as a Function of REM and NERM Sleep Psychophysiology 5: 219،‏ (After Hall J).

[15] Secondary

[16] Tertiary Processes

[17] – يقابل‏ “‏سيلفانو أريتي‏” ‏بين‏ ‏قواعد‏ ‏منطق‏ ‏أرسطو‏، ‏ومنطق‏: ‏فون‏ ‏دوماروس‏ ‏وخاصة‏ ‏فيما‏ ‏يتعلق‏ ‏بتفكير‏ ‏الفصامى، من حيث أن منطق فون دوماروس يقبل اجتماع الأضداد، وتداخل المقدمات فى التوالى، وغير ذلك، مما يناقض منطق أرسطو الذى يراجع مؤخرا بنقد شديد فى مواقع شتى

Arieti, S. (1974) Interpretation of Schizophernia. p229-298.299, Basic Books, Inc. Publisher- New York

[18]- Converging synthesis

[19]- اقتطـف‏ ‏نفس‏ ‏المقتطف‏ ‏دافيد‏ ‏فولكس‏ (‏هامش‏ 14)، ‏ص‏4، ‏وحين‏ ‏رجعت‏ ‏إلى ‏الأصل‏ ‏وجدت‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الوصف‏ ‏خصه‏ ‏دستويفسكى ‏بـ‏ “‏حالات‏ ‏المرض‏” (‏ترجمة‏ ‏سامى ‏الدوربى ‏ص‏120، ‏الهيئة المصرية‏ ‏العامة‏ ‏للتأليف‏ ‏والنشر‏ 1970) ‏فتبدأ‏ ‏الفقرة‏ ‏بـ‏ “‏فى ‏حالات‏ ‏المرض‏، ‏تتميز‏ ‏الأحلام‏… ‏الخ‏، ‏وتنتهى ‏الفقرة‏ ‏نفسها‏ ‏بأنه‏: “… ‏وهذه‏ ‏الأحلام‏، ‏أعنى ‏الأحلام‏ ‏المرضية‏، ‏تخلِّف‏ ‏دائما‏ ‏ذكرى ‏باقية‏….‏الخ‏”، ‏وقد‏ ‏أضفت‏ ‏ما‏ ‏تقدم‏ ‏وما‏ ‏تأخر‏ ‏فى ‏المسودة‏، ‏ثم‏ ‏عدت‏ ‏فحذفتهما‏ ‏كما‏ ‏فعل‏ ‏فولكس‏، ‏ذلك‏ ‏لأن‏ ‏دقة‏ ‏وصف‏ ‏ديستويفسكى ‏لإبداع‏ ‏الحلم‏ ‏هو‏ ‏المراد‏ ‏هنا‏ ‏من‏ ‏المقتطف‏، ‏أما‏ ‏قصر‏ ‏ذلك‏ ‏على ‏الأحلام‏ ‏المرضية‏ ‏فهذا‏ ‏مالا‏ ‏تؤيده‏ ‏الملاحظات‏ ‏التالية‏، ‏وبخاصة‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏جزء‏ ‏أساسى ‏من‏ ‏مجال‏ ‏ملاحظتى ‏المهنية‏، ‏فاستشهدتُ‏  ‏بما‏ ‏أردت‏ ‏تأكيده‏، ‏ثم‏ ‏وضعت‏ ‏هذا‏ ‏الهامش‏ ‏باعتبار أن ديستويفسكى ليس هو المرجع الذى يصنف حالة المرض من عدمها، فرأيه الشخصى الإبداعى هو بالغ الأهمية، لكنه ليس رأيا ملزما لمعنى المرض والصحة كما تقدمه هذه المدخلة.

[20]- Repatterning

[21]- الأحلام‏ ‏التى ‏سجلت‏ ‏أثناء‏ ‏النوم‏ ‏العادى ‏دون‏ ‏نشاط‏ ‏حركة‏ ‏العينين‏ ‏السريعة‏ (‏نوم‏ ‏دون‏ ‏”ريم”‏ اقترح نوم “دريم”) ‏أقل‏ ‏علاقة‏ ‏بموضوع‏ ‏هذه‏ ‏المداخلة‏، ‏حيث‏ ‏تقترب‏ ‏من‏ ‏التسجيل‏ ‏المعاد‏ ‏أكثر‏ ‏مما‏ ‏تتصف‏ ‏بالتنشيط‏ ‏المبدع‏.‏

[22] – A Guide to Psychology and its Practice  Copyright © 1997-2005 Raymond Lloyd Richmond, Ph.D. San Francisco, California USA

أورد هذا المرجع تعليقا شديد الأهمية عن قراءة جاك لاكان لقصة إدجار ألان بو “الرسلة المسروقة ” وهى من أهم إضافات جاك لاكان فى سيميناره، وهو توضيح ضرورة وضع المدلول فى حجمه المتواضع مقارنة بالدال، ومن أهم ما جاء فى هذا التعقيب مقتطف شارح يقول: نحن نرقص فى دائرة ونفترض ما يعن لنا، لكن السر يكمن فى وسطها وهو الذى يعرف.

We dance round in a ring and suppose, but the secret sits in the middle and knows.  Robert Frost

[23]- كلمة‏ “‏المعلومة‏” ‏فى ‏هذه‏ ‏الدراسة‏ ‏تعنى ‏كل‏ ‏ما‏ ‏يصل‏ ‏إلى ‏الوجود‏ ‏البشري‏-‏المخ‏ ‏البشري‏- ‏من‏ ‏رسائل‏ ‏ومثيرات‏، ‏تاريخا‏ ‏أو‏ ‏حالا‏، ‏وما‏ ‏يختزن‏ ‏فيه‏، ‏علما‏ ‏بأن‏ ‏علاقة‏ ‏المخ‏ ‏بما‏ ‏فيه‏ ‏ليست‏ ‏علاقة‏ ‏الإناء‏ ‏بالمحتوى، ‏وإنما‏ ‏تركيب‏ ‏المخ‏ ‏نفسه‏ ‏ليس‏ ‏سوى ‏بنية‏ ‏معقدة‏ ‏من‏ ‏المعلومات‏ ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏، ‏بعضها‏ ‏تُـتـَمـثـل‏ ‏تماما‏، ‏والبعض‏ ‏الآخر‏، ‏وهو‏ ‏الأهم‏ ‏فى ‏موضوعنا‏ ‏هذا‏، ‏مازال‏ ‏فى ‏سبيله‏ ‏إلى ‏التمثيل‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏النبض‏ ‏الدورى ‏المستمر‏ ‏بكل‏ ‏أنواعه‏، ‏فى ‏الحلم‏، ‏والنمو‏، ‏والإبداع‏.‏

[24]- كل هذه مصطلحات مترادفة، إلى أن اختيار إحداها دون الأخرى يتم حسب السياق المناسب، فاستعمال مصطلح “حالات العقل”  mental statesهو المناسب  فى العلم المعرفى العصبى فى حين أن استعمال مصطلح “حالات الذات” ego state هو المناسب فى التحليل التركيبى structural analysis والتفاعلاتى transactional analysis وهكذا.

[25]- يحيى ‏الرخاوى ‏”الوحدة‏ ‏والتعدد‏ ‏فى ‏الكيان‏ ‏البشرى” ص‏ 19-33، عدد‏ ‏أكتوبر (1981) ‏مجلة الإنسان‏ ‏والتطور‏. ‏ ‏ ‏ ‏

[26]- طور الملء هو أقرب ما يكون إلى ما يتميز به دور ملء القلب بالدم Filling phase   حتى إذا تناوب مع طور الدفق  Ejectionبانقباض عضلة القلب  Systoleوجد القلب ممتلئاً بما يدفعه، وهو الطور المقابل لما أسميناه هنا طور “البسط” ‘Unfolding . هذا القياس كان أساسا مهما فى تطبيق مبدأ الإيقاع الحيوى فى فهم إمراضية الأمراض النفسية ، ودوريتها الأساسية ابتداء، وحتى فى فهم  بعض العلاجات النفسية والعضوية الفيزيقية. (أنظر مقالة: يحيى الرخاوى  “صدمة بالكهرباء أم ضبط للإيقاع” – عدد أبريل 1982 – مجلة الإنسان والتطور).

[27]-  Concrete Poetry

[28] – (‏أنظر‏ ‏بعد‏ ‏فى‏علاقة‏ ‏هذا‏ ‏بمفهوم‏ ‏الواقعية‏).

[29]- كان‏ ‏ليونج‏ ‏الفضل‏ ‏أساسا‏ ‏فى ‏محاولات‏ ‏رسم‏ ‏الحلم‏ ‏كخطوة‏ ‏من‏ ‏خطوات‏ ‏تفسيره

[30]- التعيين النشط active concretization  هو ما قصد به سيلفانو أريتى أن اللغة المفهومية تنقلب إلى تجسيد عيانى فى صورة هلوسة صريحة، كأن يقلب مفهوم أن “الناس تأكل بعضها”، إلى تجسيد بصرى، مثلا: حين يقول مريض أنه رأى امرأة تلتهم ذراع امرأة أخرى تقف فى صف طابور الخبز، فهى الهلوسة البصرية. وفى السواء يعتبر فن النحت بالذات من أهم ما يقابل هذا التعيين النشط، حين يجسد الفنان معنى تجريديا مثل “الحرية”، أو “نهضة مصر” فى نحت مجسد.

[31]- يمكن مراجعة مفهوم الزمن استلهاما من الممارسة الإكلينيكية والنقد الأدبى لـ يحيى الرخاوى “إشكالية الزمن: فى الحياة والمرض النفسى، والعلاج الجمعى” ص (12 – 22). عدد ابريل – سبتمبر 1998 – مجلة الإنسان والتطور.

[32] – نجيب محفوظ: “أحلام فترة النقاهة” – دار الشروق – عام 2005.

[33]- المعنى ‏المقصود‏ ‏هنا‏ ‏هو‏ ‏التأكيد‏ ‏على ‏أن‏ ‏الاضطرابات‏ ‏العقلية‏ (فيما عدا ما استبعدناه سالفا من أمراض عضوية تشريحية) يمكن ‏أن‏ ‏ترجع‏ ‏إلى ‏خلل‏ ‏فى ‏الإيقاع‏ ‏الحيوى هو ما  تحثنا له مصطلح “سيكوباثوجينى” Psychopathogeny ، وبالتالى: ‏فالمتوقع أن تظهر فى شكل دورى، وهذا ما كان شائعا عبر التاريخ، وهو وارد حالا بصورة أقل وخاصة فيما يسمى ‏الجنون‏ ‏الدورى،  ‏وتعتبر ‏ ‏سائر‏ ‏أنواع‏ ‏الجنون، من هذا المنطلق، بمثابة ‏ إيقاع حيوى  فاشل أو منحرف أو مشوه يعلن ‏عجز‏ ‏الإيقاع‏ ‏الحيوى ‏العادى ‏والإبداعى ‏أن‏ ‏يستوعب‏ ‏حركية‏ ‏دورية‏ ‏الوجود‏ ‏البيولوجية‏، ‏ويمكن‏ ‏أن‏ ‏يرجع‏ ‏فى ‏تفاصيل‏ ‏ذلك‏ ‏إلى‏ “‏دراسة‏ ‏فى ‏علم‏ ‏السيكوباثولوجي‏”. ‏هامش‏(3).‏  المنظور يفترض امتداد القانون الحيوى Biogenic law هكذا: الميكروجينيا (لحظة إبداع الفكر) تعيد الماكروجينيا (أزمة النمو) التى تعيد الفيلوجينيا (نمو الفرد برمته) التى بدورها تعيد الفيلوحينيا. أما أن يكون مسار المرض متفترا remittent فهو يشير أيضا إلى نوابية المرض، غير أن مآل كل نوبة يكون سلبيا، بمعنى أنه يترك اندمالا (خفوتا، ورمادية، وانسحابا) فى الشخصية بصفة متكررة مع تكرار النوبات.

[34] – Arieti, S. (1976) Creativity. The Magic Synthesis. p12.-13, Basic Books, Inc. Publishers، New York

فروض الدراسة من منطلق الإبداع

فروض الدراسة من منطلق الإبداع

3‏-‏ ‏فروض‏ ‏الدراسة‏ ‏من منطلق الإبداع‏‏:‏

لا‏ ‏أنوى ‏هنا‏ – ‏ولا‏ ‏أستطيع‏- ‏مراجعة‏ أهم ‏نظريات‏ ‏الإبداع‏، ‏أو‏ ‏مناقشتها‏، ‏لكنى ‏سأحاول‏ ‏مباشرة‏ ‏أن‏ ‏أتقدم‏ ‏بوجهة‏ ‏نظر‏ ‏تناسب‏ ‏ما‏ ‏قدمنا‏ ‏من‏ ‏فروض‏ ‏فى ‏تناول‏ ‏ظاهرة‏ ‏الحلم‏، ‏من‏ ‏حيث‏ ‏إن‏ ‏تعدد‏ ‏مستويات‏ ‏الحلم‏، ‏بصفته‏ ‏الإبداع‏ ‏البيولوجى ‏اليومى كما تتناوله هذه المداخلة، ‏تقابل‏ ‏تعدد‏ ‏مستويات‏ ‏الإبداع‏.‏

ولنبدأ‏ ‏بتحديد‏ ‏معالم‏ ‏فروض‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏ ‏بلغة‏ ‏الإبداع‏ ‏على ‏الوجه‏ ‏التالى‏:‏

1)   ‏‏إن‏ ‏الإبداع‏ ‏هو‏ ‏حتم‏ ‏حيوى (‏بيولوجى‏) ‏حياتى (‏وجودى‏).‏

2)   ‏إن‏ ‏ثمّ‏ ‏إبداعا‏ ‏أكثر‏ ‏دلالة، ‏‏وألزم‏ ‏حدوثا،‏ ‏وأعم‏ ‏تواترا‏ ‏وإن‏ ‏كان‏ ‏أخفى ‏ناتجا‏: ‏هو‏ ‏الإبداع‏ ‏اليوماوى[1] ‏ ‏لكل‏ ‏الناس،‏ ‏باعتبار‏ أن الإيقاع الحيوى إذ يتجلى فى الحلم خاصة كل ليلة، إنما يحافظ على ‏إعادة‏ ‏التشكيل‏ ‏البيولوجى، ‏على ‏مستوى ‏غير‏ ‏ملموس‏ ‏عادة‏، ‏وأيضا‏ ‏بعيدا‏ ‏عن‏ ‏الوعى ‏الذاتى ‏الظاهر‏ ‏فى ‏أغلب‏ ‏الأحوال‏، وكما أن استقبالنا لذلك والحيلولة دون إجهاضه بعلم سطحى أو تفسير متعجل هو إسهام فى دعم آلية طبيعية على مسار التطور.

3)    من هنا ‏ ‏يمكن‏ ‏اعتبار‏ ‏أن‏ ‏الإبداع‏ ‏حتمٌ‏ ‏تطورى ‏للنوع‏ ‏البشرى ‏على ‏مسار‏ ‏تطوره‏ ‏النوعى ‏والفردى ‏على ‏حد‏ ‏سواء‏، (‏الأنتوجينيا‏ ‏تعيد‏ ‏الفيلوجينيا‏).‏

4)    ‏إن‏ ‏الإنسان‏ ‏الفرد‏ ‏فى ‏دورات‏ ‏نموه‏ ‏وقفزات‏ ‏تغيره‏ ‏الكيفى، ‏يعيد‏ ‏إبداع‏ ‏ذاته‏ ‏بإيقاع‏ ‏منتظم‏، (‏الإيقاع‏ ‏الحيوى ‏على ‏كل‏ ‏المستويات‏).

5)    ‏إن‏ ‏ما‏ ‏يظهر‏ ‏فيما‏ ‏أسميناه‏ “‏ناتج‏ ‏الإبداع‏” ‏فى ‏الفن‏ ‏والأدب‏، ‏مثلا‏، ‏هو‏ ‏بعض‏ ‏مظاهر‏ ‏الإبداع‏ ‏البشرى ‏وليس‏ ‏كلها‏، ‏وهو‏ ‏ما‏ ‏يبقى ‏ويسجل‏ ‏خارج‏ ‏الذات‏ ‏التى ‏انتجته‏ ‏عادة‏ “‏ناتج‏ ‏الإبداع‏ ‏الُمفَعْلنَ‏”.‏

3-1

 لا‏ ‏يخفى ‏ما‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏التعميم‏ ‏القياسى ‏من‏ ‏مخاطر،‏ ‏لكن‏ ‏البديل‏ ‏التجزيئى ‏أخطر‏، ‏وأضل‏.‏ ‏فائدة‏ ‏المخاطرة‏ ‏بالتعميم‏ ‏القياسى ‏هذا‏ ‏هى ‏أننا‏ ‏قد‏ ‏نتمكن‏ ‏من‏ ‏الإلمام‏ ‏بمعالم‏ ‏ظاهرة‏ ‏ما‏ (‏تستحيل‏ ‏دراستها‏ – ‏بسبب‏ ‏تكثيف‏ ‏الزمن‏ ‏أو‏ ‏امتداده‏-‏ فى ‏مجال‏ ‏ما‏) ‏بدراسة‏ ‏ظاهرة‏ ‏موازية‏ ‏يمكن‏ ‏رصدها‏ ‏أو‏ ‏تتبعها‏ ‏بشكل‏ ‏أبطأ‏ ‏وأكثر‏ ‏تفصيلا؛ ‏فدراستنا‏ ‏لـ‏ “‏الأنتوجينيا‏” (‏تاريخ‏ ‏تطور‏ ‏الفرد‏)، ‏مع‏ ‏المقارنات‏ ‏اللازمة‏ (‏علم‏ ‏الأجنة‏ ‏المقارن‏، ‏وعلم‏ ‏التشريح‏ ‏المقارن‏..‏إلخ‏) ‏تتيح‏ ‏لنا‏ ‏فهم‏ ‏مسار‏ ‏الـ‏ “‏فيلوجينيا‏” ‏التى ‏يستحيل‏ ‏دراستها‏ ‏إلا‏ ‏استنتاجا من تاريخها وآثارها‏.‏ ودراستنا‏ ‏لأطوار‏ ‏الفيلوجينا‏ ‏قد‏ ‏تكون‏ ‏هادية‏ ‏لمعرفة‏ ‏أطوار‏ ‏أزمات‏ ‏النمو الواحدة بعد الأخرى فى الفرد الواحد وهى‏ ‏التى ‏تتم‏ ‏فى ‏بعد‏ ‏زمنى ‏أقصر‏.‏ كذلك‏ ‏دراستنا‏ ‏لأزمات‏ ‏النمو‏ ‏قد‏ ‏تكون‏ ‏مؤشرا‏ ‏قياسيا‏ ‏لما‏ ‏يجرى ‏فى ‏مراحل‏ ‏الإبداع. من هنا جاءت فكرة أن‏ ‏دراسة‏ ‏مراحل‏ ‏الإبداع‏ ‏قد‏ ‏تكون‏ ‏هى ‏مفتاح‏ ‏فهمنا‏ ‏لتجليات‏ ‏مراحل‏ ‏الحلم‏ ‏التى ‏هى ‏بعيدة‏ ‏عن‏ ‏التناول‏ ‏بشكل‏ ‏مباشر،‏ ‏لخفائها‏ ‏وقصر‏ ‏زمنها‏.

3-2

أما‏ ‏أن‏ ‏الإبداع‏ ‏هو‏ ‏عملية‏ ‏طبيعية‏ ‏من‏ ‏صلب‏ ‏الحياة‏، ‏وقوانينها‏، ‏فهذا‏ ‏ما‏ ‏تؤكده‏ ‏مشاهدات‏، ‏ومسار‏ ‏الظاهرة‏ ‏الحيوية‏ ‏عبر تاريخها التطورى حتى أفرزت البشرية‏ بما هى، بفضل الله،  وبما يتجلى فى بعض ‏ ‏نتاجها‏ ‏الخارج ‏عنها‏ مما يسمى إبداعا‏. ‏إن‏ ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏ألمحنا‏ ‏إليه‏ ‏فى ‏إبداع‏ ‏الحلم‏، ‏يشير‏ ‏بالضرورة‏ ‏إلى ‏حتمية‏ ‏دورات‏ ‏التنشيط‏، ‏فالتفكيك‏، ‏فالتناقض‏، ‏فاحتمال‏ ‏التوليف‏ ‏للتصعيد‏.‏ وإذا‏ ‏كان‏ ‏الحلم‏ ‏هو‏ ‏الإبداع‏ ‏المكثف‏ -‏ بناتج‏ ‏مُدْرَك‏ ‏أو‏ ‏بدونه‏-‏ فإن‏ ‏تاريخ‏ ‏الفرد‏ ‏العادى (‏إذا‏ ‏لم‏ ‏يُجهض‏ ‏نموه‏) ‏هو‏ “‏الإبداع‏ ‏الممتد‏” ‏دون‏ ‏ناتج‏ ‏منفصل‏ ‏عنه‏ ‏بالضرورة‏.‏

 ‏وما‏ ‏بين‏ ‏”إبداع الحلم” ‏الذى ‏يتم‏ ‏فى ‏بعض‏ ‏الثانية‏ ‏أو‏ ‏بضع‏ ‏ثوان‏، ‏وإعادة إبداع‏ ‏الحياة‏ ‏الذى ‏يتم‏ ‏عبر‏ ‏طول‏ ‏عمر‏ ‏الفرد‏، ‏يظهر من بعض الأشخاص‏ ‏الإبداع‏ ‏المسجل‏ ‏بأدوات‏ ‏الفن‏، ‏والآداب‏ ‏والعلوم‏، ‏ولغاتها‏.

 من أهم أهداف هذه المداخلة هو ألا نقصر ما هو إبداع على هذا النشاط المفعلن خارج الكائن البشرى.

3-3

الخلاصة الحالية:

إن‏ ‏الإبداع‏ ‏على ‏كل‏ ‏المستويات‏ ‏إنما‏ ‏ينبع‏ ‏من‏ ‏الطريقة‏ ‏المتميزة‏ ‏للحركية‏ ‏البيولوجية الكيانية الإيقاعية‏ ‏النوابية‏ ‏للمادة‏ ‏الحية‏ ‏عموما‏، ‏التى ‏تسمح‏ ‏باستيعاب‏ ‏التنشيط‏ ‏الدورى (‏وأحيانا‏ ‏باستدعائه‏ ‏لاستيعابه‏)، ‏إذ‏ ‏تسمح‏ ‏بالتعامل‏ ‏مع‏ ‏مستويات‏ ‏الوعى، ‏ومتناقضات‏ ‏الوجود‏ ‏الداخلى ‏والخارجى “‏معا‏”، ‏وذلك‏ ‏بطريقة‏ ‏جدلية‏ (‏ديالكتيكية‏) ‏تخلق‏ ‏الجديد‏: ‏فى ‏كل‏ ‏مجال‏ ‏بحسبه‏.‏

‏4- ‏علاقة‏ ‏الإبداع‏ ‏الأدبى ‏بظاهرة‏ ‏الحلم

بدءا‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏المرحلة فى تسلسل العرض‏، ‏سوف‏ ‏أقصر‏ ‏حديثى ‏على ‏نوعين‏ ‏محددين‏ ‏من‏ ‏الإبداع‏ ‏الأدبى، ‏هما‏: “‏الشعر‏” ‏و‏”‏فن‏ ‏القص‏”، ‏وسوف‏ ‏يختلف‏ ‏تناولى، ‏لكل‏ ‏منهما‏ ‏بما‏ ‏يتفق‏ ‏مع‏ ‏الغرض‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏. ‏

تمتد ‏ ‏الرواية‏  ‏زمانيا‏، ‏بما‏ ‏يتيح‏ ‏أن‏ ‏تستعمل‏ ‏الحلم‏ ‏فى ‏السياق‏ ‏الروائى، ‏أو‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏هى ‏نفسها‏، ‏بعضها‏ ‏أو‏ ‏كلها‏، ‏حلما‏ ‏فائقا‏ (‏موجها‏ ‏بقدر‏ ‏من‏ ‏الإرادة‏ ‏والوعى ‏بما‏ ‏لايخل‏ ‏بتشكيله‏ ‏الأساسى‏). ‏ومن‏ ‏ثم‏ ‏ ‏يكون‏ ‏المدخل ‏من‏ ‏باب‏ ‏الرواية‏ ‏‏ ‏بالنظر‏ ‏فى ‏بعض‏ ‏مايرد‏ ‏فيها‏ ‏من‏ ‏أحلام‏ ‏من‏ ‏ناحية‏، ‏ثم‏ ‏بعض‏ ‏ماتشترك‏ ‏فيه‏ ‏مع‏ ‏الأحلام،‏ ‏هو‏ ‏مدخل‏ ‏متواضع‏ ‏لايخدم‏ ‏مباشرة‏ ‏الغرض‏ ‏الأساسى ‏من‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏، ‏ولكنه‏ ‏قد‏ ‏يوضح‏ ‏بعض‏ ‏ماهية‏ ‏الحلم‏ ‏من‏ ‏منطلق‏ ‏أدبى. ‏

أما‏ ‏الشعر‏، ‏فالأمر‏ ‏يختلف؛ ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏الشعر‏ ‏هو‏ ‏الأقرب‏ ‏إلى ‏الحلم‏، ‏فهو‏ ‏الإبداع‏ ‏الأدبى ‏المكثف‏، ‏والمركز‏، ‏لا‏ ‏بنفس‏ ‏درجة‏ ‏تكثيف‏ ‏الحلم‏، ‏وتركيزه‏، ‏وإنما‏ ‏بدرجة‏ ‏كافية‏ ‏للمقارنة‏، ‏مع‏ ‏اختلاف‏ ‏حضور‏ ‏وعى ‏المبدع‏ ‏إراديا‏ ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏. ‏فمدخلى ‏من‏ ‏باب‏ ‏الشعر‏ ‏سوف‏ ‏يكون‏ ‏لتصنيفه‏ ‏على ‏نفس‏ ‏نهج‏ ‏ما‏ ‏صنفُت‏ ‏به‏ ‏الحلم‏، ‏موازيا‏ ‏له‏، ‏وشارحا‏ ‏إياه‏ ‏بالقدر‏ ‏المتاح‏.‏

نبدأ‏ ‏بالشعر‏:‏

‏4-1 ‏المأزق‏ ‏والمخرج (الموقف الدائرى)

الموقف‏ ‏دائرى ‏حرج‏، ‏حيث‏ ‏أننى ‏أحاول‏ ‏أن‏ ‏أتعرف‏ ‏على ‏ماهية‏ ‏الشعر‏، ‏وأبعاده‏، ‏ومستوياته‏، ‏من‏ ‏خلال‏ ‏فروض‏ ‏غامضة‏ ‏حول‏ ‏ماهية‏ ‏الحلم‏، ‏وأبعاده‏، ‏ومستوياته‏، نتذكر ابتداءً أن‏ ‏الأول‏ (‏الشعر‏) ‏أقرب‏ ‏تناولا‏، ‏وأكثر‏ ‏تحديدا‏، ‏وأطول‏ ‏زمانا‏ ‏من‏ ‏الثانى (‏الحلم‏) ‏بدرجة‏ ‏تسمح‏ ‏بالدراسة‏ ‏والفحص‏، بل‏ ‏إنه‏ ‏لو‏ ‏صح‏ ‏الفرض‏ ‏القائل‏: ” ‏إن‏ ‏ظاهرة‏ ‏الشعر ‏-‏ بوصفه‏ ‏فعل‏ ‏الإبداع‏ ‏المكثف‏ ‏فى ‏أعمق‏ ‏مستوياته‏- ‏هى تشكيل ‏التجليات‏ ‏الأرقى ‏لظاهرة‏ ‏الحلم‏ ‏فى ‏وعى ‏فائق‏”[2]، ‏فإن‏ ‏التعرف‏ ‏على ‏الشعر‏ ‏هو‏ ‏الذى ‏قد يعلمنا‏ ‏ماهية‏ ‏الحلم‏، ‏وليس‏ ‏العكس ‏.‏

وهكذا يمكن أن تصيغ كيف تسلسل الفرض كالتالى:

  • إن حركية الحلم هى القادرة على أن تفسر عملية إبداع الشعر===>

ثم :

  • إن عملية تشكيل الشعر يمكن أن تشرح الكامن من حركية إبداع الحلم!‏

واجهتُ واعيا هذا المأزق بشدة لأننى خبرت هذا الاحتمال ‏شخصيا‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏أننى ‏أجتهد‏ ‏أحيانا‏ ‏فى “‏فعل‏” ‏الشعر‏، ‏كما‏ ‏أجرّب‏ ‏كثيرا‏ ‏فى ‏حدس‏ ‏الحلم‏، (‏فضلا‏ ‏عن‏ ‏مواكبتى ‏المستمرة‏ ‏لتجارب‏ ‏الجنون‏). ‏لقد ‏ ‏حاولت‏ ‏فى ‏تقديمى ‏للحلم‏ ‏أن‏ ‏ألتزم‏ ‏معظم‏ ‏الوقت‏ ‏بما‏ ‏هو‏ ‏حلم‏ ‏مباشرة‏، ‏أى ‏أن‏ ‏أجتهد‏ ‏فى ‏حدود‏ ‏ظاهرة‏ ‏الحلم‏ ‏ما‏ ‏أمكن‏ ‏ذلك‏، ‏غير‏ ‏أنى ‏لا‏ ‏أستبعد‏ ‏أن‏ ‏أكون‏ ‏طول‏ ‏الوقت‏، ‏كنت‏ ‏متأثرا‏ ‏بظاهرة‏ ‏الشعر‏، ‏والعكس‏ ‏صحيح‏، ‏فهل‏ ‏لهذا المأزق من مخرج؟

أتصور‏ ‏أن‏ ‏الأفضل‏ ‏ألا‏ ‏نخرج‏ ‏منه‏، ‏وأن‏ ‏نأمل‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏هذا‏ ‏التداخل‏ ‏فى ‏ذاته‏، ‏من‏ ‏عوامل‏ ‏مشروعية‏ ‏القياس‏. ‏ولتكن‏ ‏معرفتنا‏ ‏لما‏ ‏هو‏ ‏شعر‏، ‏تعميقا‏ ‏لفرضنا‏ ‏لما‏ ‏هو‏ ‏حلم‏. ‏وليكن‏ ‏العكس‏ ‏صحيحا أيضا‏، حتى لا‏ ‏ ‏يُختزل‏ ‏الموقف‏ ‏إلى ‏مالا‏ ‏يحتمِل‏.‏

‏4-2 العلاقة بين ‏الشعر‏ ‏والحلم  

لا‏ ‏أحسب‏ ‏أنه‏ ‏من‏ ‏المفيد‏ ‏أن‏ ‏نناقش‏، ‏بداية‏، ‏حدود‏ ‏تعريف‏ ‏ماهو‏ ‏شعر‏، ‏إذ‏ ‏يبدو‏ ‏أن‏ ‏بعض‏ ‏مانهدف‏ ‏إليه‏ ‏هنا‏، ‏هو‏ ‏أن‏ ‏نصل‏ ‏إلى ‏ذلك‏، ‏أو‏ ‏إلى ‏ماهو‏ ‏قريب‏ ‏منه‏. ‏إذن‏: ‏لنا‏ ‏أن‏ ‏نتصور‏ ‏أن‏ ‏كل‏ ‏ماقيل‏ ‏عنه‏ ‏إنه‏ ‏شعر‏ ‏فهو‏ ‏شعر‏، ‏حتى ‏نرى‏.‏

ومع‏ ‏تذكر‏ ‏تحفظنا‏ ‏المبدئى تجاه الموقف الدائرى ‏الذى ‏ورد‏ ‏فى ‏الفقرة‏ ‏السابقة‏ (4 – 1) ‏دعونا‏ ‏نتذكر‏ ‏ما‏ ‏ذهبنا‏ ‏إليه‏ ‏فيما‏ ‏هو‏ ‏حلم‏ ‏لنرى ‏ما‏ ‏المشترك‏ ‏معه‏ ‏فيما‏ ‏هو‏ ‏شعر‏، ‏بصفة‏ ‏عامة‏:‏

  • الحلم‏ ‏إيقاع‏ ‏منتظم‏ (‏فسيولوجيا‏).. ‏والشعر‏ (‏الموزون‏) ‏كذلك‏ (‏بخاصة‏ ‏العمودى ‏منه‏).‏
  • الحلم‏ ‏جرعة‏ ‏مكثفة‏… ‏والشعر‏ ‏الجيد‏ ‏كذلك‏.‏
  • الحلم‏ ‏تنشيط‏ ‏محرِّك‏…‏وكذلك‏ ‏الشعر‏.‏
  • الحلم‏ ‏لغة‏: ‏عيانية‏/‏مفهومية‏: “‏معا‏”.. ‏وبعض‏ ‏الشعر‏ ‏كذلك‏.‏
  • والشعر‏ -‏كالحلم‏ ‏عند‏ ‏يونج‏- ‏هو‏ ‏بديل‏ ‏كشفى ‏ثورى ‏لواقع‏ ‏داخلى ‏وخارجى ‏يتحدى ‏باستقراره‏ ‏وجموده‏.‏
  • والشعر‏-‏ كالحلم‏-‏ يخترق‏ ‏واقع‏ ‏الذات‏ ‏قبل‏ (‏ومع‏) ‏مصارعة‏ ‏واقع‏ ‏الخارج‏، ‏إذ‏ “‏يتحرك‏ ‏بوصفه‏ ‏فاعلية‏ ‏إبداعية‏ ‏فى ‏مدار‏ ‏التجاوز‏”، ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏اختراق‏ ‏الشعر‏ ‏لواقع‏ ‏الذات‏ (‏ابتداء‏) ‏يتفوق‏ ‏على ‏اختراق‏ ‏الحلم‏ ‏لهذا‏ ‏الواقع‏؛ ‏لأنه‏ ‏يتم‏ ‏بإرادة‏ ‏مقتحِمة‏، ‏وفى ‏وعىٍ ‏فائق‏، ‏يستحث‏ ‏التفكيك‏، ‏ويتحمل‏ ‏مسئوليته‏، ‏ومن‏ ‏ثم‏: ‏الفرصة‏ ‏لاحتواء‏ ‏الواقع‏ ‏المخترق‏ ‏بعد‏ ‏ضربه‏-‏لتخليق‏ ‏التصعيد‏، ‏اللامّ‏، ‏والمتفجر‏، ‏معا‏. ومِنْ ثمَّ: الواقع الإبداعى.
  • أما‏ ‏الحلم‏، ‏فهو‏ ‏ينتهز‏ ‏الفرصة‏ ‏لتوليف‏ ‏إبداعه‏ ‏من‏ ‏تفكيك‏ ‏جاهز‏ (‏من‏ ‏واقع‏ ‏حتم‏ ‏إيقاعية‏ ‏التناوب‏ ‏بين‏ ‏النشاط‏ ‏الحالم‏، ‏والنوم‏ ‏واليقظة‏).‏
  • الحلم‏ ‏يستعمل‏ ‏لغته‏ ‏الخاصة فى داخل عباءة النوم‏، “‏بمناسبة‏” ‏التراجع المؤقت والدورى المنتظم للغة‏المفهومية ‏ ‏الراسخة‏ ‏القبـْـلية‏ (‏اللغة‏ ‏بمعناها‏ ‏الأوسع‏)، ‏فهو‏ ‏يجدد‏ ‏فى ‏اللغة‏، ‏أو‏ ‏يبتدع‏ ‏لغته‏ ‏فى ‏غياب‏ ‏اللغة، أو على حساب اللغة‏ ‏الجاهزة‏ ‏السائدة‏.
  • و‏الشعر‏ ‏الشعر‏، ‏هو‏ ‏يجدد‏ ‏اللغة‏ ‏بأكثر‏ ‏الخطوات‏ ‏شجاعة‏، ‏واقتحام‏، ‏ومخاطرة‏، ‏وهو‏ ‏بذلك، ‏ ‏يجدد‏ ‏الشاعر‏ ‏نفسه[3](المفروض!!)‏.‏
  • ولغة‏ ‏الحلم‏ ‏لغة‏ ‏مصورة‏ ‏لكنها‏ ‏لا‏ ‏تستلزم‏ ‏بالضرورة ‏-‏كما‏ ‏ذكرنا‏-‏ أن‏ ‏تترجم‏ ‏إلى ‏لغة‏ ‏لفظية‏، ‏أو‏ ‏مفهومية؛ ‏إذ‏ ‏أن‏ ‏الصورة ‏- ‏بذاتها‏- ‏تؤدى، ‏وتحتوى، ‏وتحتمل‏، ‏مالا‏ ‏يقدر‏ ‏عليه‏ ‏اللفظ‏. ‏وهذا‏ ‏من‏ ‏طبيعة‏ ‏عملية‏ ‏إبداع‏ ‏الحلم‏، ‏فى ‏زمن‏ ‏بالغ‏ ‏القصر‏، ‏إذ‏ ‏لا‏ ‏يمكنه‏ ‏البحث‏ ‏عن‏ ‏اللفظ‏ ‏المناسب‏، ‏لاحتواء‏ ‏المادة‏ ‏المستثارة‏، ‏دون‏ ‏تشويه‏ ‏لأصالة‏ ‏التركيب‏ ‏الأولى‏.‏
  • ‏ ‏و‏لغة‏ ‏الشعر‏ ‏لغة‏ ‏مصورة‏ ‏أيضا‏، ‏لكنها‏ ‏ترسم‏ ‏الصورة‏ ‏بنفس‏ ‏الأبجدية‏ ‏الأم‏، ‏فالشعر‏ ‏يستعمل‏ ‏اللفظ‏ ‏ليجاوزه‏، ‏ويحطم‏ ‏حدوده‏، ‏ويعيد‏ ‏شحنه‏ ‏حين‏ ‏يشكل‏ ‏بما‏ ‏حوله‏، ‏به‏، ‏سياقا‏ ‏يبعث‏ ‏فيه‏ ‏من‏ ‏المضامين‏ ‏والمعانى، ‏مايحتمل‏ ‏توسيع‏ ‏دائرته‏ ‏أو‏ ‏تحوير‏ ‏وظيفته‏.‏

‏4-3 ‏تحديد‏ ‏مستويات‏ ‏الشعر‏(‏قياسا‏ ‏بالحلم‏)‏

استـدرَجَنا‏ فعل الحلم ومستوياته – ‏قياسا‏- ‏حتى ‏وصلنا‏ ‏إلى “‏أقصى ‏الشعر‏” ‏الذى يتشكل ‏بأقل‏ ‏درجة‏ ‏من‏ ‏فرط‏ ‏وصاية‏ ‏التفكير‏ ‏العادى (‏تفكير‏ ‏اليقظة‏) ‏على ‏شكل‏ ‏الشعر‏ ‏أو‏ ‏محتواه‏.‏

‏ ‏غير‏ ‏أن‏ ‏الشعر‏ (‏وقد‏ ‏اتفقنا‏ ‏على ‏أن‏ ‏نقبل‏ ‏ابتداء‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏سمى ‏شعرا‏) ‏ليس‏ ‏دائما‏ ‏كذلك‏. ‏فلا‏ ‏مفر‏ ‏من‏ ‏العودة‏ ‏إلى ‏محاولة‏ ‏التقسيم‏ ‏والتصعيد‏، ‏بدءا‏ ‏بافتراض‏ ‏أن‏ ‏ما‏ ‏يندرج‏ ‏تحت‏ ‏ما‏ ‏يسمى ‏شعرا‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ نتعرف‏ ‏على ‏جوهر‏ ‏طبيعته‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏فهم‏ ‏عملياته‏ ‏الأساسية‏ ‏باعتبار‏ ‏أنه‏: فى ‏الشعر‏ ‏تستوعب‏ ‏العملية‏ ‏الإبداعية‏ ‏الطاقة‏ ‏الخلاقة‏ ‏فى ‏فعل‏ ‏تنشيط‏، ‏وتحريك‏ ‏فتفكيك‏ ‏فتنظيم‏ ‏مستويات‏ ‏الوعى ‏ومفردات‏ ‏المعلومات‏، ‏فى ‏نمط‏ ‏يتميز‏ ‏بالإيقاع‏، ‏و‏‏التصوير‏، ‏و‏ ‏إعادة‏ ‏تخليق‏ ‏البنية‏ ‏الأساسية‏ (‏‏بها‏ ‏جميعا‏). ‏حيث‏ ‏الأداة‏ ‏الغالبة‏ ‏هى ‏التشكيل‏ ‏بالأبجدية‏ ‏اللفظية‏ ‏الحاضرة‏ ‏أساسا‏ (‏وليس‏ ‏تماما‏)، ‏وهو‏ ‏يتم‏ ‏بدرجة‏ ‏من‏ ‏الإرادة‏ ‏والتوجه‏ ‏فى ‏وعى ‏فائق‏.‏

إن‏ ‏هذا‏ ‏ليس‏ ‏تعريفا‏ ‏مقترحا‏، ‏إنه‏ ‏مجرد‏ ‏مدخل‏ ‏متسع،‏ ‏يسمح‏ ‏لنا‏ ‏بتضمين‏ ‏المستويات‏ ‏المختلفة‏ ‏لهذا‏ ‏النشاط‏ ‏الأدبى ‏معا‏.‏

4/4 مستويات

4 / 4 / 1 ‏

الشعر‏ ‏الذى ‏لم‏ ‏يقل

ثمة‏ ‏شعر‏ ‏لم‏ ‏يقل‏ ‏أصلا‏، ‏وهذا‏ ‏مايقابل‏ ‏التنشيط‏ ‏المبدئى ‏للداخل‏ ‏فالخارج‏، هو لم يُقَلْ إذ يمر‏ ‏سريعا‏ ‏بمراحله‏ ‏الإبداعية‏ ‏الطبيعية‏، ‏من‏ ‏تفكيك‏، ‏وتحريك‏، ‏فولاف‏ ‏داخلى، ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يتمكن‏ ‏الشاعر‏ ‏من‏ ‏اللحاق‏ ‏به‏، ‏للإمساك‏ ‏بمادته‏، ‏وتسجيلها‏، ‏وتطويرها‏ ‏فى ‏صياغة‏ ‏معلنة‏. ‏هذا‏ ‏المستوى ‏هو‏ ‏ما‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يسمى: “‏القصيدة  ‏بالقوة‏”، ‏أى: ‏ ‏الشعر‏ ‏الذى ‏لم‏ ‏يقل‏ (‏أصلا‏).‏ ويمكن‏ ‏أن‏ ‏نفترض‏ ‏أن‏ ‏كل‏ ‏قصيدة‏ ‏معلنة‏ ‏قد‏ ‏نبعت‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏المستوى‏‏ ‏الذى ‏سيظل‏ ‏مستوى ‏فرضيا‏ ‏أبدا‏، ‏لأن‏ ‏مجرد‏ ‏قول‏ ‏الشعر‏ ‏فى ‏شكل‏ ‏معلن‏، ‏أو‏ ‏مسجل‏، ‏ينقله‏ ‏إلى ‏مستوى ‏آخر‏، ‏سوف نسمى هذا المستوى : ‏ “‏القصيدة‏ ‏بالفعل‏” ‏التى ‏لا‏ ‏تتطابق‏ بالضرورة مع‏ “‏القصيدة‏ ‏بالقوة‏”؛ وإن كانت تحاول احتواءها . كثيرا‏ ‏ما يجد‏ ‏المبدع‏ ‏نفسه‏ ‏فى ‏حالة‏ ‏حصار‏ ‏مبعثه‏ ‏عدم‏ ‏التطابق‏ ‏بين‏ ‏القصيدة‏ ‏بالقوة‏ ‏والقصيدة‏ ‏بالفعل‏، ‏أى ‏بين‏ ‏مايراد‏ ‏قوله‏، ‏ومايقال‏[4].‏

ثـَـمَّ‏ ‏تحفظ‏ ‏على ‏أن‏ ‏القصيدة‏ ‏بالقوة‏ ‏هى ‏مايراد‏ ‏قوله‏ (‏بالمعنى ‏الظاهر‏)، ‏لأنها‏ ‏هى ‏التنشيط‏ ‏فالتوليف‏ ‏الضاغط‏ ‏الذى ‏ينبغى ‏قوله‏، أو الذى يلح ليقال، وهو ‏الذى ‏لا‏ ‏يمكن‏ ‏قوله‏ ‏هو‏ ‏هو‏. إنه  ‏يضغط‏ ‏ليفرض‏ ‏نفسه‏، ‏إذ‏ ‏يتوجه‏ “‏بالإرادة‏ -‏فى- ‏الأداة‏” ‏إلى ‏الكشف‏ ‏الممكن‏، ‏لكنه‏ ‏عادة‏ (‏ربما‏ ‏دائما‏) ‏لايتمكن‏ ‏من‏ ‏ذلك‏، ‏لأن‏ ‏مايقال‏-‏فعلا‏- ‏ليس‏ ‏إلا‏ ‏نتاج‏ ‏المحاولة‏ ‏اللاهثة الناقصة‏، ‏لإرادة‏ ‏مايـَضغط‏، ‏ليصاغ‏، ‏فيعلن‏.‏

وبقدر‏ ‏الفرق‏ ‏بين‏ ‏سرعة‏ ‏إيقاع‏ ‏بناء‏ “‏القصيدة‏ ‏بالقوة‏” ‏وسرعة‏ ‏إيقاع‏ ‏إخراجها‏، ‏يكون‏ ‏الفرق‏ ‏بين‏ ‏المستويين‏، ‏بما‏ ‏يصاحبه‏ ‏من‏ ‏ألم‏ ‏وقلق‏ ‏هما‏ ‏الدافع‏ ‏عادة‏ ‏للاستمرار‏ ‏فى ‏محاولات‏ ‏لا‏ ‏تنتهى ‏من‏ ‏الإبداع‏.‏ لعل‏ ‏بعض‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏ماعبر‏ ‏عنه‏ ‏ت‏. ‏س‏. ‏إليوت‏، ‏بقوله‏: “‏لم‏ ‏يتعلم‏ ‏المرء‏ ‏إلا‏ ‏انتقاء‏ ‏خير‏ ‏الكلام‏ ‏للشئ ‏الذى ‏لم‏ ‏تعد‏ ‏ثمة‏ ‏ضرورة‏ ‏لقوله‏، ‏وبالطريقة‏ ‏التى ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏ميالا‏ ‏لقوله‏ ‏بها‏”[5]، ‏وعلى ذلك ، مرة أخرى، فإن‏ ‏مايقوله‏ ‏الشاعر‏- ‏أخيرا‏- ‏ليس‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏كان‏ ‏يلحّ حتى‏ ‏يقال‏، ‏أو‏ ‏ما‏ ‏كان‏ ‏يجدر‏ ‏بالشاعر‏ ‏أن‏ ‏يقوله‏، ‏فهو على ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏أنه‏ ‏نابع‏ ‏مما‏ ‏لم‏ ‏يقله‏، ‏مما لم‏ ‏يستطع‏ ‏أن‏ ‏يصيغه‏، إلا أنه ليس هو. إن ‏هذا‏ ‏المستوى ‏الأعمق‏ ‏غير‏ ‏المعلن‏ ‏قد‏ ‏يقابل‏ ‏مستوى “‏الحلم‏ ‏بالقوة‏” (‏انظر‏ فقرة  2-4) ‏الذى ‏لا‏ ‏يمكن‏ ‏إظهاره‏ ‏كما‏ ‏هو‏، ‏والذى ‏نستنتج‏ ‏بعضه‏، ‏أو‏ ‏أقله‏، ‏من‏ ‏نتاج‏ ‏وفاعلية‏ ‏الحلم‏ ‏بالفعل‏، ‏أو‏ ‏من‏ ‏تشكيل‏ ‏الحلم‏ ‏المحكى ‏الذى ‏رواه‏ ‏الحالم‏ ‏كما‏ ‏استطاع‏، ‏لا‏ ‏كما‏ ‏حدث‏. ‏حين‏ ‏أقول‏ “‏يقابل‏” ‏فإننى ‏لا‏ ‏أعنى ‏تطابقا‏ ‏بحال‏ ‏من‏ ‏الأحوال‏، ‏لأن‏ ‏القصيدة‏ ‏بالقوة‏ – ‏لكى ‏تسمى ‏كذلك‏- ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏قصيدة‏ ‏بشروط‏ ‏الإبداع‏ (‏على ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏أنها‏ ‏لم‏ ‏تقل‏). ‏إذ‏ ‏لابد‏ ‏أن‏: ‏تهز‏، ‏وترعب‏، ‏وتفكك‏، ‏وتغامـر‏، ‏وتحتوى، ‏وتتآلف‏، ‏وتتناقض‏، ‏فتجتمع‏، ‏لتهرب‏، ‏ثم‏ ‏تجتمع‏ ‏لتصعد‏، ‏ثم‏ ‏تجتمع‏، ‏لـتـلـُم‏، ‏ثم‏ ‏تتفكك‏، ‏فتتصارع‏، ‏فتتواجه‏، ‏فتعلو‏ ‏مشتملة‏ (‏دون‏ ‏الالتزام‏ ‏بهذا‏ ‏الترتيب‏‏)، ‏ثم‏ ‏تقال‏ ‏أو‏ ‏لا‏ ‏تقال،

أعنى ‏أنه‏ ‏لكى ‏يكون‏ ‏الشعر‏ ‏شعرا‏ ‏

1)  ‏‏لابد‏ ‏أن‏ ‏يرجح‏ ‏جانب‏ ‏البناء‏ ‏فى ‏النهاية

2)   ‏كما‏ ‏لابد‏ ‏من‏ ‏درجة‏ ‏من‏ ‏القصد‏ (‏حتى ‏إن‏ ‏لم‏ ‏يصل‏ ‏إلى ‏الوعى ‏الكامل‏).

3) ولابد‏ ‏أن‏ ‏يغلب‏ ‏جانب‏ ‏الولاف‏ ‏على ‏جانب‏ ‏التعتعة‏ ‏بما‏ ‏نستنتج‏ ‏معه‏ ‏حتمية‏ ‏احتواء‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏مستوى ‏من‏ ‏مستويات‏ ‏الوعى‏.‏

‏ ‏أما‏ ‏الحلم‏ ‏بالقوة‏، ‏فهو‏ ‏نشاط‏ ‏إيقاعى ‏حتمى، ‏يحدث‏ ‏بالتبادل‏ ‏مع‏ ‏مستويات‏ ‏الوعى ‏الأخرى؛ ‏ويكون‏ ‏نتاجه‏ ‏إيجابيا‏ ‏فى ‏حالة‏ ‏السواء‏، ‏لكن‏ ‏ذلك‏ ‏لايصل‏-‏عادة‏- ‏إلى ‏درجة‏ ‏الولاف‏ ‏الأعلى ‏المعلن‏ ‏سلوكا‏ ‏أو‏ ‏تغيرا‏ ‏نوعيا‏ ‏فى ‏الوعى (‏إبداعا‏) ‏إلا‏ ‏فى ‏فترات‏ ‏قفزات‏ ‏النمو‏ ‏النوعى ‏للشخصية‏ ‏دون‏ ‏وعى كامل ‏أيضا‏، ‏وفى ‏هذه‏ ‏المرحلة قد‏ ‏يحق‏ ‏لبعض الأحلام‏ ‏أن‏ ‏تُعد أبيات‏ ‏قصيدٍة‏ ‏بالقوة‏، حين تتجلى نتائجها فى صورة ما يشبه الطفرة، أو الخطوة من طفرة الفرد ذاته على مسار نموه، حين يصحو الواحد منا جديدا جدة نوعية لا يعرف لها سببا، وكأنه ولد من جديد أو بُـعِثَ بعد موت.

ولعل‏ ‏كثيرا‏ ‏من‏ ‏حقائق‏ ‏الوجود‏ ‏التى ‏نعجز‏ ‏أصلا‏ ‏عن‏ ‏قولها‏ ‏هى ‏من‏ ‏باب‏ ‏هذا‏ ‏الشعر الأصل‏، ‏فالموت‏-‏الموت‏- ‏شعر‏ ‏لايقال‏ (‏بالنظر‏ ‏إلى ‏الجانب‏ ‏البنائى ‏فيه‏ ‏لا‏ ‏مجرد‏ مظهر ‏التحلل العدمى‏)، ‏يقول‏ ‏أدونيس‏ ‏فى ‏رثاء‏ ‏صلاح‏ ‏عبد‏ ‏الصبور‏: “…‏ففى ‏لحظة‏ ‏الشعر‏، ‏خصوصا‏ ‏لحظة‏ ‏الموت‏، ‏ذلك‏ ‏الشعر‏ ‏الآخر‏”[6]. ‏بل‏ ‏إن‏ “‏الله سبحانه‏” -‏ من‏ ‏منظور‏ ‏تصوفى ‏معين‏- ‏يمكن أن يدرَكْ شمولا، وهو الذى ليس كمثله شئ، من منطلق هذا الذى هو‏” ‏شعر‏ ‏لايقال”‏.‏

‏ ‏لن‏ ‏أدخل‏ الآن ‏فى ‏تفاصيل‏ ‏هذا‏ ‏المستوى ‏التزاما‏ ‏منى ‏بالحديث‏ ‏عن‏ ‏الإبداع‏ ‏الظاهر‏ ‏فى ‏شكل‏ ‏النتاج‏ ‏الأدبى (‏الشعر‏ ‏والرواية‏ ‏تحديدا‏)، ‏ولكنى ‏فقط‏ ‏أنبه‏ ‏القارئ ‏إلى ‏طبيعة‏ “‏النقلات‏ ‏النوعية‏ ‏المفاجئة‏” ‏على ‏مسار‏ ‏النمو‏ ‏الفردى: ‏فالنمو‏ ‏الفردى ‏لا‏ ‏يتم‏ ‏فى ‏زيادة‏ ‏كَـمية‏ ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏يعلن‏ ‏فى ‏نقلات‏ ‏نوعية‏ ‏تبدو‏ ‏مفاجئة‏، ‏وهى ‏نتاج‏ ‏تراكمات‏ ‏جدلية‏ ‏متصاعدة‏، ‏وتتم‏ ‏المفاجأة‏ ‏لحظة‏ ‏التغير‏ ‏الكيفى ‏أساسا‏، ‏ولا‏ ‏يحدث‏ ‏هذا‏ ‏فى ‏حالة‏ ‏من‏ ‏الوعى ‏اليقظ ‏معظم‏ ‏الوقت‏، ‏بل‏ ‏إن‏ ‏هذه‏ ‏النقلات‏ ‏قد‏ ‏تتم‏ ‏أثناء‏ ‏النوم‏ ‏بما‏ قد ‏يترتب‏ ‏عليه‏ ‏الوعى ‏بناتج هذا‏ ‏التغير‏ ‏الكيفى (‏المفاجئ‏) ‏عقب‏ ‏الاستيقاظ‏ ‏مباشرة[7].‏

إن‏ ‏رصد‏ “‏جدل‏ ‏النمو‏” (‏بالقوة‏) ربما ‏يقع‏ ‏فى ‏منطقة‏ ‏تنتظر‏ ‏مرحلة‏ ‏ما‏ ‏بعد‏ ‏تسجيل‏ ‏الجينوم‏ ‏البشرى ‏والتشريح‏ ‏الجينى،[8] ‏لتُحدثنا‏ ‏عن‏ ‏طبيعة‏ ‏ابداع‏ ‏النقلات‏ ‏التطورية‏ ‏لما‏ ‏هو‏ ‏بشر.‏

‏4 / 4 / 2‏

أقصى ‏الشعر

يلى ‏هذا‏ ‏المستوى (‏القصيدة‏ ‏بالقوة ‏التى لم تظهر) ‏ما‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏أطلق‏ ‏عليه‏ ‏مرحليا‏ “‏الشعر‏-‏الشعر‏”، ‏أو‏ “‏أقصى ‏الشعر‏”، ‏وهو‏ ‏الذى ‏يبدو‏ -‏لأول‏ ‏وهلة‏- ‏فجا‏ ‏متناثرا‏، ‏إذ‏ ‏يمثل‏ ‏أول‏ ‏خطوة‏ ‏ممكنة‏ ‏تعلن‏ ‏نجاح‏ ‏محاولات‏ ‏عبور‏ ‏الموت‏/‏التحلل‏/‏الجنون‏؛ ‏فهو‏ ‏الشعر‏ ‏الذى ‏ينجح‏ ‏فى ‏أن‏ ‏يلتقط‏ ‏عمق‏ ‏التفكك‏ ‏وبدايات‏ ‏الـَّلم‏ فى آن. ثم هو يقدر أن ‏يعلنها‏ ‏فى ‏مسئولية‏ ‏إرادية‏ ‏هائلة‏، ‏حيث‏ ‏القصيدة‏ ‏لم‏ ‏تزل‏ ‏فى ‏عنفوان‏ ‏المفاجأة‏ ‏والتكثيف‏، ‏فى ‏محاولة‏ ‏احتواء‏ ‏الهجوم‏ ‏على ‏حواجز‏ ‏اللغة‏ ‏والزمان‏، ‏وحيث‏ ‏يطل‏ ‏الموت‏ ‏كتنظيم‏ ‏بديل‏ ‏ليس‏ ‏له‏ ‏معالم‏، ‏فيواجهه‏ ‏الشعر‏ ‏ليبعث‏ ‏فيه،‏ ‏ومِـنه،‏ ‏حياة‏ ‏مجهولة‏ ‏ومستكشِفة‏، ‏لم‏ ‏تتخلق‏ ‏تماما[9]، ‏كما‏ ‏أنها‏ ‏لا‏ ‏يكتمل‏ ‏تخليقها‏ ‏إلا‏ ‏فى ‏وعى ‏القارئ (‏‏المتلقى: شاعرا‏). ‏

هذا‏ ‏المستوى ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏قدر‏ ‏هائل‏ ‏من‏ ‏الإرادة‏ ‏والمغامرة‏ ‏معا‏، ‏لأنه‏ ‏يتناول‏ ‏عمقا‏ ‏غائرا‏ ‏من‏ ‏عملية‏ ‏التفكيك‏ ‏فالتركيب‏، ‏ذلك‏ ‏أنه‏ ‏بدلا‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏يستسلم‏ ‏للتسجيل‏ ‏والرصد‏ ‏بأقل‏ ‏قدر‏ ‏من‏ ‏الإرادة‏ ‏الواعية‏ ‏المسئولة‏ ‏عن‏ ‏استمرار‏ ‏فعل‏ ‏الإبداع‏، ‏وهو‏ ‏ما‏ ‏يحدث‏ ‏فى ‏الحلم‏ ‏فى ‏مستوياته‏ ‏الأعمق‏، ‏فإن‏ ‏الشعر‏ ‏يتحمل‏ ‏هذا‏ ‏التنشيط‏ ‏التفكيكى ‏ويتجاوزه‏ ‏به‏… ‏ويغامر‏ ‏فـ‏ “‏يقول‏”.‏

وبألفاظ‏ ‏أخرى: إن‏ ‏الشاعر‏ ‏لا‏ ‏يكتفى ‏بتسجيل‏ ‏ماتنشط‏ (‏ونشط‏) ‏من‏ ‏صور‏ ‏وكيانات‏ ‏الداخل‏، ‏إذ‏ ‏هو‏ ‏مازال‏ ‏محتفظا‏ ‏بوعى ‏اليقظة‏ ‏الراصد‏ ‏المتحمِّل‏، ‏بل‏ ‏إنه‏ ‏يتواجد‏ ‏فيه‏ ‏اقتحاما‏، ‏ثم‏ ‏يستسلم‏ ‏له‏ ‏ليسيطر‏ ‏عليه‏، ‏ويخاف‏ ‏منه‏ ‏متقدما‏ ‏إليه‏، ‏غير‏ ‏مضطر‏ ‏إلى ‏الإسراع‏ ‏بترجمته‏ ‏أو‏ ‏بتقريبه‏ ‏إلى ‏أقرب‏ “‏واحد‏ ‏صحيح‏” ‏كما‏ ‏تعودنا‏ ‏نحن‏ ‏الحالمين‏ ‏دون‏ ‏شعر‏ ‏يقال‏.‏

‏ ‏ثم‏ ‏إن‏ ‏الشاعر‏ ‏يواصل‏ ‏حمله‏ ‏أمانة‏ ‏الوجود‏ ‏الخالق‏ ‏ليحتويه‏ ‏فيه‏ ‏فيقوله‏: ‏ليس‏ ‏كما‏ ‏هو‏، ‏وإنما‏ ‏كما‏ ‏تخلق‏ من المادة‏ ‏المفككة‏، ‏و بالاقتحام‏ ‏المسئول‏.‏

هذا‏ ‏المستوى ‏من‏ ‏الشعر‏ ‏الشعر‏، ‏هو‏ ‏أقرب‏ ‏المستويات‏ ‏إلى ‏الحلم‏ ‏الحلم‏، ‏فى ‏مراحل‏ ‏البداية‏، ‏وفى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏هو‏ ‏أعمق‏ ‏مستويات‏ ‏الشعر‏ ‏إنتاجا‏ ‏وقراءة‏ (‏إنشاء‏، ‏ونقدا‏) ‏فى ‏مرحلة‏ ‏الاكتمال‏.‏

محاولة‏ ‏تحديد

لابد‏ ‏أن‏ ‏نلاقى ‏مستويات‏ ‏سلبية‏ ‏مختلفة‏ ‏على ‏أقصى ‏مدرج‏ “‏التفكك ‏- ‏التخليق‏” ‏مقابل مدرج‏ “‏التناثر‏ – ‏التزييف”‏، ‏فمثلا‏ ‏نجد‏ ‏على ‏طرف‏ ‏التناثر‏ ‏ما‏ ‏يسمى ‏بالإملاء‏ ‏الفج‏ (‏نوع‏ ‏سئ ‏من‏ ‏الأتوماتية‏) ‏حيث‏ ‏أقصى ‏التراخى ‏واللامسئولية‏ (‏مما‏ ‏أشك‏ ‏فى ‏حسابه‏ ‏على ‏الشعر‏ ‏أصلا‏) ‏فى ‏حين‏ ‏نجد‏ ‏على ‏الجانب‏ ‏الآخر‏ ‏الرَّجز، ‏ ‏وربما‏ ‏الزجل‏ ‏وهما‏ ‏ليسا‏ ‏شعرا‏ ‏رغم‏ ‏القافية‏ ‏والوزن‏.‏

و‏ ‏يتدرج‏ ‏الشعر‏ ‏نضجا‏ ‏وولافا‏ ‏حتى ‏يصل‏ ‏إلى ‏قمته‏ ‏فيما‏ ‏يسمى “‏قصيدة‏ ‏النثر‏” (‏مع‏ ‏تحفظى ‏على ‏الاسم‏) ‏التى ‏تمثل‏ ‏أصعب‏ ‏وأخطر‏ ‏مرحلة‏ ‏من‏ ‏الإبداع‏ ‏الغائى ‏المتحدى ‏المسئول‏.‏

وبين‏ ‏هذا‏ ‏وذاك‏ ‏قد‏ ‏نلتقى ‏صورا‏ ‏مختلفة‏ ‏من‏ ‏التفكيك‏ ‏والتعيين‏ ‏والرسم‏.‏

وكل‏ ‏من‏ ‏القارئ ‏والناقد‏ ‏عليه‏ ‏مهمة‏ ‏عسيرة‏ ‏فى ‏التلقى ‏والربط‏ ‏والولاف‏، ‏على ‏أنه‏ ‏من‏ ‏الصعب‏ ‏أن‏ ‏نفترض‏ ‏إلقاء‏ ‏مهمة‏ ‏إبداع‏ ‏القصيدة‏ ‏على ‏القارئ ‏أكثر‏ ‏منها‏ ‏على ‏الشاعر‏، ‏وكأنها‏ ‏مهمة‏ ‏المعالِج‏ منفردا ‏فى ‏مواجهة‏ ‏التناثر‏ ‏الفصامى دون تفاعل المريض الإيجابى (‏انظر‏ ‏بعد‏).‏

‏4-5 ‏الحلم‏ ‏توليف‏ ‏متاح‏، ‏والشعر‏ ‏اقتحام‏ ‏واع‏.‏

‏الشاعر‏ “‏يقتحم‏ ‏ويهاجم‏” ‏ابتداء‏،‏ محطّما‏ ‏البنية‏ ‏القديمة‏ ‏ليولد‏ ‏بنية‏ ‏جديدة‏ ‏جميلة‏ ‏ومتفجرة‏ ‏معا‏، ‏غير‏ ‏أن‏ ‏الأمر‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏وقفة‏ ‏طويلة‏ ‏لنعرف‏ ‏طبيعة‏ ‏وتفاصيل‏ ‏العلاقة‏ ‏بين‏ ‏الشاعر‏ ‏واللغة‏ ‏من‏ ‏ناحية‏، ‏وبينه‏ ‏وبين‏ ‏الكلمة‏ ‏من‏ ‏ناحية‏ ‏أخرى؛ ‏إذ‏ ‏يبدو‏ ‏أن‏ ‏الشاعر‏ ‏لايقوم‏ ‏بفعل‏ ‏الهجوم‏ ‏ابتداء‏، بل‏ ‏هو‏ ‏يحمل‏ ‏مسئولية‏ ‏التفكيك‏ ‏منتبها‏، ‏وقد‏ ‏يستحثه‏ ‏إرادة‏، ‏وهو‏ ‏فى ‏مراحل‏ ‏تخليقه‏ ‏الأولى  ‏مثل‏ ‏الحالم‏ ‏إذ‏ ‏نوقظه‏ ‏فى ‏طور‏ “‏البسط‏ ‏التنشيطى‏”، ‏فيسارع‏ ‏فى ‏أثناء‏ ‏الاستيقاظ‏ ‏بلم‏ ‏مفردات‏ ‏حلمه‏ ‏من‏ ‏المادة‏ ‏المتاحة‏، ‏فحكايتها‏، ‏غير‏ ‏أن‏ ‏الشاعر‏ ‏يفعلها‏ ‏بوعى ‏أعمق‏، وإرادة مشتمِلة، ‏بل‏ ‏إنه‏ ‏يسهم‏ ‏فى ‏السماح‏ ‏بالتفكيك‏ ‏فى ‏وعى ‏فائق‏ ‏يتمادى ‏فيه‏، ‏فيحتويه‏.‏

الشخص‏ ‏العادى،  ‏حالة كونه عاديا ‏فى ‏يقظته‏، ‏لا‏ ‏مبدعا‏ ‏ولامريضا (أنظر الفصل الثانى)[10]‏‏،‏ ‏ينكر‏ ‏التفكيك‏ ‏ويتنكر‏ ‏له‏، ‏وهو‏ ‏لا‏ ‏يتفكك‏ مختارا عادة، لكنه يتفكك دوريا‏ ‏فى ‏التنشيط‏ ‏الحتمى ‏فى ‏الحلم‏ ‏أثناء‏ ‏النوم‏‏، ‏فإذا‏ ‏حكى ‏الحلم‏ – ‏فى ‏حدود‏ ‏فروض‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏- ‏فإنه‏ ‏يستعمل‏ المادة‏ ‏التى تفككت بسرعة‏ ‏وبإرادة‏ ‏متواضعة‏، ‏لاتصل‏ ‏عادة‏ ‏إلى ‏الوعى ‏المسئول‏ ‏القادر‏ ‏على ‏قلب‏ ‏الحلم‏ ‏إبداعا‏ ‏فائقا‏، ‏وإن‏ ‏كانت‏ ‏العملية‏ ‏تعتبر‏ ‏ضمن‏ ‏ما‏ ‏نود‏ ‏التأكيد‏ ‏عليه‏ ‏باعتباره‏ “‏إبداع‏ ‏الشخص‏ ‏العادى‏”.‏

4-6 ‏جدل‏ الشاعر و‏اللغة 

تبدأ حركية ‏الشعر‏ ‏ ‏بتفكيك‏ ‏اللغة‏ ‏باعتبارها‏ ‏البنية‏ ‏الأساسية‏ ‏للوعى، فتهتز‏ ‏وتختل‏ ‏وتعجز، ‏وهذا‏ ‏ما‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏ينطبق‏ ‏عليه‏ ‏تعبير‏ ‏البياتى “‏عبور‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏الموت‏”، ‏يتم‏ ‏هذا‏ ‏فى ‏أولى ‏مراحل‏ ‏التنشيط‏ ‏البسطى، ‏ولكن‏ ‏الكلمة‏ ‏تظل‏ ‏هى وحدة ‏التعبير‏ ‏الظاهر‏ ‏الممكن‏ ‏عن‏ ‏كل‏ ‏من‏ ‏البنية‏ ‏المتفككة‏ ‏والمتخلقة‏ ‏فى ‏آن‏؛ ‏والشاعر‏ ‏يترجّح‏ ‏بوعى ‏فائق‏ ‏بين‏ ‏هذا‏ ‏وذاك‏.‏

لابد‏ ‏أن‏ ‏نفترض‏ ‏وعيا‏ ‏محوريا[11]، ‏أو‏ ‏ذاتا‏ ‏موضوعية ‏تتخلق‏ ‏باستمرار‏، ‏وفى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏لها‏ ‏استقلاليتها‏ ‏الجزئية‏ ‏التى ‏تسمح‏ ‏لها‏ ‏بحوار‏ ‏جدلى ‏مع‏ ‏مفرداتها‏ ‏فى ‏بعض‏ ‏مراحل‏ ‏التفكك‏ ‏للولاف‏.‏ ربما هى التى أسماها هانز كريستيان أندرسون “روح الشعر” فى قصته “الظل” للأطفال، والتى تناولها الكاتب نقدا مقارنة بأراجيز أحمد شوقى للأطفال.[12].

بتعبير‏ ‏آخر‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نرى ‏كم‏ ‏أن‏ ‏الشاعر‏ ‏يصبح‏ ‏هو‏ ‏كلماته‏ ‏التى ‏تعتبر‏ ‏لبنات‏ ‏البنية‏ ‏المتخلقة‏، ‏فى ‏لحظة‏ ‏ما‏، ‏كما‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نميز‏ ‏بتكبير‏ ‏بطئ ‏أبعاد‏ ‏العلاقة‏ ‏المتعددة‏ ‏الأشكال‏ ‏بين‏ ‏الشاعر‏ ‏وأبجديته‏ ‏المتجددة‏ ‏كما‏ ‏يلى‏:‏

تتخلخل‏ ‏البنية‏ (‏اللغة‏) ‏أصلا‏، (‏تلقائيا‏، ‏وإيقاعيا‏)، ‏وبمجرد‏ ‏تحمل‏ “‏مسؤولية‏ ‏الشعر‏” ‏يتمادى ‏التفكيك‏ ‏فى ‏وعىٍ ‏يقظ‏ -‏بل‏ ‏وعى ‏فائق‏- ‏مع‏ ‏بدايات‏ ‏التخليق‏ ‏جنبا‏ ‏إلى ‏جنب‏. ‏لكن‏ ‏المشكلة‏ ‏الكبرى ‏تنشأ‏ ‏من‏ ‏وضع‏ “‏الكلمة‏” ‏فى ‏هذه‏ ‏المرحلة‏؛ ‏إذ‏ ‏أنه‏ ‏بمجرد‏ ‏تفكك‏ ‏البنية‏ ‏القائمة‏ ‏تتحرر‏ ‏الكلمة‏ ‏من‏ ‏الوصاية‏ ‏القديمة‏، ‏أو‏ ‏من‏ ‏مجرد‏ ‏كونها‏ ‏مظهرا‏ ‏بلا‏ ‏كيان‏ ‏مستقل‏، ‏وتكتسب‏ ‏تلقائيةً‏ ‏طافية‏ ‏مستقلة‏ ‏متأبية متحفزة فى آن‏، ‏فتمثل‏ ‏تحديا‏ ‏قائما‏ ‏بذاته‏ ‏فى ‏مواجهة‏ “‏مسؤولية‏ ‏الشعر‏”.‏

‏ ‏ يتسلم  الشاعر‏‏ ‏شكل‏ ‏الكلمة‏ ‏القديمة‏ ‏وهى ‏دالة‏ ‏على ‏ما‏ ‏لم‏ ‏يعـد‏ ‏يريده‏، ‏ثم‏ ‏هو‏ ‏لايجد‏ ‏أداة‏ ‏لقول‏ ‏ما‏ ‏يتخلق‏ ‏به‏ -‏إذ‏ ‏يخلَّقه‏- ‏سواها‏. ‏وأحسب‏ ‏أن‏ ‏الكلمة‏، ‏إذ‏ ‏تهتز‏ ‏اللغة‏ (‏البنية‏) ‏من‏ ‏تحتها‏، ‏فتستقل‏، ‏تسارع‏ ‏بالبدء‏ ‏فى ‏الهجوم‏ ‏دفاعا‏ ‏عن‏ ‏حقها‏ ‏فى ‏البقاء‏ ‏كما‏ ‏هى، ‏بل‏ ‏عن‏ ‏حقها‏ ‏فى: ‏قيادة‏ ‏الكيان‏ ‏الكلى ‏مستقلة‏ ‏ذات‏ ‏سيادة‏، ‏بلا‏ ‏تواصل‏ ‏مباشر مع‏ ‏بنية‏ ‏تحتية‏ ‏مهما‏ ‏كانت‏ ‏هى ‏مصدرها‏ ‏ومبرر‏ ‏وجودها‏. ‏فإذا‏ ‏استمرت‏ ‏هذه‏ ‏المرحلة‏ ‏فترة‏ ‏طويلة‏ ‏حتى ‏ظهرت‏ ‏فى ‏السلوك‏ بما هى، ‏وربما‏ ‏أصبحت‏ ‏صفته‏ ‏الغالبة‏: ‏فهو‏ ‏الجنون‏ ، حيث‏ ‏تصبح‏ ‏الكلمات‏-مستقلة‏ ‏ومتناثرة‏- ‏تنبض‏ ‏بمعانيها‏ ‏الفاعلة‏ ‏كل‏ ‏على ‏حدة‏، ‏فيتنافر‏ ‏بعضها‏ ‏مع‏ ‏بعضها‏ ‏فى ‏لقاءات – التصادم‏ ‏والصدفة، ‏وقد‏ ‏تأتلف‏ ‏فى ‏تجمعات‏ ‏مؤقتة؛ ‏وقد‏ ‏تقود‏ ‏الكيان‏ ‏والسلوك‏ -‏كلا‏ ‏على ‏حدة‏- ‏إلى ‏حيث‏ ‏تعنى: ‏لحظيا‏ ‏بإلحاح‏ ‏متحدٍّ‏، ‏لايستطيع‏ ‏أن‏ ‏يتحمل‏ ‏عبئه‏ ‏المريض‏، ‏وقد‏ ‏يعبر‏ ‏المريض‏- ‏فى ‏نوع‏ ‏خاص‏ ‏من‏ ‏العلاج‏-‏ عن‏ ‏ذلك‏ ‏مباشرة‏.‏

ونقتطف‏ ‏هنا بعض حوار ‏أجراه الطبيب (كاتب الدراسة) مع‏ ‏مريض‏ ‏فصامى ‏شديد‏ ‏التفسخ‏ (‏هيبفرنى‏)‏[13]:

المريض‏: ‏أنا‏ ‏مجنون‏ ‏مع‏ ‏الألفاظ‏، ‏يعنى ‏أنساق‏ ‏معاها‏. ‏

الطبيب.: ‏مجنون‏ ‏مع‏ ‏الألفاظ؟‏ ‏

‏ ‏المريض‏: ‏آه‏ ‏بعدم‏ ‏قدرتى ‏على ‏المسايرة‏ ‏معاها‏، ‏يعنى ‏خيالى ‏بينتقل‏ ‏مع‏ ‏الكلام،

نلاحظ‏ هنا‏ كيف‏ ‏تقود‏ ‏الكلمة‏ ‏الفكرة‏، ‏فتوجه‏ ‏مسار‏ ‏التفكير وليس العكس، فهو ينساق معها، ولكنه لا يسايرها، ويوضح بأن خياله ينتقل مع الكلام، لا ينشئ كلاماً يصفه‏، ‏حتى ‏لو‏ ‏بدت‏ ‏الكلمة‏ ‏وكأنها‏ ‏حلت‏ ‏فى ‏الوعى ‏مصادفة‏، ‏فإنها‏ ‏-هنا- هى ‏التى ‏تجذب‏ ‏الخيال‏ ‏وتوجهه‏.‏

‏ ‏إن‏ ‏المجنون‏ ‏هنا‏ ‏يستسلم‏ ‏للكلمة‏ ‏تقوده‏، ‏دون‏ ‏ارتباط‏ ‏بتركيب‏ ‏لغوى ‏تحتى، ‏فيتحلل‏ ‏كيانه‏ ‏إذ‏ ‏تلعب‏ ‏الكلمات‏ ‏فى ‏حرية‏، ‏مستقله‏ ‏عنه‏، ‏وعن‏ ‏أصلها‏ ‏وعن تاريخها‏، ‏على ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏احتمال‏ ‏تجمعات‏ ‏عفوية‏، ‏أو‏ ‏مشاريع‏ ‏مجهضة‏، ‏لتكوين‏ ‏بدايات‏ ‏بنيات‏ ‏جديدة‏، ‏لا‏ ‏تكتمل.

الشاعر‏ –على النقيض من ذلك- يقبل‏ ‏التحدى، ‏فهو‏ ‏بدايةً ‏- ‏يفرح‏ ‏بالخلاص‏ ‏من‏ ‏وصاية الكلمات الأصنام‏ ‏القبـْـلية‏ (‏السارية‏ ‏الغالبة‏ ‏فى ‏الحياة‏ ‏العادية‏)، ‏لكنه‏ ‏سرعان‏ ‏مايجد‏ ‏نفسه‏ ‏فى ‏مواجهتها‏، ‏وبشكل‏ ‏ما‏ ‏تحت‏ ‏رحمتها‏ (‏ولو‏ ‏بعض‏ ‏الوقت‏)، ‏لكنه‏ ‏لايستسلم‏ ‏لها‏، ‏ولايقدر‏ ‏أن‏ ‏يتغافل‏ ‏عن‏ ‏مخاطر‏ ‏استقلالها‏، ‏فيبدأ‏ ‏الهجوم‏ ‏المضاد‏، ‏ويمارس‏ ‏محاولات‏ ‏الترويض‏، ‏ترويض‏ ‏الكلمات‏ ‏التى ‏انطلقت‏ ‏من‏ ‏عقالها‏ ‏مستقلة‏ ‏جامحة‏، ‏فالشاعر‏‏ ‏لا‏ ‏يمارس‏ ‏نوعا‏ ‏من‏ ‏الاقتحام‏ ‏المبدئى ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏أنه‏ ‏يجد‏ ‏نفسه‏ ‏فى ‏قلب‏ ‏معركة‏ ‏مفروضة‏ ‏عليه‏ ‏بإرادته‏ = ‏أى: ‏بعد‏ ‏إرادة‏ ‏السماح‏ ‏بها‏ ‏دون‏ ‏معرفة‏ ‏أبعادها‏ ‏ومداها‏ (“‏وتضرى ‏إذا‏ ‏ضرّيتموها‏ ‏فتضرم‏”).‏

‏ ‏على الشاعر – ليكون شاعرا- أن ‏ينجح  ‏بعد‏ ‏جولات‏ ‏من‏ ‏الصد‏، ‏والمناورة‏، ‏والمخاطرة‏، ‏والإحباط‏، ‏والتصالح‏، ‏فالتوحد‏، ‏أن تعود علاقته‏ ‏ ‏ ‏بالكلمة‏ ‏ ‏إلى ‏التوازن‏ ‏فالتربيط‏ ‏الجديد‏، ‏لتخليق‏ ‏البنية‏ ‏التى ‏تعطى ‏الطعم‏ ‏الجديد‏؛ ‏والشكل‏ ‏الجديد‏، ‏والمعنى ‏الجديد‏، ‏والنبض‏ ‏الجديد‏، ‏والصورة‏ ‏الجديدة‏.‏

هذه‏ ‏هى ‏القصيدة‏، ‏قيلت‏ ‏أو‏ ‏لم‏ ‏تقل‏.‏

‏4-7 ‏فى ‏المنهج‏:

‏”معايشة‏ ‏ليست‏ ‏استبطانا”

‏ ‏فى ‏المنهج‏ ‏الفينومينولوجى ‏تأتى ‏الرؤية‏ ‏نتاج‏ ‏ممارسة‏ ‏مشاركة‏ ‏وخبرة‏ ‏معاشة‏، ‏وليست‏ ‏نتاج‏ ‏انشقاق‏ ‏مغترب،‏ ‏وملاحظة‏ ‏جزئية‏. ‏فى ‏المعايشة‏ ‏الخبراتية‏ ‏فينومينولوجيا‏ ‏لا‏ ‏تنشق‏ ‏الذات‏ ‏إلى‏ شقين‏ ‏أحدهما‏ ‏يمارِس‏ ‏والآخر‏ ‏يلاحِظ‏ ‏ويسجـِّل‏، -‏كما‏ ‏يحدث‏ ‏فى ‏الاستبطان‏. ‏المعايش‏ ‏الفينومينولوجى ‏ينصهر‏ ‏فى ‏الخبرة‏ ‏حتى ‏يخرج‏ ‏منها‏ ‏ليسجل‏ ‏نتاجها، ‏وليس‏ ‏ليصنف‏ ‏خطوات‏ ‏جزء‏ ‏منها ‏كان‏ “‏تحت‏ ‏الملاحظة‏”، ‏وهو‏ ‏منشق‏ ‏عنه.

‏ ‏فأقدمتُ‏ -‏ بعد‏ ‏كتابة‏ ‏هذا‏ ‏التنظير‏-‏ على ‏إعادة‏ ‏قراءة‏ ‏بعض‏ ‏محاولاتى ‏السابقة‏ ‏وجمعتُ‏ ‏منها‏ ‏مايمكن‏ ‏أن‏ ‏يوضّح‏ ‏بعض‏ ‏معاناتى ‏فى ‏هذا‏ ‏المأزق‏، ‏فبدا‏ ‏لى ‏أنى ‏كنت‏ ‏أقوم‏ ‏بتسجيل‏ ‏معالم‏ حركية ‏هذه‏ ‏المعركة‏ ‏بين‏ ‏المبدع‏ ‏والكلمة‏، ‏وأيضا‏ ‏بين‏ ‏المريض‏ ‏والكلمة‏، جنبا إلى جنب مع تسجيل نتائجها ‏وأبدأ‏ ‏بمقتطف‏ ‏ورد‏ ‏فى ‏روايتى ‏المشى ‏على ‏الصراط‏ ‏الجزء‏ ‏الأول‏ (ص135)[14].‏

‏يقول‏ ‏عبدالسلام‏ ‏المشد‏ ‏فى ‏وصف‏ ‏بداية‏ ‏الانفصال‏ ‏المؤدى ‏لاستقلال‏ ‏الكلمة‏:‏

‏ “‏….. ‏أو‏ ‏ربما‏ ‏يكون‏ ‏الشلل‏ ‏قد‏ ‏أصاب‏ ‏مخى ‏دون‏ ‏أطرافى، ‏فكثيرا‏ ‏ما‏ ‏يخوننى ‏مخى ‏فجأة‏ ‏حين‏ ‏يعجز‏ ‏عن‏ ‏مواصلة‏ ‏تتبع‏ ‏فكرة‏ ‏معينة‏ ‏كنت‏ ‏ألاحقها‏ ‏بإصرار‏. ‏أتعجب‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏‏الذى ‏يحدث‏: ‏الفكرة‏ ‏فى ‏متناول‏ ‏يدى، ‏ألمسها‏، ‏وأتركها‏ ‏تبتعد‏ ‏قليلا‏ ‏لألاحقها‏ ‏بثقة‏ ‏القط‏ ‏يلاحق‏ ‏الفأر‏، ‏ولكن‏ ‏المطاردة‏ ‏تنقلب‏ ‏فجأة‏ ‏لتصبح‏ ‏بين‏ ‏غزال‏ ‏جامح‏ ‏ودينصور‏ ‏غبى، ‏يركض‏ ‏الغزال‏ ‏ويختفى ‏بين‏ ‏غابة‏ ‏من‏ ‏المشاعر‏ ‏المتضاربة‏، ‏والدينصور‏ ‏فاتح‏ ‏فاه‏ ‏فى ‏دهشة‏ ‏الأبله‏ ‏المتجمد‏ ‏من‏ ‏هول‏ ‏المفاجأة‏. ‏أليس‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏الشلل‏ ‏بعينه‏: ‏أن‏ ‏تنقلب‏ ‏المطاردة‏ ‏بين‏ ‏القط‏ ‏القادر‏ ‏والفأر‏ ‏العاجز‏ ‏إلى ‏مطاردة‏ ‏بين‏ ‏الغزال‏ ‏الهارب‏ ‏والدينصور‏ ‏الغبي؟‏. ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏مرضى :”‏شلل‏ ‏فى ‏العقل‏”. كيف‏ ‏كنت‏ ‏أفكر‏ ‏قبل‏ ‏ذلك؟‏. ‏لماذا‏ ‏لم‏ ‏ألاحظ‏ ‏هذا‏ ‏الانفصال‏ ‏العجيب‏ ‏بين‏ ‏الفكرة‏ ‏والمفكر‏ ‏قبل‏ ‏اليوم؟‏”

(حين كتبت هذا المقطع قاصَّا لم يكن فى وعيى الظاهر أى تنظير علمى مسبق)

‏ ‏ثم‏ ‏أعرج‏ ‏إلى ‏اقتطاف‏ ‏من‏ ‏محاولاتى ‏شعرا‏، وهو أصعب، كما أننى ‏أشعر‏ ‏بحرج‏‏ ‏وأنا‏ ‏أقتصر‏ ‏على ‏الاستشهاد‏ ‏بمحاولاتى ‏المتواضعة‏ ‏دون‏ ‏ما‏ ‏يفوقها‏ ‏دلالة‏ ‏وعمقا‏ ‏عند‏‏ ‏الشعراء الفحول‏ ‏الأحق‏ ‏بالاستشهاد‏، ‏ولكنى ‏أغالب‏ ‏ترددى ‏أملا‏ ‏فى ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏المخاطرة‏ ‏بعض‏ ‏مايحدد‏ ‏منهجى ‏فى ‏هذه‏ ‏الدراسة‏، ‏فيوضح‏ ‏ما‏ ‏ذهبت‏ ‏إليه‏ ‏فى ‏إجمالٍ‏ ‏مركز‏، ‏هذا‏ ‏مع‏ ‏التحذير من‏ ‏أن‏ ‏الاقتطاف‏ ‏يظل‏ ‏حاملا‏ ‏مظنة‏ ‏التشوه‏ ‏والقصور‏ ‏إذ‏ ‏ينفصل‏ ‏من‏ ‏سياقه‏:‏

‏(‏أ‏) ‏يبدأ‏ ‏الهجوم‏ ‏من‏ ‏جانب‏ “‏الكلمة‏”، ‏بعد‏ ‏الاستقلال‏، ‏نتيجة‏ ‏لاهتزاز‏ ‏البنية‏،‏ ‏وفى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏يقفز‏ ‏قبول‏ ‏التحدى. ‏وفورا‏:‏

‏”‏من‏ ‏ينقذنى ‏من‏ ‏صفع‏ ‏الكلمات‏ ‏القاهرة‏ ‏المحفورة،

من‏ ‏ركل‏ ‏حوافر‏ ‏تطعن‏ ‏فى ‏الطبقات‏ ‏المستورة‏”.‏

العربة‏ ‏والجنية

19/4/1982

‏(‏ب‏) ‏ينفصل‏ ‏المعنى ‏عن‏ ‏قالبه‏، ‏فلا‏ ‏يعود‏ ‏يطابقه‏، ‏ويستسلم‏ ‏الشاعر‏، ‏أو‏ ‏يزعم‏ ‏ذلك‏، ‏لكنه‏ ‏يتربص‏، ‏ربما‏ ‏لينقض‏:‏

‏”‏تهتز‏ ‏حروف‏ ‏الكلمات‏ ‏على ‏طْرف‏ ‏المعنى ‏تُهْمِلنى، أتضور‏ ‏جوعا‏.‏

تتغافل‏ ‏عنى، أتراجع‏ ‏أطفو‏ ‏أتلاعب‏.‏

تنسانى، أرنو أترقب‏”.‏

‏(‏اللعبة‏ ‏والدوائر‏)‏

25/5/1982

‏(‏جـ‏) ‏يعقب‏ ‏ذلك‏ ‏مرحلة‏ ‏البحث‏ ‏عن‏ ‏لغة‏ ‏جديدة‏ ‏أصلا‏، ‏حتى ‏لايظل‏ ‏تحت‏ ‏رحمة‏ ‏الكلمة‏ ‏الآبـقة‏، ‏خوفا‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏تعود ‏-‏متى ‏عادت‏-‏ كما‏ ‏هى، ‏تعزز‏ ‏كيان‏ ‏البنية‏ ‏القديمة‏ ‏الجامدة‏، ‏فتؤكد‏ ‏القهر‏، ‏وهذا‏ ‏محتمل‏ ‏إذا‏ “‏تعطل‏ ‏الشعر‏” ‏فلا‏ ‏يخرج‏ ‏من‏ ‏القديم‏ ‏إلا‏ ‏القديم‏ (‏حتى ‏لو‏ ‏رقص‏ ‏وزْنا‏ ‏فهو‏ ‏رجز[15] ‏وليس‏ ‏شعرا‏):‏

‏”‏وصراخ‏ ‏أجنة‏ ‏أفكار‏ ‏تبحث‏ ‏عن‏ ‏ثوب‏ ‏ما‏ ‏سبق‏ ‏لأحد‏ ‏مسه،

‏ ‏ماوطِأته‏ ‏الأحذية‏ ‏الألسنة‏ ‏القتلة

‏[‏لم‏ ‏تلد‏ ‏القطة‏-‏ بيضاء‏ ‏بغير‏ ‏علامة‏- ‏قططا‏ ‏رقطاء‏].‏

‏(‏العربة‏ ‏والجنية‏)‏

19/4/1982

‏(‏د‏) ‏يأخذ‏ ‏الحوار‏ ‏مع‏ ‏الكلمات‏ ‏المستقلة‏ ‏شكل‏ ‏إعادة‏ ‏التعرف‏، ‏والاستكشاف‏ ‏البكر‏، ‏فتَمْثلُ‏ ‏الكلمة‏ ‏عيانيا‏ ‏مغلقة‏ ‏على ‏وعيها‏ ‏الجديد‏، ‏رغم‏ ‏أنها‏ ‏تحمل‏ ‏نفس‏ ‏الشكل‏ ‏القديم‏ ‏لكنها‏ ‏تبحث‏ ‏فى ‏السياق‏ ‏الجديد‏ ‏عما‏ ‏يريده‏ ‏الشعر‏.‏

‏”‏قلت‏ ‏بخبث‏ ‏الطفل‏ ‏الأبله‏ ‏إذ‏ ‏يتحسس‏ ‏جسد‏ ‏الكلمة‏:‏

مامعنى ‏الخسة؟‏”.‏

‏(‏وجها‏ ‏عملة‏)‏

14/10/1981

(‏هـ‏) ‏تحدث‏ ‏شبه‏ ‏هدنة‏، ‏فيبدو‏ ‏كأن‏ ‏الأسلحة‏ ‏قد‏ ‏اختفت‏ ‏وسط‏ ‏غبار‏ ‏المعركة‏، ‏ويرتضى ‏الاثـنان‏ ‏التحكيم‏، ‏وبالعودة‏ ‏إلى ‏مرحلة‏ ‏ماقبل‏ ‏التشكل‏ ‏والوصاية‏، ‏المرحلة‏ ‏الكلية‏ ‏المتداخلة‏، ‏ولكن‏ ‏يبدو‏ ‏أن‏ ‏نتيجة‏ ‏المهادنة‏ ‏ليست‏ ‏إلا‏ ‏الفشل‏ ‏على ‏الجانبين‏ ‏بحل‏ ‏وسط‏ ‏مشلول‏:‏

“‏خـفـتـت‏ ‏أضواء‏ ‏الكلمة ْ‏،

وتلاشت‏ ‏أحرفها‏ ‏داخل‏ ‏أصل‏ ‏الصوت‏ ‏النغمة‏.‏

فانقلبت‏ ‏همهمة‏ ‏غامضة‏ ‏المغزى:

أذَّن‏ ‏فى ‏الناس‏ “‏بلال‏” ‏أخرس‏..”‏

‏(‏وجها‏ ‏عملة‏)‏

14/10/1981

‏(‏و‏) ‏يتوقف‏ ‏التشكيل‏ ‏يرصد‏ ‏عملية‏ ‏الانفصال‏ ‏والمناورة‏، ‏وهو‏ ‏واثق         – شاعرا‏- ‏من‏ ‏استحالة‏ ‏المستحيل‏ (‏أى استحالة العودة‏ ‏إلى ‏البنية‏ ‏القديمة‏)، ‏مادام‏ ‏قد‏ ‏رعى ‏التفكك‏ ‏بالسماح‏، ‏والمؤازرة‏، ‏والمسئولية‏، ‏وكأن‏ ‏المأزق‏ ‏هنا‏ ‏هو‏ ‏مأزق‏ ‏الكلمة‏ ‏وقد‏ ‏انفصلت‏ ‏عن‏ ‏لغتها‏، ‏ثم‏ ‏عادت‏ ‏تتحسس‏ ‏الطريق‏ ‏إلى ‏التواصل‏ ‏المجهول‏ ‏المعالم‏، ‏مع‏ ‏لغة‏ ‏لم‏ ‏تولد‏ ‏بعد‏. ‏لكن‏ ‏لا‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏ننسى ‏أن‏ ‏مأزق‏ ‏الكلمة‏، ‏هو‏‏ ‏مأزق‏ ‏الشاعر‏، ‏فلا‏ ‏يخدعنا‏ ‏تبادل‏ ‏الأدوار‏:‏

‏”‏تعملقتْ‏ ‏فى ‏غابة‏ ‏الظلام‏ ‏والبكارةْ

وراء‏ ‏مرمى ‏اليوم‏ ‏قبل‏ ‏مولد‏ ‏الرموزْ

‏………. ‏

تسلّلت‏ ‏بليلٍ “‏مشمسٍ‏ ‏ودافئٍ‏” ‏

تجَّمعتْ‏ ‏

تكاثرتْ‏… ‏تسحَّبتْ

‏[تباعدتْ‏ ‏أعمدةُ‏ ‏المعابدِ‏]‏

تآلفتْ‏ ‏ضفائر‏ ‏الظلام‏ ‏واللهبْ

أضاءَها -‏من‏ ‏جوفها‏-‏ ظلامُها

تلفعت‏ ‏بشالها‏ ‏القديم‏ ‏

فأوسَـع‏ ‏الفرسان‏ ‏للبراق

لم‏ ‏تسرِ‏ ‏ليلاً‏، ‏لا‏َ، ‏ولـمَّـا‏ ‏تـعرِج‏”‏

‏(‏ضفائر‏ ‏الظلام‏ ‏واللهب‏) ‏

5/2/1983

‏(‏ز‏) ‏نعود‏ ‏إلى ‏لقطة‏ ‏تعلن‏ ‏حدة‏ ‏المعركة‏، ‏فليستغن‏ ‏الشاعر‏ ‏عنها‏ (‏الكلمة‏) ‏مؤقتا‏، ‏وليتوجه‏ ‏مباشرة‏ ‏إلى ‏المعنى ‏المتولد‏، ‏وليقبل‏ ‏تخلّق‏ ‏البنية‏ ‏الجديدة‏، ‏مؤجلا‏ ‏الكشف‏ ‏عنها‏ ‏خوفا‏ ‏من‏ ‏طغيان‏ ‏الأداة‏ ‏القديمة‏ -‏كما‏ ‏هى- ‏إذا‏ ‏هو‏ ‏سارع‏ ‏باستخدامها‏ ‏قبل‏ ‏التأكد‏ ‏من‏ ‏معالم‏ ‏الوليد‏:‏

‏”‏تحتضن‏ ‏الفكرة‏ ‏معناها

يستأذن‏ ‏لفــظٌ‏:‏

‏”‏يعلنها؟‏ “‏

تتأبى، تتململ،‏ تهجع‏ ‏فى ‏رحم‏ ‏الفجر‏ ‏القادم‏.‏

تتملص‏ ‏من‏ ‏قضبان‏ ‏الكلمة

‏(‏البراعم‏ ‏والأنغام‏)‏

1/6/1982

‏(‏ح‏) ‏لكن‏، ‏هاهى ‏ذى ‏كلمة‏ ‏جديدة‏، ‏تلوح‏، ‏تشير‏ ‏إلى ‏لغة‏ ‏جديدة‏ (‏بنية‏ ‏جديدة‏)، ‏ولكنه‏ ‏لايستطيع‏ ‏أن‏ ‏يتبين‏ ‏معالمها‏، ‏ولا‏ ‏يجرؤ‏ ‏أن‏ ‏يستعملها‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يتعرف عليها بحقها‏، ‏فيستمر‏ ‏الحوار‏ ‏والتداخل‏، ‏يخاف‏ ‏من‏ ‏الجديد‏ ‏ولكنه‏ ‏يلاحقه‏، ‏ويتراءى ‏أمل‏ ‏فى ‏مصالحة‏:‏

‏”‏تجمعت‏، ‏تـحـدَّت‏.

‏ طرقتُ‏ ‏بابها، تمنّعتْ‏.‏

‏……..

عاودتُ‏ ‏طرق‏ ‏بابها‏، ‏فلاحتْ

دفعتـُـها‏، ‏تملصتْ

هربتُ‏..، ‏لم‏ ‏تدعْـنى ‏أختبىْء‏”‏

(‏الكلمة‏)‏

4/6/1982

‏(‏ط‏) ‏تتحقق‏ ‏مصالحةٌ ‏ما‏، ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يتم‏ ‏الامتزاج‏ ‏تماما‏، ‏ولكنها‏ ‏هنا‏ ‏لعبة‏ “‏المولودين‏ ‏الجديدين‏” ‏يتخلق‏ ‏أحدهما‏ ‏من‏ ‏الآخر‏:‏

‏”‏أبوحُها؟‏ ‏أرسلُـها؟

أربطها‏ ‏فى ‏رجلها‏، ‏الحمامة؟

‏…… ‏

تضم‏ ‏نفسَها‏ ‏وتنزلقْ

تفرُّ‏ ‏رجلىَ ‏اليسارْ

من‏ ‏فوق‏ ‏سطحها‏ ‏،

أقفز‏ ‏فوق‏ ‏رأسها‏ ‏

تحملنى

يرفرف‏ ‏الهواء‏.. ‏نمتزجْ.

تنبتُ ‏حولِىَ ‏الحروف‏.. ‏أجنحة

‏(‏الكلمة‏)‏

4/6/1982

‏(‏ى‏) ‏فى ‏إعادة‏ ‏تخليق‏ ‏اللغة‏ ‏تصبح‏ ‏الشظايا‏ ‏والبقايا‏ ‏هى ‏مادة‏ ‏الكلمات‏ ‏المتخلقة‏ ‏فى ‏السياق‏ ‏الجديد‏.‏

نصنع‏ ‏كلمةْ:

نجمع‏ ‏أحرفها‏ ‏من‏ ‏بين‏ ‏ركام‏ ‏الألفاظ‏، ‏تتخلق‏ ‏من‏ ‏عبث‏ ‏الإبداع‏”:‏

‏”‏كومة‏ ‏أحرف

هبت‏ ‏نسمة

فتزحزحت‏ ‏الأشلاءُ‏ ‏الملتحمة

تتجاذب‏ ‏أطراف‏ ‏الأجنحة‏ ‏المكسورة

‏(‏لعبة‏ ‏الأحرف‏ ‏المتقاطعة‏)‏

14/4/1981

(‏ك‏) ‏إذا‏ ‏نجحت‏ ‏الكلمة‏ ‏القديمة‏ ‏فى ‏أن‏ ‏تجاوز‏ ‏ذاتها‏، ‏فى ‏الشاعر‏، ‏فهى ‏القصيدة‏:‏

‏”‏أمضى ‏أغافل‏ ‏المعاجم‏ ‏الجحافل

بين‏ ‏المخاض‏ ‏والنحيب

‏ ‏أطرحُنى

بين‏ ‏الضياع‏ ‏والرؤى

بين‏ ‏النبىِّ ‏والعدم

أخلـّق‏ ‏الحياة‏/‏أبتعث

أقولنى ‏جديدا

فتولد‏ ‏القصيدة‏”.‏

‏(‏ياليت‏ ‏شعرى، ‏لست‏ ‏شاعرا‏)‏

14/9/1983

‏4-8 ‏خلاصة الاستشهادات

إن‏ ‏هذه‏ ‏الاستشهادات‏ ‏ليس‏ ‏هى ‏الخبرة‏ ‏ذاتها‏، ‏وكأن‏ ‏صاحب المقتطفات (الكاتب) حين‏ ‏اقترب‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏المستوى ‏الأعمق‏، ‏راح‏ ‏يصفه‏ ‏تفصيلا‏، ‏بدلا‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏يغامر‏ ‏بالدخول‏ ‏فيه‏ ‏تماما‏، ‏وجدير‏ ‏بى ‏أن‏ ‏أعلن‏ ‏ترجيحى أننى-‏حتى ‏الآن‏- ‏قد عجزت عن‏ ‏خوض‏ ‏المستوى ‏الأعمق‏ ‏مباشرة‏،[16] ‏ربما‏ ‏دخلته‏ ‏فلم‏ ‏أصبر‏ ‏عليه‏، ‏ولم‏ ‏أحتمل‏ ‏مسئوليته‏، ‏فاكتفيت‏ ‏برسمه‏، ‏عاجزا‏ ‏عن‏ ‏ادعاء‏ ‏معايشة‏ ‏التجربة‏ ‏حتى ‏النخاع‏.‏

‏4-9 ‏عودة‏ ‏إلى ‏مستويات‏ ‏الشعر

بدءا‏ ‏مما‏ ‏أسميناه‏ “‏أقصى ‏الشعر‏” ‏حيث‏ ‏الهجوم‏، ‏والسماح‏، ‏والمسئولية‏، ‏والتعيين‏، ‏والتناثر‏/اللاتناثر‏، ‏والصورة‏ ‏الدائرة‏ ‏حول‏ ‏محور‏ ‏يتخلق‏، ‏نتدرج‏ ‏إلى ‏المستويات‏ ‏الأقرب‏ ‏فالأقرب‏ ‏من‏ ‏وعى ‏اليقظة‏ ‏ولغة‏ ‏الصحو، أعترف‏ ‏ابتداء‏ ‏بأن‏ ‏اجتهادى ‏فى ‏هذه‏ ‏النقطة‏ ‏هو‏ ‏بداية واعدة، لابد أن لها ما بعدها، لذلك ‏لا‏ ‏أتردد‏ ‏فى ‏تسجيلها‏.‏

يقع‏ “‏متدرج‏ ‏الشعر‏” -‏مثل‏ ‏متدرج‏ ‏الحلم‏- ‏من‏ ‏أقصى ‏الشعر‏ ‏مثلما‏ ‏ذكرنا‏، ‏إلى ‏الأرجوزة‏ (‏التعليمية‏ – عادة‏) ‏التى ‏ليس‏ ‏فيها‏ ‏من‏ ‏الحلم‏ ‏إلا‏ ‏إيقاعه‏ ‏الفسيولوجى ‏الراتب‏، ‏ولكن‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏نعرض‏ ‏العلاقة‏ ‏المتصورة‏ ‏بين‏ ‏الحلم‏ ‏بكل‏ ‏أبعاده‏، ‏وبين‏ ‏هذه‏ ‏المستويات‏ ‏الأخرى ‏من‏ ‏الشعر‏، ‏دعونا‏ ‏نتذكر‏ ‏أن‏ ‏الحلم‏ ‏هو‏: “‏إيقاع‏”، ‏و‏”‏تكثيف‏”، ‏و‏”‏تفكيك‏” ‏و ‏”‏تناغم‏” ‏فـ‏ “‏ولاف‏ (‏جزئى‏)” ‏فى ‏آن‏”، ‏وكأن‏ ‏كل‏ ‏واحد‏ ‏مما‏ ‏يقال‏ ‏له‏ ‏شاعر‏ ‏يأخذ‏ ‏من‏ ‏الحلم‏ ‏مايناسبه‏.‏

ومن‏ ‏هذا‏ ‏المنطلق‏ ‏نجتهد‏ ‏فى ‏تصنيف‏ ‏مستويات‏ ‏الشعر‏ ‏الأخرى ‏على ‏الوجه‏ ‏التالى‏:‏

‏(‏أ‏) ثـمَّ‏ ‏شعر‏ ‏محرِّك‏ (‏أو‏ ‏محرِّض‏) ‏يستوعب‏ ‏طاقة‏ ‏التنشيط‏ ‏الإيقاعى ‏مع‏ ‏حدة‏ ‏الدفعة‏ ‏البدائية‏ (‏دون‏ ‏مادة‏ ‏المعلومات‏ ‏المثارة‏، ‏أو‏ ‏فرصة‏ ‏تشكيلها‏ ‏جديدا‏) ‏فيفرغها‏ ‏فى ‏قالب‏ ‏اللغة‏ ‏السائدة‏، ‏ويحسنها‏ ‏بأنغام‏ ‏الناس‏ ‏المألوفة‏، ‏ليجعلها‏ ‏طاقة‏ ‏دافعة‏ ‏لغيرها‏ ‏من‏ ‏السلوك‏. ‏وهذا‏ ‏مايسمى ‏أحيانا‏ “‏شعر‏ ‏الثورة‏” ‏أو‏ “‏الشعر‏ ‏فى ‏خدمة‏ ‏الثورة‏”، ‏وهو‏ ‏أمر‏ ‏مختلف‏ ‏تماما‏ ‏عن‏ “‏الشعر‏ ‏الثورة‏”.‏

وأشهر‏ ‏مثال‏ ‏شائع‏ ‏لذلك‏ ‏هو‏ ‏بيتا‏ ‏الشابى‏:‏

إذا‏ ‏الشعب‏ ‏يوما‏ ‏أراد‏ ‏الحياة ‏ ‏فلابد‏ ‏أن‏ ‏يستجيب‏ ‏القدر‏ ‏

ولا‏ ‏بد‏ ‏لليل‏ ‏أن‏ ‏ينجلى ‏ولا‏ ‏بد‏ ‏للقيد‏ ‏أن‏ ‏ينكسر

‏(‏ب‏) وثـمَّ “‏شعر‏ ‏جميل‏”، ‏يسخر‏ ‏طاقة‏ ‏التنشيط‏ ‏الإيقاعى ‏الأولية‏ ‏للحلم‏ (‏دون‏ ‏مادته ‏- ‏معلوماته‏ ‏المتناثرة‏) ‏لخدمة‏ ‏التوازن‏ (‏الهارمونى‏) ‏فينتج‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏تناسق‏ ‏جمالى، ‏دون‏ ‏دفع‏ ‏خاص‏ ‏فى ‏اتجاه‏ ‏بذاته‏؛ ‏وكأن‏ ‏هذا‏ ‏النشاط‏ “‏التنسيقى‏” ‏لم‏ ‏يأخذ‏ ‏من‏ ‏الحلم‏ ‏إلا‏ ‏انتظام‏ ‏النغم‏، ‏وتوازن‏ ‏النِّسب؛ ‏فهو‏ ‏شعر‏ ‏جميل‏، ‏أو‏ ‏فائق‏ ‏الجمال‏ ‏يمثله أغلب‏ ‏شعر‏ ‏شوقى ‏أو‏ ‏نزار قبانى مثلا‏.‏

‏(‏ج‏) ‏و ثـمَّ ‏شعر‏ ‏مركز‏، ‏يحتوى ‏من‏ ‏الحلم‏ ‏روح‏ ‏التكثيف‏، ‏ودفقـة‏ ‏الجرعة‏، ‏وهو‏ ‏فى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏يواكب‏ ‏جرْس‏ ‏الإيقاع‏ ‏الراتب‏، ‏فيجمع‏ ‏مساحة‏ ‏من‏ ‏المعرفة‏ ‏فى ‏قول‏ ‏كالطلقة‏ ‏المضيئة‏ ‏الراقصة‏ ‏معا‏؛ ‏وهذا‏ ‏شعر‏ ‏الحكمة‏ ‏قد‏ ‏يمثله‏ ‏شعر‏ ‏الخيام‏ ‏أو‏ ‏المعرى‏.‏

‏(‏د‏) و ثـمَّ ‏شعر‏ (‏ليس‏ ‏شعرا‏ ‏أصلا‏) ‏يقول‏ ‏الكلام‏ ‏السردى ‏نفسه‏، (‏ولا‏ ‏أقول‏ ‏النثر‏)، ‏ولكن‏ ‏فى ‏نظم‏ ‏مزركش‏، ‏فليس‏ ‏له‏ ‏من‏ ‏النشاط‏ ‏الحالم‏ ‏إلا‏ ‏انضباط‏ ‏إيقاعه‏ ‏الراتب‏ ‏المكرر‏، ‏وهو‏ ‏الرجز‏ ‏المسجوع‏، ‏وهو‏ ‏يزداد‏ ‏بعدا‏ ‏عن‏ ‏الشعر‏ ‏إذا‏ ‏أصبح‏ ‏له‏ ‏هدف‏ ‏غير‏ ‏ذاته‏، ‏مثل‏ ‏هدف‏ ‏التعليم‏ ‏فى “‏ألفية‏ ‏ابن‏ ‏مالك‏، أو هدف النصح والإرشاد التربويين، وربما النقد الاجتماعى أو السياسى مثل أغلب شعر شوقى للأطفال.

هذه‏ ‏الأنواع‏ ‏كلها‏ ‏ليست‏ ‏لها‏ ‏علاقة‏ وثيقة أو تماثل دال ‏بالحلم‏ ‏المحكى ‏من‏ ‏مادة‏ ‏منشطة‏ ‏متناثرة‏ ‏فى ‏صور‏ ‏مكثفة‏ ‏متلاحقة‏، ‏ودائرية‏، ‏إن‏ ‏علاقتها‏ ‏تقتصر‏ ‏على ‏استعمال‏ ‏طاقة‏ ‏التنشيط‏ ‏البدائية‏ ‏بما‏ ‏يمثله‏ ‏الحلم‏ ‏من‏ ‏نكوص‏ ‏إلى ‏الإيقاع‏ ‏الأولى ‏المنتظم‏، ‏الذى ‏هو‏ ‏صفة‏ ‏ظاهرة‏ ‏فى ‏إيقاع‏ ‏نشاط‏ ‏الحلم‏، ‏ثم‏ ‏استعمال‏ ‏هذه‏ ‏الطاقة‏ ‏بإفراغها‏ ‏فى ‏اللغة‏ ‏السائدة‏، ‏لترسل‏ ‏بدفعها‏ ‏ذى ‏الإيقاع‏ ‏الراتب‏ ‏رسالة‏ ‏محددة‏ ‏فى ‏حكمة‏ ‏مركزة‏، ‏أو‏ ‏صورة‏ جميلة ‏إلى ‏المتلقى‏.‏ كأن‏ ‏نشاط‏ ‏اليقظة‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏النوع‏‏ ‏من‏ ‏الشعر‏ ‏قد‏ ‏تصالح‏ ‏مع‏ ‏دفع‏ ‏الحلم‏ ‏وإيقاعه‏، ‏ليصوغا‏ ‏جمالا‏ ‏منغما‏، ‏ينهض‏ ‏بديلا‏ ‏مسالما‏ ‏عن‏ ‏تحمل‏ ‏خوض‏ ‏الشعر‏ ‏الشعر‏.‏

‏4-10 “‏موسيقى‏” ‏الشعر‏:‏

لا‏ ‏يكون‏ ‏الشعر‏ ‏شعرا‏ ‏إذا‏ ‏تخلى‏ ‏عن‏ ‏تشكيل‏ ‏الزمن‏ ‏فى ‏لحن‏ ‏مصوَّر‏ ‏بشكل‏ ‏ما‏، ‏وحيث‏ ‏أننا‏ ‏بدأنا‏ ‏بتوضيح‏ ‏كيف‏ ‏أن‏ ‏النشاط‏ ‏الحالم‏ (‏والوجود‏ ‏الحيوى‏/‏البشرى ‏فى ‏مظاهره‏ ‏الأولية‏) ‏هو‏ ‏إيقاع‏ ‏نوابى ‏منتظم‏، ‏فإنه‏ ‏يحق‏ ‏لنا  ‏-تماديا‏ ‏فى ‏القياس‏- ‏أن‏ ‏نرى ‏الإيقاع‏ ‏الشعرى ‏الراتب‏ ‏وهو‏ ‏يعلن‏ -‏بشكل‏ ‏غير‏ ‏مباشر‏- ‏موقع‏ ‏الشعر‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏النسق‏ ‏الحيوى ‏المبدئى (‏أو‏ حتى ‏البدائى‏).‏

هنا‏ ‏يطل‏ ‏تناقض‏ ‏عنيف؛ ‏إذ‏ ‏كيف‏ ‏يكون‏ ‏الشعر‏ ‏قمة‏ ‏التوليف‏ ‏بين‏ ‏أقصى ‏الفجاجة‏ ‏وأقصى ‏النضج؟‏ ‏وكيف‏ ‏يكون‏ ‏عليه‏ ‏فى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏أن‏ ‏يلتزم‏ (‏بحسب‏ ‏قول‏ ‏التقليديين‏) ‏بهذا‏ ‏الإيقاع‏ ‏البدائى (‏العمودى، و‏وحدة‏ ‏القافية‏)‏؟‏ ‏

فى ‏محاولة‏ ‏لتجاوز‏ ‏هذا‏ ‏المأزق‏، ‏خرج‏ “‏الشعر‏ ‏الأحدث‏” ‏يتحرك‏ ‏ويتحدى؛ ‏إذ‏ ‏يحاول‏ ‏استيعاب‏ ‏الإيقاع‏، ‏ولكنه‏ ‏يسمح‏ ‏لنفسه‏ ‏بتنويعِهِ‏ ‏وتطويعِهِ‏، ‏ثم‏ ‏يتدرج‏ ‏السماح‏ ‏الملتزم‏ ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏، ‏وكأن‏ ‏الشاعر‏ ‏الحديث‏ ‏الذى ‏لا‏ ‏يزال‏ ‏يلتزم‏ ‏بوزن‏ ‏ما‏، ‏إنما‏ ‏يتجول‏ ‏فى ‏دوائر‏ ‏مراتب‏ ‏الإيقاع‏ ‏بما‏ ‏تهيئه‏ ‏من‏ ‏نغم‏ ‏راتب‏، ‏ليؤلف‏ ‏منها‏ ‏ما يشاء‏ ‏بقدر‏ ‏مسئوليته‏ ‏وحاجته‏ ‏أثناء ‏تخليقه‏ ‏لتشكيلات‏ ‏الزمن‏ ‏والمكان،‏ ‏فهو الشعر. ‏ولكن‏ ‏ماذا‏ ‏عن‏ ‏شاعر‏ ‏غاص‏ ‏إلى ‏مركز‏ ‏الدوائر‏ ‏حتى ‏تخلص‏ ‏من‏ ‏حتم‏ ‏متابعة‏ ‏الإيقاع‏ ‏الراتب؟‏ ‏ألا‏ ‏يعفيه‏ ‏هذا‏ ‏التمركز‏ (‏والنغم‏ ‏من‏ ‏حوله‏، ‏وبه،‏ ‏فهو‏ ‏فى ‏بؤرته‏) ‏من‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏تابعا‏ ‏مطيعا‏ ‏لرتابة‏ ‏النغم؟‏ ‏وهو‏ ‏فى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏يعيش‏ ‏كل‏ ‏الأنغام‏، ‏يشحن‏ ‏بها‏ ‏لغته‏ ‏الجديدة‏ ‏المصورة‏، ‏دون‏ ‏التزام‏ ‏بحركة‏ ‏راتبة‏ ‏مكررة‏.؟

 ‏هى ‏مخاطرة‏ ‏بلا‏  ‏شك‏؛ ‏إذ‏ ‏قد‏ ‏يصعب‏ ‏التمييز‏ -‏فى ‏مرحلة‏ ‏بذاتها‏- ‏بين‏ ‏من‏ ‏يعيش‏ ‏خارج‏ ‏الدوائر تماما‏، ‏وبين‏ ‏من‏ ‏اخترق‏ ‏الدوائر‏ ‏حتى ‏تمركز‏ ‏فى ‏بؤرتها‏ ‏فلم‏ ‏يعد‏ ‏يدور‏ ‏معها‏ ‏لكنه‏ ‏ينبض‏ ‏بإيقاعها‏، والأول – عادة- يدعى أنه الثانى.

لن‏ ‏ينقذنا‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏المأزق‏ ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏نغامر‏ ‏بالإنصات‏ ‏إلى ‏الموسيقى ‏غير‏ ‏الراتبة‏ ‏وغير‏ ‏المكررة‏ ‏وغير‏ ‏الإيقاعية‏، ‏فى ‏اللوحة‏ ‏الشعرية‏ ‏الحديثة‏، ‏إن‏ ‏ما‏ ‏يـُـلزمنا‏ ‏ببذل‏ ‏الجهد‏ ‏فى ‏البحث‏ ‏عن‏ ‏الموسيقى ‏الأعمق‏ ‏هو‏ ‏ضرورة‏ ‏أن‏ ‏نطمئن‏ ‏أن‏ ‏الشاعر‏ ‏يحذق‏ ‏اللغة‏ ‏العادية‏ (‏نثرا)‏، ‏كما‏ ‏أنه‏ ‏يلم‏ ‏بالتراث‏ ‏الشعرى ‏التقليدى ‏الراتب‏ ‏الإيقاع‏، ‏ثم‏ ‏هو‏ ‏يتجاوزه‏، ‏ولعل‏ ‏إنجازات‏ ‏أدونيس‏[17] ‏ناقدا‏ ‏وباحثا‏ ‏تراثيا‏ ‏هى ‏التى ‏دعمت‏ ‏موقفه‏ ‏شاعرا‏ ‏مهما‏ ‏غمض‏ ‏شعره‏ ‏وأزعج‏.

‏4-11 ‏الحلم‏ ‏يكشف‏ ‏دون‏ ‏استئذان‏، ‏والشعر‏ ‏كذلك‏:‏

بيَّنا‏ ‏تحيزنا‏ ‏إلى‏ ‏رأى ‏يونج‏، ‏وعلم‏ ‏نفس‏ ‏المعرفة‏، ‏فى ‏أن‏ ‏الحلم‏ ‏كشفٌ‏، ‏وتفكير‏ ‏خاص‏، ‏ثم‏ ‏افترضنا‏ ‏أنه‏ ‏إبداع‏ ‏مكثف‏، ‏وهو‏ ‏بذلك‏ ‏إضافة‏ ‏لكيان‏ ‏الحالم‏ ‏نفسه‏، ‏وكأن‏ ‏الحالم‏ ‏لو‏ ‏أحسن‏ ‏استيعاب‏ ‏مايقوله‏ ‏حلمه‏ (‏دون‏ ‏تفسير‏ ‏مباشر‏، ‏أى ‏دون‏ ‏وصاية‏ ‏من‏ ‏معرفة‏ ‏سابقة‏) ‏لتقدم‏ ‏به‏ ‏خطوة‏ -‏ مهما‏ ‏كانت‏ ‏صغيرة‏- ‏فى ‏مسيرة‏ ‏النمو‏ ‏والتكامل‏. ‏

من‏ ‏هذا‏ ‏المدخل‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نقبل‏ ‏مقولة‏ ‏أسبقية‏ ‏الشكل‏ ‏على ‏المعنى ‏فى ‏أقصى ‏الشعر‏، ‏وكيف‏ ‏أن‏ ‏البنية‏ ‏الجديدة‏ ‏تتخلق‏، ‏ثم‏ ‏يلحقها‏ ‏ماتعنيه‏، ‏أو‏ ‏بتعبير‏ ‏أدق‏: ‏ثم‏ ‏تتكشف‏ ‏عما‏ ‏تعنيه‏، ‏وكأن‏ ‏الشاعر‏ ‏هو‏ ‏أول‏ ‏من‏ “‏يقرأ‏ ‏شعره‏ ‏ليتعرف‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏إنتاجه‏ ‏المسئول‏ ‏على ‏أعماق‏ ‏نفسه‏”؛ ‏يفعل‏ ‏ذلك‏ ‏وهو‏ ‏يستكشف‏ ‏ذاته‏ ‏مثلما‏ ‏يفعله‏ ‏القارئ ‏الغريب‏، ‏وأكثر‏. ‏لكن‏ ‏هذا‏ ‏لا‏ ‏يعنى ‏أن‏ ‏الشعر‏ “‏يخرج‏” ‏من‏ ‏الشاعر‏ ‏إيحاء‏ ‏سلبيا‏ ‏وإلا‏ ‏كان‏ ‏حلما‏ ‏عشوائيا‏ ‏أو‏ ‏جنونا‏. ‏وإنما‏ ‏نريد‏ ‏أن‏ ‏نؤكد‏ ‏أن‏ ‏الشعر‏- ‏بكل‏ ‏المسئولية‏، ‏وفى ‏وعى ‏فائق‏- “‏يقول‏” ‏الجانب‏ ‏الآخر‏ ‏بلغة‏ ‏أكثر‏ ‏طزاجة‏، وأصالة معاً، ‏ليتشكل‏ ‏بها‏ ‏وجود‏ ‏قائله‏ ‏ومتلقيه‏ ‏والعالم‏، ‏بشكل‏ ‏يعلن‏ ‏اضطراد‏ ‏الإبداع‏ ‏على ‏مستوياته‏ ‏المختلفة، لهذا‏ ‏يجدر‏ ‏بنا‏ ‏أن‏ ‏نحذر‏ ‏من‏ ‏فرط‏ ‏الوصاية‏ ‏من‏ ‏جانب‏ ‏الوعى ‏اليقظ‏ ‏على ‏مسودات‏ ‏الشعراء‏[18].‏

كل‏ ‏ذلك‏ ‏قد يبدو‏ ‏خارج‏‏ ‏نطاق‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏، ‏اللهم‏ ‏إلا‏ ‏فيما‏ ‏يخص‏ ‏وجه‏ ‏الشبه‏ ‏بالحلم، من‏ ‏حيث‏ ‏إن‏ ‏الحلم‏/ الكشف‏/‏المعرفة‏/الإبداع‏ ‏المكثف‏، ‏يسمح‏ ‏لصاحبه‏ ‏أن‏ ‏يتعرف‏ ‏على ‏نفسه‏ – ‏دون‏ ‏حاجة‏ ‏إلى ‏تفسير‏ ‏وصى،‏ كذلك‏ ‏القصيدة‏/‏الكشف‏/‏المعرفة‏/الإبداع‏ ‏المكثف‏، ‏ينبغى ‏ألا‏ ‏تفسر‏ ‏بما‏ ‏يترجمها‏ ‏بغير‏ ‏لغتها‏ ‏ولكن‏ ‏بما‏ ‏بزيد‏ ‏من‏ ‏فرص‏ ‏اتساع‏ ‏مساحة‏ ‏الوعى ‏بما‏ ‏يسمح‏ ‏أن‏ ‏نتعرف‏ ‏عليها‏ ‏وعلى ‏أنفسنا‏ ‏ونحن‏ ‏فى ‏جدل‏ ‏حيوى ‏معها‏.‏

‏4-12 ‏الحلم‏ ‏والشعر‏ ‏والجنون‏:‏

إذا‏ ‏كنا‏ ‏قد‏ ‏اختتمنا‏ ‏رؤيتنا‏ ‏لما‏ ‏هو‏ ‏حلم‏ ‏بالإشارة‏ ‏إلى ‏علاقته‏ ‏بالجنون‏، ‏فإن‏ ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏المقارنة‏ ‏أمر‏ ‏أوجب‏ ‏فيما يتعلق بالشعر، ‏خاصة‏ ‏وقد‏ ‏لاحظنا‏ ‏كيف‏ ‏يستعمل‏ ‏لفظ‏ ‏الجنون‏ ‏استعمالا‏ ‏فضفاضا‏، ‏حتى ‏ليزعم‏ ‏شاعر‏ ‏بجنونه‏ ‏تعبيرا‏ ‏عن‏ ‏حرصه‏ ‏على ‏حرية‏ ‏أرحب، ‏مثل‏ ‏ما‏ ‏تقوله‏ ‏خالدة‏ ‏سعيد‏ ‏عن‏ ‏شعر‏ ‏أنسى ‏الحاج‏ ‏فى “‏لن‏” ‏وما‏ ‏استشهدت‏ ‏به‏ ‏من‏ ‏قوله‏ “…. ‏بالجنون‏ ‏ينتصر‏ ‏المتمرد‏، ‏ويفسح‏ ‏المجال‏ ‏لصوته‏ ‏أن‏ ‏يـسمع‏”[19].‏

كل‏ ‏هذا‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏مراجعة‏ ‏لاستعمالات‏ ‏كلمات‏ ‏مثل‏ “‏جنون‏” ‏و‏”‏لاغائى‏”.‏

سبق‏ ‏أن‏ ‏أشرنا‏ ‏إلى ‏توحد‏ ‏نقطة‏ ‏الانطلاق‏ ‏بين‏ ‏الحلم‏ ‏والإبداع‏ ‏والجنون‏، ‏بما‏ ‏يشير‏ ‏إلى ‏أنه‏: ‏يزداد‏ ‏وجه‏ ‏الشبه‏ ‏بين‏ ‏الثلاثة‏ ‏فى ‏المستوى ‏الأول‏، ‏ثم‏ ‏تفترق‏ ‏السبل‏. ‏على ‏أن‏ ‏الحاجة‏ ‏التى ‏تميز‏ ‏الجنون‏ ‏من‏ ‏الإبداع‏ ‏تصبح‏ ‏أشد‏ ‏إلحاحا‏ ‏إذا‏ ‏كنا‏ ‏نواجه‏ ‏الإبداع‏ ‏الشعرى ‏من‏ ‏النوع‏ ‏الذى ‏استطاع‏ ‏أن‏ ‏يتحمل‏ ‏التنشيط‏ ‏الداخلى ‏فى ‏مستوياته‏ ‏الأولى ‏فيحتويها‏ ‏ويلقى ‏بها ‏-‏كأنها‏ ‏كما‏ ‏هى- ‏فى ‏مواجهة‏ ‏وعينا‏ ‏السائد‏ ‏فى ‏اليقظة‏.‏

‏ ‏نبدأ بعرض المقارنة مجدولة (جدول 1) ثم نلحق بها شرحا موجزا حيث نعود إلى تفصيل لاحق فى الفصل الثانى فيما يتعلق بجدلية الجنون والإبداع.

[1] – circadian

[2]- أدونيس: “زمن الشعر”‏ ‏ص 312- الطبعة الثانية (1978)- ‏دار‏ ‏العودة – بيروت.

[3] – انظر الملحق الثانى للفصل الثانى.

[4]- محمد‏ ‏فتوح‏ ‏أحمد‏: “‏توظيف‏ ‏المقدمة‏ ‏فى ‏القصيدة‏ ‏الحديثة‏” ص 45، المجلد‏ ‏الأول‏، ‏العدد‏ ‏الرابع ‏مجلة فصول (1981).

[5]- ت‏.‏س‏. ‏إليوت‏ ‏فى ‏م‏.‏ل‏. ‏روزنتال‏: “‏شعراء‏ ‏المدرسة‏ ‏الحديثة” ص 20‏، ‏ترجمة‏ ‏جميل‏ ‏الحسنيى، ‏بيروت‏ (‏مقتطف‏ ‏من‏ ‏محمد‏ ‏فتوح‏) هامش 49.‏

[6]- أدونيس “‏مكان‏ ‏لمسرح‏ ‏الكآبة” ص 211، المجلد‏ ‏الثانى، ‏العدد‏ ‏الأول- مجلة ‏فصول (1981).

[7]- “الحمد لله الذى أحيانى بعد ما أماتنى، وإليه النشور” (دعاء الاستيقاظ).

[8]- كاد‏ ‏مشروع‏ ‏الجينوم‏ ‏البشرى ‏أن‏ ‏يكتمل (بل لعله اكتمل مع هذا التحديث 2006)‏، ‏ووعوده‏ ‏لا‏ ‏حصر‏ ‏لها‏، ‏لكن‏ ‏مدى ‏علاقة‏ ‏هذه‏ ‏الوعود‏ (سنة 1984 وقت كتابة النص الأول)  ‏بهذه‏ ‏المداخلة‏ ‏هى ‏أبعد‏ ‏من‏ ‏المتناول‏ ‏حاليا‏، كما أن الاحباط الذى لحق بالآمال التى كانت منعقدة على هذا المشروع يمكن أن يهدئ من توقعاتنا المبالغ فيها فى المرحلة الحالية، بل لعل آليات البحث فيه هى ضد ما نقصده هنا.

[9]- يقول‏ ‏البياتى “..‏إن‏ ‏الثورة‏ ‏والإبداع‏ ‏كلاهما‏ ‏عبور‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏الموت‏.. ‏حيث‏ ‏الإنسان‏ ‏يموت‏ ‏بقدر‏ ‏مايولد‏، ‏ويولد‏ ‏بقدر‏ ‏مايموت‏”. ‏مفهوم‏ ‏الشعر‏، ‏عبد‏ ‏الوهاب‏ ‏البياتى، ‏تجربتى ‏الشعرية‏، ‏منشورات‏ ‏نزار‏ ‏قبانى، ‏بيروت‏، ‏ص‏30، 31 ‏اقتطفه‏: ‏عز‏ ‏الدين‏ ‏اسماعيل‏: ‏مفهوم‏ ‏الشعر‏ ‏فى ‏كتابات‏ ‏الشعراء‏ ‏المعاصرين‏، ‏فصول‏، ‏المجلد‏ ‏الأول‏، ‏العدد‏ ‏الرابع‏، ‏يوليو‏ 1981

[10]- فى الفصل الثانى “جدلية الجنون والإبداع والحرية” لا يقسم الناس إلى عادى ومبدع ومجنون، ويستبدل بذلك فرض أنها “حالات” واردة عند أى من هؤلاء بجرعات مختلفة، ولمدد متفاوتة، وبنتائج متمايزة، مما سيرد تفصيله هناك.

[11]- وجدت‏ ‏أن‏ ‏مفهوم‏ ‏الوعى ‏المحورى، ‏هو‏ ‏أقرب‏ ‏مايكون‏ ‏إلى ‏مفهوم‏ ‏الذات‏ ‏الفاعلة‏ Action Self ‏عند‏ ‏ساندور‏ ‏رادو‏ Sandor  Rado، ‏كذا‏ ‏الذات‏ ‏الموضوعية‏ ‏عند‏ ‏يونج‏ Jung

[12]- خيال الأطفال ليس بعيدا عن الحلم والشعر بالمعنى الأصيل، أكثر مما نتصور من حيث أنه تأليف بعيد عن الواقع، وفى متابعتى النقدية الحالية لحكايات أندرسون بالذات ، اكتشفت أنها تغطى مساحة كبيرة من هذا الفرض، فى مقالتى (كيف متى يعرف الطفل ما هو “الموت” ونحن أيضا!؟ روز اليوسف عدد 25-11-2005، ومقالتى (أطفالنا: بين روح الشعر ونظم الحكمة) مجلة وجهات نظر – مارس 2005.

[13] – ‏مقابلة‏ ‏لغرض‏ ‏بحث‏ ‏خاص‏، ‏أجرى ‏الكاتب‏ ‏حوارا‏ ‏مع‏ ‏مريض‏ ‏فصامى، ‏سجلته‏ ‏الباحثة‏ (‏يسرية‏ ‏أمين‏ ‏فى “أنواع‏ ‏الفصام”‏- ‏رسالة‏ ‏ماجستير‏ ‏فى ‏الطب‏ ‏النفسى ‏والأمراض‏ ‏العصبية (1978)‏ ‏ص‏181(رسالة‏ ‏غير‏ ‏منشورة‏).

[14]- يحيى الرخاوى: (رواية المشى على الصراط- الجزء الأول) “الواقعة” عام 1977.

[15]- أنظر بهامش (57) مقارنة بين رجز شوقى للأطفال، مقارنة بشعر أندرسون قاصا !!

[16]- اللهم إلا فى قصيدة لم تنشر، بعنوان “مقامات”، وربما أخرى نشرت فى الأهرام فى 18/4/2005 بعد حادث انقلاب سيارة بعنوان “نسيج شعبنا الجميل و”لودر” الحكومة”.

[17]- أعمال‏ ‏أدونيس‏ ‏مثل‏ “‏زمن‏ ‏الغربة‏” ‏والثابت‏ ‏والمتحول‏” ‏هى ‏من‏ ‏أهم‏ ‏ما‏ ‏شجعنى ‏وصبرنى ‏على ‏الوقوف‏ ‏على ‏شعره‏ ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏استطعت‏.‏

59- ‏يجدر‏ ‏بنا‏ ‏أن‏ ‏نوصى ‏بدراسة‏ ‏جديدة‏ ‏لمسودات الشعراء‏، ‏ومقارنتها‏ ‏بالشكل‏ ‏النهائى ‏للقصيدة‏، ‏لنميز‏ ‏ماذا‏ ‏تم‏ ‏فى ‏مرحلة‏ ‏الحبكة‏ ‏النهائية‏، ‏هل‏ ‏كان‏ ‏استيعابا‏ ‏ولافيا‏ ‏للدفعة‏ ‏المكثفة‏ ‏البدئية‏ (‏التى ‏قد‏ ‏تسمى “‏الوثبة‏” ‏أحيانا‏) ‏أم‏ ‏كان‏ ‏فرط‏ ‏وصاية؟‏.  ‏وبتعبير‏ ‏آخر‏: ‏هل‏ ‏تحمل‏ ‏الشاعر‏ ‏تفجر‏ ‏وعيه‏ ‏الآخر‏ ‏فى ‏وعيه‏ ‏اليقظ‏ ‏نحو‏ ‏توليف‏ ‏وعيه‏ ‏الفائق‏، ‏فتمادى ‏فى ‏اتجاهه‏ ‏وتخلق‏ ‏بما‏ ‏كشف‏، ‏أم‏ ‏أنه‏ ‏فرض‏ ‏وصايته‏ ‏فراح‏ ‏يهذبه‏ ‏ويزركشه‏ ‏حتى ‏أخفاه؟

[19]- ‏خالدة سعيد: “حركية‏ ‏الإبداع”‏ – دار العودة (1979)- بيروت.

شرح جدول مقارنة الحلم والجنون والإبداع

شرح جدول مقارنة الحلم والجنون والإبداع

شرح جدول مقارنة الحلم والجنون والإبداع

جدول (1): جدول مقارن بين الحلم والجنون والإبداع

 

الحلم الجنون الإبداع (فى الشعر كمثال)
(1) تنشيط داخلى تنشيط داخلى تنشيط داخلى
(2) تفكيك وبسط مناوب (محدود المدة ذاتى التوقف) تفكيك وبسط منافس (مقتحمٌ مجهول المدى) تفكيك وبسط مقتحم/مناغمٌ (معا) (فى شوق تطورى يتحدى)
(3) الحلم بالقوة (البسط التلقائى الدورى) مشروع الجنون (لا يوجد ما يسمى الجنون بالقوة) إلا إحصائيا، من حيث التوقع، ولكن بالنسبة للفرد فيستحيل افتراض ذلك؛ لأنه ما لا يظهر فى السلوك فهو “حلم بالقوة”: أو مشروع “جنون بالقوة”، وهو لا يتميز جنونا إلا إذا عجز أن يكون حلما أو شعرا ومع ذلك ظهر كما هو، فى ظاهر السلوك والوعى من ذلك إلا بعد إعلانه. القصيدة بالقوة. ولاف تمَّ، ولم يعلن، قد تظهر نتائجه فى غير مجال الإبداع المعلن إنتاجاً محدداً، وإنما –غالبا-  فى مجال النمو الفردى، أو حتى طفرة النوع.
(4) الحلم كما هو(الحلم الفعلى)[التقاط مادة السبك والتناثر كيفما اتفق، مع أقل قدر من التحوير، ثم إعادة التشكيل حتى لو لم يظهر إلا أثره) ظهور التناثر فى السلوك والفكر، مع بعض صواعق الداخل: مثل “الضلالات الأولية”Autoctonous Ideas القصيدة المسودة (أو الإبداع الفج) (أو الجرعة الأولى… وقد تظل الأخيرة فى بعض الشعر)، كما يظهر ما يشبه ما أسميناه “صواعق الداخل” ولكن فى بَرقٍ خاطف مضئً فيما يسمى لحظات الإلهام.
(5) “الكلمة” تقوم بدور ثانوى، و”اللغة الصورة” (لا المصوّرة) هى الأصل.لا تتخذ الكلمة موقفها العادى إلا بالحكى اللاحق غالبا. الكلمة منفصلة تقود جزء منفصل: عشوائيا (الفصام عادة). “الكلمة تستقل، تتحدى وتتحاور. ثم تتآلف جزئيا فى سياق يعد بالجديد.
(6) الحلم المحكى (مع بعض التدبيج والوصل) الجنون المتماسك نسبيا مع بعض الضلالات الثانوية والانفعالات المناسبة للمحتوى الشاذ (البارانويا مثلا) القصيدة المحبوكة Elaborated ” الإبداع المحكم” (المسودة تخلّـق بإحكام دون أن تتوارى).
(7) تفسير الحلم بواسطة الحالم (الدفاعى) أو حتى “التحليل النفسى” (غالبا: لتغطية الحلم الحقيقى).أو إهماله كلية الضلالات الثانوية والإسقاط على العالم الخارجى والتبرير (تغطية التناثر المبدئى بنوع آخر من الجنون أو إخماد الحركة كلية). تشويه القصيدة بالوصاية الشكلية أو الالتزام القاهر. (النقد المتعسف شبه العلمى)أو إجهاض المحاولة تماما ربما خوفا وترددا
(8) يكون التعامل الإيجابى بقراءة الحلم “بمعايشة حضوره وتعهد آثاره إلى ما تعِد” (إعادة إبداعه استيعابا دون قصد عادة). يكون التعامل الإيجابى بقراءة الجنون والنظر فى غائيته مع أسبابه وأعراضه، ثم إعادة إبداعه بالمواكبة العلاجية إلى الحلم أو الإبداع. يكون التعامل الإيجابى بقراءة القصيدة نقداً  بحوار مبدع خلاق (إبداع على إبداع) .

 

5 – شرح موجز للجدول

1)    يحدث التنشيط الداخلى الدورى بانتظام عند كل الناس طالما هم على قيد الحياة.

2)  إذا اقتصر هذا التنشيط على مجرد دورية تعتعة وتحريك المعلومات المُدخلة حديثا أو الكامنة من قبل دون تمثـّل كامل، مما يظهر بشكل غير محكى أو معلن إلا  فى رسام المخ الكهربائى – نوم حركة العين السريعة نوم الريم حعس REM) ، إذا اقتصر الأمر على ذلك فإن فيه إعلان عن العزوف عن أى مشاركة من الإنسان فى إبداع ذاته (ونوعه)، وبالتالى يسرى عليه ما يسرى على ما هو دونه من أحياء، أو ربما ساهم فرط إلغاء ناتج هذا التحريك، بميكانزمات الإنكار والقهر والخوف معا، فى تجميد حركة تطور الفرد أو النوع  بشكل أو بآخر. (بما يترتب عليه احتمال الانقراض إذا امتد هذا الموقف طولا وعرضا لفترة هائلة من الزمان على مساحة واسعة من البشر).

3)  مهما بلغ الإنكار فإن ما يتم بيولوجيا يتم بشكل تلقائى سعيا إلى إعادة التنميط والتشكيل بما يتفق مع قوانين الحياة، حتى لو لم يخرج أى ناتج من ذلك معلنا بشكل مباشر فى مستوى وعى اليقظة (مثلما هو الحال في أولئك الذين يعلنون أنهم لا يحلمون أصلا)، مهما حدث ذلك  فإن التحريك وإعادة التشكيل يتم بشكل دورى يعلنه الرصد الفسيولوجيى الكهربى على الأقل، وهذا ما أسميناه “الحلم بالقوة”.

4)  إذا ما اقترب ناتج هذا التحريك من مستوى وعى اليقظة، خاصة أثناء الاستيقاظ، فإن الشخص العادى ينسج منه ما يحكيه باعتباره حلما، يعيشه أو يستلهمه (بطريق مباشر أو غير مباشر)، أو هو قد يلغيه بالتسطيح أو التزييف أو التشويه (مع أن كل ذلك أيضا  فيه قدر ما من إبداع ما).

5)  إذا ما أتيحت مساحة من السماح الداخلى (فيما بين مستويات الوعى)، والعالم الخارجى (فيما هو فرص التعبير بكل تجلياته) مع قدر من امتلاك أبجدية مرنة، وأداة قادرة، فإن المادة المتحركة فى مستوى آخر من الوعى (الحلم) تظل فى متناول صاحبها الذى قد يستطيع بقدر من الإرادة والمسؤولية أن يعلنها واعيا: ليس فقط فى صورة حلم محكى، وإنما بعد مزيد من محاولات  الجدل والمغامرة وبدايات الصقل وإعادة الشحن، فى صورة مشروع إبداع ما (المسودة)

6)  مع مزيد من الوعى المشتمِل (لأكثر من مستوى من مستويات الوعى) ومع  قدر مناسب من القدرة المقتحمة، والصقل المسئول، تنتقل مسودة الإبداع إلى ما هو أكثر حبكة وأقدر اختراقا، فى صورة إبداع مسجل .

7)  إذا ما تجاسر من لا يملك القدرة على التعامل مع هذه المادة فى وعى اليقظة، سواء لنقص فى الإعداد لمثل ذلك، أو عجز عن التعامل معها بالإنكار والإزاحة والكبت، أو لفرط جرعة التحريك نتيجة استعداد وراثى أو قصور تربية وقائية مرنة خلاقة، إذا ما حدث ذلك فإن مرحلة التعتعتة تتمادى إلى القلقلة فالتفسخ فى وعى اليقظة بشكل متنوع التجليات:  فهو المرض، وبالذات الفصام البادئ ثم المتمادى ثم المتفسخ. وفى كثير من الأحوال  قد يلحق هذا التفسخ نوع من التعامل الضام، وإن كان ضما مرضيا أيضا: إما بالإفراط فى التحوصل والنفى والانسحاب، وإما ببناء جدار من ضلالات (هذاءات) تعويضية، توقف التمادى فى التفسخ فالتدهور، ولكن لحساب تجليات مرضية أخرى (مثل حالات البارانويا). ويمكن أن يعتبر ذلك تجاوزا من قبيل الإبداع المرضى الثانوى – ويسمى أحيانا أعراضا ثانوية[1]- برغم تناقض التعبير.

8)  فى الأحوال الثلاثة (الحلم والإبداع والجنون) تكون المادة المتعتعة (المتحركة) بمثابة لبنات منفصلة جاهزة لإعادة التشكيل حسب الظروف التى سوف تتشكل بها، وفى حالة غلبة الرموز الكلامية فى مثل هذه المادة، يصبح الشعر (والحكى/الشعر) خير مشروع لإعادة التشكيل، ليس فقط بإعادة شحن الرموز القديمة بالجديد فى سياق جديد، وإنما فى تطوير الوعى كله متيحا جدلا حيويا بين المنشئ والمتلقى، إسهاما فى مسيرة التطور بشكل أو بآخر.

9)  يأتى دور الناقد بعد ذلك باعتباره المتلقى المبدع الملاحِق، فيقرأ هذا التشكيل من زوايا مختلفة ، فيدعمه بنقده وإعادة كشفه، وتشكيله ناقدا، الأمر الذى له ما يقابله فى التعامل مع الحلم معايشة واستلهاما أكثر من فرض الوصاية عليه تفسيرا أوتبريرا.

 أما فى حالة الجنون، فالأمر أصعب، لكنه ممكن من حيث المبدأ فيما يسمى العلاج المكثف (فرديا وجماعيا) . إن كثيرا من الحالات التى تتاح لها مثل هذه الفرصة تعلن صراحة كيف أن ما كانت تعيشه أعراضا مرضية قد انتقل إلى أحلام مزعجة، وفى مرحلة لاحقة قد تتحور الأحلام المزعجة  إلى أحلام تناسقية وإن ظلت مفككة حسب طبيعة الحلم الأصيل، فإذا ما تمادت الفرصة العلاجية الحقيقية فثم احتمال لإعادة تشكيل الذات إبداعا حقيقيا أو حتى إبداعا متاحا للرصد فالتلقى، فيكون العلاج بمثابة إطلاق مسيرة النمو من جديد.

10)    فى أى مرحلة من هذه المراحل (سواء بالنسبة للحلم أو للإبداع أو للجنون) قد تتداخل عوامل تسطيحية يمكن أن نعزوها أيضا لدفاعات (ميكانزمات دفاعية) تسمح بغلبة فكر اليقظة المفاهيمى على إمكانية إعادة التشكيل أو حتى على تمادى تلقائية التفسخ. فى حالة الابداع قد تتراجع أصالة الإبداع إلى بعض التسطيح والوصاية المعقلنة، أما فى حالة الجنون التفسخى فقد تحل امراضٌ أقل خطرا محل التفسخ المهدد بالتمادى حتى التدهور. لكن فى حالة الحلم فإن وصاية فكر اليقظة المفاهيمى قد يسرى كما أشرنا إلى ناتج ذلك التحريك بما يترتب عليه ما ذكرنا من أول إنكار أن ثَـمَّ حلم يحدث أصلا، حتى تزييف الحلم أو عقلنته أو تفسيره وتبريره من خارجه، بنظرية أو منظومة تفرض عليه.

جدير بالذكر أيضا أن بعض ما يسمى العلاج الدوائى (الكيميائى أو يسمى خطأ النموذج الطبى) يركز فى تعامله مع هذا التفسخ المرضى النشط على التمادى فى قصف التحريك برمته، ليس بإلغائه فلا يوجد عقار تثبيطى يمكن أن يوقف نشاط نوم حركة العين السريعة مثلا، وإنما بالحيلولة دون تواصل مستويات الوعى بإجهاض التناوب والجدل فيما بينها بالتدخل الكيميائى الملاحِق طول الوقت، وأحيانا طول العمر. إن هذا – إلا فى حالات الاضطرار النادرة لدرء خطر جسيم حقيقى لحوح – إنما يعتبر كمن يرمى السلة بالطفل الذى فيها (مما لا مكان لتفصيله حالا).

‏5- 1 ‏فن‏ ‏القص‏ ‏وطور‏ ‏البسط‏:‏

إذا‏ ‏كان‏ ‏الحلم‏ ‏إبداعا‏ ‏مكثفا‏ ‏فى ‏جزء‏ ‏من‏ ‏ثانية‏ ‏إلى ‏بضع‏ ‏ثوان‏، ‏ثم‏ ‏كان‏ ‏الشعر‏ ‏إبداعا‏ ‏أرقى (‏مازال‏ ‏مكثفا‏) ‏فى ‏بعد‏ ‏زمنى ‏أطول‏ ‏نسبيا‏، ‏فإن‏ ‏القص‏ ‏قد‏ ‏يضيف‏ ‏رؤيـة‏ ‏على ‏مساحـة‏ ‏أطـول‏ ‏وأعرض‏، ‏ولكن‏ ‏يبدو‏ ‏أن‏ ‏المسألة‏ ‏فى ‏الرواية‏ – ‏للمقارنة‏- ‏أعقد‏ ‏وأبعد‏، ‏وبخاصة‏ ‏إذا‏ ‏حاولنا‏ ‏تطبيق‏ ‏فكرة‏ ‏أن‏ ‏فعل‏ ‏الإبداع‏ ‏المكثف‏ ‏إنما‏ ‏يتم‏ ‏فى ‏طور‏ ‏البسط‏، ‏وهو‏ ‏الأقصر‏ ‏فى ‏دورة‏ ‏النبض‏ ‏الحيوى.

على ‏أن‏ ‏ثم‏ ‏ما‏ ‏يشير‏ ‏إلى ‏مدخل‏ ‏مناسب‏ ‏لتطبيق‏ ‏بعض‏ ‏فرضنا‏ ‏بعد‏ ‏تحويره‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏تفرضه‏ ‏علينا‏ ‏المقارنة‏، ‏وهو‏ ‏شهادة‏ ‏الكاتب‏ ‏مع‏ ‏أو‏ ‏بدون‏ ‏ما‏ ‏كتب‏.‏

يقول‏ ‏إدوار‏ ‏الخراط‏:‏

‏”‏الزمن‏ ‏الفعلى ‏لفعل‏ ‏الكتابة‏ ‏نفسه‏ ‏ساعات‏ ‏قلائل‏ ‏متصلة‏، ‏فى ‏الغالب‏، ‏اتصالا‏ ‏لا‏ ‏ينقطع‏، ‏وبحدة‏، ‏وتحت‏ ‏ضغط‏، ‏وفى ‏حالة‏ ‏من‏ ‏التوهج‏ ‏تجعل‏ ‏الزمن‏ ‏غير‏ ‏محسوب‏، ‏أما‏ ‏عملية‏ ‏الكتابة‏ ‏بمعنى ‏آخر‏، ‏أى ‏عملية‏ ‏التخلق‏، ‏والاحتشاد‏، ‏والاستعداد‏ ‏والتشكيل‏، ‏إذا‏ ‏شئت،‏ ‏فقد‏ ‏تستغرق‏ ‏سنوات‏ ‏طوالا‏…”[2].

على ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏الحديث‏ ‏كان‏ ‏عن‏ ‏القصة‏ ‏القصيرة‏، ‏فإن‏ ‏تعبير‏ “‏تجعل‏ ‏الزمن‏ ‏غير‏ ‏محسوب‏” ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏يواجهنا‏ ‏بأن‏ ‏الزمن‏ ‏الإبداعى ‏غير‏ ‏الزمن‏ ‏القياسى ‏العادى. ‏الزمن‏ ‏هنا‏ “‏حالة‏ ‏وعى ‏خاص‏” ‏وليس‏ ‏وقتا محسوبا؛ ‏إذ‏ ‏يبدو‏ ‏أن‏ ‏الروائى ‏يستحث‏ ‏البسط‏ ‏فى ‏وعى ‏فائق‏، ‏بطريقة‏ ‏أكثر‏ ‏سلاسة‏ ‏وانسياقا‏، ‏لكنها‏ ‏هى ‏هى “‏اللحظة‏”. ‏ولاينبغى ‏أن‏ ‏نتصور‏ ‏أنه ‏: ‏مادامت‏ ‏كتابة‏ ‏الرواية‏ ‏تستغرق‏ ‏وقتا‏ ‏طويلا‏، ‏فهى ‏كذلك‏. ‏لا‏، ‏بل‏ ‏إنها‏ -‏أيضا‏-‏ لحظة‏، ‏لكنها‏ ‏لحظة‏ ‏ممتدة‏، ‏مولِّدة‏، ‏متفرعة‏، ‏مستثيرة‏. ‏إن‏ ‏استمرار‏ ‏استثارة‏ ‏بسط‏ ‏هذه‏ “‏اللحظة‏ ‏البدء‏” ‏إنما‏ ‏يتولد‏ ‏من‏ ‏واقع‏ ‏ناتج‏ ‏فعل‏ ‏الإبداع‏ ‏ذاته‏، ‏أى ‏أن‏ ‏الفكرة‏ (‏المعلومة‏) ‏إذ‏ ‏تجذب‏ ‏خيط‏ ‏السرد‏ ‏فينشط‏ ‏التحريك‏ ‏إنما‏ ‏ترتد‏ ‏لتُوسع‏ ‏دوائر‏ ‏التوليد‏ ‏المتلاحقة‏، ‏فينسج‏ ‏منها‏ ‏المبدع‏ ‏ضفائر‏ ‏سرده‏ ‏بتوجه‏ ‏عام‏ ‏لايحدده -‏ظاهرا‏- ‏إلا‏ ‏إطار‏ ‏مبدئى ‏ليست‏ ‏له‏ ‏حدود‏ ‏ثابتة‏ ‏أو‏ ‏محكمة‏. ‏وتظل‏ ‏الحركة‏ ‏بين‏ ‏السريان‏ ‏والإثارة‏ ‏العائدة‏ ‏ذهابا‏ ‏وعودة‏، ‏حتى ‏يكتمل‏ ‏العمل‏ ‏دون‏ ‏التزام‏ ‏بالإطار‏ ‏المبدئى، ‏لكنه‏ ‏دائما‏ ‏يدور‏ ‏حول‏ ‏توجه‏ ‏محورى ‏أساسى (‏عادة‏ ‏لا‏ ‏يكون‏ ‏ظاهرا‏ ‏منذ‏ ‏البداية‏). ‏وطوال‏ ‏هذه‏ ‏الرحلة‏ ‏يظل‏“‏الزمن‏ ‏الإبداعى ‏هو‏ ‏وساد‏ ‏الوعى ‏الفائق‏ ‏المرتبط‏ ‏بحالة‏ ‏بسط‏ ‏أصبحت ‏- ‏فى ‏الرواية‏ ‏أكثر‏ ‏بكثير‏ ‏من‏ ‏الشعر‏- ‏تحت‏ ‏تحكم‏ ‏شبه‏ ‏إرادى، ‏حيث‏ ‏يستدعيها ‏-‏يستحثها‏- ‏الراوى ‏المبدع‏ ‏كلما‏ ‏جلس‏ ‏إلى ‏عمله‏ ‏من‏ ‏جديد‏، ‏وكأنها‏ “‏ذات‏ ‏اللحظة‏” ‏من‏ ‏حيث‏ ‏النوع‏ ‏مهما‏ ‏أشارت‏ ‏عقارب‏ ‏ساعة‏ ‏الزمن‏ ‏العادى. ‏وبأسلوب‏ ‏آخر‏: ‏إن‏ ‏الرواية‏ ‏غير‏ ‏الشعر‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏طول‏ ‏النفس‏، ‏وتضفر‏ ‏الأحداث‏، ‏وتسلسلها‏، ‏وهى ‏كالشعر‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏أنها‏ ‏بسط‏ ‏فاستيعاب‏ ‏مسئول‏. ‏وكلاهما‏ ‏ولاف‏ ‏يتخلق‏ ‏من‏ ‏مادة‏ ‏حية‏ ‏مستثارة‏ (‏لا‏ ‏من‏ ‏نسج‏ ‏الخيال‏ ‏الوصى، ‏إلا‏ ‏فى ‏العمل‏ ‏الضعيف‏ ‏وهو‏ ‏ما‏ ‏لا‏ ‏يفيدنا‏ ‏فى ‏دراستنا‏ ‏هذه‏).‏

هنا‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏نشير‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏القصة‏ ‏القصيرة‏، ‏والرواية‏ ‏الطويلة‏، ‏ليس‏ ‏بينهما‏ ‏فرق‏ ‏فى ‏النوع‏، ‏وإنما‏ ‏فى ‏مساحة‏ ‏الوعى ‏المستثار‏ ‏وطول‏ ‏النفس‏ ‏فـ‏ “‏القصة‏ ‏القصيرة‏ ‏كلية‏ ‏كثيفة‏ ‏كأطول‏ ‏الملاحم‏” ‏كما‏ ‏يقول‏ ‏ابراهيم‏ ‏فتحى[3] ‏وتفسير ذلك هو أن ‏كلا‏ ‏منهما‏ ‏يمثل‏ ‏شكلا‏ ‏ممتدا‏ ‏من‏ ‏استيعاب‏ ‏تنشيط‏ ‏البسط‏ ‏الحيوى ‏على ‏مدى ‏زمنى ‏أرحب‏، ‏أو‏ ‏قـل‏ ‏على ‏مساحة‏ ‏وعى ‏أشمل‏.‏

ثم‏ ‏نقف‏ ‏ثانية‏ ‏عند‏ ‏قول‏ “‏الخراط‏” – “‏إن‏ ‏عملية‏ ‏الخلق‏، ‏والاحتشاد‏، ‏والاستعداد‏، ‏والتشكل‏، ‏قد‏ ‏تستغرق‏ ‏سنوات‏ ‏طويلة‏”، ‏فننبه‏ ‏إلى ‏أسلوب‏ ‏الترجيح‏ ‏لا‏ ‏الجزم‏ (‏قد‏)، ‏إذ‏ ‏لا‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏نفهم‏ ‏هذه‏ ‏العبارة‏ ‏بمعنى ‏أن‏ ‏العمل‏ ‏كان‏ ‏جاهزا‏ “‏هناك‏”، ‏و‏ ‏كأنه‏ ‏كان‏ “‏دائما‏” ‏هناك‏، ‏وأن‏ ‏كتابته‏ (‏إخراجه‏) ‏هى ‏فعل‏ ‏سلبى ‏يكشف‏ ‏عما‏ ‏تم‏ ‏إنجازه‏ ‏قبلا‏، ‏هذا‏ ‏فهم‏ ‏خاطئ‏‏، ‏وإنما‏ ‏الذى ‏يحدث‏ ‏هو‏ ‏أن‏ ‏المبدع‏ ‏يكتشف‏، ‏وهو‏ ‏يكتب‏، ‏أن‏ ‏ما‏ ‏يكتبه‏ ‏كان‏ ‏كامنا‏ ‏خلال‏ ‏فترة‏ ‏حضانته‏ ‏الطويلة‏، ‏وأنه‏ ‏مر‏ ‏بمراحل‏ ‏جهـّزته‏ ‏حتى ‏أصبح‏ ‏قابلا‏ ‏للكشف‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏تخليق‏ ‏آنىٍّ ‏إيجابى ‏نشط‏، ‏وكأن‏ ‏الإشارة‏ ‏إلى ‏سبق‏ ‏الاحتشاد‏ ‏تشبه ‏-‏إلى ‏حد‏ ‏ما‏-‏ ظاهرة‏: ‏سبق‏ ‏التوقيت‏، ‏فى ‏الممارسة‏ ‏الإكلينيكية‏، ‏وهى ‏الظاهرة‏ ‏التى ‏تعنى ‏أن‏ ‏المريض‏ ‏إذ‏ ‏يشكو‏، قد ‏يُـرجع‏ توقيت بداية ‏ما‏ ‏حدث‏ ‏له حديثا ‏ ‏إلى ‏أزمان‏ ‏بعيدة‏ ‏ليس‏ ‏لها‏ ‏علاقة‏ ‏ظاهرة‏ ‏‏ ‏بوقت ظهور الأعراض التى صنَّفتْهُ مريضا‏[4]، يفعل ذلك ليس على سبيل ذكر الأسباب أو الصدمات السابقة، وإنما بيقين أن ما به ظاهرا من مرض حديث، قد بدا هو هو من زمن طويل.

 إن‏ ‏ما‏ ‏نبهنا‏ ‏إليه‏ ‏الخراط‏ ‏هكذا‏ ‏قد‏ ‏يكون‏ ‏مفيدا‏ – ‏أو‏ ‏لازما‏- ‏حتى ‏ندرك‏ ‏كيف‏ ‏يشعر‏ ‏المبدع‏ ‏بجذور‏ ‏منابع‏ ‏عمله‏.‏ هذا‏ ‏الظهور‏ ‏هكذا‏ ‏يشير‏ إلى ‏كيف‏ ‏أن‏ ‏مفهوم‏ “‏الماضى‏” ‏كزمن‏ “‏مـنـتـهٍ‏” ‏ليس‏ ‏له‏ ‏وجود‏ ‏فيما‏ ‏هو‏ ‏حقيقة‏ ‏بيولوجية‏، ‏وأن‏ ‏مجرد‏ ‏معايشة‏ ‏أن‏ ‏ثـَمَّ‏ ‏ماضيا‏ ‏يضعنا‏ ‏فى ‏بعد‏ ‏عقلانىً‏/‏ذكرياتى، ليس‏ ‏واقعيا توليفيا. ‏إذن‏ ‏فتصور‏ ‏أنها‏ ‏كانت‏ ‏هناك‏ “‏منذ‏” ‏سنوات‏، ‏إنما‏ ‏يعنى ‏أن‏ “‏مادتها‏” ‏مسجلة‏ ‏متاحة‏ ‏قابلة‏ ‏للتعتعة‏ ‏فالتوليف فَمَا آلت إليه قصًّا فهو الإبداع‏.‏

‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏نفرق‏ هنا ‏بين‏ ‏الاستعداد‏ ‏والاحتشاد‏ ‏من‏ ‏ناحية‏، ‏وبين‏ ‏التخـّلق‏ ‏والتشكيل‏ ‏من‏ ‏ناحية‏ ‏أخرى؛ ‏فأما‏ ‏أنها‏ “‏كانت‏ ‏هناك‏” (‏هنا‏) ‏فهذا‏ ‏صحيح‏، ‏فقد‏ ‏كان‏ ‏ثمة‏ ‏استعداد‏ ‏واحتشاد‏ ‏فى ‏طور‏ ‏الاستيعاب‏ ‏والاحتواء‏، ‏ثم‏ ‏يأتى ‏التخلق‏ ‏والتشكل‏ ‏فيولّـدان‏ ‏من‏ ‏المادة‏ ‏المنشطة‏ ‏بالبسط‏ ‏المستثار‏ ‏ماهو‏ ‏إبداع‏ ‏محدد‏ ‏المعالم‏. ‏هذا‏ ‏التصور‏ ‏الممتد‏ ‏فى ‏الزمن‏ ‏الماضى ‏يبدو‏ ‏ضروريا‏ ‏نتيجة‏ ‏صعوبة‏ ‏تعاملنا‏ ‏مع‏ ‏وحدات‏ ‏الزمن‏ ‏الأصغر‏ ‏فالأصغر‏، ‏بوصفها‏ ‏قادرة‏ ‏على ‏تخليق‏ ‏الولاف‏ ‏الإبداعى ‏هكذا‏ ‏فجأة‏ كما يبدو‏، ‏ثم‏ ‏بوصفها‏ ‏المسئولة‏ ‏عن‏ ‏مواصلة‏ ‏امتداد‏ ‏الصياغة‏ ‏فالحبكة‏، ‏بالصورة‏ ‏الإبداعية‏ ‏القادرة‏ ‏على ‏احتوائها‏ (‏احتواء‏ ‏وحدات‏ ‏الزمن‏ ‏الأصغر‏) ‏فى ‏القدر‏ ‏المتاح‏ ‏من‏ ‏المساحة‏ ‏والزمن‏ ‏اللازمين‏ ‏لكل‏ ‏شكل‏ ‏من‏ ‏أشكال‏ ‏الإبداع‏.‏

وكأن‏ ‏العملية‏ ‏الإبداعية‏ ‏تحتوى ‏الزمن‏ ‏بشكل‏ ‏جدلى ‏متضفر‏ ‏حيث‏ ‏يتكثف‏ ‏زمن‏ ‏الكمون‏ ‏والاحتشاد‏ ‏مع‏ ‏حدس‏ ‏لحظة‏ ‏البداية‏، ‏مع‏ ‏تنامى ‏وامتداد‏ ‏زمن‏ ‏انسياب‏ ‏وتشكيل‏ ‏المنتج‏ ‏الإبداعى ‏فيما‏ ‏يكونه‏.‏

‏5-2 ‏فن‏ ‏القص‏ “‏والواقعية‏ ‏البيولوجية‏ الخاصة”:‏

‏ ‏من المفيد‏ ‏أن‏ ‏نؤكد‏ ‏هنا‏ ‏ماذهبنا‏ ‏إليه‏ ‏سابقا‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏صور‏ ‏الحلم‏ ‏ليست‏ ‏أساسا‏ ‏نسج‏ ‏خيال، بالمعنى المسطح للخيال الذى هو “ليس واقعا آخر”‏، ‏ولاهى ‏رد‏ ‏ماهو‏ “‏مفاهيم‏” ‏إلى ‏ماهو‏ “‏هلوسة‏”، ‏ولاهى ‏تعيين‏ ‏نشط‏[5]: (‏أى ‏إعادة‏ ‏صياغة‏ ‏المفاهيم‏ ‏فيما‏ ‏هو‏ ‏مجسد‏ ‏عيانى ‏ماثل‏) ‏ولكنها‏ ‏واقع‏ ‏حى ‏نابع‏ ‏من‏ ‏تنشيط‏ ‏فعلى ‏لكيانات‏ ‏حية‏، ‏حقيقة‏ ‏أنها‏ ‏ليست‏ ‏كيانات‏ ‏مستقلة‏ ‏ذات‏ ‏حدود‏ ‏واضحة‏، ‏أو‏ ‏أن‏ ‏لها‏ ‏كيانا‏ ‏ثابتا‏، ‏أو‏ ‏مثولا‏ ‏دائما‏، ‏لكنها‏ ‏كيانات‏ “‏واقعية‏” ‏تقلقلت‏ ‏فى ‏حركية‏ ‏الإبداع‏، ‏فتحركت‏، ‏فيلتقطها‏ ‏المبدع‏ ‏ليتحمل‏ ‏مسئولية‏ ‏أن‏ ‏تتداخل‏، ‏فتتكثف‏، ‏فتتخلق‏.‏

‏ ‏يكون‏ ‏العمل‏ ‏الروائى ‏واقعيا‏ ‏بقدر‏ ‏ماهو‏ ‏موضوعى، ‏ليس‏ ‏بالمفهوم‏ ‏الضعيف‏ ‏المهترئ ‏أن‏ ‏الموضوعية‏ ‏ضد‏ ‏الذاتية‏، ‏ولكن‏ ‏تكون‏ ‏الموضوعية‏ ‏بقدر‏ ‏عمق‏ ‏التجربة‏ ‏وثانوية‏ ‏دور‏ “‏الخيال‏ ‏المصنوع‏”، (‏بالمعنى ‏الذى ‏شرحناه‏ ‏من‏ ‏قبل‏)، ‏أى ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏يكون‏ ‏الولاف‏ ‏الإبداعى ‏نشطا‏ ‏فى ‏تناول‏ ‏معطى ‏المعلومات‏ ‏المتاحة‏ ‏مباشرة‏ ‏ومعايشة‏ ‏ليصنع‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏الحشد‏ ‏الهائل‏ ‏الزاخر‏ ‏عالمه “‏الحقيقى‏” ‏الجديد‏ ‏فتكون‏ ‏الموضوعية‏، ‏وهذا‏ ‏يؤكد‏ ‏ما‏ ‏أردنا‏ ‏بيانه‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏المداخلة‏ ‏بوجه‏ ‏خاص‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏الواقع‏ ‏الداخلى ‏ليس‏ ‏أقل‏ ‏واقعية‏ ‏من‏ ‏الواقع‏ ‏الخارجى.

تتعلق‏ ‏هذه‏ ‏النقطة‏ ‏بقضية‏ ‏قديمة‏ ‏عن‏ ‏علاقة‏ ‏شخوص‏ ‏رواية‏ ‏ما‏ ‏بأشخاص‏ ‏حقيقيين‏ ‏فى ‏العالم‏ الحسى ‏للروائى (‏ولا‏ ‏أقول العالم ‏ ‏الواقعى‏). ‏إنه‏ ‏مهما‏ ‏بدأ‏ ‏الروائى ‏من‏ ‏رؤية‏ ‏خارجية‏ ‏محددة‏ ‏لشخص‏ ‏ما‏، ‏فإن‏ ‏وظيفة‏ ‏هذه‏ ‏الرواية‏ ‏أساسا‏ ‏هى ‏تنشيط‏ ‏ما‏ ‏يقابلها‏، ‏فى ‏الواقع‏ ‏الداخلى، ‏ومن‏ ‏ثم فإن‏ ‏التحريك‏ ‏والتكثيف‏ ‏سوف‏ ‏يقومان‏ ‏بدورهما‏ ‏فى ‏عملية‏ ‏التوليف‏ ‏الإبداعى ‏ليتعرف‏ ‏الروائى ‏على ‏الشخص‏ ‏ذاته‏ ‏من‏ ‏جديد‏، ‏فإذا‏ ‏به‏ ‏ليس‏ ‏هو‏ ‏تماما‏، ‏أو‏ ‏ليس‏ ‏هو‏ ‏أصلا‏، ‏برغم‏ ‏البداية‏ ‏وعدم‏ ‏القصد‏ ‏الظاهر‏.‏

هذا‏، ‏وثم‏ ‏اختلاف‏ ‏جذرى ‏قد‏ ‏يصل‏ ‏إلى ‏التناقض‏ ‏بين‏ (‏الواقعية‏ ‏البيولوجية‏ ‏التى ‏نعنيها‏ ‏هنا‏ (‏ودعنا‏ ‏نسميها‏ ‏كذلك‏) ‏والأدب‏ ‏الملتزم‏ (‏بالمعنى ‏التقليدى ‏المرتبط‏ ‏بأيدلوجية‏ ‏ظاهرة‏، ‏أو‏ ‏هدف‏ ‏معلن‏ ‏مسبقا‏ ‏فالواقعية‏ ‏البيولوجية التى نعنيها هى‏ ‏تخليق‏ ‏من‏ ‏واقع‏ ‏حى، ‏الذى هو‏ ‏تَمَثُّل‏ ‏الخارج‏ ‏فى ‏الداخل الحيوى، ‏ ‏ومعه‏ . ‏فى ‏حين‏ ‏أن‏ ‏ما‏ ‏يسمى ‏الأدب‏ ‏الملتزم‏ (‏أو‏ ‏الواقعية‏ ‏الاشتراكية‏، ‏أو‏ ‏الواقعية‏ ‏الميكانيكية‏) ‏هو ‏واقعية‏ ‏موجهة‏ ‏بظاهر‏ ‏واقع‏ ‏محسوس‏ ‏موصى ‏عليه‏ ‏من‏ ‏وعى ‏اليقظة‏.‏

‏ ‏الواقعية‏ ‏البيولوجية‏ هى النشاط الحيوى الإيقاعى الذى يمثل ‏توجُّها‏ً ‏ضاماً حول‏ ‏محور‏ ‏حركى ‏مغامر‏، ‏دون‏ ‏التزام‏ ‏مسبق‏ ‏متعسف، ولعل هذا يرتبط بشكل محورى بإصرارى على التأكيد أننى فى هذه المداخلة أنطلق من منطلق بيولوجى بالمعنى الأشمل.

‏5-3 ‏الموقف‏ ‏الدائرى (‏مرة‏ ‏أخرى‏)

نتنقل‏ ‏الآن‏ ‏إلى ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏يوضح‏ ‏العلاقة‏ ‏بين‏ “‏فن‏ ‏القص‏” ‏و‏ “‏الحلم‏” ‏فنقتطف‏ ‏ما‏ ‏نأمل‏ ‏به‏ ‏أن‏ ‏نوفى ‏بغرضين‏:

الأول: ‏أن‏ ‏ندعم‏ ‏ماذهبنا‏ ‏إليه‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏الحلم‏ ‏إبداع‏، ‏حيث‏ ‏يستطيع‏ ‏الراوى ‏الجيد‏ ‏أن‏ ‏يؤلف‏ ‏حلما‏ ‏فى ‏السياق‏ ‏الروائى ‏هو‏ “‏كنظام‏” ‏الأحلام‏ ‏المروية‏ ‏على ‏مختلف‏ ‏مستوياتها‏.

والثانى: أن نظهر كيف‏ ‏أن‏ ‏الرواية‏ (‏أو‏ ‏القصة‏) ‏ذاتها‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏تعتبر‏ ‏فى ‏بعض‏ ‏تجلياتها‏ ‏نموذجا‏ ‏فائق‏ ‏الإبداع‏ ‏لمثل طلاقة‏ ‏الحلم‏ ‏وحركيته‏ ‏دون‏ ‏إشارة‏ ‏أصلا‏ ‏إلى ‏أنها‏ ‏كذلك‏، ‏وهذا ما‏ ‏يظهر‏ ‏ ‏فى ‏بعض‏ ‏الفن‏ ‏الروائى ‏مما‏ ‏يرصده‏ ‏النقاد‏ ‏عادة‏ ‏بالإشارة‏ ‏إلى ‏وجه‏ ‏الشبه‏ ‏بإبداع‏ ‏الحلم‏ ‏كما‏ ‏شاع‏ ‏وصفه‏.‏هنا‏ ‏ينبغى ‏ألا‏ ‏ننسى ‏أننا‏ مازلنا ‏فى ‏الموقف‏ ‏الدائرى ‏نفسه‏؛ ‏إذ‏ ‏أننا‏ ‏ونحن‏ ‏نحاول‏ ‏أن‏ ‏نثبت‏ ‏أن‏ ‏الحلم‏ ‏إبداع‏ ‏كالرواية‏، ‏إنما‏ ‏نشير‏ ‏إبتداء‏ كيف ‏أن‏ ‏الرواية‏ ‏قد‏ ‏تنتج‏ ‏بنفس‏ ‏آليات‏ ‏الحلم‏.‏

نبدأ‏ ‏مرة‏ ‏أخرى ‏من‏ “‏فرويد‏” ‏يقول‏”:‏

‏”‏لقد‏ ‏عثرت‏ ‏بالصدفة‏ ‏فى ‏رواية‏ “‏جراديفا‏. ‏ف‏. ‏يتزن‏”، ‏على ‏أحلام‏ ‏متعددة‏، ‏خلقها‏ ‏المؤلف‏ ‏خلقا‏، ‏ولكنها‏ ‏كانت‏ ‏مع‏ ‏ذلك‏ ‏صحيحة‏ ‏كل‏ ‏الصحة‏ ‏فى ‏بنائها‏، ‏وأمكن‏ ‏تفسيرها‏، ‏كما‏ ‏لو‏ ‏كانت‏ (‏أحلاما‏) ‏تصدر‏ ‏عن‏ ‏أشخاص‏ ‏حقيقيين‏، ‏ولم‏ ‏تكن‏ ‏من‏ ‏بدع‏ ‏الخيال‏. ‏وقد‏ ‏ذكر‏ ‏لى ‏المؤلف‏ ‏ردا‏ ‏على ‏سؤال‏ ‏من‏ ‏جانبى ‏أنه‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏يعلم‏ ‏شيئا‏ ‏عن‏ ‏نظريتى ‏فى ‏الحلم‏. ‏ولقد‏ ‏اتخذت‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏التطابق‏ ‏بين‏ ‏مباحثى ‏وخلق‏ ‏الكاتب‏ ‏شاهدا‏ ‏على ‏صحة‏ ‏تحليلى ‏للأحلام‏”[6].‏ (ثمَّ تحفظ على استنتاج فرويد هذا، سوف يرد لاحقا . أنظر بعد).

ولمزيد‏ ‏من‏ ‏دعم‏ ‏هذا‏ ‏الفرض‏ ‏سوف‏ ‏أقدم‏ ‏بعض‏ ‏الاستشهادات‏ ‏التى ‏رأيتها‏ ‏مناسبة‏ ‏لتحقيق‏ ‏هذا‏ ‏الجزء‏ ‏من‏ ‏الدراسة‏. ‏وسأكتفى ‏فى ‏الانتقاء‏ ‏بالأعمال‏ ‏التى ‏قمت‏ ‏بقراءتها‏ ‏كتابة‏ (‏نقدا‏)، مع عودة للإشارة الموجزة لبعض أحلام فترة النقاهة لنجيب محفوظ (التى تناولها الملحق (2) ببعض التفصيل).

‏5-4 ‏الرواية‏ “‏كنظام‏” ‏الحلم‏:‏

(‏أ‏) ‏نبدأ‏ ‏بأفيال‏ ‏فتحى ‏غانم‏، ‏بما‏ ‏هى ‏نموذج‏ ‏للرواية‏ ‏التى ‏وقعت‏ ‏على ‏الحدود‏ ‏الفاصلة‏ ‏بين‏ ‏حالتين‏ ‏أو‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏مستويات‏ ‏الوعى. فى ‏الدراسة‏ ‏التى ‏عنونتها‏: “‏الموت‏…‏الحلم‏..‏الرؤية‏، (‏القبر‏/‏الرحم‏)[7]، ‏بيّنتُ كيف أننى ‏ ‏رأيت‏ ‏فيها: “.. ‏عملا‏ ‏شديد‏ ‏التكثيف‏، ‏كثير‏ ‏التداخل‏، ‏مفرطا‏ ‏فى ‏الاستطراد‏” ‏وقدرت‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ “‏القبر‏/‏الرحم‏” ‏إنما‏ ‏يقع‏ ‏فى ‏الطبقة‏ ‏الأعمق‏ ‏من‏ “‏الوعى ‏الفردى‏” ‏و‏ “‏الوعى ‏الجمعى‏” ‏على ‏حد‏ ‏سواء‏، ‏حيث‏ ‏يسقط‏ ‏الزمان‏ (‏بمعنى ‏التتابع‏ ‏المسلسل‏)، ‏ويسقط‏ ‏المكان‏ (‏بمعنى ‏الحدود‏ ‏والمسافات‏)، ‏فلا‏ ‏تبقى ‏إلا‏ ‏كيانات‏ ‏متقابلة‏ ‏دائرية‏ ‏مغلقة‏، ‏تبحث‏ ‏فى ‏سرية‏ ‏عن‏ ‏نقطة‏ ‏تفجر‏ ‏جديدة‏. ‏وقد‏ ‏ردد‏ ‏الكاتب‏ ‏فى ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏موقع‏ ‏أن‏ ‏الأحداث‏ ‏تقع‏ ‏بين‏ ‏الصحو‏ ‏والنوم‏: ‏فالكاتب‏ ‏يعلن‏ ‏فى ‏مباشرة‏ ‏غير‏ ‏ضرورية‏ ‏نوع‏ ‏هذه‏ ‏الرواية‏، ‏وهو‏ “‏نوع‏ ‏من‏ ‏الرؤيا‏ ‏التى ‏تفتح‏ ‏أبواب‏ ‏الخبرة‏ ‏الفردية‏ ‏المختزنة‏، ‏وتعيد‏ ‏التأليف‏ ‏بينها‏ ‏فى ‏بنية‏ ‏جديدة‏[8].

‏ها‏ ‏هو‏ ‏يوسف‏ ‏فى ‏الأفيال‏ ‏يعلن‏ ‏مباشرة‏ ‏ما‏ ‏أوضحناه‏ ‏بشأن‏ ‏الحلم‏ ‏من‏ ‏أنه‏ ‏وظيفة‏ ‏معرفية فهو يقول:‏ ‏”‏الخطر‏ ‏الحقيقى ‏أنى ‏مازلت‏ ‏أفكر‏. ‏لقد‏ ‏جئت‏ ‏إلى ‏هذا‏ ‏المكان‏ ‏لأتحرر‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏الأفكار‏ ‏التى ‏تتربص‏ ‏بى‏”[9].‏ إنه‏ ‏هرب‏ ‏من‏ ‏التفكير‏ ‏العادى ‏إلى ‏تفكير‏ “‏آخر‏”. ‏غير‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏الرواية‏ ‏التى ‏تواصلت‏ ‏بكل‏ ‏المقاييس‏ ‏المعروفة‏ ‏لـلحلم‏، ‏وبخاصة‏ ‏من‏ ‏حيث‏ “‏التكثيف‏” ‏و‏”‏تجاوز‏ ‏الزمن‏ الراتب حتى تلاشيه” ‏و‏ “‏دائرية‏ ‏الحركة‏”، ‏كانت‏ ‏فائقة‏ ‏الحبكة‏. ‏حقيقة‏ ‏كانت‏ ‏خيوطها‏ ‏كثيرة‏ ‏ومتداخلة‏، ‏لكنها‏ ‏خيوط‏ ‏متينة‏ ‏ومتصلة‏، ‏بل‏ ‏شديدة‏ ‏الطول‏ ‏والتعقيد‏ ‏المنظم‏، ‏وهى ‏بهذا‏ ‏الوصف‏ ‏الأخير‏ ‏تبتعد‏ ‏قليلا‏ ‏بل‏ ‏كثيرا‏ ‏عن‏ ‏مستوى ‏الحلم‏ ‏الأعمق‏، ‏حيث‏ ‏إن‏ ‏الكاتب‏ ‏خفف‏ ‏جرعة‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏حلم‏ ‏بنسج‏ ‏روايته‏ ‏فى ‏نسج‏ ‏منمنم‏ ‏متين‏، ‏حبك‏ ‏به‏ ‏التناثر‏، ‏وسلسل‏ ‏الأحداث‏ ‏حتى ‏كادت‏ ‏معالم‏ ‏الحلم‏ ‏تختفى‏.‏

‏(‏ب‏) ‏فإذا‏ ‏انتقلنا‏ ‏إلى ‏تجليات‏ ‏الغيطانى‏[10]، ‏نجد‏ ‏وصفها‏ ‏أنها‏ “… ‏عمل‏ ‏بين‏ ‏الرواية‏ ‏والسيرة‏ ‏الذاتية‏ ‏والشعر‏”، ‏يضعنا‏ ‏مباشرة‏ ‏فى ‏جو‏ ‏الحلم‏، ‏حيث‏ “‏النائم‏ ‏يرى ‏مالا‏ ‏يراه‏ ‏اليقظان ‏وحيث‏ ‏التفكيك‏ ‏والانسلاخ‏ ‏يعلنان‏ ‏صراحة‏:‏

‏”…‏ففصل‏ ‏رأسى ‏عن‏ ‏جسدى‏”[11]،‏…‏ فصرت‏ ‏أنظر‏ ‏إلى ‏جثة‏ ‏نفسى‏…”[12].‏

‏”‏أصبح‏ ‏لى ‏ظلان‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏كان‏ ‏لى ‏ظل‏ ‏واحد‏…، ‏لكن‏ ‏بدت‏ ‏ذراعى ‏غريبة‏ ‏عنى، ‏خاصة‏ ‏يدى‏”[13].‏

‏”‏وأنا‏ ‏رأسى ‏مقطوع‏ ‏بلا‏ ‏جسد‏، ‏لكننى ‏رأيت‏ ‏جسدى ‏يمضى ‏أمامى، ‏أمام‏ ‏أبى‏.. ‏يتصل‏ ‏برأس‏ ‏ليس‏ ‏هو‏ ‏رأسى‏… ‏وحن‏ ‏رأسى ‏إلى ‏جذعى، ‏ورقت‏ ‏هامتى ‏لجذرى‏..”[14].‏

هنا‏ ‏نرى ‏قدرة‏ ‏التحمل‏ ‏الإبداعى ‏لمواجهة‏ ‏تفكيك‏ ‏فعلى ‏لصورة‏ ‏الجسد‏ (‏بل‏ ‏للجسد‏ ‏إذ‏ ‏هو‏ ‏كيان‏ ‏داخلى‏)، ‏مما‏ ‏لا‏ ‏يحدث‏ ‏إلا‏ ‏فى ‏المراحل‏ ‏الأولى ‏المقابلة‏ ‏لتنشيط‏ ‏الحلم‏. ‏لكن‏ ‏المبدع‏ ‏الذى ‏يتحمل‏ ‏مواجهة‏ ‏هذه‏ ‏المرحلة‏ ‏المبكرة‏، ‏فيستطيع‏ ‏أن‏ ‏يحتويها‏ ‏فى ‏نسيج‏ ‏أكبر‏، ‏هو‏ ‏غير‏ ‏من‏ ‏يسارع‏ ‏بضمها‏، ‏أو‏ ‏رتقها‏ ‏بخيال‏ ‏مفكر‏ ‏أكثر‏ ‏منه‏ ‏مبدعا‏. ‏على ‏أن‏ ‏التجزئ ‏كان‏ ‏أحد‏ ‏صور‏ ‏التفكيك‏ ‏المكررة‏، ‏لكن‏ ‏ثمة‏ ‏إعلان‏ ‏لنوع‏ ‏آخر‏ ‏من‏ ‏التفكيك‏ ‏حيث‏ ‏تتباعد‏ ‏الكيانات‏ ‏مستقلة‏:‏ “‏كأنى ‏قسمت‏ ‏إلى ‏عدة‏ ‏أشخاص‏ ‏يحركهم‏ ‏عقل‏ ‏واحد‏…”[15].‏

وتبلغ‏ ‏درجة‏ ‏التكثيف‏ ‏أكثر‏ ‏ما‏ ‏تبلغ‏ ‏فى ‏تعدد‏ ‏الكيانات‏ ‏الوالدية‏، ‏التى ‏ظلت‏ ‏تحيط‏ ‏بالغيطانى ‏وتباركه‏ ‏طوال‏ ‏التجليات‏، ‏بل‏ ‏إنى وجدت أن ‏ ‏وثوقه‏ ‏من‏ ‏دعم‏ ‏هذه‏ ‏الكيانات‏ ‏الوالدية‏ ‏هو‏ ‏الذى ‏سمح‏ ‏له‏ ‏بالتجلى ‏دون‏ ‏خوف -معوق‏-‏ من‏ ‏شدة‏ ‏التناثر‏، ‏وكانت‏ “‏الكيانات‏ ‏الوالدية‏” ‏جماعا‏ ‏من‏ ‏الأب‏ ‏الفعلى (‏والد‏ ‏بالدم‏) ‏و‏”‏عبد‏الناصر‏”، “‏وإبراهيم‏ ‏الرفاعى‏” ‏و‏”‏محيى ‏الدين‏ ‏بن‏ ‏عربى‏”، ‏ثم‏ “‏الحسين‏” ‏و‏”‏السيدة‏ ‏زينب‏”….‏وغيرهم‏.‏

وأخيرا‏ ‏فقد‏ ‏كان‏ ‏الزمن‏، ‏طوال‏ ‏أغلب‏ ‏التجليات‏، ‏هو‏ ‏الزمن‏ ‏المتجاور‏، ‏الذى ‏أشرنا‏ ‏إليه‏، ‏وبالنص‏:‏

‏”‏فكيف‏ ‏الحال‏ ‏فى ‏التجليات‏ ‏حيث‏ ‏تتجاور‏، ‏وتتضفر‏ ‏البدايات‏ ‏والنهايات‏…”.‏

‏”..‏عرفت‏ ‏وأنا‏ ‏أدنو‏ ‏من‏ ‏أبوابها‏ ‏أن‏ ‏الليل‏ ‏لايلج‏ ‏النهار‏ ‏هنا‏، ‏وأن‏ ‏الأوقات‏ ‏لاتتغير‏ ‏كما‏ ‏عهدت‏، ‏وإنما‏ ‏تتجاور‏ ‏متتالية‏…”[16].‏

وأحيانا‏ ‏يعلن‏ ‏دوران‏ ‏الزمن‏ ‏مباشرة‏:‏

‏”‏تدور‏ ‏الأيام‏ ‏فى ‏الأسابيع‏، ‏والأسابيع‏ ‏فى ‏الشهور‏…”[17] (‏لاحظ‏ ‏حرف‏ “‏فى‏”)‏

وتصبح‏ ‏الأماكن‏ ‏فى ‏متناول‏ ‏المتجلى ‏معا‏:‏

‏”‏فرحلت‏ ‏إلى ‏عدة‏ ‏أماكن‏ ‏فى ‏وقت‏ ‏واحد‏”[18].‏

ويستمر‏ ‏التكثيف‏ ‏الحلمى. ‏وتستمر‏ ‏معالم‏ ‏الحلم‏ ‏وتشكيلاته‏ ‏طوال‏ ‏التجليات‏، ‏اللهم‏ ‏إلا‏ ‏حين‏ ‏يقترب‏ ‏الكاتب‏ ‏فى ‏حماسة‏ ‏عالية‏ ‏الصوت‏ ‏من‏ ‏تحيزاته‏ ‏العقائدية‏، ‏فتغلب‏ ‏الخطابة‏، ‏ويتوارى ‏الحلم‏ ‏كثيرا‏ ‏أو‏ ‏قليلا‏.‏

‏(‏جـ‏) ‏وفى ‏قراءتى ‏لعمل‏ ‏آخر‏: “‏ليل‏ ‏آخر‏” ‏لنعيم‏ ‏عطية‏[19]، ‏نواجه‏ ‏عالما‏ ‏داخليا‏ ‏صرفا‏:‏

‏”‏لاشئ ‏من‏ ‏الخارج‏، ‏كل‏ ‏شئ ‏من‏ ‏الداخل‏، ‏لاشئ ‏من‏ ‏الخارج‏”[20].

 ‏والداخل‏ ‏هنا‏ ‏وعى ‏العمق‏: “..‏أغلب‏ ‏الظن‏ ‏أنى ‏على ‏عمق‏ ‏كبير‏ ‏من‏ ‏سطح‏ ‏الأرض‏…[21].‏

وهذه‏ ‏الرواية‏ ‏تعلن‏ ‏تفككا‏ ‏إثر‏ ‏محنة‏، ‏انهارت‏ ‏معها‏ ‏القشرة‏ ‏القرنية‏:‏

‏”…‏فتوقف‏ ‏الزمن‏، ‏وأغلقت‏ ‏الدوائر‏، ‏فانطلق‏ ‏المحتوى‏…”[22].‏

ويظهر‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏التجربة‏ ‏كيفية‏ ‏المواجهة‏ ‏بين‏ ‏الكيانات‏ ‏التى ‏تدب‏ ‏فيها‏ ‏النشاط‏، ‏والتى ‏لم‏ ‏تتباعد‏، ‏تناثرا‏ ‏واغترابا‏، ‏وإنما‏ ‏تداخلت‏ ‏مواجهة‏، ‏فتكثيفا‏. ‏ويظهر‏ ‏التكثيف‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏العمل‏ ‏بشكل‏ ‏خاص‏ ‏فى ‏تداخل‏ ‏الضمائر‏[23]، ‏على ‏أن‏ ‏تعبير‏ “‏أغلقت‏ ‏الدوائر‏، ‏فانطلق‏ ‏المحتوي‏” ‏قد‏ ‏يشير‏ ‏إلى ‏بعد‏ ‏مهم‏ ‏لم‏ ‏نذكره‏ ‏فى ‏موضوع‏ ‏الأحلام‏، ‏حيث‏ ‏تشبه‏ ‏أحلام‏ ‏النوم‏ ‏النقيضى (‏الريم REM‏) ‏أحلام‏ ‏بداية‏ ‏النوم‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏النوع‏ ‏ودرجة‏ ‏التناثر‏ ‏والتكثيف‏[24]‏”، ‏وقد‏ ‏يكون‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏ما‏ ‏يدل‏ ‏على ‏ماذهبنا‏ ‏إليه‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏الحلم‏ ‏إنما‏ ‏يؤلف‏ “‏لحظة‏ ‏الاستيقاظ‏”، ‏ونضيف‏ ‏هنا‏: “‏ولحظة‏ ‏الإنامة‏”.‏

‏(‏د‏) ‏تمثل‏ “‏مائة‏ ‏عام‏ ‏من‏ ‏العزلة‏” (‏جابرييل‏ ‏جارثيا‏ ‏ماركيز‏)[25] ‏مزيجا‏ ‏متوازنا‏ ‏من‏ ‏قوانين‏ ‏الحلم‏ ‏وقوانين‏ ‏اليقظة‏، ‏يتمثل‏ ‏ذلك‏ ‏مثلا‏ ‏فى ‏حضور‏ ‏الموتى، ‏وإحيائهم‏، ‏فى ‏مقابل‏ ‏وقائع‏ ‏الحرب‏ ‏والزواج‏ ‏المحددة‏، ‏كما‏ ‏يتمثل‏ ‏فيما‏ ‏أسماه‏ ‏س‏. ‏سيجر‏: ‏الزمن‏ ‏الحسابى ‏فى ‏مقابل‏: ‏زمن‏ ‏الذاكرة ‏[26]؛ ‏وهذا‏ ‏مايقابل‏ ‏ماسبق‏ ‏أن‏ ‏أشرت‏ ‏إليه‏ ‏تحت‏ ‏اسمى “‏الزمن‏ ‏التتابعى‏” ‏فى ‏مقابل‏ “‏الزمن‏ ‏الترابطى (‏المتداخل‏)”.‏

من‏ ‏ناحية‏ ‏أخرى: ‏إن‏ ‏هذه‏ ‏الرواية‏ ‏تؤكد‏ ‏معنى ‏الواقعية‏ ‏كما‏ ‏حددناه‏ ‏هنا‏، ‏مما‏ ‏أسميناه‏: ‏الواقعية‏ ‏البيولوجية‏، ‏يعلمنا ماركيز‏ ‏مثلا كيف : “‏أن‏ ‏الموتى (‏ملكيادس‏، ‏أو‏ ‏برودينسو‏ ‏أجويلار‏) يظلون ‏أحياء؛ ‏فوجودهم بوصفهم‏ ‏معلومات‏ ‏فى ‏المخ‏ ‏هو‏ ‏كيان‏ ‏قابل‏ ‏للتنشيط‏، ‏فهو‏ “‏حقيقة‏ ‏بيولوجية‏ (‏ليس‏ ‏ذكرى ‏تجريدية‏) ‏تظهر‏ ‏فى ‏الحلم‏” ‏كما‏ ‏تظهر‏ ‏فى ‏الإبداع‏ ‏الروائى ‏بنفس‏ ‏الوضوح‏ ‏والمباشرة‏[27]. ‏كذلك‏ ‏فإن‏ ‏تعامل ماركيز مع‏ ‏الأشياء‏ ‏باعتبارها عوالم‏ ‏حية‏، ‏هو‏ ‏أيضا‏ ‏من‏ ‏القبيل‏ ‏نفسه‏. ‏لكنى ‏أقتطف‏ ‏هنا‏ ‏مقطعا‏ ‏هاما‏ ‏يعلن‏ ‏قدرة‏ ‏الكاتب‏ ‏على ‏التعرف‏ ‏على ‏المخ‏، ‏من‏ ‏الداخل‏، ‏بشكل‏ ‏عيانى ‏مباشر؛ ‏الأمر‏ ‏الذى ‏يحدث‏ ‏فى ‏عمق‏ ‏الحلم‏ ‏دون‏ ‏حكايته‏ ‏عادة‏. ‏وقد‏ ‏أسقطه‏ ‏جارثيا‏، ‏محتوى ‏ووظيفة‏، ‏إلى ‏الخارج‏، ‏مجسدا‏ ‏فى ‏الواقع‏، ‏وذلك‏ ‏حين‏ ‏أصاب‏ ‏القرية‏ ‏وباء‏ ‏الأرق‏، ‏وماترتب‏ ‏عليه‏ ‏من‏ ‏مضاعفات‏ ‏فقدان‏ ‏الذاكرة‏، ‏وتعليق‏ ‏لا‏ ‏فتات‏ ‏للتعرف‏…‏ إلخ‏ ‏حتى ‏رأيت‏ ‏جارثيا‏ ‏وكأنه‏ ‏يتجول‏ ‏فى ‏كواليس‏ ‏المخ‏ ‏بما‏ ‏فيها‏ ‏من‏ ‏كيانات‏ ‏حية‏ ‏متحركة ‏ ‏فى ‏أنحاء‏ ‏البيت‏.، يقول:

‏”‏وأخذوا‏ ‏يرون‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الهلوسة‏، ‏وضوح‏ ‏الرؤية‏ ‏المخيف‏ ‏للصور‏ ‏التى ‏تكون‏ ‏أحلامهم‏… ‏بل‏ ‏أخذ‏ ‏كل‏ ‏منهم‏ ‏يرى ‏صور‏ ‏أحلام‏ ‏الآخرين‏ ‏حتى ‏لكأن‏ ‏البيت‏ ‏امتلأ‏ ‏بالزوار‏….”[28].‏

‏(‏هـ‏) ‏ثم‏ ‏نطرق‏ ‏باب‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ (حتى قبل أحلام فترة النقاهة أنظر الملحق) ‏فنراه‏ ‏وقد‏ ‏تجول‏ ‏فى ‏طول‏ ‏إبداعه‏ ‏وعرضه‏، ‏بما‏ ‏هو‏ ‏حلم‏، ‏وفيما‏ ‏هو‏ ‏حلم‏، ‏على ‏كل‏ ‏مستوى، ‏من‏: ‏القصة‏ ‏الحلم‏، ‏إلى ‏اللقطة‏ ‏الحلم‏، ‏إلى ‏الحلم‏ ‏فى ‏القصة‏، ‏إلى ‏الحلم‏ ‏التنبؤى، ‏إلى ‏الحلم‏ ‏الأضغاث‏، ‏مما‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏دراسة‏ ‏مستقلة‏. ‏وقد‏ ‏يكون‏ ‏مناسبا‏ ‏أن‏ ‏أقتطف‏ ‏من‏ ‏قراءاتى ‏فى ‏مجموعته‏: “‏رأيت‏ ‏فيما‏ ‏يرى ‏النائم‏”[29]، ‏إن‏ “‏الحلم‏ ‏ليس‏ ‏وجودا‏ ‏سلبيا‏، ‏كما‏ ‏أنه‏ ‏ليس‏ ‏نفيا‏ ‏للوجود‏، ‏لكنه‏ ‏وجود‏ ‏آخر‏، ‏وجود‏ ‏مناوب‏، ‏فالإنسان‏ ‏ليس‏ ‏هو‏ ‏مايعى، ‏وإنما‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏يتكامل‏ ‏بتوليفه‏ ‏من‏ ‏مستويات‏ ‏بعضها‏ ‏فى “‏مركز‏ ‏وعى ‏اليقظة‏”، ‏وبعضها‏ ‏على “‏هوامش‏ ‏اليقظة‏”، ‏والبعض‏ ‏منها‏ ‏فى “‏وعى ‏الحلم‏”، ‏والبعض‏ ‏الآخر‏ ‏فى “‏وعى ‏النوم‏” (‏بلا‏ ‏حلم‏).‏

ونجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏حدسه‏ ‏الفنى ‏وقدرته‏ ‏الروائية‏ ‏يعلمنا‏ ‏أن‏ ‏الحلم‏ ‏هو‏ ‏وجود‏ ‏كامل‏ ‏فى ‏ذاته‏، ‏قائم‏ ‏بذاته‏، ‏غير‏ ‏رمزى ‏بالضرورة‏، ‏بل‏ ‏هو‏ ‏أيضا‏ ‏رؤية‏ ‏ورؤى ‏عيانية‏ ‏مباشرة‏..[30]. ‏المعول‏ هنا ‏ليس‏ ‏هو‏ ‏استعمال‏ ‏نجيب‏ ‏محقوظ‏ ‏لكلمة‏ ‏حلم‏ ‏أو‏ ‏واقع‏، ‏بل‏ ‏لعل‏ ‏العكس‏ ‏يكون‏ ‏هو‏ ‏الصحيح‏ ‏أحيانا‏، ‏ففى “‏الليلة‏ ‏المباركة‏” ‏تمضى ‏أحداث‏ ‏الحلم‏ ‏فى ‏الواقع‏ ‏بعد‏ ‏إعلان‏ “‏حلم‏” ‏ليس‏ ‏بحلم‏ (‏تركيبا‏) ‏وإنما‏ ‏هو‏ ‏نبوءة‏، ‏أو‏ ‏أمل‏ ‏عادى: “‏بأن‏ ‏هدية‏ ‏ستسدى ‏إلى ‏صاحب‏ ‏الحظ‏ ‏السعيد‏”. ‏وهذا‏ ‏وحده‏ ‏لايحتاج‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏حلما‏، ‏أصلا‏، ‏حتى ‏لو‏ ‏حدث‏ ‏فيما‏ ‏يطلق‏ ‏عليه‏ ‏أو‏ ‏يتصور‏ ‏على ‏أنه‏ (‏حلم‏). ‏أما‏ ‏الواقع‏ ‏الذى ‏جرت‏ ‏فيه‏ ‏الأحداث‏-بعد‏ ‏إعلان‏ ‏النبوءة‏ (‏لا‏ ‏الحلم‏)- ‏فهو‏ ‏الحلم‏ ‏الحقيقى، ‏حيث‏ ‏مضت‏ ‏الأحداث‏ ‏فى ‏جو‏ ‏لا‏ ‏يعرف‏ التحاور‏ ‏باللفظ‏ ‏العام‏ ‏والكلام‏ ‏المألوف‏، ‏وإنما‏ ‏يمارس‏ ‏التناجى ‏فى “‏الباطن‏” ‏والحوار‏ ‏بالنظرات‏. ‏وتمضى ‏القصة‏ ‏كلها‏ ‏فى ‏نقلات‏ ‏سريعة‏ ‏أقرب‏ ‏إلى ‏الصور‏ ‏منها‏ ‏إلى ‏السرد‏ ‏اللفظى، ‏أو‏ ‏التسلسل‏ ‏المنطقى، ‏وهى ‏لغة‏ ‏الحلم‏ ‏الغالبة‏، ‏حيث‏ ‏الحلم‏ ‏صور‏ ‏وحضور‏ ‏عيانى ‏متلاحق‏ ‏مكثف‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏رمزا‏ ‏ودلالة‏. ‏ثم‏ ‏إن‏ ‏حدس‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏قد‏ ‏استطاع‏، ‏بشكل‏ ‏فائق‏، ‏اقتحام‏ ‏التركيب‏ ‏البشرى ‏بنشاطه‏ ‏المتناوب‏، ‏وإسقاطاته‏ ‏المجسمة‏،  ‏لينسج‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏وذاك‏ ‏رؤية‏ ‏قصصية‏ ‏لها‏ ‏وظيفتها‏ ‏التحريكية‏ ‏الكشفية‏، ‏قبل‏ ‏مستواها‏ ‏الرمزى ‏وبعده‏. ‏ولنفس‏ ‏الغرض‏ ‏تقول‏ ‏هذه‏ ‏القراءة‏ ‏النقدية‏:

‏”‏إن‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏قد‏ ‏اقتحم‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏العمل‏ ‏مستويات‏ ‏الوعى ‏الأخرى ‏حتى ‏تبينت‏ ‏له‏ ‏معالمها‏ “‏كما‏ ‏هى‏”، ‏لا‏ ‏كما‏ ‏تشير‏ ‏إليه‏ ‏أو‏ ‏تدل‏ ‏عليه‏ ‏فقط‏….”[31].‏

وحين‏ ‏نواجه‏ ‏العمل‏ ‏الذى ‏أعلن‏ ‏أنه‏ “‏رأيت‏ ‏فيما‏ ‏يرى ‏النائم‏” ‏فإننا‏ ‏نجده‏ ‏قد‏ ‏أخذ‏ ‏شكل‏ ‏الحلم‏، ‏ولكن‏ ‏التسلسل‏ ‏دار‏ ‏حول‏ ‏محور‏ ‏غائى ‏مركزى ‏قام‏ ‏بتوظيف‏ ‏شكل‏ ‏الحلم‏ ‏لغاية‏ ‏محددة‏: ‏هى رحلة‏ ‏الحياة‏”[32].‏

على ‏أن‏ ‏ثمة‏ ‏ظاهرة‏ ‏أخرى ‏تستوجب‏ ‏الإشارة‏ ‏إليها‏، ‏وهى ‏مايمكن‏ ‏أن‏ ‏أشير‏ ‏إليه‏ ‏بوصفه‏ ‏بعض‏ ‏نتاج‏ ‏”الحلم‏ ‏بالقوة”‏ ‏أساسا‏، ‏فقد‏ ‏أتقن‏ ‏محفوظ‏ ‏لعبة‏ “‏النقلات‏ ‏النوعية‏” ‏المتغيرة‏ ‏الاتجاه‏ ‏والمفاجئة‏، ‏بلا‏ ‏تمهيد‏ ‏منطقى ‏كاف‏: “‏وتلاحظ‏ ‏هذه‏ ‏النقلات‏ ‏عند‏ ‏نجيب محفوظ‏ ‏فى ‏شكل‏ ‏إعلان‏ ‏تغير‏ ‏نوع‏ ‏الإدراك‏”[33]، ‏أو‏ ‏فى ‏شكل‏ ‏تحول‏ ‏نوعى ‏فى ‏الموقف‏ ‏والسلوك‏ ‏إثر‏ ‏نوم‏ ‏خاص‏، ‏أو‏ ‏حلم‏ ‏معين‏. ‏وأهمية‏ ‏هذه‏ ‏الملاحظة‏ ‏هنا‏ ‏هو‏ ‏ارتباطها‏ ‏بما‏ ‏ذهبنا‏ ‏إليه‏ ‏من‏ ‏أثر‏ ‏الحلم‏ ‏بالقوة‏ (‏فى ‏مقابل‏ ‏القصيدة‏ ‏بالقوة‏) ‏على ‏مسار‏ ‏تطور‏ ‏الفرد‏ ‏فى ‏تاريخه‏ ‏الشخصى، وذلك بدون حكى الحلم أو الإشارة إليه‏.‏

وفى دراسة أحدث[34] قام الكاتب بتناول بعض أحلام فترة النقاهة لنجيب محفوظ فثبت لديه تطبيقا ناقدا  كثيراً مما جاء فى هذه المداخلة.

‏5-5 ‏الحلم‏ (‏العادى‏) ‏فى ‏الرواية‏:‏

كثيرا‏ ‏ما‏ ‏يستعمل‏ ‏النص الروائى ظاهرة‏ ‏الحلم‏ ‏بشكله‏ ‏التنبؤى ‏البسيط‏، ‏من‏ ‏أول‏ ‏التشبه بحلم‏ ‏يوسف‏ (‏عليه‏ ‏السلام‏) ‏حتى ‏أحلام‏ ‏حرافيش‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏، ‏وسوف‏ ‏نكتفى ‏هنا‏ ‏بالإشارة‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏محفوظ‏ ‏استعمل أحيانا ‏ ‏لغة‏ ‏الحلم‏ ـ ‏‏فى ‏الحرافيش‏ـ‏ ‏فى دنيا ‏الواقع‏،  ‏فى ‏حين‏ ‏قصر‏ ‏أحلام‏ ‏ملحمة‏ ‏الحرافيش‏ ‏على ‏صورتها‏ ‏الشعبية‏ ‏التنبؤية‏ ‏الشائعة‏. ‏وهذا‏ ‏عكس‏ ‏ما‏ ‏اتبعه‏ ‏فى”‏رأيت‏ ‏فيما‏ ‏يرى ‏النائم‏”، (وفيما بعد فى “أحلام فترة النقاهة) ،  ‏فمنذ‏ ‏أن‏ ‏حوّل‏-‏فى ‏الحلم‏-‏ الشيخ‏ “‏عفرة‏ ‏زيدان‏” ‏طريق‏ ‏عاشور‏ ‏الناجى “‏من‏ ‏القبر‏” ‏إلى “‏القبو‏”[35] ‏وماسبق‏ ‏ذلك‏ ‏من‏ ‏إرهاصات‏: “‏هاهو‏ ‏مخلوق‏ ‏جديد‏ ‏يولد‏ ‏مكللا‏ ‏بالطموح‏ ‏الأعمى ‏والجنون‏ ‏والندم‏”، ‏ثم‏ ‏مالحقه‏ ‏من‏ ‏تغير‏ ‏أُعلن‏ ‏بمزيج‏ ‏من‏ ‏أفراح‏ ‏الطفولة‏، ‏منذ‏ ‏ذلك‏ ‏الحين‏ ‏والحلم‏ ‏فى ‏الحرافيش‏ (‏إذا‏ ‏ما‏ ‏تحدد‏ ‏باسم‏ “‏حلم‏”) ‏ليس‏ ‏إلا‏ ‏علامة‏ ‏مفترقية‏، ‏أو‏ ‏تنبؤية‏، ‏وليس‏ ‏لغة‏ ‏مكثفة‏ ‏أو‏ ‏صورا‏ ‏متداخلة‏، ‏مما‏ ‏يميز‏ ‏الحلم‏ ‏الأعمق‏.‏

نحن‏ ‏نجد‏ ‏المستوى ‏التأليفى ‏السطحى ‏العادى ‏نفسه‏ ‏فى “‏حلم‏ ‏وحيد‏” ‏بأمه‏، ‏فهو‏ ‏حلم‏ ‏مرتب‏ ‏منطقى ‏واعد‏. ‏وبعده‏ ‏مباشرة‏ ‏استيقظ‏ ‏وحيد[36]: “‏وجد‏ ‏نفسه‏ ‏مفعما‏ ‏بإلهام‏، ‏أذعنت‏ ‏له‏ ‏القوة‏ ‏والتفاؤل‏ ‏والنصر‏”.‏

أما‏ ‏حلم‏ ‏جلال‏ ‏صاحب‏ ‏الجلالة‏، ‏فقد‏ ‏استعمل‏ ‏فيه‏ ‏محفوظ‏ ‏مثيرا‏ ‏دالا‏ ‏من‏ ‏البيئة‏، ‏لكن‏ ‏المثير‏ ‏كان‏ ‏ذا‏ ‏دلالة‏ ‏هى ‏عكس‏ ‏مارآه‏ ‏فى ‏الحلم‏، ‏إذ‏ ‏حلم‏ ‏جلال‏: “‏بأن‏ ‏والده‏ ‏يغنى ‏بطريقته‏ ‏الهمجية‏ ‏الساخرة‏ ‏فى ‏ساحة‏ ‏التكية‏… ‏فاستيقظ‏ ‏ثقيل‏ ‏القلب‏ ‏فتبين‏ ‏أنه‏ ‏إنما‏ ‏استيقظ‏ ‏على ‏صوت‏ ‏يدوى ‏فى ‏الخارج‏… ‏صوت‏ ‏فى ‏جوف‏ ‏الليل‏ ‏يعلن‏ ‏صعود‏ ‏روح‏ ‏إلى ‏مستقرها‏”[37]. ‏تموت‏ ‏حبيبته‏ (‏خطيبته‏/‏أمله‏ / ‏نقاؤه‏ / ‏طفولته‏)، “‏بعد موت‏ ‏أمه‏”.‏

أما‏ ‏حضور‏ ‏الواقع‏ ‏بكل‏ ‏صفات‏ ‏الحلم‏ ‏فنراه‏ ‏مثلا‏ ‏حين‏ ‏يتكثف‏ ‏رأس‏ ‏أمه‏ (‏أم‏ ‏جلال‏) ‏المهشم‏ ‏على ‏وجه‏ ‏الفقيدة‏ ‏الحبيبة‏ ‏مع‏ ‏نزول‏ ‏الصاعقة‏-‏وكيف‏ ‏تلى ‏ذلك‏ ‏تغير‏ ‏كيفى ‏حاد‏، ‏نراه‏ ‏وهو‏ ‏يحدث‏ ‏فى ‏الواقع‏ ‏بنفس‏ ‏أسلوب‏ ‏الحلم‏,‏

وأيضا‏ ‏نلاحظ‏ ‏هذا‏ ‏الذى ‏شعر‏ ‏به‏ ‏جلال‏ ‏واقعا‏ ‏- ‏بلغة‏ ‏الحلم‏‏-  “‏شعر‏ ‏جلال‏ ‏بأن‏ ‏كائنا‏ ‏خرافيا‏ ‏يحل‏ ‏فى ‏جسده‏، ‏أنه‏ ‏يملك‏ ‏حواس‏ ‏جديدة‏..”[38].‏

وتنتهى ‏الرواية‏ ‏بحلم‏ ‏شديد‏ ‏البساطة‏ ‏واضح‏ ‏الدلالة‏: ‏حين‏ ‏يحلم‏ ‏عاشور‏ ‏الناجى ‏الأخير‏ ‏بعاشور‏ ‏الناجى ‏الأول‏، ‏ويسلمه‏ ‏المسئولية‏: “‏بيدى ‏أم‏ ‏بيدك؟‏” ‏فيجيب‏ ‏الأصغر‏ “‏بيدى‏”[39]، ‏ويستيقظ‏ ‏ليحاول أن يحقق‏ ‏الحلم‏، ‏وتنتهى ‏الحكاية‏!!‏

‏5-6‏ خلاصة متوسطة

نستطيع‏ ‏أن‏ ‏نستلخص‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏الرحلة‏ ‏السريعة‏ ‏عبر‏ ‏عدد‏ ‏محدود‏ ‏من‏ ‏الأعمال‏ ‏التى ‏استوعبت‏ ‏الحلم‏، ‏أو‏ ‏استعملت‏ ‏الحلم‏ ‏ما‏ ‏يلى:‏

إن‏ ‏الحلم‏ ‏الذى ‏يطلق‏ ‏عليه‏ ‏اسم‏ ‏حلم‏ ‏فى ‏القصة‏ ‏أو‏ ‏الرواية‏، ‏قد‏ ‏لايكون‏ ‏كذلك‏، ‏وإنما‏ ‏قد‏ ‏يكون‏ ‏من‏ ‏أسطح‏ ‏خبرات‏ ‏الخيال‏ ‏شبه‏ ‏اليقظ‏، فى ‏حين‏ ‏أننا‏ ‏قد‏ ‏نجد‏ ‏الحلم‏ ‏الحقيقى ‏الأعمق‏ ‏فى ‏مواجهة‏ ‏التنشيط‏ ‏الحيوى ‏وقد‏ ‏تمثل‏ ‏أمامنا‏ ‏فى ‏صلب‏ ‏السياق‏ ‏الروائى ‏مباشرة‏ ‏نجده‏ ‏بكل‏ ‏معالم‏ ‏الحلم‏ ‏دون‏ ‏إعلان‏ ‏أو‏ ‏تحديد‏ ‏نوعه‏ ‏الحلمى[40] .

من كل ذلك يمكن القول: إن‏ ‏على ‏الروائى ‏الذى ‏يغامر‏ ‏باختراق‏ ‏وعيه‏ ‏يقظا‏ ‏ليكون‏ ‏راويا‏ ‏شاعرا‏ ‏وليس‏ ‏كاتبا‏ ‏حاكيا‏، ‏على ‏هذا‏ ‏الروائى ‏أن‏ ‏يحتمل‏ ‏هذا‏ ‏الكم‏ ‏الهائل‏ ‏من‏ ‏التحريك‏ ‏واحتوائه‏ ‏على ‏مدى ‏زمنى ‏ممتد‏.

 ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏الحكى ‏المكثف‏ ‏المتداخل‏ (‏الحلم‏ ‏المنسوج‏ ‏فى ‏وعى ‏فائق‏) ‏يختلف‏ ‏عن‏ ‏الحكى ‏الذى ‏يستعمل‏ ‏الحلم‏ – ‏باسمه‏ – ‏كبديل‏ ‏متناوب‏ ‏عن‏ ‏اليقظة‏ ‏بنفس‏ ‏لغة‏ ‏اليقظة‏.‏

[1]- Secondary Symptoms

[2]- “شهادات النقاد” مجلة فصول – المجلد التاسع – عدد 3- 4 فبراير 1991.

[3] – إبراهيم‏ ‏فتحى: ‏مقدمة‏ (‏دراسة‏ ‏نقدية‏) ‏لمجموعة‏ ‏أوراق‏ ‏الحب‏ ‏والعطش‏ ‏لـ‏ “‏محمد‏ ‏عبدالرحمن‏” ‏(1985)‏ ‏دار‏ ‏شهدى ‏للنشر- القاهرة.

[4]- أنظر هامش (3) ‏ص‏361.

-[5] أنظر هامش 42

[6] – هامش‏ ‏أورده‏ ‏فرويد‏ ‏فى “‏تفسير‏ ‏الأحلام‏” ص 127 (‏الطبعة‏ ‏المترجمة‏ ‏نفسها‏).

[7] – يحيى ‏الرخاوى: قراءة‏ ‏فى ‏أفيال‏ ‏فتحى ‏غانم “‏الموت‏، ‏الحلم‏، ‏الرؤيا‏ (‏القبر‏/‏الرحم) من  ‏ ‏(‏ص‏108-136)- عدد‏ ‏يوليو‏ 1983 – مجلة الإنسان‏ ‏والتطور.‏

[8]- نفسه‏ ‏ص‏111

[9]- نفسه‏ 122-123

[10]- يحيى ‏الرخاوى: “‏تكثيفات‏ ‏الوالدية‏.. ‏ووصاية‏ ‏المعتقد‏ ‏فى ‏تجليات‏ ‏الغيطانى” (‏دراسة‏ ‏لم‏  ‏تنشر‏).‏

[11]- جمال‏ ‏الغيطانى “‏كتاب‏ ‏التجليات” ص21- ‏دار‏ ‏المستقبل‏ ‏العربى ‏القاهرة. (‏قراءة‏ ‏نقدية‏ ‏لم‏ ‏تنشر‏).‏

[12]- نفسه‏ ‏ص‏265

[13]- نفسه‏ ‏ص‏266

[14] – نفسه‏ ‏ص‏298

[15] – ‏نفسه‏ ‏ص‏75

[16] – نفسه‏ ‏ص‏34

[17] – ص‏52.‏

[18]- ص‏74.‏

[19]- يحيى ‏الرخاوى “‏قراءة‏ ‏فى ‏رواية‏: ‏ليل‏ ‏آخر‏ لـ ‏نعيم‏ ‏عطية‏” (ص 98 – 134) عدد‏ ‏يناير‏ 1984- مجلة الإنسان‏ ‏والتطور.

[20]- نفسه‏ ‏ص‏101 (‏ص‏145 ‏فى ‏الرواية‏).‏

[21]- نفسه‏ ‏ص‏101 (‏ص‏36، 37 ‏فى ‏الرواية‏).‏

[22]- نفسه‏ ‏ص‏ 109

[23]- نفسه‏ ‏ص‏113.‏

[24]- وذلك‏ ‏بالمقارنة‏ ‏بأحلام‏ ‏النوم‏ ‏العادى ‏التى ‏أشرنا‏ ‏إلى ‏أنها‏ ‏مسلسلة‏ ‏حتى ‏سميت‏ “‏مثل‏ -التفكير

[25]- جابريل‏ ‏جارثيا‏ ‏مركيز “‏مائة‏ ‏عام‏ ‏من‏ ‏العزلة”‏  ‏ترجمة:‏ ‏سامى ‏الجندى، ‏إنعام‏ ‏الجندى.

 ‏دار الكلمة (1980) – بيروت. (‏دراسة‏ ‏نقدية‏ ‏لم‏ ‏تنشر‏).‏

[26]- سيزار‏ ‏سيجر‏: “‏استدارة‏ ‏الزمن‏ ‏عند‏ ‏جارثيا‏ ‏ماركيز‏” ‏ترجمة:‏ ‏اعتدال‏ ‏عثمان “ص82″ (‏المجلد‏ ‏الأول‏- ‏العدد‏ ‏الثالث‏- ‏أبريل‏ 1981- مجلة فصول) ‏وهذا‏ ‏الاصطلاح‏ ‏ينبغى ‏مراجعته‏ ‏لأنى ‏متحفظ‏ ‏على ‏استعمال‏ ‏كلمة‏ ‏الذاكرة‏ ‏هنا‏. إن ‏مدرسة‏ “‏العلاقة‏ ‏بالموضوع‏” ‏تفرق‏ ‏بين‏ ‏الذاكرة‏ ‏والموضوع‏ ‏الداخلي‏، ‏وهى ‏تفرقة‏ ‏ليس‏ ‏لها‏ ‏علاقة‏ ‏بالبيولوجى، حيث أن هذه المدرسة تهاجم حتى بيولوجية فرويد الغرائزية المتواضعة، ‏ولكنى ‏أستفيد‏ ‏من هذه التفرقة ‏ ‏لأنبه‏ ‏على ‏أن‏ ‏المسألة‏ ‏ليست‏ ‏ذكريات‏ ‏تتداخل‏، ‏بل‏ ‏هى ‏واقع‏  موضوعات، ثم أختلف مع ميلانى كلاين ولو فى التسميات، فالموضوعات عندى كيان بيولوجى حى  بالمعنى الأوسع لما هو بيولوجى.(أنظر هامش 4)

[27]- يحيى ‏الرخاوى: ‏العزلة‏ ‏والخلود‏ ‏ودورات‏ ‏الزمن‏ ‏فى “‏مائة‏ ‏عام‏ ‏من‏ ‏العزلة‏” ‏قراءة‏ ‏لم‏ ‏تنشر‏.‏

[28]- أنظر هامش (89)‏ ‏ص‏48.‏

[29]- يحيى ‏الرخاوى “‏قراءة‏ ‏فى: ‏رأيت‏ ‏فيما‏ ‏يرى ‏النائم‏” (ص‏103-136) ‏عدد‏ أكتوبر 1983‏- مجلة الإنسان والتطور. ‏ وأيضا

– يحيى الرخاوى فى (قراءات فى نجيب محفوظ) – الهيئة العامة للكتاب عام 1991

[30]- نفسه‏ ‏ص ‏119

[31]- نفسه‏ ‏ص‏122،121.‏

[32]- كثيرا‏ ‏مايفعل‏ ‏ذلك‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏فى ‏تحايله‏ ‏على ‏تقديم‏ ‏تاريخ‏ ‏البشرية‏ ‏كما‏ ‏يظنه‏، ‏ولكنه‏ ‏هنا‏ ‏استعمل‏ ‏لغة‏ ‏الحلم‏ ‏بنجاح‏ ‏فائق‏، ‏ولكن‏ ‏لخدمة‏ ‏نفس‏ ‏الفكرة‏ ‏المحورية‏ “‏حكاية‏ ‏مسيرة‏ ‏الحياة‏”.‏

[33]- نفسه‏ ‏ص‏132،131

[34]- رأيت أن ألحق هذه الدراسة، مع دراسة لاحقة فى الهلال لأحلام فترة النقاهة،  لأن بكليهما – برغم التكرار- ما يستحق النظر كأمثلة تطبيقية لاحقة بهذا التنظير بأكثر من عشرين عاما أنظر الملحق.

[35]- نجيب‏ ‏محفوظ‏: “‏ملحمة‏ ‏الحرافيش” (1977) -‏ ‏مكتبة‏ ‏مصر‏. ‏القاهرة

[36]- نفسه‏ ‏ص ‏262.‏

[37]- نفسه‏ ‏ص‏400.‏

[38]- نفسه‏ ‏ص ‏401.‏

[39]- نفسه‏ ‏ص ‏552. 553.‏

[40]- لم أشر إلى ليالى ألف ليلة لنجيب محفوظ التى هى فى أغلب نسيجها ومعظم أرديتها أحلام بكل مواصفات الحلم، ربما أجلت ذلك للعوة بها ومعها  إلى هارى بوتر، والف ليلة القديمة إذا سنحت الفرصة لاحقا.

تفسير الحلم ونقد النص الأدبى

تفسير الحلم ونقد النص الأدبى

6- ‏تفسير ‏الحلم ونقد‏ ‏النص‏ ‏الأدبى‏:‏

‏6-1 ‏الخطوط‏ ‏العامة‏ ‏لمحاولات‏ ‏تفسير‏ ‏الأحلام‏:‏

يحق‏ ‏لنا‏ ‏- الآن‏‏-‏ ‏أن‏ ‏نأمل‏ ‏فى عقد‏ ‏مقارنة‏ ‏بين‏ ‏تفسير‏ ‏الحلم‏ ‏والنقد‏ ‏الأدبى. وبصفة‏ ‏مبدئية‏، وكما قدمنا ‏فإن‏ ‏شكلا‏ ‏متزايدا‏ ‏بدأ‏ ‏يظهر‏ ‏بوضوح‏ ‏فى ‏إمكان‏ ‏تفسير‏ ‏الحلم‏ ‏أصلا‏ ‏تفسيرا‏ ‏يقربنا‏ ‏من‏ ‏حضور‏ “‏الوعى ‏الآخر‏ ‏بما‏ ‏هو‏”، ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏ما‏ ‏شاع‏ ‏من‏ ‏محاولات‏ ‏تفسير‏ ‏الحلم‏ ‏سواء‏ ‏بفك‏ ‏الرموز‏ ‏أو‏ ‏بوصل‏ ‏الأحداث‏ ‏أو‏ ‏بترجمة‏ ‏الإشارات‏ ‏إنما‏ ‏يبعدنا‏ ‏عن‏ ‏الحلم‏ ‏ولا‏ ‏يحضرنا‏ ‏فيه‏ ‏وبه‏، ‏ولعل‏ ‏مثل‏ ‏ذلك‏ ‏حادث‏ ‏فى ‏النقد‏ ‏حاليا‏، ‏إذا‏ ‏استعملنا‏ ‏كلمة‏ “‏تفسير‏” (‏بدلا‏ ‏من‏ ‏كلمة‏ ‏نقد‏ ‏أو‏ ‏قراءة‏)، ‏حيث‏ ‏أن أغلب‏ ‏النقد‏ ‏المنهجى ‏الأكاديمى ‏الحديث‏ ‏قد‏ ‏يبعدنا‏ ‏فى ‏كثير‏ ‏من‏ ‏الأحيان‏ ‏عن‏ ‏حضور‏ ‏النص‏ ‏بما‏ ‏هو‏ ‏لازم‏ ‏للوفاء‏ ‏بالإحاطة‏ ‏بأبعاده‏ ‏كما‏ ‏تحاول‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏.‏ ولعلنا‏ ‏نشعر‏ ‏الآن‏ ‏أننا‏ ‏فى ‏حاجة‏ ‏إلى ‏استعادة‏ ‏لمحة‏ ‏سريعة‏ ‏عن‏ ‏أساليب‏ ‏تفسير‏ ‏الحلم‏ ‏المتاحة‏ ‏حتى ‏الآن‏، ‏مما‏ ‏سبقت‏ ‏الإشارة‏ ‏إليه‏، ‏خصوصا‏ ‏فى ‏مقارنة‏ ‏الاتجاه‏ ‏الفرويدى ‏باتجاه‏ ‏مدرسة‏ ‏يونج‏[1].‏

‏ ‏ذهب‏ ‏فرويد‏ ‏إلى ‏التفرقة‏ ‏بين‏ ‏حلم‏ ‏ظاهر‏، ‏وحلم‏ ‏باطن‏، ‏لكنها‏ ‏لم‏ ‏تكن‏ ‏تفرقة‏ ‏على ‏مستوى ‏البنية‏ ‏التحتية‏ ‏والمظهر‏ ‏المعلن‏، ‏بل‏ ‏على ‏مستوى ‏المحتوى ‏الخفى ‏ومحاولات‏ ‏التمويه‏، ‏فجاء‏ ‏تفسيره‏ ‏ليؤكد‏ ‏نظريته‏ ‏باحثا‏ ‏عن‏ ‏أسباب‏ ‏الحلم‏، ‏موظفا‏ ‏بعضه‏ ‏فى ‏الحفاظ‏ ‏على ‏النوم‏، ‏مع‏ ‏إهمال‏ ‏نسبى ‏لوظيفته‏ ‏المعرفية‏، ‏لصالح‏ ‏وظيفته‏ ‏الدفاعية[2]. ‏أما‏ ‏يونج‏، ‏فقد‏ ‏أخذ‏ ‏الحلم‏ ‏الظاهر‏ ‏بما‏ ‏هو‏، ‏وتحدث‏ ‏عن‏ “‏الأنا‏ ‏اليقظ‏” ‏و‏”‏الأنا‏ ‏الحالم‏” ‏لتأكيد‏ ‏أن‏ ‏الكيان‏ ‏البشرى ‏متعدد‏ ‏الوجود‏، ‏وليس‏ ‏أجزاء‏ ‏متفاعلة‏، ‏كما‏ ‏عامل‏ ‏الحلم‏ ‏باعتباره‏ ‏كشفا‏ ‏وإضافة‏ ‏معرفية‏ ‏للتكامل‏.‏ وبناء‏ ‏على ‏هذا‏ ‏وذاك‏، ‏فقد‏ ‏اتجه‏ ‏تفسير‏ ‏كل‏ ‏منهما‏ ‏إلى ‏التعامل‏ ‏مع‏ ‏الحلم‏ ‏بما‏ ‏يؤكد‏ ‏نظريته‏. ‏فبينما‏ ‏أكد‏ ‏فرويد‏ ‏استعمال‏ ‏مادة‏ ‏الحلم‏ ‏وسيلة‏ ‏للتداعى الحر‏ ‏كأنها‏ ‏مثيرات‏ ‏لما استعمل‏ ‏لغة‏ ‏الحلم‏ ‏بنجاح‏ ‏فائق‏، ‏ولكن‏ ‏لخدمة‏ ‏نفس‏ ‏الفكرة‏ ‏المحورية‏ “‏حكاية‏ ‏مسيرة‏ ‏الحياة‏”.

‏ بعدها‏، ‏راح‏ ‏يونج‏ ‏يرى ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏المثيرات‏ ‏من‏ ‏الحلم‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏تثير‏ ‏تداعيات‏ ‏خاصة‏ ‏بالحلم‏ ‏دون‏ ‏غيره‏، ‏وقد‏ ‏أشار‏ ‏يونج‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏قائمة‏ ‏الكلمات‏ ‏العامة‏ ‏فى ‏اختبار‏ ‏تداعى ‏الكلمات‏ Word Association ‏قد‏ ‏تثير‏ ‏التداعيات‏ ‏نفسها‏ ‏التى ‏توصل‏ ‏فرويد‏ ‏بها‏ ‏إلى ‏المركبات‏ ‏الكامنة‏ ‏فى ‏الحالم‏. ‏فأين‏ -‏إذن‏- ‏خصوصية‏ ‏مادة‏ ‏الحلم‏ ‏وتميزها؟‏ ‏لهذا‏ ‏فإن‏ ‏يونج‏ ‏لا‏ ‏يهتم‏ ‏بالوصول‏ ‏إلى ‏ماهية‏ ‏المركبات‏ (‏العقد‏ ‏الكامنة‏) ‏فى ‏شخص‏ ‏الحالم‏ ‏بالذات‏، ‏لكنه‏ ‏يريد‏ ‏أن‏ ‏يتعرف‏ ‏على ‏ما‏ ‏يفعله‏ ‏هذا‏ ‏الشخص‏ ‏بهذه‏ ‏المركبات‏ ‏التى ‏هى ‏جزء‏ ‏منه‏، ‏ومن‏ ‏ثم‏ ‏فهو‏ ‏يستعمل‏ ‏طريقة‏ ‏التكبير‏Amplification ‏بحيث‏ ‏يركز‏ ‏الحالم‏ ‏فى‏استعادة‏ ‏الحلم‏ ‏وتداعيه‏ ‏حوله‏ ‏على ‏صورة‏ ‏الحلم‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يبتعد‏ ‏كثيرا‏، ‏ويبدأ‏ ‏بالمستويات‏ ‏الأقرب‏، ‏فيهتم‏ ‏بالتكبير‏ ‏على ‏المستوى ‏الشخصى، ‏فالبيئى، ‏فالبدائى (‏الأنماط‏ ‏الأولية‏). ‏وبهذا‏ ‏يتعرف‏ ‏المفسر‏ ‏على ‏ما‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يضيف‏ ‏إلى ‏معلوماته‏ ‏عن‏ ‏كلية‏ ‏وجود‏ ‏الحالم‏ (‏لامجرد‏ ‏الشخص‏/‏القناع‏) ‏وليس‏ ‏عن‏ ‏العقد‏ ‏المكبوتة‏ ‏فحسب‏، ‏وهو‏ ‏يهتم‏ ‏بأن‏ ‏يسمع‏ ‏الحالم‏ ‏يقول‏ ‏له‏ ‏ما‏ ‏يفيد‏ ‏فى “‏التوجه‏ ‏إلى…” ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏يبحث‏ ‏فى “‏ماذا‏ ‏أثار‏ ‏الحلم‏”، ‏وذلك‏ ‏لإدراك‏ ‏إمكانات‏ ‏إبداع‏ ‏الحالم‏ ‏ذاته‏ ‏على ‏طريق‏ ‏النمو‏، ‏وماهية‏ ‏إعاقته‏ ‏ومداها؛ ‏أى ‏أنه‏ ‏يرجح‏ “‏السببية‏ ‏الغائية‏ ‏على ‏السببية‏ ‏الحتمية‏”.‏

نستطيع‏ ‏أن‏ ‏نخلص‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏الخطوط‏ ‏العامة‏ ‏إلى ‏القول:‏ ‏إن‏ ‏كلا‏ ‏من‏ ‏فرويد‏ ‏ويونج‏ ‏قد‏ ‏اجتهد‏، ‏كل‏ ‏بطريقته‏، ‏لكن‏ ‏فرويد‏ ‏حاول‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏عالما‏ ‏أكثر‏ (‏وبنائيا‏ ‏كما‏ ‏قيل‏ ‏فيما‏ ‏بعد‏) ‏فأعلن‏ ‏التزاما‏، ‏وحدد‏ ‏منهجا‏، ‏وزعم‏ ‏تعميما‏. ‏والواقع‏ ‏أنه‏ ‏أفاد‏ ‏كثيرا‏ ‏بهذا‏، ‏إلا‏ ‏أنه‏ ‏لم‏ ‏يخرج‏ ‏كثيرا‏ ‏عن‏ ‏دائرة‏ ‏نظريته‏ ‏ولا‏ ‏عن‏ ‏دائرة‏ ‏ذاته‏ ‏الشخصانية‏ (‏لا‏ ‏ذاته‏ ‏الموضوعية، أداة البحث‏)، ‏وهذا‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏كان‏ ‏أيضا‏ ‏بالنسبة‏ ‏لمحاولات‏ ‏فرويد‏ ‏فى ‏النقد، ‏فى ‏حين‏ ‏أن‏ ‏يونج‏ ‏قد‏ ‏أكد‏ ‏العامل‏ ‏الشخصى ‏فى ‏التفسير‏ ‏بالمعنى ‏الإبداعى ‏الأصيل‏. ‏حقيقة‏ ‏أن‏ ‏يونج‏ ‏قد‏ ‏أوصى ‏بمنهج‏ ‏ووضع‏ ‏خطوطا‏ ‏عريضة‏ ‏للتفسير‏، ‏إلا‏ ‏أنه‏ ‏أكد‏ ‏طوال‏ ‏الوقت‏ ‏ضرورة‏ ‏مرونة‏ ‏الحركة‏، ‏وعدم‏ ‏الالتزام‏ ‏بحرفية‏ ‏المنهج‏، ‏وفى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏بعدم‏ ‏الخروج‏ ‏عن‏ ‏الحلم‏ ‏إلى ‏الحالـِم‏، ‏إلا‏ ‏فى ‏مرحلة‏ ‏تالية‏ ‏للتفسير‏.‏ ومهما‏ ‏كان‏ ‏الاختلاف‏ ‏بين‏ ‏فرويد‏ ‏ويونج‏، ‏فإن‏ ‏كلا‏ ‏منهما‏ ‏فى ‏النهاية‏ ‏إنما‏ ‏يقرأ‏ ‏الحلم‏ لا يفسره‏، ‏وأعنى ‏بذلك‏ ‏أنه‏ ‏يتخذ‏ ‏من‏ ‏الحلم‏ ‏مادة‏ ‏مثيرة‏ ‏لعقله‏ ‏المبدع‏ ‏هو‏، ‏ويتفاعل‏ ‏معها‏ ‏بما‏ ‏هو‏، ‏وليس‏ ‏فقط‏ ‏بما‏ ‏يعرف‏ ‏من‏ ‏نظريات‏.‏

هنا‏ ‏‏ ‏نتذكر‏ ‏أن‏ ‏الإبداع‏ ‏فى ‏القراءة النقدية‏ (‏قراءة‏ ‏النص‏ ‏نقدا‏، ‏أو‏ ‏قراءة‏ ‏الحلم‏ ‏تفسيرا‏) ‏مثله‏ ‏مثل‏ ‏الإبداع‏ ‏عامة‏: ‏إنما‏ ‏يمثل‏ ‏موقفا‏ ‏دقيقا‏ ‏بين‏ ‏الحرية‏ ‏والالتزام‏، ‏فالحرية‏ ‏غير المحدودة‏ ‏تجعل‏ ‏جرعة‏ ‏الشخصنة‏ (‏الذاتية‏ ‏الإسقاطية‏، ‏اللاموضوعية‏) ‏كبيرة‏ ‏وخطيرة‏، ‏فى ‏حين‏ ‏أن‏ ‏فرط‏ ‏الالتزام‏ ‏المنهجى ‏قد‏ ‏يسجن‏ ‏ناقد‏ النص (‏أو‏ ‏مفسر الحلم‏) ‏فى ‏جدول‏ ‏ضرب‏ ‏خانق‏، ‏ ‏يستحسن‏ ‏الاستغناء‏ ‏عنه‏، ‏وبألفاظ‏ ‏أخرى: ‏إذا‏ ‏زادت‏ ‏جرعة‏ ‏الشخصنة‏ ‏فى ‏قراءة‏ ‏الحلم‏ ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏الحلم‏ ‏سوى ‏نقطة‏ ‏حبر‏ ‏مفلطحة‏ (‏مثل‏ ‏نقطة‏ ‏رورشاخ‏)، ‏أما‏ ‏إذا‏ ‏زادت‏ ‏جرعة‏ ‏الالتزام‏ ‏بقواعد‏ ‏بذاتها‏، ‏فإن‏ ‏تفسير‏ ‏الحلم‏ ‏يكون‏ ‏أشبه‏ ‏بحل‏ ‏لغز‏ ‏من‏ ‏ألغاز‏ ‏الشطرنج‏. ‏وكلا‏ ‏السبيلين‏، ‏إذن‏، ‏ليس‏ ‏إبداعا‏ ‏ناقدا‏ ‏مضيفا‏.

6-2 عَلْمنة قراءة الحلم:

قبل‏ ‏أن‏ ‏أواصل‏ ‏المناقشة‏ ‏للوصول‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏أتصوره‏ ‏فى ‏تفسير‏ ‏الحلم‏ ‏وعلاقته‏ ‏بالنقد‏ ‏الأدبى، ‏فإنه‏ ‏يجدر‏ ‏أن‏ ‏أقفز‏ ‏قفزة‏ ‏كبيرة‏ ‏إلى ‏بعض‏ ‏ماوصلت‏ ‏إليه‏ ‏محاولات‏ ‏علمنة‏ ‏قراءة‏ ‏الحلم‏، ‏فأختار‏ ‏طريقة‏ ‏واحدة‏، ‏أسماها‏ ‏صاحبها‏ “‏فولك‏” Foulkes: “‏نظام‏ ‏تسجيل‏ ‏للبنية‏ ‏الكامنة‏”SSLS،[3] ‏وواضع‏ ‏النظام‏ ‏هو‏ ‏من‏ ‏رواد‏ ‏البحث‏ ‏فى ‏مجال‏ ‏النفسفسيولوجى ‏فى ‏الأحلام‏، ‏وقد‏ ‏انطلق‏ ‏فولك‏ ‏من‏ ‏فرويد‏ -‏كالعادة‏- ‏ليوفق‏ ‏بينه -‏بشكل‏ ‏ما‏- ‏وبين‏ ‏معطيات‏ “‏علم‏ ‏نفس‏ ‏الأنا‏” ‏وبنيوية‏ ‏ليفى ‏شترواس‏، ‏وبياجيه‏، ‏ولغوية‏ ‏تشومسكى، والأبحاث‏ ‏النفسلغوية‏، ‏وكذلك‏ ‏علم‏ ‏النفس‏ ‏المعرفى ‏الحديث‏، ‏دون‏ ‏إغفال‏ ‏علم‏ ‏النفس‏ ‏السوفيتى، ‏وكذلك‏ ‏دون‏ ‏إهمال‏ ‏عطاء‏ ‏علم‏ ‏النفس‏ ‏العصبى. ‏وقد‏ ‏تمكن‏ ‏فولك‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏يؤلف‏ ‏بين‏ ‏تفسير‏ ‏أحلام‏ ‏فرويد‏ ‏والبنيوية‏ ‏اللغوية‏ ‏لـ‏ “‏تشومسكى”، ‏فأظهر‏ ‏أن‏ ‏العلاقات‏ ‏بين‏ ‏تصاوير‏ ‏الحلم‏ ‏مقابلة‏ ‏لوحدات‏ ‏الجمل‏ ‏فى ‏التحليل‏ ‏اللغوى، ‏كما‏ ‏قدم‏ ‏نموذجا‏ ‏حسابيا‏ ‏لإخراج‏ ‏الحلم‏ (‏كما‏ ‏وصفه‏ ‏فرويد‏) ‏مستعملا‏ ‏نظرية‏ “‏الدوغراف‏”، ‏وبذا‏ ‏أصبحت‏ ‏دراسة‏ ‏الحلم‏ -‏عنده‏- ‏ممكنة‏، ‏بطريقة‏ ‏منظمة‏، ‏محكمة‏ ‏تماما‏.‏ بدت‏ ‏لى ‏هذه‏ ‏المحاولة‏ -‏على ‏رصانتها‏- ‏بمثابة‏ ‏اجتهاد‏ ‏منهجى ‏دفاعى ‏لا‏ ‏حاجة‏ ‏بنا‏ ‏إليه‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏المبدأ‏[4]، ‏اللهم‏ ‏إلا‏ ‏بوصفها‏ ‏مساعدا‏ ‏للقراءة‏ ‏المنظمة‏، ‏لا‏ ‏تفسيرا‏، ‏ولا‏ ‏إبداعا‏.‏

6-3 مسْرَحة الحلم

على ‏أن‏ ‏ثمة‏ ‏طريقة‏ ‏أخرى ‏على ‏أقصى ‏الجانب‏ ‏الآخر‏، ‏نستعملها نحن (وغيرنا) ‏ ‏فى ‏العلاج‏ ‏الجمعى، ‏حين‏ ‏تؤخذ‏ ‏مادة‏ ‏الحلم‏ (‏الذى ‏يحكيه‏ ‏أحد‏ ‏أفراد‏ ‏المجموعة‏ ‏أو‏ ‏يتذكره‏، ‏أو‏ ‏يستدعيه‏ ‏المعالج‏…. ‏إلخ‏) ‏لتـُمَسْرَح‏ ‏فى ‏نوع‏ ‏من‏ ‏أنواع‏ ‏التمثيلية‏ ‏النفسية‏ (‏السيكودراما‏). ‏وهنا‏ ‏تتجسد‏ ‏الصور‏، ‏وتُتبَادل‏ ‏الأدوار‏، ‏ولا‏ ‏يكتفى ‏بما‏ ‏حدث‏ ‏فى ‏الحلم‏، ‏بل‏ ‏يكمله‏ ‏الممثلون‏ (‏المرضى ‏والمعالجون‏) ‏تلقائيا‏ (‏بلا‏ ‏نص‏ ‏مسبق‏). ‏ويقوم‏ ‏المعالج‏ ‏بما‏ ‏يشبه‏ ‏دور‏ ‏المخرج‏، ‏وكأن‏ ‏الحلم‏ ‏يعاد‏ ‏إبداعه‏، ‏أو‏ ‏يكمل‏ ‏إبداعه‏، ‏بواسطة‏ ‏صاحبه‏ ‏أساسا‏، ‏وإسهام‏ ‏المعالج‏ ‏مع‏ ‏بعض‏ ‏أفرادالمجموعة‏ ‏العلاجية‏. ‏ومن‏ ‏أهم‏ ‏ما‏ ‏أفادنى ‏فى ‏أثناء‏ ‏الممارسة‏ ‏الإكلنيكية‏ ‏فى ‏العلاج‏ ‏الجمعى ‏فى ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏المواقف‏ ‏هى ‏عملية‏ “‏تبادل‏ ‏الأدوار‏” ‏أثناء‏ ‏تمثيل‏ ‏الحلم‏، ‏ذلك‏ ‏بأن‏ ‏يدعى ‏المريض‏ ‏على ‏الكرسى ‏الساخن لكى يقوم بتمثيل ‏[5] ‏‏ ‏نفس‏ ‏الدور‏ ‏الذى ‏كان‏ ‏يلعبه‏ ‏الآخر‏ ‏أمامه‏ (‏سواء‏ ‏كان‏ ‏هذا‏ ‏الآخر‏ ‏هو‏ ‏المعالج‏ ‏أو‏ ‏أحد‏ ‏أفراد‏ ‏المجموعة‏ ‏العلاجية‏)، ‏وقد‏ ‏تنتهى ‏هذه‏ ‏الدراما‏ ‏النفسية‏ ‏التى ‏تجسد‏ ‏الحلم‏ ‏وتحضره‏ ‏فى ‏الـ‏ “‏هنا‏ ‏والآن‏” ‏دون‏ ‏تفسير‏ ‏قصدا‏ (‏وهذا‏ ‏مايحدث‏ ‏غالبا‏ ‏فى ‏ممارستى ‏الخاصة‏)، ‏وقد‏ ‏تفسر‏ ‏بعض‏ ‏أجزائها‏ ‏بواسطة‏ ‏الحالم‏ ‏أو‏ ‏المرضى ‏الآخرين‏، ‏وبدرجة‏ ‏أقل‏ ‏بواسطة‏ ‏المعالج‏. ‏وأثناء‏ ‏هذه‏ ‏الخبرة‏ (‏الدراما‏ ‏النفسية‏ ‏كخبرة‏ ‏علاجية‏ ‏جماعية‏) ‏لا‏ ‏يتعرف‏ ‏المريض‏ ‏بالضرورة‏ ‏على ‏مغزى ‏الحلم‏ ‏أو‏ ‏شفرة‏ ‏رموزه‏، ‏وإنما‏ ‏يتعرف‏ ‏على ‏نفسه‏ ‏بشكل‏ ‏مباشر‏ ‏معايش‏، ‏كذلك‏ ‏يتعرف‏ ‏على ‏الطبيب‏ ‏وعلى ‏زملائه‏ ‏انطلاقا‏ ‏من‏ ‏اتساع‏ ‏وعيه‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏هذه‏ ‏القراءة‏ ‏المجسدة‏ ‏المتحركة‏ ‏للحلم‏.‏

نحن إذن – فى هذا العلاج ‏لا‏ ‏نتوقف‏ ‏عند‏ ‏محاولة‏ ‏ترجمة‏ ‏الحلم‏ ‏إلى ‏لغة‏ ‏الواقع‏، ‏وإنما‏ ‏ننطلق‏ ‏منه‏، ‏وبه‏، ‏وهذا‏ ‏ما‏ ‏أسميته‏: ‏القراءة‏ ‏المبدعة‏ ‏للحلم‏.، وقراءة‏ ‏الحلم‏ ‏هنا‏ ‏إنما‏ ‏تشير‏ ‏إلى ‏إعادة‏ ‏معايشته‏ ‏بهدف‏ ‏استيعاب‏ ‏وتمثل‏ ‏الخبرة‏ ‏فى ‏وعى ‏ممتد‏ من الحلم إلى ما يُمْكن، وليس بقصد تفسيره، أو فك رموزه.‏

‏6-4 ‏الحلم‏ ‏يقرأ‏ (‏إبداعا‏)، ‏ولايحل‏ (‏لغزا‏):‏

إن‏ ‏الحلم‏ ‏المروى ‏لا‏ ‏يعدو‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏مثيرا‏ ‏لإبداع‏ ‏تال‏، ‏تتوقف‏ ‏فائدته‏ ‏ومصداقيته‏ ‏على قدرة‏ ‏قارئ‏ ‏الحلم‏ (‏الحالم‏ ‏نفسه‏ ‏مع أو بدون ‏ ‏من‏ ‏يساعده‏) ‏على ‏الإبداع‏ ‏انطلاقا‏ ‏من‏ ‏مادة‏ ‏الحلم‏ ‏المتاحة‏، ومهما‏ ‏استعنا‏ ‏بأدوات‏ ‏مكبرة‏ (‏تكبير‏ ‏يونج‏) ‏أو‏ ‏مكملة‏ (‏تداعى ‏فرويد‏) ‏أو‏ ‏حاسبة‏ (‏نظام‏ ‏فولك‏) ‏فستظل‏ ‏القراءة‏ ‏إما‏ ‏إبداعية‏، ‏وإما‏ ‏تقريرية‏، ‏مع‏ ‏تدرج‏ ‏بين‏ ‏هذين‏ ‏القطبين‏ ‏يحمل‏ ‏كل‏ ‏النسب‏ ‏المحتملة‏.‏

القراءة‏ ‏الإبداعية ‏ليست‏ ‏هى ‏القراءة‏ ‏الحرة‏ ‏بمعنى ‏الذاتية‏ ‏الإسقاطية‏، ‏أو‏ ‏الانطباعية‏، ‏أو‏ ‏التذوقية‏..، ‏بل‏ ‏إنها‏ ‏قراءة‏ ‏تحتاج‏ ‏إلى ‏آليات أشمل من بينها: ‏وعى ‏مغامر‏، ‏قادر‏ ‏على ‏التفكك‏ ‏المسئول‏ ‏بفعل‏ ‏المادة‏ ‏المقروءة‏، ‏ثم‏ ‏استعادة‏ ‏التماسك‏ ‏بشكل‏ ‏جديد‏، ومن ثَمَّ ‏فقراءة مبدعة تتجاوز النص ولاتبعد عنه‏، ‏فإذا‏ ‏كان‏ ‏من‏ ‏مهمة‏ ‏مثل‏ ‏هذا‏ ‏القارئ (‏المبدع‏ الناقد ‏الموضوعى‏) ‏أن‏ ‏يقول‏ ‏فيما‏ ‏قرأ‏ ‏قولا‏، ‏فإن‏ ‏ذلك‏ ‏إنما‏ ‏يصدر‏ ‏عن‏ ‏نتاج‏ ‏سلسلة‏ ‏تفاعل‏ ‏عمليات‏ ‏شديدة‏ ‏التعقيد‏. ‏ويتوقف‏ ‏هذا‏ ‏النتاج‏ ‏أكثر‏ ‏مايتوقف‏ ‏على “‏موضوعية‏ ‏ذات‏ ‏القارئ”.‏

وفى ‏مقامنا‏ ‏هذا‏ ‏نستطيع‏ ‏أن‏ ‏نقول‏ ‏إنه‏: ‏كما‏ ‏أن‏ ‏الحلم‏ ‏المحكى ‏ليس‏ ‏هو‏ ‏ماحدث‏ ‏من‏ ‏تحريك‏ ‏وتنشيط‏ ‏بيولوجى ‏إيقاعى ‏منتظم‏، ‏وإنما‏ ‏هو‏ ‏فعل‏ ‏إبداع‏ ‏المبدع‏ ‏فى ‏المادة‏ ‏التى ‏قُلْقِلت‏، ‏كذلك‏ ‏فإن‏ ‏قراءة‏ ‏الحلم‏ (‏تفسيره‏) ‏ليست‏ ‏سوى ‏نتاج‏ ‏إعادة‏ ‏تنظيم‏ ‏مادة‏ ‏الحلم‏ ‏فى ‏تضفر‏ ‏ولافى، ‏هو‏ ‏ناتج‏ ‏ما‏ ‏أثاره‏ ‏الحلم‏ ‏فى ‏وعى ‏المفسر‏ ‏بكل‏ ‏ما‏ ‏يتحمل‏ ‏من‏ ‏توجه‏ ‏معرفى، ‏وإطار‏ ‏مرجعى، ‏وخبرة‏ ‏ممارسة‏. ‏وتكون‏ ‏ذات‏ ‏قارئ ‏الحلم‏ (‏وليس بالضرورة مفسِّره‏) ‏ممثِّلة‏ ‏للموضوع‏، ‏بقدر‏ ‏قدرتها‏ ‏على نشاط‏ ‏التلقى الحر ‏المتعلق‏ ‏بقدرة‏ ‏المتلقى ‏على ‏استيعاب‏ ‏كم‏ ‏وكيف‏ ‏المعلومات‏ ‏المتاحة من واقع إبداعى مشارك‏، ‏بما‏ ‏فى ‏ذلك‏ مدى استيعابه لخبرات‏‏ ‏السابقين‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏المجال‏ ‏وغيره‏، ‏وكذا‏ حسب شجاعته و‏قدرته‏ ‏على ‏الغوص‏ ‏فى ‏تجربته‏ ‏الذاتية‏/‏الموضوعية‏ ‏المقابلة‏ ‏والمثرية‏ ‏لقراءته‏ ‏هذه‏.‏

‏ ‏ إن‏ ‏درجة‏ ‏أصالة‏ ‏الإبداع‏ ‏النقدى عند من يتصدى للقراءة (أو المعايشة) ‏هى ‏التى ‏تحدد‏ ‏ما‏ ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏التفسير‏ (‏القراءة‏) ‏هو‏ ‏إسقاط‏ ‏ذاتى ‏أو‏ ‏هو‏ ‏ولاف‏ ‏أصيل‏ ‏جديد‏. ‏ فإذا‏ ‏ارتفعت‏ ‏ذات‏ ‏المفسر‏ (‏المبدع‏ ‏الناقد‏) ‏إلى ‏درجة‏ ‏من‏ ‏الموضوعية‏ ‏حتى ‏أصبحت‏ ‏هى ‏أهم‏ ‏أدوات‏ ‏استيعاب‏ ‏الحركة‏ ‏الإبداعية‏ ‏المتمثلة‏ ‏فى ‏النص‏ (‏أو‏ ‏الحلم‏) ‏أصبح‏ ‏المعطى ‏بمثابة‏ “‏إبداع‏ ‏على ‏إبداع‏”، ‏لا‏ ‏أكثر‏ ‏ولا‏ ‏أقل‏. ‏ويكون‏ ‏الإبداع‏ ‏أكثر‏ ‏إبداعا‏ ‏كلما‏ ‏زاد‏ ‏عمقا‏، ‏واقترب‏ ‏من‏ ‏الجوهر‏ ‏المشترك‏، ‏وكان‏ ‏مثالا‏ ‏لما‏ ‏يمكن‏ ‏تعميمه‏، ‏مع‏ ‏الوضع‏ ‏فى ‏الاعتبار‏ ‏أبعاد‏ ‏الاختلافات‏ ‏الفردية‏ ‏الضرورية‏. ‏

هنا‏ ‏يقفز‏ ‏اعتراض‏ ‏مهم‏ ‏يقول‏: ‏إنه‏ -‏ بذلك‏-‏ يستحيل‏ ‏أن‏ ‏يتفق‏ ‏مفسران‏، ‏حتى ‏من‏ ‏مدرسة‏ ‏واحدة‏، ‏على ‏تفسير‏ ‏حلم‏ ‏بذاته‏، ‏وأن‏ ‏تفسير‏ ‏الأحلام‏ ‏بالتالى‏ ‏لا‏ يمكن أن ‏يكون‏ ‏علما‏ ‏أبدا‏. ‏وأحسب‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏صحيح‏ ‏فى ‏حدود‏ ‏تعريف‏ ‏العلم‏ ‏التجريبى ‏تحت‏ ‏وهم‏ ‏أنه‏ “‏لاشخصي‏”، ‏ولكنى ‏أحسب‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏التعريف‏ ‏قد‏ ‏أخذ‏ ‏فى ‏التوارى ‏بشكل‏ ‏متزايد‏ ‏ودال بعد أن تجاوز مفهوم العلم ذلك النطاق الضيق،. ‏وليكن‏ ‏تفسير‏ ‏الأحلام‏ (‏قراءتها‏) ‏فنا‏ ‏إبداعيا‏، ‏بشرط‏ ‏أن‏ ‏نؤكد‏ ‏حقيقة‏ ‏أن‏ ‏الإبداع‏ ‏التشكيلى ‏والأدبى ‏هو‏ ‏أحد‏ ‏روافد‏ ‏المعرفة‏، ‏الذى ‏لا‏ ‏يقل‏ ‏عطاؤه‏ ‏عن‏ ‏عطاء‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏علم‏ ‏إنارة‏ ‏وكشفا‏.‏

هذا‏ “‏الإبداع‏ ‏على ‏إبداع‏” ‏الذى ‏يتجلى ‏فى ‏فن‏ ‏قراءة‏ ‏الحلم‏ (‏ومثله‏ ‏مثل‏ ‏الحال‏ ‏فى ‏فن‏ ‏اللأم‏. ‏فى ‏المعالجة‏ ‏الإكلينيكية المواكبة[6]‏، ‏وفى ‏فن‏ ‏النقد‏) ‏يكون‏ ‏أصيلا‏ ‏ليس‏ ‏بقدر‏ ‏انفصاله‏ ‏عن‏ ‏ذات‏ ‏المبدع‏، ‏بل‏ ‏بمقدار‏ ‏ارتقاء‏ ‏ذات‏ ‏المبدع‏ ‏نفسها‏ ‏على ‏مدرج‏ ‏التكامل‏، ‏بالقدر‏ ‏الذى ‏يسمح‏ ‏لهذه‏ ‏الذات‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏الأداة‏ ‏الموضوعية‏ ‏القادرة‏ ‏على ‏تمثل‏ ‏الخبرة‏ ‏بما‏ ‏هى.

ما‏ ‏أريد‏ ‏أن‏ ‏أخلص‏ ‏إليه‏ ‏هنا‏ ‏هو‏ ‏أن‏ ‏فن‏ ‏قراءة‏ ‏الحلم‏ (‏الذى ‏ينبغى أن يحل محل ما‏ ‏يسمى ‏تفسير‏ ‏الحلم‏) ‏هو‏ ‏إبداع‏ ‏جديد‏ ‏يتوقف‏ ‏مدى ‏صدقه‏ ‏على ‏درجة‏ ‏أصالة‏ ‏وموضوعية‏ ‏المبدع‏ (‏المفسر‏) ‏التى ‏هى ‏هى ‏درجة‏ ‏تطوره‏.‏

‏6-5 ‏مستويات‏ ‏الحلم‏ ‏ومستويات‏ ‏القراءة‏:‏

إن‏ ‏قراءة‏ ‏الحلم‏ ‏بعامة‏ – ‏من‏ ‏واقع‏ ‏خبرتى ‏وماذهبت‏ ‏إليه‏ ‏تنظيرا‏ ‏هنا‏- ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏تمر‏ ‏بعدة‏ ‏مراحل‏:‏

أولا‏: ‏ينبغى ‏أن‏ ‏نحدد‏ ‏نوع‏ ‏الحلم‏ ‏الذى ‏نحن‏ ‏بصدده‏، ‏الأمر‏ ‏الذى ‏يتناسب‏ ‏مع‏ ‏مستوى ‏إبداع‏ ‏الحلم‏، ‏فالأحلام‏ ‏يمكن‏ ‏تقسيمها‏ ‏بمدى ‏عمقها‏، ‏ومدى ‏تناثرها‏ ‏وتكثيفها‏، ‏أكثر‏ ‏مما‏ ‏يمكن‏ ‏عمل‏ ‏ذلك‏ ‏حسب‏ ‏نوع‏ ‏محتواها‏، ‏فليس‏ ‏من‏ ‏الصواب‏ ‏أن‏ ‏نقرأ‏ ‏حلما‏ ‏رائقا‏ ‏مسلسلا‏ ‏هو‏ ‏ليس‏ ‏بحلم‏ ‏أصلا‏، ‏أو‏ ‏حلما‏ ‏تنبؤيا‏ ‏مباشرا‏، ‏بالطريقة‏ ‏نفسها‏ ‏التى ‏نقرأ‏ ‏بها‏ ‏حلما‏ ‏فجا‏ ‏متناثرا‏ ‏استطاع‏ ‏صاحبه‏ ‏أن‏ يتحمل أن ‏يلقى ‏به‏ “‏مبدعا بأقل قدر من التدخل المسطِّـح‏” ‏فى ‏وساد‏ ‏وعيه‏، ‏ثم‏ ‏فى ‏مواجهة‏ ‏وعينا‏. ‏ففى ‏حين‏ ‏نرى ‏أن‏ ‏الحلم‏ ‏الأول‏ ‏ليس‏ ‏إلا‏ ‏سردا‏ ‏سطحيا‏ ‏به‏ ‏أقل‏ ‏القليل‏ ‏من‏ ‏الإبداع‏، ‏نجد‏ ‏أن‏ ‏الحلم‏ ‏الثانى ‏يحتاج‏ ‏لقراءته‏ ‏إلى ‏استيعاب‏ ‏مسئول‏ ‏فى ‏إطار‏ ‏السماح‏ ‏بتناثر‏ ‏إبداعى ‏منضبط‏ّ إرادى “بشكل ما”،‏ ‏ ‏حتى ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يقف‏ ‏فى ‏مواجهته‏ ‏فى ‏محاولة‏ ‏أن‏ ‏يلم‏ ‏أطرافه‏ ‏ويعيد‏ ‏صياغته‏ ‏بملء‏ ‏فجواته‏، ‏وتوليف‏ ‏أفكاره‏. ‏بين‏ ‏هذين‏ ‏الطرفين‏ ‏على ‏أقصى ‏المتدرج:‏ ‏نجد‏ ‏درجات‏ ‏متفاوتة‏ ‏تحمل‏ ‏جرعة‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏وذاك‏ ‏بنسب‏ ‏مختلفة‏.‏  ‏يساعد‏ ‏فى ‏تحديد‏ ‏مستوى الحلم‏ (‏ومن‏ ‏ثم‏ ‏إبداعه‏ ‏تفسيرا‏) ‏معرفة‏ ‏طريقة‏ ‏تسجيله‏ ‏ووقت‏ ‏تسجيله‏ ‏بالنسبة‏ ‏للحظة‏ ‏اليقظة‏، ‏حتى ‏يمكن‏ ‏تحديد‏ ‏حالة‏ ‏الوعى، ‏ودرجة‏ ‏الذاكرة‏ ‏ومن ثم تحديد نسبة الخيال‏ ‏المصنوع‏، ‏فى ‏تأليف‏ ‏المادة‏ ‏المعطاة‏.‏

ثانيا‏: ‏تأتى ‏بعد‏ ‏ذلك‏ ‏ضرورة‏ ‏الإلمام‏ ‏بمعلومات‏ ‏كافية‏ ‏عن‏ ‏شخصية‏ ‏الحالم‏، ‏ليس‏ ‏فقط‏ ‏عن‏ ‏ظروف‏ ‏حلمه‏، ‏وملابساته‏، ‏ومثيراته‏ ‏البيئية‏ ‏المحيطة‏ ‏آنذاك‏ ‏ولكن‏ ‏أيضا‏ ‏عن‏ ‏قدرات‏ ‏الحالم‏ ‏الإبداعية‏. ‏ولا‏ ‏أعنى ‏بالقدرة‏ ‏الإبداعية‏ ‏هنا‏ ‏مدى ‏ممارسته‏ ‏للإبداع‏ ‏فعلا‏، ‏وإنما‏ ‏أعنى ‏بالقدرة‏ ‏الإبداعية‏ ‏هنا:‏ ‏ما‏ ‏يقدر‏ ‏عليه‏ ‏الحالم‏ ‏من‏ “‏تحمل‏ ‏التناثر‏”، ‏ثم‏ ‏قدرته‏ ‏على ‏لم‏ ‏هذا‏ ‏التناثر‏ ‏بشكل‏ ‏لا‏ ‏يضيع‏ ‏معالمه‏، ‏بالإضافة‏ ‏إلى ‏مدى ‏مرونته‏ ‏وطزاجة‏ ‏دهشته‏.‏ ‏فالأحلام‏ ‏تقترب‏ ‏أو‏ ‏تبتعد‏ ‏عن‏ ‏الإبداع‏ ‏الأصيل‏ ‏تناسبا‏ ‏طرديا‏ ‏مع‏ ‏هذه‏ ‏القدرة‏، ‏وقد‏ ‏تكتشف‏ ‏هذه‏ ‏القدرة‏ ‏من‏ ‏الإلمام‏ ‏بمدى ‏نشاط‏ ‏الحالم‏ ‏الإبداعى ‏فى ‏مجالات‏ ‏أخرى ‏من‏ ‏مجالات‏ ‏الحياة‏.

 ‏يجدر‏ ‏التنويه‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏القدرة‏ ‏الإبداعية‏ ‏ليست‏ ‏هى ‏التى ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏مسئولة‏ ‏عن‏ ‏إنتاج‏ ‏ناتج‏ ‏إبداعى ‏بذاته‏: ‏التشكيل‏ ‏أو‏ ‏الحكى ‏مثلا‏، ‏وإنما‏ ‏هى مجرد ‏القدرة‏ ‏على ‏التشكيل‏ ‏وإعادة‏ ‏التشكيل‏ ‏من‏ ‏واقع‏ ‏تحمل‏ ‏التناثر‏ ‏واستيعاب‏ ‏التناقض‏ ‏القادر‏ ‏على ‏استيعاب‏ ‏مادة‏ ‏الإبداع‏ ‏المتاحة‏ ‏من‏ ‏الواقع‏ ‏أو‏ ‏من‏ ‏الحلم‏.‏ هذه‏ ‏القدرة‏ ‏الإبداعية‏ ‏الحية‏ ‏متصلة‏ ‏اتصالا‏ ‏مباشرا‏ ‏بما‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏أسميه‏: “‏مرونة‏ ‏الوجود‏ ‏وحوار‏ ‏المستويات‏”. ‏الأمر‏ ‏الذى ‏يظهر‏ ‏بشكله‏ ‏الإيجابى ‏فى ‏وجود‏ ‏ذى ‏حرارة‏ ‏متقلبة‏، ‏وقدرة‏ ‏على ‏المراجعة‏، ‏فالدهشة‏، ‏وتحمل‏ ‏الغموض‏، ‏كما‏ ‏يظهر‏ ‏فى ‏صورته‏ ‏السلبية‏ ‏فى ‏تقلبات‏ ‏اندفاعية‏، ‏وتعامل‏ ‏ذاتى ‏مع‏ ‏الواقع‏ ‏الخارجى ‏مثل‏ ‏إنكاره‏ ‏أو‏ ‏تشويهه‏ ‏أو‏ ‏إبداله‏ ‏كلية‏…، (ربما ‏حتى ‏المرض)‏.‏

‏من هنا يمكن القول إنه:

أولا:  ‏تكون‏ ‏مادة‏ ‏الحلم‏ موازية لما هو “‏شعر” ‏أصعب ‏‏على ‏درجة‏ ‏من‏ ‏الغموض‏، ‏كلما‏ ‏كان‏ ‏الشخص‏ ‏مبدعا‏ (‏سويا‏ ‏مرنا‏ ‏جدليا‏، ‏أو‏ ‏مريضا‏ ‏متَعْتَعا‏) ‏أو‏ حتى ‏متناثرا‏)، (وربما كان هذا بعض ما استوعبه نجيب محفوظ حاليا فى أحلام فترة النقاهة فطوره إبداعاً: أنظر الملحق). ‏

ثانيا:‏ ‏تكون‏ ‏مادة‏ ‏الحلم‏ ‏حكيا‏ ‏مصقولا‏ ‏مسطحا كلما‏ ‏كان‏ ‏الحالم‏ ‏ثابت‏ ‏المعالم‏ ‏محدد‏ ‏الموقف‏ ‏ممن‏ ‏يطلق‏ ‏عليه‏ العامة ‏أحيانا‏ “‏قوى ‏الشخصية‏”، ‏فى ‏حالة‏ ‏السواء‏، ‏أو‏ ‏ما‏ ‏يندرج‏ ‏تحت‏ ‏بعض‏ ‏اضطرابات‏ ‏نمط‏ ‏الشخصية‏- ‏فى ‏حالة‏ ‏المرض‏، ‏أو‏ ‏ما‏ ‏أطلق‏ ‏عليه‏ ‏مؤخرا‏ ‏تعبير‏ “‏فرط‏ ‏العادية‏” (Hyper-normality) ‏هذه‏ ‏النماذج‏ ‏لا‏ ‏تعى ‏أحلامها‏ ‏بسهولة‏، ‏إذ‏ ‏لا‏ ‏يتجرأ‏ ‏الواحد‏ ‏منهم‏ ‏على ‏احتمال‏ ‏الوعى ‏بحقيقة ما‏ ‏تنشَّط‏ بداخله ‏أثناء‏ ‏حلمه‏، ‏فضلا‏ ‏عن‏ ‏تذكر‏ ‏حلمه‏ ‏أو‏ ‏روايته‏، ‏بل‏ ‏إن‏ ‏كثيرين‏ ‏منهم‏ ‏ينسون‏ ‏أحلامهم‏ ‏قبيل‏ ‏اليقظة‏ ‏مباشرة‏ ‏أو‏ ‏بمجرد‏ ‏أن‏ ‏يستيقظ‏، ‏فإذا‏ ‏سمح‏ ‏أحدهم‏ ‏لنفسه‏ ‏بحكيها‏ ‏بعد‏ ‏تذكر‏ ‏بعض‏ ‏مفرداتها‏ ‏فإنه‏ ‏يسلسلها‏ ‏خطيا‏ ‏وصولا‏ ‏بها‏ ‏إلى ‏مالم‏ ‏تكن‏… ‏فهو‏ ‏التزييف‏ ‏غالبا‏.‏

‏ ‏تلزم‏ ‏هذه‏ ‏التفرقة‏ ‏بين‏ “‏الحالم‏ ‏المبدع‏” ‏و ‏”‏الحالم‏ ‏المفرط‏ ‏العادية‏ ” ‏للاستهداء‏ ‏بها‏ ‏فى ‏كيفية‏ ‏قراءة‏ ‏الحلم‏، ‏على هذين المستويين المختلفين‏.‏

ثالثا‏: ‏يأتى ‏تحديد‏ ‏ماهية‏ ‏قارئ ‏الحلم‏ (‏مفسره‏) ‏من‏ ‏حيث‏ ‏أرضيته‏ ‏المعرفية‏ ‏والخبراتية‏ ‏وقدرته‏ ‏الإبداعية‏ (‏بنفس‏ ‏التعريف‏ ‏الذى ‏ذكرناه‏ ‏عن‏ ‏الحالم‏). ‏وتظهر‏ ‏هذه‏ ‏الأخيرة‏ ‏من‏ ‏موقفه‏ ‏الإبداعى ‏العام‏ (‏العلاجى، ‏والقراءتى، ‏والإبداعى ‏الإنتاجى‏) ‏كما‏ ‏تظهر‏ ‏من‏ ‏موقفه‏ ‏الخاص‏ ‏من‏ ‏أحلامه‏ ‏هو‏ ‏شخصيا‏ ‏أيضا‏ (‏أحلام‏ ‏المفسر‏ ‏المعالج‏: ‏لا‏ ‏الحالم‏) – ومن‏ ‏بينهما‏- ‏من‏ ‏أول‏ ‏قدرته‏ ‏على ‏تذكرها‏، ‏إلى ‏انتقاء‏ ‏ما‏ ‏يتذكر‏ ‏منها‏ ‏ليحكيه‏ ‏أو‏ ‏يسجله‏ ‏دون‏ ‏غيره‏، ‏إلى ‏شجاعته‏ ‏فى ‏سردها‏، ‏إلى ‏محاولته‏ ‏تفسيرها‏.‏ وتجرى ‏أسس‏ ‏التفرقة‏ ‏فى ‏نفس‏ ‏اتجاه‏ ‏ماذكرناه‏ ‏بشأن‏ ‏الحالم‏.‏

رابعا‏: ‏تتأثر‏ ‏قراءة‏ ‏الحلم‏ ‏بمدى ‏و‏ ‏نوع‏ ‏العلاقة‏ ‏بين‏ ‏الحالم‏ ‏وقارئ ‏الحلم‏، ‏ويشمل‏ ‏ذلك‏ ‏تعدد‏ ‏قنوات‏ ‏الاتصال‏ ‏اللفظية‏ ‏وغير‏ ‏اللفظية‏ ‏فيما‏ ‏بينهما. على ‏أن‏ ‏توافر‏ ‏أكبر‏ ‏الفرص‏ ‏بالنسبة‏ ‏لكل‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏العوامل‏ ‏لايعنى -‏مباشرة‏- ‏أن‏ ‏قراءة‏ ‏الحلم‏ (‏تفسيره‏) ‏أمر‏ ‏ممكن‏ (‏أو‏ ‏أمر‏ ‏حتمى). ‏وقد‏ ‏اعترف‏ ‏فرويد‏ ‏نفسة‏ ‏أن‏ ‏ثمة‏ ‏أحلاما‏ ‏لاتفسر‏، ‏وتمادى ‏فى ‏ذلك‏ ‏يونج‏ ‏بشكل‏ ‏أكثر‏ ‏وضوحا‏، ‏وربما‏ ‏تعميما‏، ومع‏ ‏ذلك‏ ‏فإن‏ ‏الأحلام‏ ‏التى ‏لا‏ ‏تفسر‏،‏ ‏تؤدى ‏وظيفتها‏ ‏الإبداعية‏ ‏فى ‏مسار‏ ‏نمو‏ ‏الشخصية‏ ‏بالذات‏، بدون سرد، أو ‏بمجرد‏ ‏السرد‏ ‏وحسن‏ ‏التقبل‏ ‏ومحاولة‏ ‏الإبداع‏ ‏المقابل‏، ‏بالتلقى ‏الجاد‏ ‏دون‏ ‏تفسير‏، ‏وقد‏ ‏يكون‏ ‏ذلك‏ ‏فى ‏كثير‏ ‏من‏ ‏الحالات‏ ‏أفضل‏ ‏من‏ “‏حشر‏ ‏الحلم‏ ‏فى ‏نظرية‏ ‏بذاتها‏”، ‏أو‏ ‏تفتيته‏ ‏إلى ‏ماليس‏ ‏هو‏ ‏أصلا‏، ‏أو‏ ‏إهماله‏ ‏ليرتد‏، ‏أو‏ ‏يتسطح‏، ‏أو‏ ‏ينفى.‏ أيضا‏. ‏إن‏ ‏الأحلام‏ ‏التى ‏لا‏ ‏تفسر‏ ‏أصلا‏، ‏ولا‏ ‏نتذكرها‏ ‏تفصيلا‏، ‏إنما‏ ‏تقوم‏ ‏بوظيفتها‏ ‏الإبداعية‏ ‏والمعرفية‏ ‏والتنظيمية‏ ‏دون‏ ‏حاجة‏ ‏إلى ‏التوقف‏ ‏عند‏ ‏تفسيرها‏ ‏أو‏ ‏لتفسيرها‏.‏

‏6-6 ‏توظيف‏ ‏قراءة‏ ‏الحلم‏ (‏تفسيره‏) علاجيا:‏

فضلنا‏ ‏استعمال‏ ‏تعبير‏ ‏قراءة‏ ‏الحلم‏ ‏بدلا‏ ‏من‏ ‏تفسير‏ ‏الحلم‏، ‏إشارة‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏وصلنا‏ ‏إليه‏ ‏من‏ ‏أنه‏ ‏ما‏ ‏دام‏ ‏الحلم‏ ‏إبداعا‏ ‏محتملا‏، ‏فالقراءة‏ ‏المبدعة‏ ‏هى ‏الأقدر‏ ‏على ‏إعادة‏ ‏إبداعه‏، ‏إن‏ ‏اعتبار‏ ‏تفسير‏ ‏الحلم‏ -‏كما‏ ‏قال‏ ‏فرويد‏- ‏هو‏ ‏الطريق‏ ‏الملكى ‏للاشعور‏، ‏قد‏ ‏تضاءل‏ ‏كثيرا‏ ‏فى ‏وقتنا‏ ‏هذا‏، ‏إما‏ ‏لترجيح‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الطريق‏ ‏الملكى ‏هو‏ “‏متاهة‏” مُشَخْصَنَة غالبا، ‏وإما‏ ‏لغلبة‏ ‏العلاج‏ ‏الكيميائى ‏والسلوكى ‏لدرجة‏ ‏الإزاحة‏ ‏الكاملة‏ ‏لكل‏ ‏ما‏ ‏عداهما‏، ‏فلم‏ ‏يبق‏ ‏من‏ ‏استعمال‏ ‏الأحلام‏ ‏فى ‏العلاج‏ ‏إلا‏ ‏جزء‏ ‏يسير‏ ‏يمارس‏ ‏فى ‏بعض‏ ‏أثار‏ ‏التحليل‏ ‏النفسى، ‏وجزء‏ ‏آخر‏ “‏يمُسَرَحُ‏” (‏يعاد‏ ‏إخراجه‏) ‏فى ‏العلاج‏ ‏الجماعى ‏كما‏ ‏ذكرنا‏. ‏

مهما‏ ‏ضؤلت‏ ‏الممارسة‏ ‏العلاجية‏ ‏التى ‏تستفيد‏ ‏من‏ ‏محتوى ‏الأحلام‏ ‏مع‏ ‏تضاؤل‏ ‏جرعة‏ ‏الإبداع‏ ‏فيما‏ ‏هو‏ ‏علاج‏، ‏فإن‏ ‏النظر‏ ‏فى ‏توظيف‏ ‏عملية‏ ‏قراءة‏ ‏الحلم‏ ‏فى ‏الإبداع‏ ‏العلاجى ‏يرتبط‏ ‏أشد‏ ‏الارتباط‏ ‏بهدف‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏. ‏أستطيع‏ ‏أن‏ ‏أعدد‏ ‏أهم‏ ‏وظائف‏ ‏قراءة‏ ‏الحلم‏ ‏المبدعة‏ (‏بكل‏ ‏صورها بما ذلك، أو أهم ذلك: المُمَسْرحة‏ فى العلاج الجمعى) ‏كما‏ ‏أراها‏ ‏من‏ ‏واقع‏ ‏ممارستى الاكلينيكية ‏من‏ ‏حيث‏ ‏أنها‏:‏

1-  تعلن‏ ‏درجة‏ ‏أرحب‏ ‏من‏ ‏القبول‏ ‏لأكثر‏ ‏من‏ ‏مستوى ‏من‏ ‏مستويات‏ ‏الوعى‏.‏

‏2- تتيح‏ ‏قدرا‏ ‏أكبر‏ ‏من‏ ‏الحركة‏ ‏نحو‏ ‏الداخل‏ (‏أو‏ ‏بتعبير‏ ‏أفضل‏: ‏نحو‏ ‏الجانب‏/‏الجوانب‏، ‏الأخرى).‏

‏3- تسمح‏ ‏بأن‏ ‏يتحمل‏ ‏الحالم‏ (‏والمعالج‏) ‏بوعى ‏أصدق‏، ‏مسئولية‏ ‏ما‏ ‏يجرى ‏على ‏الجانب‏ ‏الآخر‏. ‏أى ‏مسئولية‏ ‏تواصل‏ ‏عملية‏ ‏الإبداع‏ ‏التى ‏بدأت‏ ‏بحكاية‏ ‏الحلم‏.‏

‏4- ‏تسمح‏ ‏بتواصل‏ ‏بين‏ ‏طرفى ‏العملية‏ ‏العلاجية‏ ‏بشكل‏ ‏أعمق‏ ‏ومتعدد‏ ‏المسارات

5- ‏ ‏تقرب‏ ‏بين‏ ‏مستويات‏ ‏الوجود‏ (‏مستويات‏ ‏المخ‏، ‏مستويات‏ ‏الوعي‏…‏إلخ‏) ‏بحيث‏ ‏تسهل‏ ‏رحلة‏ ‏التبادل‏، ‏ثم‏ ‏احتمالات‏ ‏التوليف‏، ‏مما‏ ‏يظهر‏ ‏فى ‏تزايد‏ ‏الأحلام‏، ‏وتزايد‏ ‏القدرة‏ ‏على ‏التقاطها‏ ‏وحكايتها‏[7]. ‏

على ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏كله‏ ‏لا‏ ‏يتطلب‏ ‏بالضرورة‏ ‏تفسيرا‏ ‏للحلم‏، ‏بمعنى ‏ترجمته‏ ‏إلى ‏مايشير‏ ‏إليه‏,‏ بل‏ ‏إن‏ ‏مثل‏ ‏هذا‏ ‏التفسير‏ ‏قد‏ ‏يعوق‏ ‏تواصل‏ ‏الإبداع‏ ‏توجها‏ ‏إلى ‏الولاف‏ ‏الأعلى.‏ كما ‏أن‏ ‏لقراءة‏ ‏الحلم‏ ‏دورا‏ ‏أكاديميا‏ ‏مفيدا‏ ‏فى ‏بعض‏ ‏الأبحاث‏ ‏العلمية‏ ‏المتعلقة‏ ‏بعلم‏ ‏السيكوباثولوجى (الإمراضية) ‏خاصة‏، ‏من‏ ‏منطلق‏ ‏فينومينولوجى ‏إبداعى ‏أيضا‏ ‏مما‏ ‏لا‏ ‏مجال لتفصيله‏ ‏هنا‏.

[1]- يستحسن‏ ‏الرجوع‏ ‏إلى ‏مقارنة‏ ‏مسهبة‏ ‏بين‏ ‏فرويد‏ ‏ويونج‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏الشأن‏ ‏فى:‏

‏ =Hall, L, A (1977) Clinical Uses of Dreams: Jungian Interpretations and Enactments, New York, Crune & Stralton. Inc.‏

[2]- الدفاعية‏ ‏هنا‏ ‏تشير‏ ‏إلى ‏فرط‏ ‏استعمال‏ ‏الحيل‏، ‏بمعنى Defensive Mechanisms ‏أى ‏أن‏ ‏الحلم‏ ‏يقوم‏ ‏بوظيفة‏ ‏دفاعية‏ ‏مستعملا‏ ‏مجموعة‏ ‏من‏ ‏الحيل‏ ‏التى ‏وصف‏ ‏بعضها‏ ‏فرويد‏ ‏فى ‏إخراج‏ ‏الحلم‏، ‏ومن‏ ‏أهمها‏: ‏الإزاحة‏، ‏والإسقاط‏، ‏والرمزية‏، ‏والتكثيف‏، ‏ليحقق‏ ‏حلا‏ ‏وسطا‏ ‏بين‏ ‏أن‏ ‏يظهر‏ ‏وأن‏ ‏يخفى ‏فى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏; ‏وهذا‏ ‏يختلف‏ ‏تماما‏ ‏عن‏ ‏كل‏ ‏من‏ ‏الوظيفة‏ ‏الكشفية‏ ‏والإبداعية‏ ‏للحلم‏، ‏وإن‏ ‏كان‏ ‏قد‏ ‏يؤدى ‏بعض‏ ‏هذه‏ ‏الوظائف‏ ‏بعد‏ ‏قراءته‏ (‏أى‏ ‏التفسير‏).‏

[3] –  Foulkes D  (‏هامش‏ 14)‏

‏ Part IV (193-342) especially chapter 11 (193-244)

[4]- لم‏ ‏أدخل‏ ‏فى ‏تفصيلات‏ ‏هذه‏ ‏الطريقة‏، ‏وإن‏ ‏كنت‏ ‏قد‏ ‏تلمست‏ ‏شبها‏ ‏شديدا‏ ‏بينها‏ ‏وبين‏ ‏بعض‏ ‏اتجاهات‏ ‏النــقد‏ (‏التحليلية‏ – ‏البنيوية‏ ‏فى ‏الأغلب‏). ‏ولكن‏ ‏ما‏ ‏أريد‏ ‏أن‏ ‏أعلنه‏ ‏هنا‏ ‏هو‏ ‏أن‏ ‏كلا‏ ‏من‏ ‏المنهجين‏ ‏كان‏ ‏يبعدنى ‏عن‏ ‏النص‏ (‏الحلم‏-‏ أو‏ ‏الأدب‏) ‏ولا‏ ‏يقربنى ‏منه‏.‏

[5]- قد‏ ‏يبدأ‏ ‏المريض‏ ‏العلاج‏ ‏النفسى (‏هنا‏ ‏أشير‏ ‏إلى ‏العلاج‏ ‏الجمعى ‏خاصة‏) ‏وهو‏ ‏يعلن‏-‏ويتصور‏-‏أنه‏ ‏لايحلم‏ ‏أصلا‏. ‏وبتقدمه‏ ‏إلى ‏التصالح‏ ‏مع‏ ‏الداخل‏ (‏بمعنى ‏القبول‏ – ‏لا‏ ‏الاتفاق‏ ‏التسوياتى ‏الدفاعى) ‏تظهر‏ ‏الأحلام‏، ‏ثم‏ ‏يتواصل‏ ‏الحوار‏ ‏بين‏ ‏مستويات‏ ‏وعيه‏ ‏فيستطيع‏ ‏أن‏ ‏يحكى ‏عنها‏، ‏وأن‏ ‏يسهم‏ – ‏بعد‏ ‏ذلك‏ – ‏فى ‏مـسـرحـتـها‏ ‏أو‏ ‏قراءتها‏.‏

وقد‏ ‏يحدث‏ ‏أيضا‏ ‏مثل‏ ‏ذلك‏ ‏مع‏ ‏بعض‏ ‏العقاقير‏ ‏الأحدث‏ ‏التى ‏تعمل‏ ‏انتقائيا‏ ‏على ‏مستوى ‏من‏ ‏الوعى ‏دون‏ ‏الآخر‏، ‏أو‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏الآخر‏، ‏كما‏ ‏قد‏ ‏يحدث‏ ‏مثل‏ ‏ذلك‏ ‏أيضا‏ ‏مع‏ ‏التوقف‏ ‏عن‏ ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏العقاقير‏ ‏أو‏ ‏غيرها‏، ‏والتفسير‏ ‏الذى ‏يوحد‏ ‏بين‏ ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏هو‏ ‏النظر‏ ‏فى ‏الأصل‏ ‏البيولوجى ‏للأحلام‏، ‏وعلاقة‏ ‏ظهورها‏ ‏فى ‏وعى ‏اليقظة‏ ‏بمدى ‏مرونة‏ ‏الوجود‏ ‏والحوار‏ ‏بين‏ ‏المستويات‏.‏

[6]- المقصود هو الإشارة إلى كيف أن الممارسة الطبية الحقيقية هى فن أساسا يستعمل معطيات العلم والمعلومات، وفن اللأم بمعنى Art of healing يشمل – كما انتهيت أخيرا- قراءة المريض باعتباره “نصا بشريا” – كما أشرنا – ثم الإسهام فى إعادة تشكيله (نقدا) نحو الصحة (الأعلى ما أمكن ذلك).

[7] – لم‏ ‏أحاول‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الدراسة‏ ‏أن‏ ‏أشير‏ ‏إلى ‏بعض‏ ‏نتائج‏ ‏مايجرى ‏من‏ ‏أبحاث‏ ‏فى ‏مسألة‏ ‏الحلم‏; ‏برغم‏ ‏أن‏ ‏الإشارات‏ ‏الأولية‏ ‏تشير‏ أكثر فأكثر ‏إلى ‏احتمال‏ ‏صحة الفرض الذى قدمناه هنا‏، ‏ولكنى ‏أسمح‏ ‏لنفسى ‏أن‏ ‏أثبت‏ ‏هنا‏ ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏ألهمتنى ‏إياه‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏ ‏من‏ ‏تحوير‏ ‏فى ‏طريقة‏ ‏البحث‏، حيث‏ ‏قمت‏ ‏بتسجيل‏ ‏بعض‏ ‏أحلامى ‏على ‏مستويات‏ ‏مختلفة‏ ‏وبطرق‏ ‏تسجيل‏ ‏متعددة‏ (‏انظر‏ أيضا آخر ‏هامش‏ 17)، وعلى ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏محتوى ‏الحلم‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏الهدف‏ ‏من‏ ‏التسجيل‏، ‏فإنى ‏فضلت‏ ‏أن‏ ‏أثبت‏ ‏هنا‏ ‏عينتين‏ ‏من‏ ‏أحلامى‏ ‏متباعدتى ‏الدلالة‏، ‏لا‏ ‏للتفسير‏‏، ‏وإنما‏ ‏للنظر‏ ‏فى ‏اختلاف‏ ‏التركيب‏، ‏الدال‏ ‏على ‏اختلاف‏ ‏مستوى ‏الوعى ‏الذى ‏أنشأ‏ ‏كلا‏ ‏منهما‏.‏=

= حلم‏ (1) ‏الحاج‏ ‏سيد‏ ‏عطوة‏ ‏يكتب‏ ‏مقالا‏ ‏من‏ ‏صفحة‏ ‏واحدة‏ ‏على ‏ظهر‏ ‏صفحة‏ ‏الغلاف‏ ‏الأمامى ‏من‏ ‏مجلة‏ “‏فصول‏”، ‏وهو‏ ‏يكتبه‏ ‏بحروف‏ ‏مطبوعة‏ ‏مباشرة‏ ‏على ‏مجلة‏ ‏صدرت‏ ‏فعلا‏، ‏هو‏ ‏يمط‏ ‏شفتيه‏ ‏جدا‏ ‏أثناء‏ ‏الكتابة‏ ‏لكنه‏ ‏يبدو‏ ‏معتزا‏ ‏بما‏ ‏يعمل‏، ‏ويسأل‏ ‏نفسه‏ (‏أو‏ ‏يسألنى ‏فقد‏ ‏كنت‏ ‏حاضرا‏ ‏دون‏ ‏ظهور‏) ‏عن‏ ‏جدوى ‏هذه‏ ‏المجلة‏ ‏أصلا‏ (‏ملحوظة‏: (‏المرحوم‏) الحاج‏ ‏سيد‏ ‏عطوة‏ ‏صديق‏ ‏ناهز‏ ‏السبعين‏، ‏يقوم‏ ‏وحده‏ ‏بطبع‏ ‏مجلة‏ ‏الإنسان‏ ‏والتطور‏ ‏التى ‏أتولى ‏إصدارها‏، ‏فى ‏مطبعة‏ ‏نسميها‏ ‏مطبعة‏ ‏الغرفة‏ ‏الواحدة‏).‏

حلم‏ (2) ‏مسجد‏- ‏قبلة‏ (‏هى ‏نصف‏ ‏حجرة‏ ‏وليست‏ ‏تجويفا‏ ‏دائريا‏)-‏الإمام‏ ‏طفل‏- ‏المأمومون‏ ‏شيوخ‏ ‏بعمائم‏، ‏يحضر‏ ‏طفل‏ ‏آخر‏ ‏ليحل‏ ‏محل‏ ‏الأول‏ ‏الذى ‏يتنحى ‏دون‏ ‏عراك‏-‏وأنا‏ ‏جالس‏ ‏فى ‏أول‏ ‏صف‏ ‏على ‏غير‏ ‏العادة‏، ‏أتفرج‏-‏لا‏ ‏أشارك‏.‏

وقد‏ ‏نقلت‏ ‏الحلمين‏ ‏كما‏ ‏سجلتهما‏ ‏حرفيا‏ ‏دون‏ ‏أى ‏ربط‏ ‏لاحق‏، ‏ولم‏ ‏أستطع‏ ‏أن‏ ‏أجيب‏ ‏عن‏ ‏موقع‏ ‏أيهما‏ ‏من‏ ‏التسجيل‏ ‏والتأليف‏، ‏ولكنى ‏لمحت‏ ‏العلاقة‏-‏بشكل‏ ‏ما‏-‏بين‏ ‏نشاطى ‏فى ‏كتابة‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏ ‏وبينهما‏، ‏فأثبتها‏ ‏دون‏ ‏تعليق.

قراءة النص الأدبى

قراءة النص الأدبى

7- ‏قراءة‏ ‏النص‏ ‏الأدبى (‏قياسا‏)‏

‏7-1 ‏النقد إبداع على إبداع

كنت أودّ أن أكتفى ‏عند‏ ‏هذا‏ ‏الجزء‏ ‏ ‏بتوصية‏ ‏أن‏ ‏يقوم‏ ‏به‏ ‏أحد‏ ‏النقاد‏ ‏المنهجيين‏ المبدعين معا، ‏ممن‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يلم‏ ‏بأوجه‏ ‏الشبه‏ ‏بين‏ ‏مناهج‏ ‏النقد‏ ‏وخطواته‏ ‏ووظيفته‏ ‏وجرعة‏ ‏الإبداع‏ ‏فيه‏ (‏فى ‏كل‏ ‏منهج‏ ‏من‏ ‏مناهجه‏) ‏وبين‏ ‏ما‏ ‏حاولتُهُ‏ ‏فى ‏مجال‏ ‏أقرب‏ ‏إلى ‏تخصصى (التطبيب). ‏غير‏ ‏أنى ‏تراجعت‏ ‏إلا‏ ‏قليلا‏ ‏حيث‏ ‏أن‏ ‏الهدف‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏ ‏أساسا‏ ‏كان‏ ‏هذه‏ ‏المقارنة‏، وعلى ‏ذلك‏ ‏فسوف‏ ‏أحاول‏ ‏أن‏ ‏أقدم‏ ‏فى ‏خطوط‏ ‏عريضة‏، ‏تتناسب‏ ‏مع‏ ‏شخص‏ ‏ليس‏ ‏من‏ ‏أهل‏ ‏الصناعة‏ (‏صناعة‏ ‏النقد‏)، ‏ولكنها‏ ‏فى ‏حدود‏ ‏اجتهادى ‏بوصفى ‏قارئا‏- ‏أحيانا‏- ‏بحروف‏ ‏مكتوبة‏، (‏أى‏ ‏بوصفى ‏ناقدا‏ ‏بعض‏ ‏الوقت‏).‏

إذا‏ ‏كان‏ ‏الحلم‏ ‏ليس‏ ‏حلما‏ ‏بل‏ ‏إبداعا‏ ‏مكثفا‏، ‏وتفسيره ‏ ‏ليس‏ ‏تفسيرا‏ ‏بل‏ ‏قراءة‏ ‏مبدعة‏، ‏فالنقد‏ ‏الأدبى ‏ليس‏ حكما على نص، لكنه ‏إبداع‏ ‏على ‏إبداع‏، ‏وهو‏ ‏أهم ‏أشكال‏ ‏الإبداع‏ ‏التالى ‏القادر‏ ‏على ‏أن‏ ‏يضيف‏ ‏ويمتد‏[1].

‏ ‏وقد‏ ‏بلغ‏ ‏بى ‏الأمر‏- ‏وهذه‏ ‏مغالاة‏ ‏أعترف‏ ‏بها‏- ‏أننى ‏تصورت –خطأً-‏ ‏أن‏ ‏النقد‏ ‏الذى ‏يُثبت‏ ‏فى ‏نهايته‏ ‏مـراجع‏ ‏ما‏ (‏بالأسلوب‏ ‏العلمى ‏التقليدى، ‏الدفاعى، ‏أو‏ ‏الاستعراضى) ‏قد‏ ‏تقل‏ ‏جرعة‏ ‏الإبداع‏ ‏فيه‏، ‏مادام‏ ‏النص‏ ‏الأصلى ‏لا‏ ‏يلتزم‏ ‏به‏ ‏ولا‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏يحوى ‏مراجع‏ ‏دفاعية‏ ‏أو‏ ‏تفسيرية‏.

النقد‏ ‏قد‏ ‏يرتقى، ‏إذا‏ ‏ما‏ ‏وصل‏ ‏إلى ‏مثل‏ ‏هذا‏ ‏التحرر‏ ‏من‏ ‏الحبكة‏ ‏المدعمة‏ ‏بالأدلة‏ ‏الدفاعية‏ ‏أو‏ ‏التفسيرية‏، ‏إلى ‏درجة‏ ‏إبداعية‏ ‏لا‏ ‏تقل‏ ‏عن‏ ‏إبداعية‏ ‏النص‏ ‏الإنشائى ‏قيد‏ ‏النقد‏.‏

لتوضيح‏ ‏ذلك‏ ‏أشير‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏عددته‏ ‏نقدا‏ ‏لعمل‏ ‏أصيل‏، ‏بعمل‏ ‏مماثل‏ ‏مواكب‏، ‏وكان‏ ‏هذا‏ ‏المثال‏ ‏عندى ‏هو‏ ‏النموذج‏ ‏الأقصى ‏لما‏ ‏أسميته‏ ‏إبداعا‏ ‏على ‏إبداع‏ (‏دون‏ ‏تعميم‏ ‏طبعا‏) -‏ وذلك‏ ‏هو‏ ‏قصيدة‏ “‏محمود‏ ‏محمد‏ ‏شاكر‏”: “‏القوس‏ ‏العذراء‏” ‏على ‏قصيدة‏ ‏الشماخ‏ ‏بن‏ ‏ضرار‏ ‏الغطفانى ‏فى ‏قوس‏ ‏عامر‏ ‏أخى ‏الخضر‏[2] ، لكن هذا لا ينبغى أن يبرر الأن‏ ‏يدرج‏ ‏فيما‏ ‏هو‏ ‏نقد‏ ‏إبداعى ‏كل‏ ‏المعالجات‏ ‏التى ‏عولجت‏ ‏بها‏ ‏نصوص‏ ‏قديمة‏ ‏أو‏ ‏حديثة ‏ولكن‏ ‏بأسلوب‏ ‏فنى ‏جديد‏، ‏خاصة‏ ‏فى ‏المسرح‏ ‏أو‏ ‏ماشابه‏، ‏وأغلبها‏ ‏محاولات‏ ‏أدنى ‏إبداعا‏ ‏من‏ ‏مسرحة‏ ‏النص‏ ‏الأصلى ‏وخاصة‏ ‏إذا‏ ‏ما‏ ‏كان‏ ‏محتويا‏ ‏لنبض‏ ‏أعمق‏ ‏يمثل‏ “‏الحلم‏ ‏الجمعي‏” ‏الذى ‏كان‏ ‏له‏ ‏حضور‏ ‏طاغ‏ ‏فى ‏الأساطير‏ ‏خاصة‏.‏

‏ ‏نوهتُ إلى‏ ‏أنه‏ ‏لايصح‏ ‏أن‏ ‏نُستدرج‏ ‏إلى ‏تفسير‏ ‏الحلم‏، ‏كذلك‏ ‏لايصح‏ ‏أن‏ ‏نتعامل‏ ‏مع‏ ‏النص‏ ‏كما‏ ‏لو‏ ‏كنا‏ ‏نفسره‏، ‏بخاصة‏ ‏فيما‏ ‏يتعلق‏ ‏بالمبالغة‏ ‏فى ‏البحث‏ ‏عن‏ ‏أسبابه‏ ‏المتعلقة‏ ‏بالمبدع‏ (‏ظاهر‏ ‏شخصيته‏ ‏بالذات‏)[3]، ‏فإن‏ ‏كانت‏ ‏طريقة‏ ‏فرويد‏ (‏مع‏ ‏اعتراضنا‏ ‏الجزئى ‏عليها‏) ‏تتعرف‏ ‏على ‏الحالم‏ ‏من‏ ‏تداعياته‏، ‏فإننا‏ ‏لانملك‏ ‏الوسيلة‏ ‏نفسها‏ ‏فى ‏حالة‏ ‏النص‏ ‏الأدبى. ‏وحتى ‏محاولات‏ ‏المقابلات‏ ‏التى ‏يقوم‏ ‏بها‏ ‏البعض‏ ‏مع‏ ‏الكتاب‏ ‏والشعراء‏ ‏فى ‏تحقيقات‏ ‏الصحف‏ ‏بخاصة‏، ‏بل‏ ‏وبعض‏ ‏التساؤلات‏ ‏المنهجية‏ ‏الأعمق‏ (‏الاستبارات‏ ‏العلمية‏)، ‏ينبغى ‏أن‏ ‏تؤخذ‏ ‏الإجابات‏ ‏عنها‏ ‏بتحفظ‏ ‏شديد‏ ‏وتعميم‏ ‏محدود‏ ‏.‏

‏ ‏ومع أننى‏ ‏لا‏ ‏أرفض‏ ‏أن‏ ‏نرى ‏الكاتب‏ ‏فى ‏عمله‏، ‏إلا أننى  ‏أنبه‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏الكاتب‏ قد ‏يرى ‏نفسه ‏-‏ معنا‏-[4] ‏فى ‏عمله‏ ‏أيضا (ما استطاع ذلك)‏، ‏فالكاتب‏ ‏الحق‏ ‏يبدع‏ ‏ليتعرف‏ ‏على ‏كل‏ ‏شئ ‏بما‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏نفسه‏، ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏عملية‏ ‏الإبداع (والنقد إبداع  كما ذكرنا)، ‏هى ‏اكتشاف‏ ‏لعالَم‏ ‏الداخل‏/‏الخارج‏… ‏وهذا‏ ‏العالَم‏: ‏هو‏ ‏الكاتب‏ ‏بما‏ ‏حوى‏، ‏وهو‏ ‏الواقع‏ ‏بما‏ ‏أوحى، معاً،  ‏والمبدع‏ ‏يؤلف‏ ‏بين‏ ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏بأداته‏ ‏المتاحة‏. ‏فإذا‏ ‏كان‏ ‏لنا‏ ‏أن‏ ‏نستنتج‏ ‏شيئا‏ ‏عن‏ ‏الكاتب‏ ‏فنحن‏ ‏نستنتج‏ ‏عالمه‏ ‏المتكامل‏، ‏ومشروع‏ ‏ذاته‏ ‏حالة‏ ‏كونها‏ ‏تتشكل‏ ‏فى ‏رحاب‏ ‏واقع‏ ‏الداخل‏ ‏والخارج‏، ‏ولكننا‏ ‏لا‏ ‏نستنتج‏ ‏عقدةُ ‏مثلا‏ (!)، ‏أو‏ ‏معالم‏ ‏سلوكه‏ ‏الظاهر‏. ‏ويجرنا‏ ‏هذا‏ ‏إلى ‏تذكر‏ ‏أن‏ ‏مثل‏ ‏هذا‏ ‏التعسف‏ ‏فى ‏ربط‏ ‏النص‏ ‏بمنتجه‏ ‏هو‏ ‏أخطر‏ ‏على ‏النص‏ ‏الأدبى ‏وعلى ‏المبدع‏ ‏على ‏حد سواء‏، ‏من‏ ‏تفسير‏ ‏الأحلام‏ ‏الفرويدى، ‏الذى ‏يساعده‏ ‏ ‏التداعى ‏الحر‏، ‏وإبداعية‏ ‏المفسر‏ ‏أيا كانت مدرسته[5].

كذلك‏ ‏لا‏ ‏يجوز‏ ‏تفسير‏ ‏النص‏ ‏الأدبى، ‏بتحليله‏ ‏إلى ‏مفرداته‏ ‏فحسب‏، ‏بما‏ ‏يقابل‏ ‏نظام‏ ‏فولك لتفسير الأحلام‏ (‏نظام‏ ‏تسجيلى ‏للبنية‏ ‏الكامنة‏) SSLS، ‏وقد‏ ‏قابلت‏ ‏مثل‏ ‏ذلك‏ ‏فى ‏الدراسات‏ ‏النقدية‏ ‏التحليلية‏ ‏الملتزمة‏ ‏تحت‏ ‏أسماء‏ ‏مختلفة‏ (‏صعبة‏ ‏على ‏مثلى‏)، ‏ولكننى ‏كنت‏ ‏أجدنى ‏أبتعد‏ ‏عن‏ ‏النص‏ ‏الأدبى ‏كلما‏ ‏وجدت‏ ‏نفسى ‏أمام‏ ‏معادلات‏، ‏ورسوم‏ ‏بيانية‏، ‏ورسوم‏ ‏توضيحية‏[6] ‏تهددنى ‏بأن‏ ‏عائدها‏ ‏على ‏المبدعين‏ ‏قد‏ ‏ينتهى ‏بنا‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏يشبه‏ ‏الإبداع‏ ‏الكمبيوترى، ‏ثم‏ ‏إنى ‏فى ‏حدود‏ ‏تعرفى ‏المتواضع‏ ‏على ‏الظاهرة‏ ‏البشرية‏ ‏حالة‏ ‏كونها‏: ‏حالمة‏/‏مجنونة‏/‏مبدعة‏، ‏لا‏ ‏أملك‏ ‏إزاء‏ ‏هذه‏ ‏الممارسات‏ ‏إلا‏ ‏الشكر‏ ‏والتأدب‏، ‏فى ‏محاولة‏ ‏الاستفادة‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏العلوم‏ ‏المساعدة‏، ‏ولكن‏ ‏ليس‏ ‏على ‏حساب‏ ‏النقد‏ ‏الإبداعى، ‏وإنما‏ ‏دفعا‏ ‏له‏ ‏وإثراء‏، ‏لتحقيق‏ ‏ما‏ ‏يقابل‏ ‏ماذهب‏ ‏إليه‏ ‏أساجيولى Assagioli))[7] ، ‏مما‏ ‏أسماه‏ ‏الولاف‏ ‏النفسى Psycho-synthesis ‏وهو‏ ‏العملية‏ ‏العكسية‏، ‏والمكملة‏، ‏للتحليل‏ ‏النفسى. ‏وهذا‏ ‏أقرب‏ ‏إلى ‏فكر‏ ‏يونج‏ ‏مرة‏ ‏أخرى، ‏حيث‏ ‏يكون‏ ‏الهدف‏ ‏من‏ ‏التحليل‏ ‏هو‏ ‏التكامل‏ ‏بما‏ ‏أعطى (‏أكثر‏ ‏من‏ ‏تسليك‏ ‏الطريق‏ ‏لما‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏ينطلق‏) ‏ليحقق‏ ‏الولاف‏ ‏المتجاوز‏، ‏والتفرد‏.

على نفس القياس نرى أن ‏ ‏النقد‏ ‏الإبداعى ‏لا‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏يعطى ‏للتحليل‏ ‏الإحصائى، ‏أو‏ ‏البيانى، ‏أو‏ ‏التخطيطى، ‏جرعة‏ ‏أكبر‏ ‏من‏ ‏توظيفه‏ ‏فى ‏خدمة‏ ‏الإبداع‏ ‏المكمل‏ ‏له‏. ‏أما‏ ‏إذا‏ ‏احتل‏ ‏التحليل‏ (‏إلى ‏المفردات‏ ‏والوحدات‏) ‏كل‏ ‏الساحة‏، ‏كأنه‏ ‏هو‏ ‏النقد‏، ‏فسيقع‏ ‏فيما‏ ‏وقع‏ ‏فيه‏ ‏تفسير‏ ‏الأحلام‏ ‏من‏ ‏منطق‏ ‏التحليل‏ ‏الفرويدى، ‏أو‏ ‏منطلق‏ ‏طريقة‏ ‏النظام‏ ‏التسجيلى ‏للبنية‏ ‏الكامنة‏ SSLS.‏

معنى ‏ذلك‏ ‏أننا‏ ‏نكرر‏ ‏ما‏ ‏قلناه‏ ‏فى ‏قراءة‏ ‏الحلم‏ ‏من‏ ‏ضرورة‏ ‏ضبط ‏ ‏جرعة‏ ‏حرية‏ ‏الإبداع‏ ‏فى ‏إطار‏ ‏الالتزام‏ ‏الهادف‏، ‏ولكن‏ ‏الأمر‏ ‏سيرجع‏ ‏فى ‏النهاية‏ ‏إلى ‏من‏ ‏هو‏ “‏قارئ ‏النص‏” ‏وما‏ ‏هو‏ ‏مدى ‏موقفه‏ ‏الإبداعى ‏شخصيا‏، ‏وما‏ ‏مدى ‏موضوعيته‏/‏الذاتية‏. ‏وكل‏ ‏ماقيل‏ ‏فى ‏المفسر‏ ‏للحلم‏ ‏يسرى ‏على ‏الناقد‏، ‏وعلى ‏الباحث‏ ‏الفينومينولوجى ‏عامة‏.‏

‏7-2 ‏مستويات‏ ‏الإبداع‏:‏

ترى ‏هل‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نقسم‏ ‏أنواع‏ ‏الإبداع‏ ‏إلى ‏مستويات‏ ‏كما‏ ‏فعلنا‏ ‏فى ‏حالة الحلم؟

لا‏ ‏أحسب‏ ‏أن‏ ‏مثل‏ ‏ذلك‏ ‏مطلوب‏ ‏بالمعنى ‏المباشر‏، ‏لأن‏ ‏من‏ ‏حق‏ ‏الحلم‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏ليس‏ ‏حلما‏ (‏بمعنى ‏زيادة‏ ‏جرعة‏ ‏خيال‏ ‏وعى ‏اليقظة‏ ‏المصنوع‏ ‏حتى ‏التزييف‏). ‏ولكن‏ ‏الإبداع‏ ‏لا‏ ‏يسمى ‏إبداعا‏ ‏إذا‏ ‏وصل‏ ‏إلى ‏هذه‏ ‏الدرجة‏ ‏من‏ ‏التزييف، ‏ ‏فإذا‏ ‏حدث‏ ‏مثل‏ ‏ذلك‏ ‏فهو‏ ‏لا‏ ‏يستأهل‏ ‏النقد‏ ‏أصلا‏، ‏ولكن‏ ‏يظل‏ ‏للنص‏ ‏الأدبى ‏مستويات‏ ‏تقابل‏ ‏درجات‏ ‏الحلم‏ ‏الأخرى. ‏

إذا‏ ‏كان‏ ‏الإبداع‏ ‏ (‏إنشاء‏، ‏ونقدا‏) ‏لازما‏ ‏فى ‏كل‏ ‏حال على هذا المجال الذى اتسع منا حتى شمل كل الناس ‏فإن‏ ‏نوعه‏، ‏وعمقه‏، ‏ومخاطره‏، ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏تختلف‏ ‏من‏ ‏مستوى ‏إلى ‏آخر‏، ‏فقراءة‏ ‏عمل‏ ‏مثل‏ “‏المسيح‏ ‏يصلب‏ ‏من‏ ‏جديد‏” (‏كازانتساكس‏) ‏لاتحتاج‏ ‏من‏ ‏الناقد‏ ‏إلى ‏هذه‏ ‏الجرعة‏ ‏الهائلة‏ ‏من‏ ‏الإبداع‏ ‏المواكب‏ ‏المسئول‏ ‏التى ‏يحتاجها‏ ‏نص‏ ‏آخر‏ ‏مثل‏ “‏مائة‏ ‏عام‏ ‏من‏ ‏العزلة‏”، ‏ناهيك‏ ‏عن‏ “‏عوليس‏” ‏لجيمس‏ ‏جويس‏. ‏كذلك‏ ‏فإن‏ ‏قراءة‏ ‏قصيدة‏ ‏لمحمود‏ ‏حسن‏ ‏إسماعيل‏ ‏لا‏ ‏تتم‏ ‏بالأداة‏ ‏الإبداعية‏ ‏نفسها‏ ‏التى ‏تقرأ‏ ‏بها‏ ‏قصيدة‏ ‏لأنسى ‏الحاج‏ ‏أو‏ ‏أدونيس‏، ‏و‏ ‏هكذا‏.‏

على ‏أن‏ ‏الإبداع‏ ‏النقدى ‏وعمقه‏ ‏يتناسب‏ ‏تناسبا‏ ‏طرديا‏ ‏مع‏ ‏درجة‏ ‏الإبداع‏ ‏الإنشائى‏، ‏بمعنى ‏أن‏ ‏القصيدة‏ ‏التى ‏تتكشف‏ ‏فى ‏حالة‏ ‏تشييد‏ ‏البنية‏ ‏الجديدة‏، ‏إنما‏ ‏تتكشف‏ ‏بإذن‏ ‏قائلها‏ ‏وتحت‏ ‏مسئوليته‏، ‏وألمه‏، ‏ومغامرته‏، ‏وهى ربما  ‏تحتاج‏ ‏لنفس‏ ‏القدر‏، وأكرر، ‏من‏ ‏التفكك‏ ‏المقابل‏ ‏والمسئولية‏ ‏والألم‏، ‏فإعادة‏ ‏البناء‏ ‏نقدا‏.‏

لكننا‏ ‏نلاحظ‏ ‏أيضا‏ ‏أن‏ ‏جرعة‏ ‏الإبداع‏ ‏القارئ‏ (‏الناقد‏) ‏قد‏ ‏تتناسب‏ ‏طرديا‏ ‏مع‏ ‏جرعة‏ ‏التناثر‏ ‏العشوائى مبدئيا،ً ‏وخاصة‏ ‏فى ‏بعض‏ ‏حالات‏ ‏الشعر‏؛ ‏إذ‏ ‏أن‏ ‏الجرعة‏ ‏المطلوبة‏ ‏من‏ ‏الإبداع‏ ‏الناقد‏ ‏فى ‏مواجهة‏ ‏قصيدة‏ ‏مملاة‏، ‏هى ‏والحلم‏ ‏الفج‏ ‏سواء‏، ‏أو‏ ‏هى ‏أقرب‏ ‏إلى ‏تناثر‏ ‏الجنون‏… ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏جرعة‏ ‏هائلة‏ ‏تستطيع‏ ‏أن‏ ‏تعوض‏ ‏تناثر‏ ‏هذه‏ ‏الطلقة‏ ‏المبعثرة‏، ‏حيث‏ ‏يقوم‏ ‏بإبداعها‏ ‏القارئ‏، ‏والقارئ‏ ‏الناقد‏ ‏بوجه‏ ‏خاص.‏

القارئ العادى ناقد متميز لكنه لا يعلن ذلك، ولا يصنِّف كذلك،  لست أعنى العادى[8]  ‏بالمعنى ‏الإحصائى: ‏مثله‏ ‏مثل‏ “أغلب‏” ‏الناس؟ وإنما بمعنى القارئ ‏ ‏صاحب‏ ‘‏الحس‏ ‏الشامل‏’ ‏أو‏ ‏الحس‏ ‏العام‏ Common sense ‏وهذا‏ ‏أمر‏ ‏ليس‏ ‏له‏ ‏علاقة‏ ‏لا‏ ‏بالأغلبية‏ ‏ولا‏ ‏بالإحصاء‏.‏ هو  ‏القارئ غير‏ ‏المتخصص‏ ‏ ‏الذى ‏يتلقى ‏النص‏ ‏نشطا‏ ‏محاورا‏، ‏فيعيد‏ ‏تنظيم‏ ‏وعيه‏ ‏من‏ ‏خلاله‏، ‏وبالتالى ‏فإن‏ ‏ما‏ ‏قد‏ ‏حصّل‏ ‏هذا‏ ‏القارئ‏ ‏ليس‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏مكتوب‏ ‏أو‏ ‏ممسرح‏ ‏أو‏ ‏معروض‏، ‏وإنما‏ ‏هو‏ ‏جماع ‏ ‏الجدل‏ ‏بين‏ ‏وعى ‏الكاتب‏ ‏كما‏ ‏صاغه‏ ‏فى ‏النص‏، ‏ووعى ‏المتلقى ‏كما‏ ‏استقبل‏ ‏النص‏ ‏وأعاد‏ ‏ترتيبه‏.، فإذا‏ ‏توقف‏ ‏القارئ‏ ‏عند‏ ‏هذه‏ ‏المرحلة‏ ‏فهو‏ ‏متلق‏ ‏إيجابى ‏فحسب‏، ‏ولا‏ ‏نستطيع‏ ‏أن‏ ‏نقول‏ ‏إنه‏ ‏قام‏ ‏بدور‏ ‏نقدى ‏مادام‏ ‏لم‏ ‏يقدم‏ ‏على ‏تحديد‏ ‏وإعلان‏ ‏ما‏ ‏انتهت‏ ‏إليه‏ ‏العملية‏ ‏الجدلية‏ ‏بينه‏ ‏وبين‏ ‏النص‏.‏ ومع‏ ‏ذلك‏ ‏فهو‏ ‏ناقد‏ ‏ضمنى ‏رغم‏ ‏أنفه‏ ‏بمعنى ‏أن‏ ‏إسهامه‏ ‏فى ‏الاقبال‏ ‏على ‏عمل‏ ‏ما‏، ‏أو‏ ‏الإنصراف‏ ‏عنه‏، ‏أو‏ ‏التصفيق‏ ‏له‏، ‏أو‏ ‏إعادة‏ ‏قراءته‏، ‏أو‏ ‏إغفال‏ ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏جاء‏ ‏فيه‏، ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏هو‏ ‏إعلان‏ ‏ضمنى ‏يساهم‏ ‏فى ‏تقييم‏ ‏العمل‏ ‏بدرجة‏ ‏ما‏، ‏وبالتالى ‏هو‏ ‏حوار‏ ‏ضمنى ‏يفيد‏ ‏الكاتب‏ ‏وآخرين‏، ‏لكن‏ ‏يصعب‏ ‏أن‏ ‏نسمى ‏هذا‏ ‏نقدا‏ ‏بأى ‏مقياس‏.‏

 ‏يمكن  لقارئ‏ ‏القصيدة‏ ‏الحديثة‏ ‏أن‏ ‏يحدد ابتداء، ‏ ‏ولو‏ ‏على وجه التقريب، ‏ ‏درجة‏ ‏الأمانة‏ ‏فى ‏الإملاء،‏ ‏والأصالة‏ ‏فى ‏التسجيل‏، ‏التى ‏عاناها‏ ‏الشاعر‏ ‏المنشئ‏، ‏ثم‏ ‏هو‏ (‏القارئ‏/‏الناقد‏/‏المبدع‏) ‏يقوم‏ ‏بباقى ‏العمل‏، ‏وهذا‏ ‏الدور‏ ‏تحديدا‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏يقابل‏ ‏دور‏ ‏المعالج‏ ‏النفسى ‏فى ‏مواجهة‏ ‏التناثر‏ ‏الفصامى ‏خاصة‏، ‏حيث‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏يبدأ‏ ‏من‏ ‏نقطة‏ ‏افتراض‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏المريض‏ ‏بكل‏ ‏تناثره‏، ‏لا‏‏بد‏ ‏أنه‏ “‏يقول‏ ‏شيئا‏ ‏خطيرا‏: ‏غائيا‏، ‏وعائما‏” ‏فى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏، ‏وهذا‏ ‏المعالج‏ ‏مطالب‏ ‏بعدم‏ ‏الإسراع‏ ‏فى ‏ترجمة‏ ‏ذلك‏ ‏كله‏ ‏إلى ‏أعراض‏، ‏أو‏ ‏إغفاله‏ ‏تماما‏ ‏تحت‏ ‏زعم‏ ‏أنه‏ ‏غير‏ ‏مفهوم‏، ‏وإنما‏ ‏عليه‏ ‏أن‏ ‏يحتمل‏ ‏المواجهة‏ ‏بما‏ ‏تهدد‏ ‏من‏ ‏تناثر‏ ‏مقابل‏، ‏وتنشيط‏ ‏مهدد‏، ‏ثم‏ ‏ولاف‏ ‏يشمل‏ ‏الاثنين‏ ‏معا‏ ‏كما‏ ‏ذكرنا‏. ‏ولا‏ ‏أتمادى ‏فى ‏المقارنة‏ ‏حتى ‏لايظن‏ ‏بى ‏الزعم‏ ‏بترادف‏ ‏بعض‏ ‏الشعر‏ ‏بالجنون‏، ‏إلا‏ ‏أنى ‏أعلن‏ ‏أن‏ ‏الأوْلى ‏أن‏ ‏يقف‏ ‏الناقد‏ ‏مسئولا‏ ‏أمام‏ ‏كل‏ ‏إنتاج‏، ‏مادام‏ ‏قد‏ ‏اطمأن‏ ‏لدرجة‏ ‏الأصالة‏ ‏والعمق‏ ‏فيه‏. ‏وبالرغم‏ ‏من‏ ‏أنى ‏لا‏ ‏أدخل‏ ‏فى ‏تفصيلات‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏علاج‏ ‏ومرض‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الدراسة‏، ‏فإنى ‏أجد‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏النقطة‏ ‏بالذات‏ ‏تحتاج‏ ‏إلى ‏توضيح‏:‏

‏فثم‏ ‏مرض‏ ‏آخر‏ ‏ليس‏ ‏جنونا‏، ‏لكنه‏ ‏انشقاق‏ ‏عصابى‏،[9] ‏أحيانا‏ ‏يقول‏ ‏فيه‏ ‏المريض‏ ‏كلاما‏ ‏متناثرا‏، ‏كاللغة‏ ‏الجديدة‏، ‏بحيث‏ ‏يشبه‏ ‏الفصام‏، ‏وقد‏ ‏يختلط‏ ‏الأمر‏ ‏على ‏الطبيب‏ ‏أو‏ ‏المعالج‏ ‏المبتدئ‏، ‏ولكن‏ ‏بالفحص‏ ‏الأعمق‏ ‏من‏ ‏ذوى ‏الخبرة‏ ‏يظهر‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏التناثر‏ ‏ظاهرى (‏برغم‏ ‏أنه‏ ‏ليس‏ ‏ادعاء‏ ‏شعوريا‏) ‏وأن‏ ‏هذه‏ ‏اللغة‏ ‏مزيفة‏. ‏ومثل‏ ‏هذا‏ ‏التناثر‏ ‏المزعوم‏، ‏لايحتاج‏ ‏إلى ‏تفكيك‏ ‏مقابل‏، ‏أو‏ ‏إبداع‏ ‏ضامّ‏ ‏للاثنين‏ (‏للمعالج‏ ‏والمريض‏ ‏معا‏)… ‏إلخ‏. ‏أما‏ ‏فى ‏حالة‏ ‏الفصام‏، ‏فالتناثر‏ ‏المرضى ‏هو‏ ‏تفسخ‏ ‏عشوائى ‏فى ‏ظاهره‏، ‏غائى ‏فى ‏عمقه‏، ‏وبالتالى ‏فهو‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏من‏ ‏يعيد‏ ‏نظمه‏ ‏فى ‏ما‏ ‏يفيد‏ ‏تحديد‏ ‏غايته، دون التعرض للتفسخ فالتدهور‏، ‏وهو‏ ‏ما‏ ‏نسعى ‏إليه‏ ‏فى ‏العلاج‏ ‏النفسى ‏المكثف‏ ‏للفصامى.‏

‏‏أؤكد فى النهاية ‏‏أن‏ ‏درجة‏ ‏الإبداع‏ ‏فى ‏العمل‏ ‏الأدبى ‏لاتقاس‏ ‏ ‏بدرجة‏ ‏الغموض‏ ‏والتناثر‏، ‏لأن‏ ‏ثمة‏ ‏إبداعا‏ ‏سهلا‏ ‏وخاصة‏ ‏فى ‏مجال‏ ‏الرواية‏، ‏يحوى ‏نبض‏ ‏التحول‏ ‏الجوهرى ‏الذى ‏جرى ‏ويجرى، ‏بأداء‏ ‏سهل‏ (‏ممتنع‏‏)، ‏فلا‏ ‏يعيبه‏ ‏وضوحه‏، ‏ ‏بل‏ ‏إنه‏ ‏يعمق‏ ‏أصالته‏ ‏حتى ‏يوصف‏ ‏كثيرا‏ ‏بتعبير‏ “‏السهل‏ ‏الممتنع‏” (‏خذ‏ ‏مثلا‏: ‏نزار‏ ‏قبانى، ‏أو‏ ‏يحيى ‏حقى‏).‏

‏7-3 ‏النص‏ ‏العصى ‏على ‏النقد

ذكرنا‏ ‏فيما‏ ‏سبق‏ ‏أن‏ ‏ثمة‏ ‏أحلام‏ ‏لا‏ ‏تـُفَـسّر‏، ‏وقد‏ ‏لا‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏تفسر‏، ‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏فهى ‏تُـحَرِّك‏، ‏وتقرب‏، ‏وتثرى. ‏حتى ‏أن‏ ‏كثيرا‏ ‏من‏ ‏تفسيرات‏ ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏الأحلام‏ ‏هو‏ ‏تشويه‏ ‏للغتها‏، ‏بترجمتها‏ ‏إلى ‏مالا‏ ‏تعنى‏، ‏وقياسا:‏ ‏نجد‏ ‏أن‏ ‏ثم‏ ‏إبداع‏ ‏لا‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏يُنقد‏ (‏يفسر‏)، ‏بل‏ ‏إن‏ ‏كثيرا‏ ‏من‏ ‏النقد‏ ‏مهما‏ ‏اختلفت‏ ‏المدارس‏ ‏قد‏ ‏يشوه‏ ‏هذا‏ ‏العمل‏، ‏وقد‏ ‏ينقص‏ ‏من‏ ‏قدره‏، ‏وأحيانا‏ ‏قد‏ ‏يطفئ ‏وهجه‏، ‏فيحجبه‏ ‏عن‏ ‏المتلقى ‏الذى ‏كان‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يستقبله‏ ‏أكثر‏ ‏إبداعا‏ ‏من‏ ‏الناقد‏.‏

‏7-4 ‏النقد ليس تبريرا أو تقييما

أخيرا‏، ‏إذا‏ ‏كنا‏ ‏قد‏ ‏انتهينا‏ ‏فى ‏فقرة‏ ‏تفسير‏ ‏الحلم‏ ‏إلى ‏وظيفة‏ ‏قراءته‏، ‏سواء‏ ‏أبدعت‏ ‏القراءة‏ ‏أم‏ ‏عجزت‏ ‏أمامه‏، ‏فإن‏ ‏علينا‏ ‏أن‏ ‏نتساءل‏ ‏عن‏ ‏وظيفة‏ ‏النقد‏، ‏لأن‏ ‏المسألة‏ ‏النقدية‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏تتخطى ‏مجرد‏ ‏التقويم، اللهم ‏إلا‏ ‏للأعمال‏ ‏الرديئة‏ ‏التى ‏يستحسن‏ ‏إهمالها‏ ‏أصلا‏. ‏كما‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏يتخطى ‏التحليل‏ ‏إلى ‏إمكان‏ ‏تخليق‏ ‏الولاف‏ ‏المباشر‏. ‏إن‏ ‏مجرد‏ ‏التحليل‏ ‏أو‏ ‏التقسيم‏ ‏بكل‏ ‏أساليبه‏ ‏ومبرراته‏ ‏وقوته‏ ‏إنما‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏يدرج‏ ‏تحت‏ ‏ما‏ ‏أسميته‏ “‏بالعلوم‏ ‏النقدية‏ ‏المساعدة‏”. ‏وحتى ‏التذوق التسكينى‏ ‏دون‏ ‏إبداع‏ ‏إنما‏ ‏يعتبر‏ ‏نشاطا‏ ‏توازنيا‏ ‏مساعدا‏ ‏لا‏ ‏أكثر‏.‏

‏وظيفة‏ ‏النقد‏ ‏بوصفه‏ ‏إبداعا‏ ‏هى ‏مواكبة‏ ‏النص‏ ‏الأدبى: ‏إبداعا‏ ‏موازيا‏،  ‏أعنى ‏بالمواكبة‏ ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏أشرت‏ ‏إليه‏ ‏فى “‏المواكبة‏ ‏العلاجية‏”[10]. ‏فكما‏ ‏أن‏ ‏نتيجة‏ ‏المواكبة‏ ‏العلاجية‏ ‏هناك‏ ‏تكون‏ (‏أعنى ‏يجب‏ ‏أن‏ ‏تكون‏، ‏أو‏ ‏آمل‏ ‏أن‏ ‏تكون‏.) ‏إبداعا‏، ‏إبداع‏ ‏اثنين‏ ‏معا‏: ‏المريض‏ ‏والمعالج‏، ‏فإن‏ ‏نتيجة‏ ‏مواكبة‏ ‏النص‏ ‏إبداعا‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏نتوقع‏ ‏منها‏ ‏نفس‏ ‏النتيجة‏، ‏بمعنى ‏تحريك‏ ‏المبدع‏ ‏المنشئ ‏إلى ‏ما‏ ‏يعد‏ ‏به‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏نصه‏، ‏وفى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏تحريك‏ ‏المبدع‏ ‏الناقد‏ ‏إلى ‏مستوى ‏أعمق‏، ‏وقدرة‏ ‏أكبر‏ ‏من‏ ‏التنشيط‏ ‏والاستيعاب‏، ‏بما‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏نقده‏ ‏إبداعا‏ ‏منشئا‏ ‏فى ‏ذاته‏ ‏قد‏ ‏يتجاوز‏ ‏النص‏ ‏الأصلى[11].‏

خلاصة‏ ‏القول فى النهاية‏:

 ‏إن‏ ‏النقد‏ “‏الإبداع‏ ‏على ‏إبداع‏” ‏ليس‏ ‏غوصا‏ ‏إلى ‏بنية‏ ‏تحتية‏ ‏مسئولة‏ ‏عن‏ ‏المفردات‏ ‏الفوقية‏ ‏الظاهرة‏ ‏فى ‏العمل‏ ‏الأدبى (‏مثلما‏ ‏يغوص‏ ‏فرويد‏ ‏إلى ‏الحلم‏ ‏الكامن‏، ‏أو‏ ‏يغوص‏ ‏نظام‏ ‏فولك‏ ‏التسجيلى ‏إلى ‏البنية‏ ‏الكامنة للحلم‏)، ‏وإنما‏ ‏هو ‏-‏ بعد‏ ‏الغوص‏ ‏أو‏ ‏بدونه ‏- ‏صعود‏ ‏بالنص‏ ‏الأول‏ ‏إلى ‏مايتجاوزه‏ ‏بالنص‏ ‏الناقد‏ ‏إبداعا‏.‏

[1]- ‏خطر‏ ‏لى ‏أن‏ ‏كل‏ ‏الممارسات‏ ‏النقدية‏ ‏التى ‏تخلو‏ ‏من‏ ‏إبداع‏ ‏أصيل‏ (‏بما‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏الممارسات‏ ‏الأكاديمية‏ ‏الخ‏): ‏لا ينبغى أن تعتبر نقدا إبداعيا، وأن الأجدر بها أن تسمى باسم: ‏ تطبيقات ‏العلوم‏ ‏النقدية‏ ‏المساعدة.‏.‏

[2]- محمود‏ ‏محمد‏ ‏شاكر‏: “‏القوس‏ ‏العذراء” ‏مكتبة‏ ‏الخانجى ‏القاهرة‏. ‏الطبعة‏ ‏الثانية‏.‏

[3]- أشير‏ ‏بوجه‏ ‏خاص‏ ‏إلى ‏المعالجات‏ ‏التى ‏تفرض‏ ‏إيديولوجيات‏ ‏اجتماعية‏، ‏أو‏ ‏اقتصادية‏ ‏حديثة‏ ‏على ‏النص‏ ‏القديم‏، ‏فتعلن‏ ‏وصاية‏ ‏الوعى ‏اليقظ‏، ‏بما‏ ‏يفسد‏ ‏الأصل‏، ‏لا‏ ‏يبدعه‏ ‏جديدا‏.‏

[4]- وقع‏ ‏العقاد‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏الحرج‏ ‏بطريقته‏ ‏الوثقانية‏ ‏المتعسفة‏ ‏وهو‏ ‏يقدم‏ ‏دراسته‏ ‏عن‏ ‏الحسن‏ ‏بن‏ ‏هانئ‏ ‏وإلى ‏درجة‏ ‏أقل‏ ‏كثيرا‏ ‏عن‏ ‏ابن‏ ‏الرومى، ‏والدراسة‏ ‏الأخيرة‏ ‏هى ‏الجديرة‏ ‏بالتقدير‏ ‏المناسب‏.‏

[5] – حدثنى ‏الأديب‏ ‏فتحى ‏غانم‏ (‏فى ‏المرة‏ ‏الوحيدة‏ ‏التى ‏التقيته‏ ‏‏ ‏مصادفة‏) ‏أنه‏ ‏تعرف‏ ‏على ‏بعض‏ ‏جوانب‏ ‏نفسه‏ (‏أو‏ ‏دعـم‏ ‏معرفته‏ ‏بها‏) ‏من‏ ‏خلال‏ ‏قراءتى ‏لأفياله‏، ‏وكان‏ ‏ذلك‏ ‏على ‏ما‏ ‏أذكر‏ ‏فيما‏ ‏يتعلق‏ ‏بموقفه‏ ‏من‏ ‏العدوان‏، والتسامح المسيحى الأصيل.

[6] – مثلا‏: ‏انظر (هامش 64) ‏ – ‏ص‏162، 106، 107‏-‏ ‏على ‏أنى ‏قد‏ ‏فهمت‏ ‏الرسوم‏ ‏التوضيحية‏ ‏بصورة‏ ‏أفضل‏ ‏من‏ ‏الأرقام‏ ‏بعامة‏.‏

[7] – Assagioli. R: Psychosynthesis, Psychosynthesis Research Foundation, (1965), New York.

[8] – يحيى الرخاوى: “القارئ العادى ناقدا” ( ص72 – 91) عدد (2) 2005 – مجلة النقد الأدبى والدراسات الثقافية.

[9] – Neurotic dissociation

[10]- أنظر هامش (3)‏ ص 361.

[11]- مثلا‏: ‏إعتدال‏ ‏عثمان: “‏النص‏، ‏نحو‏ ‏قراءة‏ ‏نقدية‏ ‏لأرض‏ ‏محمود‏ ‏درويش” ص 191 – 211‏، ‏المجلد‏ ‏الخامس‏، ‏العدد‏ ‏الأول‏ ‏(1985) مجلة فصول (‏حاولت‏ ‏القراءة‏ ‏أن‏ ‏تؤكد‏ ‏مقولة‏ ‏أوسكار‏ ‏وايلد‏ ‏أن‏ “‏النقد‏ ‏يتعامل‏ ‏مع‏ ‏الأدب‏ ‏بوصفه‏ ‏نقطة‏ ‏البداية‏ ‏لإبداع‏ ‏تال

ملاحق الفصل الأول

الملحق الأول: قراءة فى أحلام نجيب محفوظ

الملحق الأول: قراءة فى أحلام نجيب محفوظ

ملاحق الفصل الأول

بعد كتابة هذه الدراسة بحوالى عشرين عاما، صدرت لى بعض أعمال نقدية، لم أتعمد فيها أن أبحث عن تطبيقات مباشرة لما جاء فى هذه الفروض التى احتوتها هذه الدراسة. لكننى وأنا أراجع هذا الفصل المراجعة الأخيرة رأيت أن  أضيف عينة محدودة من  بعض دراساتى النقدية ربما تكون بمثابة إضافة محددة لبعض جوانب قضية الربط بين الحلم والشعر والطفولة والفطرة والخيال. الذات.

الملحق الأول: هو توليف بين مقالين فى نقد أحلام محفوظ نشر أولهما فى مجلة الهلال، وثانيهما (لاحقا) فى مجلة وجهات نظر.

الملحق الثانى: دراسة فيها مقارنة بين إبداع هانز كريستيان أندرسن للأطفال (الذى وصلنى شعرا، وهو شاعر) بنظم أحمد شوقى للأطفال الذى لم يتجاوز الرجز الجميل جدا، وقد كانت مفاجأة حين اكتشفت كيف استطاع أندرسن أن يقدم قبل أكثر من قرن ونصف، وللأطفال، ما أحاول أن أوصله للكبار بصعوبة  من خلال  هذه الدراسة، وأرى أن هذا الملحق يظهر كيف أن مابدا حكاية خرافية للأطفال ثبت من خلال هذا النقد أنه أقرب إلى الشعر، وأن ماسُمى شعر للأطفال لم يكن إلا نْظماً خفيفا لمستوى مفاهيمى للشعر أبعد مايكون عن آليات الحلم وزخم تشكيلاته.

الملحق الأول

توليف مقتطف من:

قراءة‏ ‏فى‏ “‏أحلام‏” ‏نجيب‏ ‏محفوظ[1]

وإبداع‏ ‏الحلم‏، ‏وأحلام‏ ‏المبدع[2]

المتابع‏ ‏لتطورات‏ ‏العلم‏ ‏المعرفى‏  Cognitive Science‏لا‏‏بد‏ ‏أن‏ ‏يبلغه‏ ‏كيف‏ ‏تراجع‏ ‏موقع‏ ‏الرمز‏ ‏والمنطق‏ ‏الخطى ‏المسلسل‏ ‏عن‏ ‏دوره‏ ‏الطاغى ‏فى ‏التفكير‏ ‏والمعرفة واللغة‏، ‏لحساب‏ ‏التشكيلات‏ ‏الكلية‏ ‏والمجاز والصورة‏. ‏هذا‏ ‏ما‏ ‏حدث‏ ‏أيضا‏ ‏بالنسبة‏ ‏لقراءة‏ ‏الأحلام‏ ‏والإبداع”‏. ‏إن‏ معظم ‏الدراسات‏ ‏الأحدث‏ ‏قد‏ ‏تجاوزت‏ ‏كل‏ ‏الشائع‏ ‏عن‏ ‏الحلم‏ ‏سلفيا‏ (‏إبن‏ ‏سيرين‏ ‏كمثال‏) ‏أو‏ ‏تحليلا‏ ‏نفسيا‏ (‏فرويد‏، ‏كمثال‏). ‏إن‏ ‏نفس‏ ‏هذا‏ ‏العلم‏ ‏المعرفى ‏راح‏ ‏يؤكد‏ ‏كيف‏ ‏أن‏ ‏التفكير‏ ‏يتم‏ ‏فى ‏اللاشعور‏ ‏أساسا‏، ‏بل‏ ‏وفى ‏الجسد‏ ‏وبالجسد‏. ‏حين‏ ‏اخترق‏ ‏هذا‏ ‏العلم‏ ‏تقديس‏ ‏الرمز‏ ‏اعـُتـبرت‏ ‏هذه‏ ‏الاختراقة‏ ‏هى “‏الهرطقة‏ ‏الأولى”، ‏وحين‏ ‏تجرأ‏ ‏هذا‏ ‏العلم‏ ‏على ‏نفى ‏الدماغ‏ (‏المخ‏) ‏كعضو‏ ‏أوحد‏ ‏للتفكير‏ اعُتبٍرت‏ ‏هذه‏ ‏الحركة‏ ‏هى”‏الهرطقة‏ ‏الثانية‏”. ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏ذلك‏ ‏كذلك‏ ‏بالنسبة‏ ‏للتفكير‏ ‏العادى، ‏فهو‏ ‏أولى ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏مدخلنا‏ ‏لقراءة‏ ‏الحلم‏ “‏صورة‏ ‏ماثلة‏ ‏مكثفة‏ ‏بما‏ ‏هى” ‏دون‏ ‏الإسراع‏ ‏إلى ‏اختزاله‏ ‏رمزا‏ ‏متعسفا‏. ‏أيد‏ ‏هذا‏ ‏الاتجاه‏ (‏ترجيح‏ ‏حضور‏ ‏الصورة‏ ‏التمثيلية‏ ‏قبل‏ ‏الرمز‏) ‏زيادة‏ ‏الاهتمام‏ ‏بنوعية‏ ‏عمل‏ ‏النصف‏ ‏غير‏ ‏الطاغى ‏من‏ ‏المخ‏، ‏مما‏ ‏لا‏ ‏مجال‏ ‏لتفصيله‏ ‏هنا‏ ‏الآن‏.‏

…… هناك‏ ‏خطأ‏ ‏نقدى ‏شائع‏ ‏حين‏ ‏يسارع‏ ‏البعض‏ ‏باختزال‏ ‏ ‏العمل‏ الأدبى، وبالذات أعمال محفوظ، ‏إلى ‏رموز‏ ‏لها‏ ‏دلالتها‏، ‏من‏ ‏أول‏ ‏حميدة‏ ‏فى ‏زقاق‏ ‏المدق‏، ‏حتى ‏سماره‏ ‏فى ‏ثرثرة‏ ‏فوق‏ ‏النيل‏. ‏صحيح‏ ‏أن‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏يخطر‏ ‏على ‏وعيه‏ ‏الإبداعى ‏أحيانا‏ ‏مثل‏ ‏هذا‏ ‏الإصرار‏ ‏على ‏الترميز‏، ‏لكن‏ ‏الصحيح‏ ‏أكثر‏ ‏أنه‏ ‏لا‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏يعمم‏ ‏النقاد‏ ‏هذا‏ ‏الموقف‏ ‏خصوصا‏ ‏على ‏أحلام‏ ‏فترة‏ ‏النقاهة‏، ‏ومن‏ ‏قبل‏ “رأيت‏ ‏فيما‏ ‏يرى ‏النائم‏”

…..

….‏ (يبدو لأول وهلة أن) ‏هذه‏ ‏الأحلام (أحلام فترة النقاهة)‏، ‏بقصرها‏، ‏وتكثيفها‏، ‏وقفزاتها‏، ‏وفجائيتها‏، ‏وغموضها‏…‏إلخ‏ ‏هى ‏نتاج‏ صرف اضطرار‏ ‏محفوظ‏ ‏إلى ‏الاختزال‏ ‏والتركيز‏ ‏هكذا‏ ‏لصعوبة‏ ‏الكتابة‏ (‏إعاقة‏ ‏اليد‏)، ‏وصعوبة‏ ‏مراجعة‏ ‏ما‏ ‏كتب‏ ‏وإعادة‏ ‏صياغته‏ (‏إعاقة‏ ‏النظر‏) ‏وصعوبات‏ ‏كثيرة‏ ‏أخرى ‏لا‏ ‏داعى ‏لذكرها‏. ‏لكن المتأمل لإنتاجه من قبل لا بد وأن يكتشف أن الأمر ليس كذلك تماما، وإن كان هذا‏ ‏الشكل‏ ‏الجديد‏ ‏من‏ ‏الكتابة‏ ‏القصيرة‏ ‏المركزة‏ ‏المكثفة يوحى بذلك بالضرورة. ‏

إنه‏ ‏بالرغم‏ ‏من‏ ‏احتمال‏ ‏صحة‏ ‏هذا‏ ‏الفرض‏، ‏ولو‏ ‏جزئيا‏، ‏إلا ‏أن‏ ‏صدور‏ “‏أصداء‏ ‏السيرة‏ ‏الذاتية‏” ‏قبل‏ ‏كل‏ ‏هذه‏ ‏الإعاقات‏ ‏بسنوات‏، ‏يكاد‏ ‏ينفى ‏مسئولية أغلبها،‏ ‏فالأصداء‏ ‏فيها‏ ‏نفس‏ ‏التكثيف‏، ‏ونفس‏ ‏الإيجاز‏، ‏ونفس‏ ‏النقلات‏، ‏ونفس‏ ‏الشطح‏ ‏الإبداعى ‏الرائع‏، ‏وبعض‏ ‏الترميز‏. ‏رجعت‏ ‏إلى ‏دراستى ‏للأصداء[3]، ‏فوجدت‏ ‏أن‏ ‏بها‏ ‏قليلا‏ ‏مما‏ ‏أسماه‏ ‏محفوظ‏ ‏حلما‏، ‏لكن‏ ‏فيها‏ ‏الكثير‏ ‏مما‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يصل‏ ‏إلى ‏القارئ‏ ‏باعتباره‏ ‏كذلك‏، ‏وكلها‏ ‏مازالت‏ ‏تقع‏ ‏فيما ‏‏هو‏ ‏إبداع‏ قد ‏يتخفى ‏قليلا‏ ‏أو‏ ‏كثيرا‏ ‏تحت‏ ‏عباءة‏ ‏ما‏ ‏يبدو‏ ‏ـ‏ ‏تمويها‏ ‏ربما‏ هو ‏مقصود‏ ‏ـ‏ “‏حلما‏”.‏

تصورت‏ ‏أن‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏بحدسه‏ ‏الخاص‏ ‏قد‏ ‏رأى ‏احتمال‏ ‏إصابته‏ ‏بمثل‏ ‏هذه‏ ‏الإعاقات‏ ‏التى ‏لم‏ ‏تظهر‏ ‏إلا‏ ‏بعد‏ ‏سنوات‏، ‏فراح‏ ‏يدرب‏ ‏نفسه‏ (‏دون‏ ‏أن‏ ‏يدرى‏) ‏على ‏كيفية‏ ‏تجاوزها‏، ‏فكانت‏ ‏الأصداء‏ ‏تمهيدا‏ ‏لأحلام‏ ‏فترة‏ ‏النقاهة‏.‏

…..، لكن‏ ‏الامر‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يرجع‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏هو‏ ‏أقدم‏ ‏من‏ ‏ذلك‏ ‏بكثير‏، ‏إذا‏ ‏نظرنا‏ ‏فى ‏مجموعته‏ “‏رأيت‏ ‏فيما‏ ‏يرى ‏النائم‏” ‏وأيضا‏ ‏فى ‏بعض‏ ‏فقرات‏ ‏أعماله‏ ‏حتى ‏الطويلة‏ ‏منها‏، ‏بما‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏الحرافيش‏ ‏أو‏ “‏حديث‏ ‏الصباح‏ ‏والمساء‏”، ‏وغيرها‏

إبداع‏ ‏الحلم‏، ‏وأحلام‏ ‏المبدع‏:‏

(مقتطفات لا تشمل كل المقال، تجنبا لتكرار لم يمكن التخلص منه حتى بعد الحذف المتعمد)

ليس‏ ‏جديدا‏ ‏أن‏ ‏يبدع‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏حالما‏، ‏أو‏ ‏أن‏ ‏يحلم‏ ‏مبدعا‏. ‏الحلم‏ ‏العادى ‏هو‏ ‏إبداع‏ ‏الشخص‏ ‏العادى. ‏وإبداع‏ ‏المبدع‏ ‏هو‏ ‏حلم‏ ‏الواقع‏ ‏الأعمق‏/ ‏القادم‏/ ‏القائم‏ ‏حالا‏. ‏نحن‏ ‏لا‏ ‏نحلم‏ ‏بالمعنى ‏الذى ‏شاع‏، ‏فمسخْـنا‏ ‏الحلم‏ ‏رموزا‏ ‏وتأويلا‏،

‏…….

‏الحلم‏ ‏الذى ‏نحكيه‏، ‏ونتصور‏ ‏أنه‏ ‏الحلم‏، ‏هو‏ ‏الجزء‏ ‏الذى ‏التقطنا‏ ‏أبجديته‏ ‏من‏ ‏مفردات‏ ‏ما‏ ‏تحرك‏ ‏فى ‏الوعى ‏الآخر‏، ‏ثم‏ ‏رحنا‏ ‏ننسج‏ ‏منها‏ ‏ما‏ ‏تيسر‏ ‏فنصيغه‏ ‏على ‏أنه‏ ‏الحلم‏.

‏ ‏”نحن‏ ‏جميعا‏ ‏- هكذا- مبدعون‏ ‏بالضرورة‏. ‏‏الحلم‏ ‏ليس‏ ‏إلا‏ ‏ما‏ ‏نشكله‏ ‏نحن‏ ‏فى ‏تلك‏ ‏الفترة‏ ‏الشديدة‏ ‏القصر‏ ‏قبيل‏ ‏اليقظة‏”.‏

هذا هو الفرض الذى سبق أن قدمته منذ أكثر من عشرين عاماً، لم‏ ‏أكن‏ ‏أتصور‏ ‏أننى ‏سوف‏ ‏أستطيع‏ ‏تحقيق‏ ‏بعـض‏ ‏هذا‏ ‏الفرض‏ ‏ولو‏ ‏بعد‏ ‏حين‏. ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏يخطر‏ ‏على ‏بالى ‏أن‏ ‏أعايش‏ ‏مبدعا‏ ‏بحجم‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏وعمقه‏، ‏حتى ‏أستطيع‏ ‏أن‏ ‏أتابع‏ ‏علاقته‏ ‏بأحلامه‏ ‏مصدرا‏ ‏للإبداع‏، ‏لتضئ‏ ‏بعض‏ ‏جوانب‏ ‏هذا‏ ‏الفرض‏.‏

نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏والحلم‏ ‏الإبداع‏:‏

اتنبهت‏ ‏إلى ‏موقع‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏مما‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يسمى: ‏الإبداع‏ ‏الحالم‏ ‏أو‏ ‏الحلم‏ ‏الإبداع‏، ‏سواء‏ ‏وضعه‏ ‏هو‏ ‏تحت‏ ‏اسم‏ ‏الحلم‏ ‏أو‏ ‏الرؤية‏، ‏أم‏ ‏تحت‏ ‏أى ‏مسمى ‏آخر‏ (‏مثل‏ ‏ليالى ‏ألف‏ ‏ليلة‏ ‏أو‏ ‏بعض‏ ‏قصصه‏ ‏القصيرة‏ ‏فى ‏مجموعة‏ ‏خمارة‏ ‏القط‏ ‏الأسود‏‏).‏ ‏كتبت‏ ‏عن‏ ‏مجموعة‏ “‏رأيت‏ ‏فيما‏ ‏يرى ‏النائم‏”  فى بداية الثمانينيات ثم ‏أعيد نشرها‏ ‏فيما‏ ‏بعد‏ ‏فى “‏قراءات‏ ‏فى ‏نجيب‏ ‏محفوظ[4]، ‏ثم‏ ‏عاودت‏ ‏الكتابة‏ ‏عن‏ ‏أحلام‏ ‏محفوظ‏ ‏المبدعة‏ ‏أو‏ ‏الإبداعية‏ ‏فى ‏دراستى ‏عن‏ ‏أصداء‏ ‏السيرة‏ ‏الذاتية[5]، ثم‏ ‏كتبت‏ ‏عن‏ ‏بعض‏ ‏أحلامه‏ ‏الإبداعية‏ ‏الأخيرة‏ (‏أحلام‏ ‏فترة‏ ‏النقاهة‏) ‏بعد‏ ‏نشرها‏، ‏وقد‏ ‏عايشت‏ ‏ولادتها‏ ‏شخصيا‏، ‏كتبت‏ ‏ما‏ ‏تراءى ‏لى ‏عن‏ ‏طبيعة‏ ‏هذا‏ ‏الإبداع‏، ‏كما‏ ‏تناولت‏ ‏بعضها‏ ‏فى ‏كل‏ ‏من‏ ‏مجلتى “‏إبداع”[6]، “‏ووجهات‏ ‏نظر‏”[7]‏، وفيما يلى بعض ذلك:

أسئلة‏ ‏ليس‏ ‏لها‏ ‏إجابات‏:‏

كثرت‏ ‏التساؤلات‏ ‏حول‏ ‏أحلام‏ ‏فترة‏ ‏النقاهة‏ ‏بالذات‏، ‏فيضطر‏ ‏محفوظ‏ ‏ـ‏ ‏ضمن‏ ‏آخرين‏ ‏ـ‏ ‏للرد‏ ‏على ‏أغلب‏ ‏تلك‏ ‏التساؤلات‏ ‏بما‏ ‏تيسر‏، ‏مع‏ ‏أنه‏ ‏ليس‏ ‏ملزما‏ ‏بالرد‏ ‏من‏ ‏جهة‏، ‏ثم‏ ‏إنها‏ ‏ليست‏ ‏فصل الخطاب‏ ‏من‏ ‏جهة‏ ‏أخرى، ‏وفى ‏كثير‏ ‏من‏ ‏الأحيان‏: ‏الإجابات‏ ‏ليست‏ ‏دائما‏ ‏فى ‏مقدوره‏، ولا هى مسؤوليته.‏

بعض‏ ‏هذه‏ ‏التساؤلات‏ ‏الساذجة‏ ‏تقول‏: ‏هل‏ ‏هى ‏أحلام‏ ‏أم‏ ‏إبداع؟‏ ‏هل‏ ‏هو‏ ‏يرصد‏ ‏ما‏ ‏جرى ‏فى ‏الحلم‏ ‏أو‏ ‏يضيف إليه؟‏ وما هو قدر الإضافة؟ ‏هل‏ ‏هو‏ ‏يستقى ‏مادة‏ ‏الحلم‏ ‏وشخوصه‏ ‏من‏ ‏الحلم‏ ‏فقط‏ ‏أم‏ ‏من‏ ‏الحلم‏ ‏والواقع؟‏ ‏أم‏ ‏من‏ ‏الحلم‏ ‏والواقع‏ ‏والذاكرة‏ ‏جميعا؟‏ ‏ما‏ ‏علاقة‏ ‏ما‏ ‏يكتب‏ ‏الآن‏ ‏بما‏ ‏يسمى “‏أحلام‏ ‏اليقظة‏”‏؟‏ ‏كنت‏ ‏أتعجب‏ ‏عادة‏ ‏كيف‏ ‏يضطر‏ ‏محفوظ‏ ‏أحيانا‏ ‏أن‏ ‏يجيب‏ ‏ببعض‏ ‏ما‏ ‏يمكنه‏ ‏على هذه التساؤلات.‏ ثم ‏كيف‏ ‏يتصدى ‏بعض‏ ‏المفتيين‏ (‏من‏ ‏العلماء‏ ‏والنقاد‏ ‏جميعا‏) ‏بفتاوى ‏وتأويلات‏ ‏ترد‏ ‏على ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏الأسئلة‏ ‏التى ‏لا‏ ‏رد‏ ‏لها.

رحت‏ ‏أراجع‏ ‏رحلتى ‏مع‏ ‏أحلام‏ ‏محفوظ‏ ‏منذ‏ ‏ربع‏ ‏قرن‏ ‏فوجدتنى ‏لا‏ ‏أستطيع‏، ‏وحتى ‏الآن،‏ ‏أن‏ ‏أجيب‏ ‏بمثل‏ ‏تلك‏ ‏الإجابات‏ ‏الحاسمة‏ ‏التى ‏وصلتنى، ‏كل‏ ‏ما‏ ‏استطعته‏ ‏هو‏ ‏اجتهادات‏ ‏واحتمالات‏:

إن نقد ما يسمى أحلاما فى الإبداع ليس دراسة فى الأحلام، بقدر ما هو احتمال تعرُّف على منطقة مشتركة، يتصورها المبدع بحدسه الخاص، وكأنها هى الأقرب إلى ما هو أحلام، إن مثل هذا النقد ليس دليلا مع أو ضد علاقة الإبداع بالأحلام، لكنه فى نفس الوقت يتحرك فى هذه المنطقة المشتركة أو البينية بينهما، ليكتشف تداخلا محتملا فى طريقة التشكيل، والعلاقة بالمكان، وحركية الزمن، وغلبة الصور، والإضافات المعرفية الكلية والمباشرة، والكشف المفاجئ المتجدد، وسرعة الإيقاع والتكثيف. أضف إلى ذلك أن المقتطفات هنا تشمل محاولات نقدية قبل وبعد هذه الدراسة، بلا رابط مسبق بينها مما قد يكملها ، أو يضعها فى مكانها الصعب بشكل ما. والأمر يختلف جذريا عن استشهاد فرويد بحلم مورى سنة 1878 الذى جاء فى متن الفصل (ص 17) ‏.

أولا‏:

من‏ ‏قراءة‏ ‏باكرة‏ ‏فى: رأيت‏ ‏فيما‏ ‏يرى ‏النائم‏ (1983)‏[8]

الحلم‏/ ‏الإبداع‏: ‏سعى ‏للكشف‏ ‏وتطلع‏ ‏إلى ‏معـرفة‏ ‏ممتدة

‏”…… ‏فى ‏هذه‏ ‏المجموعة‏ ‏نجد‏ ‏هذا‏ ‏اللحن‏ ‏المميز‏ ‏الضارب‏ ‏فى ‏التاريخ‏ ‏المتطلع‏ ‏للمستقبل‏ ‏فى ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏حلم‏ ‏وأكثر‏ ‏من‏ ‏موقع‏:

 “‏أهى ‏حجرتى ‏الراهنة‏: ‏أم‏ ‏أخرى ‏آوتنى ‏فيما‏ ‏سلف‏ ‏من‏ ‏الزمان؟‏” ‏حلم‏ 1 (8/‏ص‏ 142).

‏”‏لن‏ ‏أحيد‏ ‏عن‏ ‏التطلع‏ ‏إلى ‏الأمام‏” ‏حلم‏ 1 (8/‏ص‏ 142).” ‏

آن‏ ‏أوان‏ ‏قراءة‏ ‏الطالع‏” ‏حلم‏ 4 (8/‏ص‏ 147).‏

الإيقاع‏ ‏سريع‏ ‏فى ‏سعى ‏المعرفة‏ ‏اللاهث‏ ‏وهو‏ ‏يتواءم‏ ‏مع‏ ‏طبيعة‏ ‏زمن‏ ‏الحلم‏.‏

وشعرت‏ ‏طوال‏ ‏الوقت‏ ‏بأننى ‏أسعى ‏وراء‏ ‏غاية‏: ‏لكنها‏ ‏غابت‏ ‏عن‏ ‏وعيى ‏أو‏ ‏غاب‏ ‏عنها‏ ‏وعيى‏” ‏حلم‏ 11 (8/‏ص‏ 163).‏

وقد‏ ‏بين‏ ‏محفوظ‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الدافع‏ ‏إلى ‏المعرفة‏ ‏ينبعث‏ ‏أساسا‏ ‏من‏ ‏مجرد‏ ‏أن‏ ‏الإنسان‏ ‏له‏ “‏ماض‏”، ‏له‏ ‏تاريخ‏.

‏”… ‏فى ‏فيضان‏ ‏أحلام‏ “‏رأيت‏ ‏فيما‏ ‏يرى ‏النائم‏” ‏نتعرف‏ ‏على ‏المغامرات‏ ‏المعرفية‏ ‏أكثر‏ … ‏ولكننا‏ ‏نجدها‏ ‏ملتفة‏ ‏بأجواء‏ ‏الغموض‏ ‏دون‏ ‏الإقلال‏ ‏من‏: “‏نشاط‏ ‏السعى ‏الدؤوب‏”: “‏مثقلة‏ ‏بآلاف‏ ‏الكلمات‏ ‏المبهمة‏”: (8/‏ص‏ 143) ‏حلم‏ (2) “‏عدوت‏ ‏منها‏، ‏ولكنى ‏عدوت‏ ‏فى ‏مجالها‏ ‏وحضنها‏” (8/‏ص‏ 143) ‏حلم‏ (7) ‏وقد‏ ‏سبقت‏ ‏الإشارة‏ ‏إلى ‏ارتباط‏ ‏المعرفة‏ ‏بالحزن‏، ‏ويعود‏ ‏هذا‏ ‏الارتباط‏ ‏إلى ‏الظهور‏ ‏فى ‏نهاية‏ ‏حلم‏ (3)، ‏وتستمر‏ ‏المغامرات‏ ‏المعرفية‏ ‏مع‏ ‏مصاحباتها‏ ‏من‏ ‏حزن‏، ‏أو‏ ‏تطلع‏، ‏أو‏ ‏ضياع‏، ‏أو‏ ‏ربكة‏، ‏طوال‏ ‏الأحلام‏ ‏بشكل‏ ‏ملح‏: ‏ففى ‏حلم‏ (14) ‏نجد‏ ‏المتابعة‏ ‏للشاب‏ ‏الوسيم‏ (‏الذى ‏يمثل‏ ‏أمله‏) ‏تحمل‏ ‏الرغبة‏ ‏الملحة‏ ‏لاستطلاع‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏فاعل‏، ‏وما‏ ‏هو‏ ‏وراء‏، ‏ولكنه‏ ‏ـ‏ ‏كالعادة‏ ‏ـ‏ ‏ينهك‏ ‏ويسقط‏ ‏دون‏ ‏أن‏ “‏يصل‏” ‏ودون‏ ‏أن‏ ‏يعرف‏، ‏تاركا‏ ‏وراءه‏ ‏الشرود‏ ‏والانخداع‏ ‏والعزاء‏، ‏بما‏ ‏يذكرنا‏ ‏بالنهاية‏ ‏اليائسة‏ ‏من‏ ‏المعرفة‏، ‏التى ‏تدفع‏ ‏لمزيد‏ ‏من‏ ‏المعرفة‏، ‏بعد‏ ‏أغلب‏ ‏المحاولات‏، ‏وفى ‏المقابل‏ ‏نرى ‏مواجهة‏ ‏للرجل‏ ‏بالغ‏ ‏الكبر‏، “‏والنظر‏ ‏فى ‏عينيه‏ ‏كبلورتين‏ ‏متوهجتين‏”…‏إلخ

أكتفى ‏بهذا‏ ‏القدر‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏النقد‏ ‏الباكر‏ ‏الذى ‏يمكن‏ ‏للقارئ‏ ‏الرجوع‏ ‏إلى ‏تفاصيله‏ ‏حيث‏ ‏نشر (هامش 3)

ثانيا‏:

 ‏أحلام‏ ‏نجيب‏ ‏فى ‏أصداء‏ ‏السيرة

لم‏ ‏تظهر‏ ‏الأحلام‏ ‏فى ‏الأصداء‏ ‏بشكل‏ ‏مباشر‏ ‏إلا‏ ‏قليلا‏ مع أن ثلاثة منها ‏ ‏تلاحقت‏ ‏وراء‏ ‏بعضها‏ ذات مرة (‏فقرات‏ 65,64،66) ‏وفيما‏ ‏يلى ‏عينة‏ ‏لقراءة‏ ‏حلمين منهما‏.‏

فقرة‏ 58 (‏الأصداء‏):‏ ص 117

‏”‏فى ‏مرحلة‏ ‏حاسمة‏ ‏من‏ ‏العمر‏ ‏عندما‏ ‏تنسم‏ ‏بى ‏الحب‏ ‏ذروة‏ ‏الحيرة‏ ‏والشوق‏ ‏همس‏ ‏فى ‏أذنى ‏صوت‏ ‏عند‏ ‏الفجر‏. ‏هنيئا‏ ‏لك‏ ‏فقد‏ ‏حم‏ ‏الوداع‏. ‏وأغمضت‏ ‏عينى ‏من‏ ‏التأثر‏ ‏فرأيت‏ ‏جنازتى ‏تسير‏ ‏وأنا‏ ‏فى ‏مقدمتها‏ ‏أسير‏ ‏حاملا‏ ‏كأسا‏ ‏كبيرة‏ ‏مترعة‏ ‏برحيق‏ ‏الحياة‏.”‏

….. ‏تتكثف‏ ‏اللحظات‏ ‏فى ‏ذروة‏ ‏الحيرة‏، ‏ويصّاعد‏ ‏الحب‏، ‏لا‏ ‏إلى ‏ذروة‏ ‏السعادة‏ ‏بل‏ ‏إلى ‏ذروة‏ ‏أروع‏، ‏ذروة‏ ‏الحيرة‏ ‏والشوق‏، ‏فنتعلم‏ ‏التمييز‏ ‏بين‏ ‏حب‏ ‏مخدر‏ ‏حتى ‏السعادة‏ ‏وبين‏ ‏حب‏ ‏منتش‏ ‏بالحيرة‏ ‏محاط‏ ‏بالشوق‏، ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏عند‏ ‏الفجر‏: ‏البداية‏ ‏الباكرة‏ ‏المشقشقة‏، ‏فتولد‏ ‏الحياة‏ ‏ـ‏ ‏كما‏ ‏عودنا‏ ‏محفوظ‏ ‏ـ‏ ‏من‏ ‏الموت‏، ‏… ‏عادت‏ ‏الأصداء‏ ‏تمزج‏ ‏الحلم‏ ‏بالحسم‏ ‏وتجسد‏ ‏الموت‏، ‏وتشق‏ ‏الذات‏ ‏البشريه‏ ‏ليعلن‏ ‏الواحد‏ ‏منا‏ ‏نهاية‏ “‏مرحلة‏ ‏حاسمة‏ ‏من‏ ‏العمر‏”، ‏ويشاهد‏ ‏نفسه‏ ‏بنفسه‏، ‏وهو‏ ‏يتقدم‏ ‏المشيعين‏ ‏حاملا‏ ‏دلالات‏ ‏ولادته‏ ‏الجديدة‏ “‏الكأس‏ ‏المترعة‏ ‏برحيق‏ ‏الحياة‏”، ‏ثم‏ ‏يؤكد‏ ‏ضمنا‏ ‏ما‏ ‏ذهب‏ ‏إليه‏ ‏إدوارد‏ ‏الخراط‏ ‏فى “‏يقين‏ ‏العطش‏” ‏من‏ ‏أن‏ ‏الارتواء‏ ‏ليس‏ ‏هو‏ ‏اليقين‏، ‏وإنما‏ ‏تعميق‏ ‏الحيرة‏ ‏والشوق‏ ‏أبدا‏ ‏(يقين‏ ‏العطش‏ ‏إدوار‏ ‏الخراط‏)[9]

‏65 ‏ـ‏ (‏الأصداء‏) ‏اللحن

‏”‏فى ‏حلم‏ ‏ثان‏ ‏وجدتنى ‏فى ‏حجرة‏ ‏متوسطة‏ ‏يضيئها‏ ‏مصباح‏ ‏غازى ‏يتدلى ‏من‏ ‏سقفها‏، ‏فى ‏ركن‏ ‏منها‏ ‏جلس‏ ‏جماعة‏ ‏من‏ ‏الرجال‏ ‏والنساء‏ ‏على ‏شلت‏ ‏متقابلة‏ ‏يتسامرون‏ ‏ويضحكون‏ ‏بأصوات‏ ‏مرتفعة‏، ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏فى ‏الجدران‏ ‏باب‏ ‏ولا‏ ‏نافذة‏ ‏إلا‏ ‏فتحة‏ ‏صغيرة‏ ‏فى ‏اتساع‏ ‏عين‏ ‏منظار‏ ‏مرتفعة‏ ‏بعض‏ ‏الشيء‏، ‏فلم‏ ‏أر‏ ‏منها‏ ‏إلا‏ ‏سماء‏ ‏تتوارى ‏وراء‏ ‏المساء‏. ‏شعرت‏ ‏برغبة‏ ‏شديدة‏ ‏فى ‏العودة‏ ‏إلى ‏أهلى ‏ودارى. ‏ولم‏ ‏أدر‏ ‏كيف‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يتيسر‏ ‏لى ‏ذلك‏.، ‏وسألت‏ ‏السمار‏: ‏أكرمكم‏ ‏الله‏ ‏كيف‏ ‏أستطيع‏ ‏الخروج‏ ‏من‏ ‏هنا؟‏ ‏فلم‏ ‏يلتفت‏ ‏إلى ‏أحد‏ ‏وواصلوا‏ ‏السمر‏ ‏والضحك‏، ‏وغزت‏ ‏الوحشة‏ ‏أعماقى. ‏عند‏ ‏ذاك‏ ‏لاح‏ ‏لى ‏من‏ ‏خلال‏ ‏الفتحة‏ ‏وجه‏ ‏غير‏ ‏واضح‏ ‏المعالم‏ ‏وقال‏ ‏لى: ‏إليك‏ ‏هذا‏ ‏اللحن‏ ‏إحفظه‏ ‏منى ‏جيدا‏، ‏وترنم‏ ‏به‏ ‏عند‏ ‏الحاجة‏، ‏وستجد‏ ‏منه‏ ‏الشفاء‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏هم‏ ‏وغم‏.”‏

يظهر‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏الحلم‏ “‏رحم‏ ‏الدنيا‏”، ليس رمزا بقدر ما هو واقع آخر، ‏وتولد‏ ‏قصيدة‏ ‏قصيرة‏ “‏سماء‏ ‏تتوارى ‏وراء‏ ‏المساء‏”، ‏وتتأكد‏ ‏العلاقة‏ ‏بين‏ ‏الموت‏ ‏والعودة‏، ‏فكرة‏ ‏العودة‏ ‏أصيلة‏ ‏فى ‏الوجود‏ ‏الإنسانى ‏سواء‏ ‏كانت‏ ‏فى ‏تعبير‏ “‏أن‏ ‏يسترد‏ ‏الله‏ ‏أمانته‏” ‏كما‏ ‏يفهم‏ ‏الموت‏ ‏عند‏ ‏أهل‏ ‏التقوى، ‏أو‏ ‏سواء‏ ‏أفادت‏ ‏أن‏ ‏يرجع‏ ‏المنفصل‏ ‏منها‏ ‏إلى ‏الالتحام‏ ‏بأصله‏ ‏كما‏ ‏يشير‏ ‏المتصوفة‏ ‏عادة‏، ‏العودة‏ ‏إلى ‏الأهل‏ ‏والدار‏ ‏وصلتنى ‏هنا‏ ‏باعتبارها‏ ‏العودة‏ ‏إلى ‏الأصل‏” ‏الكل‏”، نقلة الوعى الشخصى إلى الوعى الكونى ‏وحين‏ ‏تستحيل‏ ‏العودة‏ ‏إراديا‏ (‏إلا‏ ‏بالانتحار‏ ‏وهو‏ ‏ليس‏ ‏عودة‏ ‏وإنما‏ ‏إجهاض‏) ‏ينبغى ‏أن‏ ‏نتكيف‏ ‏ونحن‏ “‏فى ‏الانتظار‏” ‏حتى ‏يحين‏ ‏الأوان‏ وتتحلى إرادة أخرى لانعرفها.‏

هذا‏ ‏اللحن‏ ‏الذى ‏هبط‏ ‏عليه‏ ‏من‏ ‏الفتحة‏ ‏التى ‏تبدو‏ ‏منها‏ ‏السماء‏ ‏وهى ‏تتوارى ‏وراء‏ ‏المساء‏، ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ “‏دينا‏” ‏له‏ ‏طقوس‏ ‏وأنغام‏ ‏ويمكن‏ ‏ـ‏ ‏وهذا‏ ‏مستبعد‏ ‏نسبيا‏ ‏ـ‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏اغترابا‏ ‏له‏ ‏أيضا‏ ‏فعل‏ ‏التنويم‏ ‏والتسكين‏، ‏وأما‏ ‏الشفاء‏ ‏من‏ ‏الهم‏ ‏والغم‏ ‏فهو‏ ‏يتحقق‏ ‏بالتوجهين‏ ‏معا‏: ‏ولكن‏ ‏واحدا‏ ‏إلى ‏أعلى ‏وواحدا‏ ‏إلى ‏أسفل‏ (‏الاغتراب‏)، إما‏ ‏أن‏ ‏يعزف‏ اللحن‏ ‏العبادة‏ ‏التصعيدية‏ ‏فيزول‏ ‏الغم‏، ‏أو‏ ‏يخدر‏ ‏المغترب‏ ‏لحن‏ ‏الإلهاء‏ ‏العامِى ‏فيغوص‏ ‏الهم‏، ‏وشتان‏ ‏بين‏ ‏هذا‏ ‏وذاك،‏ ‏لكن‏ ‏الاحتمالين‏ ‏قائمان‏.‏

ثالثا‏:

 ‏قراءة‏ ‏ ‏من‏ ‏أحلام‏ فترة ‏النقاهة‏. ‏

إذْ نصل إلى أحلام فترة النقاهة،  لابد أن نحتار. ‏فكيف‏ ‏نختار‏ ‏ما‏ ‏يناسب‏ ‏منها‏ ؟ هذه الحيرة كانت معى، ومازالت منذ البداية خاصة فى مجال احتمال بعض تطبيقات تدعم فرض الدراسة، قلت تفسيرا لهذه الحيرة فى مقال (نشر فى مجلة وجهات نظر)[10]

“…..‏ ‏وأنا‏ ‏لم‏ ‏أقرأها‏ ‏مجتمعه؟‏ ‏وإن‏ ‏كنت‏ ‏قد‏ ‏عايشت‏ ‏الحمل‏ ‏بها‏ ‏حتى ولادتها؟‏ ‏انحل‏ ‏هذا‏ ‏الإشكال‏ ‏فجأة‏ ‏بنوع‏ ‏من‏ ‏القرعة‏ ‏هدتنى ‏إلى ‏البدء‏ ‏بثلاثة‏ ‏أحلام‏ ‏متتالية‏، ‏الحلم‏ 25، 26، 27، ‏وقد‏ ‏تصدروا‏ ‏لى ‏فى ‏بداية‏ ‏المجموعة‏ ‏الثانية‏ ‏التى ‏أصدرتها‏ ‏مجلة‏ ‏نصف‏ ‏الدنيا‏. ‏لا‏ ‏يوجد‏ ‏أى ‏سبب‏ ‏واضح‏ ‏لهذا‏ ‏الاختيار‏. ‏تذكرت‏ ‏كيف‏ ‏سجلت‏ ‏قراءتى ‏لأصداء‏ ‏السيرة‏ ‏الذاتية‏ ‏فقرة‏ ‏فقرة‏، ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏أبدأ‏ ‏فى ‏القراءة‏ ‏المشتملة‏. ‏قلت‏ ‏لعل‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏السبيل‏ ‏المناسب‏ ‏لقراءة‏ ‏مثل‏ ‏هذا‏ ‏العمل‏ ‏المكثف‏ ‏واحدة‏ ‏واحدة‏ ‏أيضا‏، ‏ثم‏ ‏بعد‏ ‏ذلك‏ ‏قد‏ ‏تلوح‏ ‏الفرصة‏ ‏لاستلهام‏ ‏العمل‏ ‏كله‏. ‏فاخترت‏ ‏حلمين من هذه الأحلام الثلاثة فيهما بعض ملامح ما أريد: الأول أهم مافيه وجه الشبه بين ما قدمنا عن الحلم،  مما جاء فى النص (ثم النقد)، من طبيعة حضور المكان والصورة هذا الحضور الماثل، المتحرك معا، كما أنه قد يظهر تعدد وتداخل مستويات الوعى.

الحلم (25)

 رأيتها‏ ‏فى ‏الحجرة‏ ‏معى. ‏ولا‏ ‏أحد‏ ‏معنا‏، ‏فرقص‏ ‏قلبى ‏طربا‏ ‏وسعادة‏، ‏وكنت‏ ‏أعلم‏ ‏أن‏ ‏سعادتى ‏قصيرة‏. ‏وأنه‏ ‏لن‏ ‏يلبث‏ ‏أن‏ ‏يفتح‏ ‏الباب‏ ‏ويجئ‏ ‏أحد‏.. ‏وأردت‏ ‏أن‏ ‏أقول‏ ‏لها‏ ‏أن‏ ‏جميع‏ ‏الشروط‏ ‏التى ‏أبلغت‏ ‏بها‏ ‏على ‏العين‏ ‏والرأس‏، ‏ولكن‏ ‏تلزمنى ‏فترة‏ ‏من‏ ‏الزمن‏ ‏ولكنى ‏فتنت‏ ‏بوجودها‏ ‏فلم‏ ‏أقل‏ ‏شيئا‏، ‏وناديت‏ ‏رغبتى ‏فخطوت‏ ‏نحوها‏ ‏خطوتين‏، ‏لكن‏ ‏الباب‏ ‏فتح‏ ‏ودخل‏ ‏الأستاذ‏ ‏وقال‏ ‏بحدة‏ ‏إنك‏ ‏لا‏ ‏تفهم‏ ‏معنى ‏الوقت‏ ‏واقتلعت‏ ‏نفسى، ‏وتبعته‏ ‏إلى ‏معهده‏ ‏القائم‏ ‏قبالة‏ ‏عمارتنا‏، ‏وهناك‏ ‏قال‏ ‏لى ‏أنت‏ ‏فى ‏حاجة‏ ‏إلى ‏العمل‏ ‏عشر‏ ‏ساعات‏ ‏يوميا‏ ‏حتى ‏تتقن‏ ‏العزف‏”. ‏ودعانى ‏للجلوس‏ ‏أمام‏ ‏البيانو‏ ‏فبدأت‏ ‏التمرين‏ ‏وقلبى ‏يحوم‏ ‏فى ‏حجرتى، ‏وسرعان‏ ‏ما‏ ‏انهمكت‏ ‏فى ‏العمل‏. ‏وعندما‏ ‏سمح‏ ‏لى ‏بالذهاب‏ ‏كان‏ ‏المساء‏ ‏يهبط‏ ‏بجلاله‏. ‏وبادرت‏ ‏أعبر‏ ‏الطريق‏ ‏على ‏عجل‏. ‏ولكن‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏ثمة‏ ‏أمل‏ ‏فى ‏أن‏ ‏تنتظرنى ‏مدة‏ ‏غيابى. ‏وإذا‏ ‏برجل‏ ‏صينى ‏طويل‏ ‏اللحية‏ ‏بسام‏ ‏الوجه‏ ‏يعترض‏ ‏سبيلى ‏ويقول‏: ‏كنت‏ ‏فى ‏المعهد‏ ‏وأنت‏ ‏تعزف‏، ‏ولا‏ ‏شك‏ ‏عندى ‏أنه‏ ‏ينتظرك‏ ‏مستقبل‏ ‏رائع‏ ‏وانحنى ‏لى ‏وذهب‏ ‏وواصلت‏ ‏سيرى ‏وأنا‏ ‏مشفق‏ ‏مما‏ ‏ينتظرنى ‏فى ‏مسكنى ‏من‏ ‏وحشة‏.‏

هذا إبداع متميز، كنظام الحلم المحكم، وهو – مثل أحلام فترة النقاهة- إبداع صرف لكنه يذكرنا بملاحظة فرويد فى رواية “جرايفاف يتزن” ص/7 وكيف أن الأحلام التى وردت فى بنائها كانت فى رأيه كنظام الأحلام فى الواقع.

المتابع‏ ‏لأحلام‏ ‏فترة‏ ‏النقاهة‏ ‏لابد‏ ‏قد‏ ‏لاحظ‏ ‏كيف‏ ‏أن‏ ‏علاقة‏ ‏محفوظ‏ “بالأماكن‏” ‏ما‏‏زالت‏ ‏تمثل‏ ‏المعمار‏ ‏الذى ‏ينطلق‏ ‏منه‏ ‏وبه‏ ‏فى ‏معظم‏ ‏إبداعاته‏. ‏هذا‏ ‏ليس‏ ‏جديدا‏ ‏ ‏، ‏إلا‏ ‏أنه‏ ‏فى ‏أحلام‏ ‏النقاهة‏ ‏أصبح‏ ‏للمكان‏ ‏حضور‏ ‏أقوى ‏وأكثر‏ ‏مثولا‏. ربما لما للمكان والصورة من دور أول فى الحلم،  ‏قلت‏ ‏فى ‏نفسى: ‏لعل‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏التعويض‏ ‏الإبداعى ‏لما‏ ‏لحق‏ ‏بالبصر‏ ‏من‏ ‏كلال‏، ‏وهو‏ ‏نفس‏ ‏التفسير‏ ‏الذى ‏جاءنى ‏حين‏ ‏رصدت‏ ‏عنده‏ ‏يقظة‏ ‏وغلبة‏ ‏نشاط‏ ‏النصف‏ ‏غيرالطاغى ‏من‏ ‏الدماغ‏ (‏المختص‏ ‏بالتصور‏ ‏الكلى، وبالصورة ‏وبالإيقاع‏ ‏المتداخل‏، ‏وبالتكثيف‏ ‏الضام‏..‏إلخ‏) ‏ربما‏ ‏حدث‏ ‏ذلك‏ ‏لشيخنا‏ ‏نتيجة‏ ‏لتناقص‏ ‏فرص‏ ‏تدريب‏ ‏النصف‏ ‏الطاغى ‏لمواصلة‏ ‏طغيانه‏ ‏بالمنطق‏ ‏الخطى ‏والتسلسل‏ ‏التربيطى ‏المتتالى، ‏حدث‏ ‏هذا‏ ‏بعد‏ ‏الإعاقات‏ ‏الحسية‏ ‏المتزايدة‏ ‏التى ‏امتحن‏ ‏بها‏ ‏شيخنا‏. ‏هل‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏جعل‏ ‏للمكان‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏الحضور‏ ‏الغالب‏ ‏المتزايد‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏العمل؟‏ ‏ذلك‏ ‏الحضور‏ ‏الذى ‏تزيد‏ ‏من‏ ‏الإحساس‏ ‏به‏ ‏سرعة‏ ‏الحركة‏، ‏وتداخل‏ ‏النقلات‏ ‏بفجائية‏ ‏تحافظ‏ ‏على ‏الدهشة‏ ‏وتجددها؟ أم أنها طبيعة هذا النوع من الإبداع؟ الأرجح عندى هو الإجابة بنعم على الاحتمال الأخير.

‏ ‏الحجرة‏ ‏هنا‏ ‏هى ‏المشهد‏ ‏الأول‏ ‏الذى ‏جمعه‏ ‏معها‏ ‏وحدهما‏، ‏وقبل‏ ‏أن‏ ‏يعلن‏ ‏فرحته‏، ‏أو‏ ‏يرصدها‏، ‏قفز‏ ‏إليه‏ ‏الزمن‏يشكك‏ ‏فى ‏الاستمرار‏. ‏منذ‏ ‏البداية‏، ‏قبل‏ ‏ومع‏ ‏الفرحة‏، ‏لاح‏ ‏له‏ ‏التهديد‏ ‏بالفراق‏ “…‏كنت‏ ‏أعلم‏ ‏أن‏ ‏سعادتى ‏قصيرة‏، ‏وأنه‏ ‏لن‏ ‏يلبث‏ ‏أن‏ ‏يفتح‏ ‏الباب‏”. الزمن‏ ‏الملاحِقُ‏ ‏هنا‏ “‏لن‏ ‏يلبث‏” ‏أن‏ ‏يكسر‏ ‏خصوصية‏ ‏المكان‏ ‏بفتح‏ ‏الباب‏، ‏فيختفى ‏وتختفى ‏معه‏ ‏رقصة‏ ‏القلب‏ ‏وسعادة‏ ‏اللقاء. ‏بدا‏ ‏فتح‏ ‏الباب‏ ‏كأنه‏ ‏انتهاك‏، ‏فإلغاء‏ ‏لهذه‏ ‏الحميمية‏ ‏الواعدة‏. ‏لم‏ ‏يترك‏ ‏له‏ ‏شعوره‏ ‏بالزمن‏ ‏المهدد‏ ‏بالنهاية‏ ‏فرصة‏ ‏أن‏ ‏يعلن‏ ‏قبوله‏ ‏لكل‏ ‏شروطها‏.‏

هنا‏ ‏يقفز‏ ‏زمن‏ ‏آخر‏ ‏زمن‏ ‏الحسابات‏ ‏الخطى ‏التتبعى ‏حين‏ ‏يقترن‏ ‏قبوله‏ ‏شروطها‏ ‏بضرورة‏ ‏الانتظار‏ “‏فترة‏ ‏من‏ ‏الزمن‏”. ‏الزمن‏ ‏الأول‏ ‏كان‏ ‏ذاتيا‏ ‏محيطا‏ “.. ‏أعلم‏ ‏أن‏ ‏سعادتى ‏قصيرة‏” ‏أما‏ ‏هذا‏ ‏الزمن‏ ‏المحسوب‏ ‏فهو‏ ‏زمن‏ ‏الساعة‏ ‏ذات‏ ‏العقارب‏ ‏الدوَّارة‏  ‏والأرقام‏ ‏المتدرجة‏ (‏فترة‏ ‏من‏ ‏الزمن‏). ‏من‏ ‏فرط‏ ‏حرصه‏ ‏وفتنته‏ ‏بوجودها‏ ‏لم‏ ‏يعلن‏ ‏موافقته‏ ‏المرتبطة‏ ‏بفترة‏ ‏السماح‏ ‏المحسوبة‏. ‏استبدلها‏ ‏بأن‏ “‏نادى ‏رغبته‏”. ‏كيف‏ ‏ينادى ‏الواحد‏ ‏رغبته؟‏ ‏يقولها‏ ‏محفوظ‏ ‏هكذا‏ ‏ببساطة‏ ‏وكأنها‏ (‏الرغبة‏) ‏كانت‏ ‏تنتظر‏ – ‏فى ‏حجرة‏ ‏مجاورة‏ – ‏نتيجة‏ ‏حسم‏ ‏المعركة‏ ‏بين‏ ‏الأزمان‏. ‏زمن‏ ‏التوجس‏ ‏بسرعة‏ ‏اختفاء‏ ‏السعادة‏، ‏ثم‏ ‏زمن‏ ‏الانتظار‏ “‏فترة‏ ” ‏حتى ‏يحقق‏ ‏طلباتها‏. ‏يبدو‏ ‏أن‏ ‏نداءه‏ ‏رغبته‏ ‏كان‏ ‏نوعا‏ ‏من‏ ‏طلب‏ ‏النجدة‏ ‏ليكف‏ ‏عن‏ ‏الحسابات‏. وهى طلب فى نفس الوقت لتنشيط مستوى آخر من الوعى، ‏وبدلا‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏تستجيب‏ ‏الرغبة‏ ‏لندائه‏ ‏يدخل‏ ‏الأستاذ‏ ‏وهو‏ ‏يحمل‏ ‏معه‏ ‏معنى ‏ثالثا‏ (وعياً ثالثا) ‏لما‏ ‏هو‏ “‏زمن‏”. ‏يؤنبه‏ ‏الأستاذ‏ ‏مباشرة‏ ‏على ‏ضياع‏ ‏الوقت‏ “‏أنت‏ ‏لا‏ ‏تفهم‏ ‏معنى ‏الوقت‏” ‏وكما‏ ‏نادى ‏الراوى ‏رغبته‏ ‏وكأنه‏ ‏ينادى ‏الحاجب‏، “‏اقتلع‏ ‏نفسه‏” ‏وكأنه‏ ‏ينقلها‏ ‏نقلا‏ ‏من‏ ‏مكانها‏، ‏وتبع‏ ‏الأستاذ‏ ‏إلى ‏الجانب‏ ‏الآخر‏ “‏قبالة‏ ‏عمارتنا‏”. ‏أىُّ ‏وقت‏ ‏يعنيه‏ ‏الأستاذ‏ ‏بسؤاله‏ ‏؟‏ ‏الوقت‏ ‏الذى ‏استجابت‏ ‏فيه‏ ‏الرغبة‏ ‏إلى ‏دعوته‏ ‏حتى ‏عجز‏ ‏أن‏ ‏يعلن‏ ‏قبول‏ ‏شروط‏ ‏الحبيبة؟‏ ‏أم‏ ‏الوقت‏ ‏الذى ‏يحتاجه‏ ‏لإعداد‏ ‏نفسه‏ ‏للوفاء‏ ‏بطلبات‏ ‏المحبوبة‏، ‏والذى ‏أسماه‏ “‏فترة‏ ‏من‏ ‏الزمن‏” ‏حتى ‏يمكنه‏ ‏أن‏ ‏يحقق‏ ‏طلباتها؟‏ ‏أم‏ ‏الوقت‏ ‏الذى ‏تمنى ‏أن‏ ‏يطول‏ ‏بصحبتها‏ ‏وهما‏ ‏وحدهما‏ ‏وقلبه‏ ‏ممتلئ‏ ‏فرحا‏ ‏وسعادة‏ ‏؟

نلاحظ‏ ‏هنا‏، ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏نستطرد‏، ‏قدرة‏ ‏محفوظ‏ ‏على ‏التجول‏ ‏بين‏ ‏حالات‏ ‏ذاته‏ (مستويات وعيه) (‏ذواته‏)، ‏فاختياره‏ ‏لتعبيرىْ “‏ناديت‏ ‏رغبتي‏” ‏و‏ “‏اقتلعت‏ ‏نفسي‏” ‏يشير‏ ‏إلى ‏ذات‏ ‏محورية[11] ‏مستعيرين‏ ‏أبجدية‏ ‏ساندور‏ ‏رادو[12] ‏وهى ‏الذات‏ ‏التى ‏تتمحور‏ ‏حولها‏ ‏الكيانات‏ (‏الذوات‏) ‏الأخرى ‏الداخلية‏. ‏الرغبة‏ ‏هنا‏ ‏تبدو‏ ‏مشخصنة‏ ‏فى “‏ذات‏” ‏وليست‏ ‏مجرد‏ ‏عاطفة‏.‏

المهم‏ ‏أنه‏ ‏ما‏ ‏إن‏ ‏اقتلع‏ ‏نفسه‏ ‏وتبع‏ ‏آستاذه‏ ‏حتى ‏وجد‏ ‏نفسه‏ ‏فى ‏حال‏ ‏آخر‏ ‏تماما‏، ‏لا‏ ‏هو‏ ‏الحال‏ ‏الذى ‏رقص‏ ‏قلبه‏ ‏فرحا‏ ‏بها‏، ‏ولا‏ ‏هو‏ ‏الحال‏ ‏الذى ‏أنساه‏ ‏أن‏ ‏يعلن‏ ‏قبوله‏ ‏شروط‏ ‏حبيبته‏، ‏وجد‏ ‏نفسه‏ ‏فى ‏حال‏ ‏الإبن‏ ‏المطيع‏، ‏أو‏ ‏الطالب‏ ‏النجيب‏ ‏المجتهد‏. ‏شعر‏ ‏هنا‏ ‏باستجابة‏ ‏طيبة‏ ‏لحرص‏ ‏آستاذه‏ ‏على ‏تنبيهه‏ ‏لمعنى ‏الوقت‏، ‏ثم‏ ‏مبادرته‏ ‏بالتدريب‏ ‏الجاد‏ ‏على ‏دروس‏ ‏البيانو‏ (‏وليس‏ ‏حثه‏ ‏على ‏حفظ‏ ‏جدول‏ ‏الضرب‏ ‏مثلا‏: ‏(أنظر‏ ‏حلم‏ 27). ‏من‏ ‏هذا‏ ‏المنطلق‏ ‏بدأ‏ ‏التدريب‏ ‏على ‏الفور‏ ‏باجتهاد‏ ‏شهد‏ ‏له‏ ‏الحكيم‏ ‏الصينى ‏فيما‏ ‏بعد‏. ‏إن‏ ‏البديل‏ ‏هنا‏ ‏كان‏ ‏ملء‏ ‏الوقت‏ ‏بتدريب‏ ‏مهارات‏ ‏إبداعه‏، ‏لم‏ ‏يُنْسِهِ‏ ‏هذا‏ ‏البديل‏ ‏نبض‏ ‏قلبه‏ ‏فى ‏حجرة‏ ‏اللقاء‏ ‏الطروب‏، ‏لكن‏ ‏هذا‏ ‏الشوق بدا‏ ‏وكأنه‏ ‏حافز‏ ‏لمواصلة‏ ‏التدريب‏، ‏وليس‏ ‏صراعا‏ ‏معه‏ ‏ضد‏ ‏مواصلة‏ ‏التدريب‏.‏

هذه‏ ‏اللقطة‏ ‏تشير‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏محفوظا‏ ‏فى ‏هذا الإبداع/ ‏الحلم‏ ‏لم‏ ‏يلجأ‏ ‏إلى ‏الاستقطاب‏ ‏الشائع‏ ‏بين‏ ‏القلب‏ ‏والعقل‏، ‏بين‏ ‏سعادة‏ ‏الحب‏ ‏وضرورة‏ ‏الواجب‏، ‏بين‏ ‏الواقع‏ ‏والحلم‏، ‏بل‏ ‏هو‏ ‏قدم‏ ‏بديلا‏ ‏محيطا‏ ‏لملء‏ ‏الوقت‏ ‏بما‏ ‏يجعل‏ ‏له‏ ‏معنى “‏إنك‏ ‏لا‏ ‏تفهم‏ ‏فى ‏معنى ‏الوقت‏”، ‏بديلا‏ ‏يحتو‏ى ‏طاقة‏ ‏الوجدان‏ ‏فى ‏تشكيل‏ ‏الجمال‏ ‏بالتزام‏ ‏مثابر‏ (‏التدريب‏ ‏على ‏البيانو‏). ‏وهكذا‏ ‏انهمك‏ ‏الراوى ‏فى ‏مهمته‏ ‏غير‏ ‏مقهور‏. ‏

لكن‏ ‏الحسبة‏ ‏لم‏ ‏تكن‏ ‏سهلة‏، ‏فبالرغم‏ ‏من‏ ‏أنه‏ ‏يمارس‏ ‏ما‏ ‏رضى ‏أن‏ ‏يستوعب‏ ‏طاقة‏ ‏وجدانه‏، ‏وليس‏ ‏فقط‏ ‏ما‏ ‏يؤكد‏ ‏تفوقه‏ ‏أو‏ ‏نجاحه‏، ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏قلبه‏ ‏ظل‏ ‏يحوم‏ ‏حول‏ ‏حجرة‏ ‏اللقاء‏. ‏صحيح‏ ‏أن‏ ‏التدريب‏ ‏على ‏البيانو‏ (‏الإبداع‏ ‏المثابر‏ ‏الذى ‏اشتهر‏ ‏به‏ ‏شخص‏ ‏محفوظ‏ ‏بالذات‏) ‏يمكن‏ – ‏من‏ ‏حيث‏ ‏المبدأ‏ – ‏أن‏ ‏يحتوى ‏الجمال‏ ‏ويطرب‏ ‏له‏ ‏القلب‏ ‏والعقل‏ ‏معا‏، ‏لكن‏ ‏صحيح‏ ‏أيضا‏ ‏أن‏ ‏القلب‏ ‏الطفل‏ ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏ينتظر‏ ‏حتى ‏تنصقل‏ ‏العواطف‏ ‏وتشحذ‏ ‏الأدوات‏ ‏ليحتوى ‏نبضاته‏ ‏إيقاع‏ ‏الإبداع‏، ‏فيستغنى ‏به‏ ‏عن‏ ‏جوعه‏ ‏العاطفى، ‏وحنينه‏ ‏إلى ‏الوليف‏ ‏ليعيش‏ ‏معه‏ ‏الفرح‏ ‏والسعادة‏ ‏بلا حسابات‏. ‏

‏ ‏هنا‏ ‏يقفز الوعى الوالدى الحكيم‏ ‏فى ‏صورة‏ ‏الرجل‏ ‏الصينى ‏طويل‏ ‏اللحية‏ ‏تبارك‏ ‏اجتهاده‏ ‏وتطمئنه‏ ‏على ‏مستقبله‏. ‏هل‏ ‏يكفى ‏تشجيع‏ ‏هذا‏ ‏الحكيم‏ (‏الصيني‏) ‏وتنبئه‏ ‏له‏ ‏بالتفوق‏ ‏أن‏ ‏يحققا‏ ‏التوازن‏ ‏الذى ‏يحتوى ‏جوعه‏ ‏العاطفى ‏الرقيق؟‏ ‏لا‏ ‏يبدو‏ ‏أن‏ ‏الأمر‏ ‏كذلك‏. ‏فمع‏ ‏هذا‏ ‏الإنجاز‏ ‏الواعد‏، ‏يرجع‏ ‏الراوى ‏إلى ‏نفسه‏ ‏ليواصل‏ ‏سيره‏ ‏إلى ‏مسكنه‏ (‏لا‏ ‏إلى ‏حجرتهما‏-‏لا‏ ‏يوجد‏ ‏دليل‏ ‏على ‏أن‏ ‏حجرة‏ ‏اللقاء‏ ‏كانت‏ ‏إحدى ‏حجرات‏ ‏مسكنه‏)، ‏يرجع‏ ‏وهو‏ ‏منغمر‏ ‏ببصيرة‏ ‏النضج‏، ‏راض‏ ‏عن‏ ‏الثمن‏ ‏الذى ‏دفعه‏ ‏فى ‏تحقيق‏ ‏الولاف‏ ‏الصعب‏، ‏متقبل‏ ‏لما‏ ‏ينتظره‏ ‏من‏ ‏وِحْدة‏، ‏فهو‏ ‏الذى ‏اختارها‏ ‏فى ‏نهاية‏ ‏النهاية‏ ‏حين‏ ‏رضى ‏أن‏ ‏يجعل‏ ‏للوقت‏ ‏معنى ‏بأن‏ ‏يصقل‏ ‏أدوات‏ ‏الإبداع‏ ‏الواعدة‏ ‏باحتواء‏ ‏دفق‏ ‏عواطف‏ ‏طفولته‏ ‏الجائعة‏، ‏وتشكيل‏ ‏إيقاع‏ ‏نبضات‏ ‏وجدانه‏ ‏الغض‏ ‏فى ‏ضربات‏ ‏البيانو‏ ‏وهو‏ ‏يعزف‏، ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏على ‏حساب‏ ‏عاطفته‏ ‏الجياشة‏ ‏الجائعة‏، ‏فليكن‏ ‏انتظار‏ ‏الوحشة‏ ‏هو‏ ‏الثمن‏. ‏لينتهى ‏الحلم‏ ‏وهو‏ ‏يمضى ‏فرحا‏ ‏بإنجازه‏ ‏متقبلا‏ ‏للوحشة‏ (‏ولو‏ ‏مؤقتا‏).‏

الحلم‏ (27)

فى ‏سفينة‏ ‏عابرة‏ ‏للمحيط‏ ‏أجناس‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏لون‏ ‏ولغات‏ ‏شتى. ‏وكنا‏ ‏نتوقع‏ ‏هبوب‏ ‏ريح‏ ‏وهبت‏ ‏الريح‏ ‏واختفى ‏الأفق‏ ‏خلف‏ ‏الأمواج‏ ‏الغاضبة، ‏إنى ‏ذعرت‏ ‏ولكن‏ ‏أحدا‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏يعنى ‏بأحد‏. ‏وقال‏ ‏لى ‏خاطر‏ ‏إننى ‏وحيد‏ ‏فى ‏أعماق‏ ‏المحيط‏. ‏وأنه‏ ‏لا‏ ‏نجاة‏ ‏من‏ ‏الهول‏ ‏المحيط‏ ‏إلا‏ ‏بأن‏ ‏يكون‏ ‏الأمر‏ ‏كابوسا‏ ‏وينقشع‏ ‏بيقظة‏ ‏دافئة‏ ‏بالسرور‏. ‏والريح‏ ‏تشتد‏ ‏والسفينة‏ ‏كرة‏ ‏تتقاذفها‏ ‏الأمواج‏. ‏وظهر‏ ‏أمامى ‏فجأة‏ ‏حمزه‏ ‏أفندى ‏مدرس‏ ‏الحساب‏ ‏بخيرزانته‏ ‏وحدجنى ‏بنظرة‏ ‏متسائلة‏ ‏عن‏ ‏الواجب‏. ‏كان‏ ‏الإهمال‏ ‏الواحد‏ ‏بعشرة‏ ‏خيرزانات‏ ‏تكوى ‏الأصابع‏ ‏كيا‏. ‏وازددت‏ ‏كرها‏ ‏من‏ ‏ذكريات‏ ‏تلك‏ ‏الأيام‏. (‏وقال‏ ‏لى ‏الرجل‏ ‏سوف‏ ‏تكتب‏) ‏وهممت‏ ‏بدق‏ ‏عنقه‏ ‏ولكنى ‏خفت‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏أى ‏خطأ‏ ‏سببا‏ ‏فى ‏هلاكى ‏فسكت‏ ‏على ‏الذل‏ ‏وتجرعته‏ ‏رغم‏ ‏جفاف‏ ‏ريقى. ‏ورأيت‏ ‏حبيبتى ‏فهرعت‏ ‏نحوها‏ ‏أشق‏ ‏طريقا‏ ‏بين‏ ‏عشرات‏ ‏المذهولين‏. ‏ولكنها‏ ‏لم‏ ‏تعرفنى ‏وتولت‏ ‏عنى ‏وهى ‏تلعن‏ ‏ساخطة‏ ‏وجرت‏ ‏نحو‏ ‏حافة‏ ‏السفينة‏ ‏ورمت‏ ‏بنفسها‏ ‏فى ‏العاصفة‏ ‏واعتقدت‏ ‏أنها‏ ‏تبين‏ ‏لى ‏طريق‏ ‏الخلاص‏ ‏فجريت‏ ‏متعثرا‏ ‏نحو‏ ‏حافة‏ ‏السفينة‏ ‏ولكن‏ ‏مدرس‏ ‏الحساب‏ ‏القديم‏ ‏اعترض‏ ‏سبيلى ‏ملوحا‏ ‏بعصاه‏.‏

هذا الحلم/الإبداع يعود يشكل لنا المكان فى الزمان بطريقة أخرى:

المكان‏ ‏هذه‏ ‏المرة‏ ‏متحرك‏، ‏لكنه‏ ‏مكان‏ ‏محدد‏ ‏يسمح‏ ‏بالتجمع‏ ‏والتجمهر‏ ‏والانتقال‏، ‏فقط‏ ‏هو‏ ‏محاط‏ ‏بالمحيط‏، ‏فلا‏ ‏مجال‏ ‏للهرب‏ ‏إلى ‏المنزل‏ ‏مع‏ ‏الرضا‏ ‏بالوحشة‏ ‏مثلا‏، ‏ولا‏ ‏مهرب‏ ‏إلى ‏الهواء‏ ‏الطلق‏ ‏قبل‏ ‏انهيار‏ ‏البيت‏ ‏الصغير‏ (‏نهاية‏ ‏الحلمين‏ 26.25). ‏وكما‏ ‏بدأ‏ ‏حلم‏ “25” ‏بتوقع‏ ‏قصر‏ ‏عمر‏ ‏السعادة‏، ‏يبدأ‏ ‏هذا‏ ‏الحلم‏ ‏بتوقع‏ ‏العاصفة‏، “وكنا‏ ‏نتوقع‏ ‏هبوب‏ ‏الريح‏، ‏وهبت‏ ‏الريح‏” (‏لاحظ‏ ‏اختفاء‏ ‏أى ‏برهة‏ ‏زمنية‏ ‏بين‏ ‏التوقع‏ ‏والواقع‏).‏

ومع‏ ‏أن‏ ‏السفينة‏ ‏بها‏ ‏أجناس‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏لون‏ ‏ولغات‏ ‏شتى، ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏الراوى ‏يشعر‏ ‏بالوحدة‏ ” ‏وقال‏ ‏لى ‏خاطر‏ ‏أننى ‏وحيد‏”، ‏هذا‏ ‏الخاطر‏ ‏نقله‏ ‏فجأة‏ ‏من‏ ‏السفينة‏ ‏إلى ‏أعماق‏ ‏المحيط‏. ‏فتمنى ‏بأن‏ ‏يكون‏ ‏هذا‏ ‏الذى ‏يعيشه‏ ‏كابوسا‏. ‏بدت‏ ‏هذه‏ ‏الأمنية‏ ‏ ‏وكأنها‏ ‏جذب‏ ‏العودة‏ ‏إلى ‏الرحم‏ ‏الحانى ‏هربا‏ ‏من‏ ‏احتمال‏ ‏الغرق‏ ‏فى ‏المحيط‏ ‏الهادر‏، ‏إنها‏ ‏أمنية‏ ‏نكوصية‏ ‏واضحة‏. ‏لو‏ ‏أحسنا‏ ‏قراءة‏ ‏تعبير‏ “‏يقظة‏ ‏دافئة‏ ‏بالسرور‏” ‏هذا‏ ‏تعبير‏ ‏نادر‏. ‏اليقظة‏ ‏عادة‏ ‏تكون‏ ‏نقلة‏ ‏من‏ ‏الدفء‏ ‏إلى ‏النشاط‏، ‏من‏ ‏سكينة‏ ‏النوم‏ ‏إلى ‏دفع‏ ‏الحركة‏، ‏لكن‏ ‏هذا‏ ‏الدفء‏ ‏الذى ‏يصف‏ ‏اليقظة‏ ‏بأنها‏ “‏دافئة‏ ‏بالسرور‏” ‏لم‏ ‏يُحضر‏ ‏إلى ‏وعيى ‏إلا‏ ‏خدر‏ ‏الإحاطة‏ ‏بالسائل‏ ‏الأمنيتونى ‏داخل‏ ‏الرحم‏ ‏والجنين ما‏زال‏ “‏يبلبط‏” ‏فى ‏الداخل‏ ‏بعيدا‏ ‏عن‏ ‏العواصف‏ ‏والأنواء‏. ‏لم‏ ‏يدم‏ ‏هذا‏ ‏الخاطر‏ ‏الهروبى طويلا‏ ‏وحل‏ ‏محله‏ ‏واقع‏ ‏أظهر‏ (‏كما‏ ‏فى ‏الحلم‏ ‏الأول‏ 25) ‏المعلم‏ ‏هنا‏ ‏من‏ ‏نوع‏ ‏آخر‏ “‏مدرس‏ ‏حساب‏ ‏قديم‏”. ‏هذا‏ ‏المدرس‏ ‏لا‏ ‏يسأل‏ ‏أو‏ ‏يتساءل‏ ‏عن‏: “‏معنى ‏الوقت‏” ‏مثل‏ ‏أستاذ‏ ‏البيانو‏ (‏حلم‏ 25) ، ‏وهو‏ ‏لا‏ ‏يدعو‏ ‏فى ‏حزم‏ ‏إلى ‏تدريب‏ ‏على ‏مهارة‏ (‏البيانو‏). ‏هو‏ ‏مدرس‏ ‏جاف‏ ‏لا‏ ‏يتكلم‏ ‏إلا‏ ‏بلغة‏ ‏الواجب‏، ‏والإهمال‏، ‏وليس‏ ‏عنده‏ ‏إلا‏ ‏العقاب‏. ‏المواجهة‏ ‏هنا‏ ‏مع‏ ‏الخيرزانة‏ ‏لا‏ ‏أكثر‏ ‏ولا‏ ‏أقل‏، ‏فكانت‏ ‏استجابة‏ ‏الراوى ‏هى ‏الرغبة‏ ‏فى ‏قتله‏. ‏وحين‏ ‏تبين‏ ‏عجزه‏، ‏استشعر‏ ‏الذل‏ ‏وابتلعه‏ ‏وهو‏ ‏خائف‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏يضبطوه‏ ‏متلبسا‏ ‏بالشروع‏ ‏فى ‏القتل‏، ‏ثم‏ ‏كان‏ ‏رد‏ ‏فعل‏ ‏القتل‏ ‏إلى ‏ذاته‏، ‏فهو‏ ‏الخوف‏ ‏من‏ ‏الهلاك‏. ‏

مازلنا‏ ‏فى ‏السفينة‏، ‏ومازالت‏ ‏العاصفة‏ ‏تحيط‏ ‏بها‏، ‏وظهور‏ ‏معلم‏ ‏الحساب‏ (‏الأب‏ ‏القاهر‏ ‏الجاف‏) ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏بديلا‏ ‏إيجابيا‏ ‏ليحتوى ‏الفن‏ ‏الرغبة‏، ‏بل‏ ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏المدرس‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏واقعا‏ ‏أصلا‏، ‏كان‏ ‏مجرد‏ ‏تجسيد‏ ‏لذكرى (‏وازددت‏ ‏كرها‏ ‏من‏ ‏ذكريات‏ ‏تلك‏ ‏الأيام‏)‏

‏ ‏الحبيبة‏ ‏التى ‏ظهرت‏ ‏ ‏لم‏ ‏تحضر أصلا‏. ‏هو‏ ‏الذى ‏جسدها‏ ‏بخياله‏ ‏ثم‏ ‏راح‏ ‏يشق‏ ‏طريقه‏ ‏إليها‏ (‏بعد‏ ‏أن‏ ‏فشل‏ ‏فى ‏الهرب‏ ‏إلى ‏الرحم‏) ‏وهى ‏لا‏ ‏تعرفه‏، ‏فتولت‏ ‏وهى ‏تلعن‏ ‏ساخطة‏ (‏لم‏ ‏يقل‏ ‏تلعن‏ ‏من‏)، ‏ثم‏ ‏إنها‏ ‏اختفت‏ (‏هل‏ ‏زال‏ ‏الخيال؟‏) ‏بأن‏ ‏رمت‏ ‏نفسها‏ ‏فى ‏العاصفة‏ (‏لم‏ ‏يقل‏ ‏فى ‏المحيط‏)، ‏فكاد‏ ‏يتبعها‏ ‏وهو‏ ‏يتصور‏ ‏أنها‏ ‏بفعلتها‏ ‏تلك‏ ‏إنما‏ ‏تشير‏ ‏إليه‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏الحل‏: ‏إفناء‏ ‏الذات‏.‏

الذى ‏حال‏ ‏دون‏ ‏إتمام‏ ‏استجابته‏ ‏لهذه‏ ‏الدعوة‏ ‏هو‏ ‏مدرس‏ ‏الحساب‏، ‏والصورة‏ ‏التى ‏يقدمها‏ ‏محفوظ‏ هنا ‏تشير‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏المدرس‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏حريصا‏ ‏على ‏إنقاذه‏ ‏بمعنى ‏دعوته‏ ‏إلى ‏بديل‏ ‏محيط‏ ‏راق‏ ‏مثابر‏ (‏مثل‏ ‏معلم‏ ‏البيانو ‏فى ‏حلم‏ 25) ‏وإنما‏ ‏الإنقاذ‏ ‏هنا‏ ‏كان‏ ‏أيضا‏ ‏بالتهديد‏ ‏بالعقاب‏ (‏اعترض‏ ‏سبيلى ‏ملوحا‏ ‏بعصاه‏). ‏وكأن‏ ‏الدافع‏ ‏لاستمرار‏ ‏الحياة‏ ‏هنا‏ ‏هو‏ ‏الخوف‏ ‏من‏ ‏العقاب‏ ‏الذى ‏ينتظر‏ ‏المنتحر‏ (‏كما‏ ‏يقول‏ ‏النص‏ ‏الدينى‏) ‏وليس‏ ‏قبول‏ ‏تحدى ‏الحياة‏ ‏بخوض‏ ‏تجربتها‏. ‏

ينتهى ‏هذا‏ ‏الحلم‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏نعرف‏ ‏ماذا‏ ‏حدث‏ ‏للراوى ‏ولا‏ ‏للمدرس‏ ‏ولا‏ ‏للباقين‏ ‏لينطلق‏ ‏خيال‏ ‏المتلقى ‏كيفما‏ ‏شاء‏.

هذا التكثيف، وتلك النقلات، مستعملا اللغة الخاصة هى المقابل الإبداعى لحركية الحلم التى تبدو عشوائية بحساب وعى اليقظة، فى حين أن لها قوانينها التى تسمح بالتعلم والمعرفة وإعادت التنميط[13] كما ذكرنا فى متن الفصل. أضف إلى ذلك تعدد المستويات وحضور الصورة كما رأينا.‏

تعقيب‏:

إذا‏ ‏قارنا‏ أحلام‏ ‏فترة‏ ‏النقاهة‏ بالأحلام ‏الواردة‏ ‏فى ‏الأصداء‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نتبين‏ ‏الفرق‏ ‏بينها‏ ‏فى ‏مدى ‏الاسترسال‏، ‏وتواضع‏ ‏النقلات‏ ‏الصارخة‏، ‏و‏‏خفة‏ ‏درجة‏ ‏الغموض‏ ‏المتواضعة‏ ‏حيث‏ ‏تبدو‏ ‏أحلام‏ ‏فترة‏ ‏النقاهة‏ ‏أكثر‏ ‏تركيزا‏، ‏وأعنف‏ ‏نقلات‏، ‏وأدهش‏ ‏مفاجآت‏.‏

‏ ‏هل‏ ‏هذا‏ ‏يرجع‏ ‏إلى ‏الإعاقة‏، ‏أم‏ ‏إلى ‏النضج‏، ‏أم‏ ‏إلى ‏نقلة‏ ‏إبداعية‏ ‏أعمق؟‏ ‏الأرجح‏ ‏عندى ‏أنه‏ ‏يرجع‏ ‏إلى ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏معا.

المهم فى إلحاق هذا الملحق هنا هو التأكيد على علاقة الابداع بالحلم، ليس باعتبار أحلام محفوظ المبدعة مثالا لما أسميناه إبداع الحلم عند الشخص العادى، وإنما هو بمثابة إشارة إلى احتمال تماثل العمليتين من حيث الحركية، مع الفارق الشاسع من حيث الناتج.

 إذا قبلنا فرض ان الحلم العادى أو ابداع الشخص العادى قبيل يقظته، فإن الابداع الحلم (فى مقابل الحلم الابداع) هو تضخيم هذه العملية نفسها وصقلها بوعى فائق (أكثر تطورا وشمولا من وعى اليقظة) هو وعى الابداع القادر على احتواء الحركية بأكبر قدر من الصقل وأجمل ما تيسر من إعادة تشكيل.

[1] – يحيى الرخاوى: “قراءة فى أحلام نجيب محفوظ” (ص 54 – 56) عدد 48 يناير 2003

 مجلة وجهات نظر.

[2] – يحيى الرخاوى: “إبداع‏ ‏الحلم‏، ‏وأحلام‏ ‏المبدع” عدد مارس 2005 – كتاب دار الهلال.

[3] –  يحيى الرخاوى: أصداء الأصداء: تقاسيم على أصداء نجيب محفوظ – المجلس الأعلى للثقافة- يناير 2006 (سبق نشرها مجزأة فى مجلة الإنسان والتطور )

[4]  ‏-  يحيى الرخاوى: “قراءات فى نجيب محفوظ” الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1992

[5] –  أنظر هامش (3)

[6] – يحيى ‏الرخاوى: “‏أحلام‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏تعد‏ ‏من‏ ‏قبيل‏ ‏المنامات‏ ‏أم‏ ‏هى ‏أحلام‏ ‏يقظة‏”‏؟‏‏ (‏العدد‏ ‏الأول‏ – ‏الثالث)‏ ‏يناير2002 – مجلة‏ ‏إبداع.‏

[7] – أنظر هامش (1) (الملحق الأول هنا)

[8] – نجيب‏ ‏محفوظ‏: “‏مجموعة‏ ‏رأيت‏ ‏فيما‏ ‏يرى ‏النائم‏” ‏-‏ ‏(1982)- مكتبة‏ ‏مصر‏.

[9] – إدوار‏ ‏الخراط‏ “‏يقين‏ ‏العطش‏” (1996)- ‏دار‏ ‏شرقيات‏ ‏للنشر.

[10] –  يحيى الرخاوى: أعظم‏ ‏ما‏ ‏نقدمه‏ ‏لشيخنا‏ ‏الجليل‏.. ‏العمل‏ ‏الجاد قراءة‏ ‏فى‏ “‏آحلام‏” ‏نجيب‏ ‏محفوظ” – يناير 2003 – مجلة وجهات نظر.

[11] – axon self

[12] – Sandor Rado

[13] – re-patterning

الملحق الثانى: بين الشعر والقصة والنظم الرجز، للأطفال هانز كريسيتان أندرسون شعر شوقى للأطفال

الملحق الثانى: بين الشعر والقصة والنظم الرجز، للأطفال هانز كريسيتان أندرسون شعر شوقى للأطفال

الملحق الثانى

بين الشعر القصة، والنظم الرجَـز، للأطفال[1]

هذا المقتطف يفتح بابا آخر للتعرف على كل من الحلم والشعر من خلال إرجاعهما معا إلى أصل الطبيعة البشرية مذ كنا أطفالا، وما زلنا – المفروض.

فوجئت وأنا أكتشف كيف استطاع إبداع أندرسون الفذ أن يقدم للأطفال جوهر ما شملته الدراسة الحالية، بكل هذه السلاسة والعمق فى آن. قدرت من خلال ذلك كيف يمكن أن تكون  قراءة خيال الطفل ومخاطبته  هى لغة خاصة تقع بين الحلم والشعر بشكل ما، أما الكشف عن ذلك نقدا فهى مسئولية النقد، وبالتالى اجتهاد هذه المحاولة.

 غيرت العنوان ليتفق مع الدراسة، وإن كنت لم أبتدع جديدا فقد كان العنوان الحالى عنوانا فرعيا لفقرة هامة محورية فى  الدراسة.

……

أهم ما فى هذا المقتطف فيما يتعلق بهذه الدراسة هو التركيز على الفرق بين الشعر والنظم، وفى نفس الوقت عدم اقتصار وصف الشعر على شاعر يكتب شعرا موزونا (ومقفى)، وإنما على موقف المبدع وطريقة تشكيله وأنغام إيقاعه، ثم إن إيراد هذا المقتطف هو بمثابة اعتراف بسبق أندرسون – قاصا  لاكتشاف تعدد الذوات، خاصة وهو  يقوم بالتفرقة بين “روح الشعر”، و”طالب العلم”، تفرقة تكاد تكون موازية لتفرقة بين لغة الحلم والشعر على ناحية، ولغة الحياة العادية المفهومية، والمنطق الواقعى على ناحية أخرى، وبما يوازى أيضا التفرقة الأحدث بين عمل نصفى المخ الكرويين بشكل ما.

شاعران و منهلان

…….

……، فى توقيت متقارب وصلنى هذين العملين اللذين قيل أنهما كتبا للأطفال؟ مختارات من ديوان شوقى للأطفال[2]. ثم مختارات من كتابات هانز كريستيان أندرسن بعنوان قصص وحكايات خرافية” بمناسبة مرور قرنين على ولادته[3]. هانز كريستيان أندرسن شاعر، وأحمد شوقى أمير شعرائنا، ربما حتى الآن. شهرة أندرسن ارتبطت بكتاباته للأطفال أكثر من كونه شاعرا، كتاباته للأطفال سميت خطأ (ربما مقصودا) “خرافية”. اعتبرتُ ذلك بمثابة الخدعة الذكية، حتى لو كان هو الذى أطلق عليها هذه الصفة. رجحت أنه سماها كذلك ليستدرجنا إلى هول الحقيقة، فيفوّت علينا أن نسارع فندمغها بالخرافة. إن مبادأته بتسميتها “خرافية” هى نفى ضمنى لاحتمال اتهامنا إياها أنها كذلك. أحمد شوقى هو أحمد شوقى، شدنى شاعرا وإنسانا طول عمرى. مثل أغلب أعماله، أُخذت بكل هذه السلاسة والجمال وأنا أتجول فى مختارات ديوانه للأطفال لأول وهلة، فقد كنت فى حاجة إلى أن أتعرف على هذا الشاعر الرقيق إنسانا دمثا شممت رائحة الطفل بداخله أثناء حكايا محمد عبد الوهاب لسعد الدين وهبة وهو يصف خوفه (خوف شوقى) من عبور الشارع وحيدا، فيناديه “حمادة”، ويطلب منه أن  يمسك بيده ويعبر الشارع”..إلخ.

السؤال الأول المطروح بالنسبة لأحمد شوقى وهانز أندرسن معا يقول: هل كان كل منهما واعيا وهو يتوجه للأطفال أنه  يكتب عنهم، أم لهم ؟  يعقب ذلك سؤال أهم: من هم هؤلاء الأطفال المعنيين؟ هل هم أطفال لأن شهادات ميلادهم تشهد بذلك؟ أم أنهم  الأطفال الذين هم بداخل كل منا مهما كانت أعمارنا؟ نؤجل الإجابة حتى نهاية الدراسة لننتقل للنظر فى كتابة ما وصلنا من كتابات أندرسن عبر تلك الهدية الغالية، وقد تجلى فيها البعد المسمى “خرافى” وهو ليس كذلك.

البداية فالمراجعة:

كانت البداية هى تصورى أنه من الممكن أن أعمل مقارنة بين مختارات ديوان شوقى للأطفال وتلك المقتطفات من أندرسن، وكنت فى أول الأمر منبهرا بديوان شوقى لخفة الدم، والسخرية، والنقد السياسى، والصور المتقنة المتحركة غالبا، لكننى وجدت نفسى بعد قراءتى كتابَىْ أندرسن، فى بؤرة قضايا نقدية ومعرفية متحدية: عن ماهية الشعر، وما هية الطفل، وواقعية الخيال، وأزمة التربية المعاصرة، وإبداع الشخص العادى وغريزة الإيمان، وحركية الوجود. يا خبر!! هل طُرح أى من ذلك نفسه على وعى أندرسن وهو يكتب؟ الاجابة الأصح هى بالنفى، الأرجح أن بعض ذلك يمكن أن يكون قد ورد على هامش وعيه أو فى جماع مستويات وعيه دون تحديد مسبق أو قصد ظاهر. لا يمكن أن يكتب كاتب أو شاعر  قصة مثل قصة “الظل” دون أن يكون حدسه الإبداعى قد وصل إلى عدة حقائق لم تظهر فى نظريات سيكوباثولوجية (إمراضية نفسية) ونقدية وإبداعية إلا بعد أكثر من قرن. على سبيل المثال: نظرية التحليل التفاعلاتى (تعدد الذوات)[4] ومفهوم (التفرد)[5] فى نظرية يونج، ثم معظم نظريات الإبداع الأعمق المتصل بالعمليةالإبداعية، وليس فقط بالناتج الإبداعى.

كيف القراءة والتلقى؟

ليست القضية الاعتراف بسبق حدس أندرسن  أو محاولة تفسير إبداعه للطفل بنظريات علمية أو نقدية لاحقة ـ القضية هى احترام ما يتحرك فى حدس المبدع من أعماق، قبل أن نحسبها بالحذلقة المعقلنة، أو التفسيرات الفوقية، ثم إن هذه الإشكالات التى تبدو للكبار شديدة التعقيد والصعوبة تكاد تكون أمرا طبيعيا للأطفال لقربها من حقيقة الفطرة، دون حاجة إلى برهان، فهى أقدر على الوصول إلى وعى  الطفل مباشرة، وأحيانا إلى الكبير أيضا بقدر ما يحوى كيانه من طفل نشط متبادل متكامل معاًً. على من يريد أن يقرأ أندرسن بما هو، خاصة من الكبار، أن ينسى حكاية التفرقة بين ما هو خيال وما هو واقع، وأن يستقبل كل شخوص قصصه بعينيه وجسده قبل عقله وتجريداته، فيتخفف من أى تفسير أو تنظير وصىّ وهو يصاحب شخوص الخيال والواقع معا، وكأنه يلمسهم أحياء لا تصورات. (أعترف أننى كدت أدخل معهم فى عالمهم لولا خوفى من جهلي طريق الرجوع).

عن الخيال والإبداع وروح الشعر

أندرسن لم يكتب للأطفال شعرا بشكل مباشر مثلما فعل شوقى، لكن شاعرية أندرسن فرضت  نفسها علىّ برغم أننى قرأت عمله بالعربية، الشاعرية الصوتية تكون أقرب وأوضح فى لغتها الأصلية. لكن الشاعرية التصويرية والحركية (كما أكدنا فى متن هذا الفصل) يمكن أن تصل إلينا بأى لغة. نجح أندرسن بالصورة والحركة بكل هذه البساطة العميقة أن يدافع عن حق الخيال فى ان يكون “واقعا آخر” للطفل خاصة، ولنا عامة. وأنا أقرأ أندرسن كنت طول الوقت أقفز من هارى بوتر إلى ألف ليلة وليلة، فى حين أننى وأنا أقرأ شوقى كنت أقفز من كليلة ودمنة إلى ميكى !! مرورا بمحمد فوزى أحيانا (هذا ليس قدحا فى أى من الثلاثة. فانا أحب الثلاثة).

يستحيل أن أقدم فى هذا الحيز ما وصلنى من مختارات أندرسن حيث كل قصة تكاد وحدها تحتاج إلى مثل هذا الحيز ، فأكتفى بالإشارة فى عجالة إلى ما حاورته  من بعض آخر قصص الجزء الثانى:

لا يجوز أى تلخيص لمثل هذا النوع من الإبداع بنفس القدر الذى لا يصلح فيها تلخيص لوحة تشكيلية بإظهار بعض أجزائها، أو إيجاز سمفونية فى أقل من وقتها، ومع ذلك فلا مفر من بضعة أسطر

قصة “الظل” تحكى عن “طالب علم” جاء إلى البلاد الحارة من البلاد الباردة، ولصقت به صفة “طالب العلم” حتى صارت اسمه. حضر من أول القصة وهو يلقى ظله حيثما ذهب (عادى)، لكن ومن البداية ظهر لنا وكأن للظل استقلاله، أو هو يحاول ذلك، وذات ليلة سمح طالب العلم لظله أن يمتد ليدخل عند الجار الغامض (الذى بدا لوهلة سابقة كعذراء مضيئة) ليستكشف مَنْ هناك، لكن الظل فعلها وتمادى مستقلا حتى تَأْنْسَن إنسانا، تاركا طالب العلم بلا ظل، ويدور الظل دورته، ويعرف، وينضج، ويستكشف أن الجار الغامض كان هو “روح الشعر” (إنسانا، وهذا اسمه) ثم يعود لصاحبه طالب العلم ويدور حوار، وتبادل أدوار (يصبح طالب العلم ظلا ويبقى “الظل” إنسانا) وتصالح، وكشف، واتفاق… وغير ذلك.

حين كتبت أطروحتى الأولى عن الإيقاع الحيوى ونبض الإبداع (هذا الفصل) قابلت بين ما أسميته “الحلم بالقوة” (الذى لا يظهر أبدا) بما أسميته “القصيدة بالقوة”‏. أوضحت كيف أن ‏القصيدة‏ ‏بالقوة‏ مثل الحلم بالقوة هى مشروع الإبداع فى عمق تشكيله، وهى ليست مشروعا فحسب، بل إنها كمال الإبداع “المستحيل”، بمعنى أنه رغم تمامه، لا يملك الظهور بما هو، وإنما يمكن ترجمته أو استلهامه للتعبير عما تيسر من المتاح. لا أكثر. هذا ما فهمت أن إليوت يعنيه بقوله: “ لم‏ ‏يتعلم‏ ‏المرء‏ ‏إلا‏ ‏انتقاء‏ ‏خير‏ ‏الكلام‏ ‏للشئ ‏الذى ‏لم‏ ‏تعد‏ ‏ثمة‏ ‏ضرورة‏ ‏لقوله‏، ‏وبالطريقة‏ ‏التى ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏ميالا‏ ‏لقوله‏ ‏بها‏”، حين وصلت إلى قصة “الظل” وجدتنى أمام حضور كامل لما أسميته “القصيدة بالقوة” وقد تمثلت فى شخص مجسد لحما ودما له اسم محدد (ليس صفة) حيث أسماه أندرسن هكذا مباشرة: “روح الشعر”. أعترف أننى فزعت وأنا أضع هذا الفرض الباكر عن مستويات الشعر، خاصة حين حضرنى مفهوم “القصيدة بالقوة” حتى امتلأ به وعيى تماما : بلغ إدراكى لعمق هذه الفرضية أننى فسرت من خلالها جدلية الموت، وأصل الوجود ومحوره قلت (ص48 من المتن) “…. ولعل‏ ‏كثيرا‏ ‏من‏ ‏حقائق‏ ‏الوجود‏ ‏التى ‏نعجز‏ ‏أصلا‏ ‏عن‏ ‏قولها‏ ‏هى ‏من‏ ‏باب‏ ‏هذا‏ ‏الشعر الذى لا يقال‏، ‏فالموت‏-‏الموت‏- ‏شعر‏ ‏لايقال‏ ‏بالنظر‏ ‏إلى ‏الجانب‏ ‏البنائى ‏فيه‏ ‏لا‏ ‏مجرد‏ ‏التحلل، ‏يقول‏ ‏أدونيس‏ ‏فى ‏رثاء‏ ‏صلاح‏ ‏عبد‏ ‏الصبور‏: “…‏ففى ‏لحظة‏ ‏الشعر‏، ‏خصوصا‏ ‏لحظة‏ ‏الموت‏، ‏ذلك‏ ‏الشعر‏ ‏الآخر‏”. حتى أننى أضفت من وجهة نظر تصوف ما:” ‏ ‏إن‏ “‏الله‏”- ‏من‏ ‏منظور‏ ‏تصوفى ‏معين‏- ‏هو‏ ‏شعر‏ ‏لايقال‏ (ليس كمثله شىء).

هذا المستوى من الشعر هو ما وصلنى من شرح “الظل” لخبرته مع الجار الغامض المسمى “روح الشعر”, ذلك لأنه بعد أن استقل “الظل” عن صاحبه “طالب العلم”، وتجسد إنسانا، عاد يصف خبرة لقائه مع جاره  “روح الشعر” يصفها بكل ما وصلنى فى الفرض السابق الذكر (الوارد فى هذا الفصل).  لم تكتف قصة الظل هذه بكشف الجانب الغامض المبدع للحياة هكذا، بل أنها عمَّقت التقابل بين “روح الشعر” (كيانا حقيقيا) وبين “طالب العلم” المعلوماتى الظاهر الوصّى، لم يخطئ أندرسن فيتمادى فى الاستقطاب بين الظل الذى استوعب روح الشعر، وبين طالب العلم، ليفضل أحدهما على الآخر فى مناظرة مسطحة، وإنما مضى ليجعل رحلة “الظل” رحلة معرفية إبداعية شديدة العمق دون إلزام بتنافس سطحى مع “طالب العلم”. إن رحلة “الظل” إلى “روح الشعر” لم تكن حكرا على “الظل”، فهذا الأخير  يخاطب صاحبه “طالب العلم” بعد أن التقاه لقاء الند للند فيشرح له كيف أن فرصة لقاء “روح الشعر” مفتوحة لمن يريد، على شرط أن يتقدم إليها لا أن يجلس فى الشرفة ينتظرها، يقول “الظل” “لطالب العلم: “…. حضرتك كنت دائما تجلس وترنو إلى الممر، لم يكن هناك (عند الجار الغامض) ضوء نهائيا، فهناك ما يشبه الشفق، وكل الأبواب كانت جميعا مفتوحة على الآخر على طول الصالات والقاعات..”.

هكذا يؤكد أندرسن أن فرصة الإبداع تكاملا هى فرصة كل الناس دون استثناء. هى ليست حكرا على صفوة موهوبة إذن، هذه القضية كانت وما زالت شغلى الشاغل سواء فى ممارستى صحبة الجنون كإبداع مجهض، أو فى تعاملى مع الأحلام كإبداع يومى.

يدور الحوار بين طالب العلم وظله بعد عودته من رحلته المعرفية الواعدة بتخليق ذاته (ذواته معا) وقد تجسد إنسانا، يدور الحوار بمنتهى الاحترام التلقائي، ثم بناء على إصرار “الظل” على أن يخاطبه “طالب العلم” بـ “حضرتك…” حتى لو لم يفعل نفس الشئ بالمقابل. الاستقطاب المباعِدْ بين المتحاورين لم يكن مطروحا، فالظل لم يكن هو “حالة الذات الطفلية الحرة المنطلقة” (حسب نظرية التحليل التفاعلاتي) مع أنه كان يمثل الحرية والبحث عن المعرفة الأخرى، كان نحيفا لكنه يافع تماما، وقوى، وواثق من نفسه، ومطالب بحقوقه برغم شكواه من أن “لحيتى لا تنمو كما يجب”.

بحدس إبداعى فائق يدرك أندرسن، فيعلـم الأطفال فينا، كيف أن التكامل بين الذوات إنما يتم بالتصالح والرفقة، لا بالتبادل المستقطب، ولا بالتسوية المائعة، حتى قال طالب العلم للظل ذات يوم وهو يرافقه بناء على اتفاق طيب “..بما أننا أصبحنا رفيقَىْ سفر كما نحن الآن، ونحن أيضا قد نشأنا منذ الطفولة معا، ألا نشرب نخب رفع الكلفة بيننا، إنه أمر أكثر ألفة”.

فى نفس القصة يعلن حدس أندرسون عددا من الحقائق من أعمق ما توصل إليه العلم الإبداع معا: فهو يكشف كيف أن نفاذ البصيرة رائع ومزعج حتى يعتبر داء إذ يصف بنت الملك – فى المصح- وكيف استطاعت أن تنتبه إلى أن “الظل” حين جاء إلى المصح لم يحضر “حتى..يجعل لحيته تنمو، ولكنى أرى السبب الحقيقى أنه بلا ظل”، فنتذكر كانديرا فى “الكائن الذى لا يحتمل خفته” وبدرجة أقل نتذكر فتحى غانم فى “الرجل الذى فقد ظله” . أنظر أيضا ما ورد على لسان “الظل” فى عبارة عابرة وهو يحاور صاحبه “طالب العلم”، فيكشف عن دور الإيقاع الحيوى اليوماوى Circadian[6] جنبا إلى جنب مع “الأزمة المفترقية” CrossRoads crisis[7]: يقول لصاحبه بعد عودته “… أقول لحضرتك، كنت هناك، هل بإمكنك أن تدرك ما يمكن أن يُرى؟ …عرفت طبيعتى أيضا وما خلقتْ عليه، علاقتى العائلية بروح الشعر، أجل، عندما كنت مع حضرتك فى ذلك الزمن لم أفكر بذلك، ولكن بشروق الشمس، بغيابها، كما تعرف حضرتك، صرت كبيرا بشكل غريب، على ضوء القمر كنت أوشك تقريبا أن أكون أوضح من حضرتك، لم افهم وقتها طبيعتي ـ أدركت ذلك فى الممر الموزع، صرت إنسانا، خرجت راشدا”. كل ذلك يكاد يطابق فروض النظرية الإيقاعية التطورية فيما يتعلق بما سمى “الأزمة المفترقية، بين الإبداع والنمو والجنون[8]، وفيه تأكيد على العلاقة بين كل ذلك والإيقاع الحيوى. إن تعبير أندرسن عن “الممر الموزع” هو الأقرب إلى فرض أزمة “مفترق الطرق” على مسار النمو التى يمكن أن تنتهى إلى مرحة أعلى من التكامل والرشاد أو ينتج عنها إبداع متميز، أو تجهض إلى اغتراب متماد، أو تفشل بما يؤدى إلى التفسخ أو الإعاقة فى المرض حتى الجنون، لهذا نخافها (الأزمة) حتى يمكن ألا نخوضها فيتوقف النمو. إن دور الإبداع – للأطفال خاصة- ودون تنظير، هو أن يرسم مختلف الطرق بعد الممر الموزع، لنطمئن نسبيا ونحن نستمر، كل هذا بتلقائية غير مباشرة، دون تنظير، اللهم إلا للنقد والمعرفة.

القصص الأخرى ليست أقل إبداعا أو كشفا عن الطبيعة الإنسانية، فقصة المطر تضيف إلى خطورة حقيقة اغتراب البشر فى المدينة (أى مدينة) وتنبه إلى بشاعة تقاتل الناس على اللاشىء: “قال العجوز الممسك بالمكبرة الزجاجية التى تكبر الواقع، قال بعد أن رأى من خلال المكبرة “..آلافا من الحيوانات الصغيرة تطفر وتقفز، تشد وتلتهم بعضها البعض”. “..”ياله من منظر مقرف”..” ألا يمكنهم أن يعيشوا فى سلام؟” وبدا المنظر مثل مدينة بأكملها برجال عراة متوحشين..”. وقد بدت بالفعل مثل مدينة يتراكض فيها الناس عراة، كان شيئا يقشعر له البدن، والذى يزيد من هذا الإحساس هو رؤيتهم وهم يتدافعون، يركل واحدهم الآخر، يقضم الآخر، يقرض الآخر، يتناهشون، ويسحلون بعضهم، وما توجب أن يكون أسفل كان فى الأعلى وما توجب أن يكون فى الأعلى كان فى الأسفل…”.

وفى قصة “أم”، يتجسد الموت فى شكل شيخ غريب يخطف ابنها برغم توسلاتها، فتهيم على وجهها لتسترده وهى تضحى بكل شىء فى سبيل ذلك: نظرها ولسانها و..و…الخ. حتى تصل إلى “مشتل الموت” فإذا به ليس موتا بل مجهولا، فترضى الأم أن تتنازل عن إصرارها على إحياء ابنها، فمشى الموت (شخصا مجسدا). بابنها إلى البلاد المجهولة. وهى راضية أو موافقة على الأقل: نهاية مفتوحة حتى للموت!! (راجع ما سبق الإشارة إليه فى المتن ص 46 من تفسير الموت بعلاقته بالقصيدة بالقوة).

تعرفت بعد ذلك على الموت (عند الأطفال والكبار) من بقية أندرسون “بائعة أعواد الكبريت الصغيرة” حيث ربطت بينها وبين قصة الأم التى وردت للتو، كما اكتب حاليا نقد الرباعية قصة ملكة الثلج التى عّرى فيها أندرسون اللامبالاة الأحدث التى تحول بين البشر وبعضهم..إلخ.

أما قصة الناقوس التى تُجسد السعى إلى الله تعالى من خلال نداء الداخل حتى يتيقن الجميع على اختلافهم من وجود الله تعالى فى الخارج/الداخل، شريطة ألا يعيّنوه ماثلا مفارقا طول الوقت، بل يستمعوا إلى دقاته (الناقوس) يقينا من الداخل إلى الخارج وبالعكس.

قارئ أندرسون من هذا المنطلق يمكنه أن يتعرف ليس فقط على خيال الأطفال، وإنما أساسا على التركيب الفطرى للنفس البشرية وحركيتها الطليقة فى جدلية متصلة بين مستويات وجودها وطبقات وعيها، هذه الطلاقة التى يدركها الأطفال ويمارسونها، هى بذاتها ما نظل محتفظين بها فى نشاط أحلامنا، وهى التى نكتمل بها حين نعترف بدور الحلم/الخيال/الشعر فى مسيرة تطورنا ونمونا التكاملى. إن وصاية شعر الحكمة، وحكمة المنطق بشكل غالب نهارا – كما سنرى فى شعر شوقى- لا ينبغى أن تكون على حساب إبداعية حركية الشعر والحلم ليلا . كل هذا و أندرسن لم يقصد – واعيا – أيا مما ذكرت من نظريات ظهرت بعد قرن أو أكثر، بل إن أرجح الأرجح أنه لو كان أندرسن قد وعى بعض ذلك، لما كتب ما كتب، ولا خاطب به الأطفال داخلنا وخارجنا  أصلاً.

… عن ديوان شوقى للأطفال

قصدت بإضافة هذه المقارنة أن أوضح كيف أن حكايات أندرسن للأطفال هى أقرب إلى الشعر الشعر، أو الشعر الخالقى كما سيرد ذكره فى الفصل الثانى، إن شعر شوقى هنا هو مثال لكيف يمكن أن يكون الشعر أبعد ما يكون عن الحلم، وأقرب إلى الايقاع الراتب والتفكير المفاهيمى برغم بساطته وجمال وأنه للأطفال.

قراءة شعر شوقى للأطفال تنبدأ بنفس التساؤل: هل هو للأطفال أم أنه عن الأطفال؟ أم أن شوقى يستعمل ما هو طفل فيه وفينا ليحقق مأربه بما يبلغه به  من رسائل للكبار؟

بالرغم من انبهارى لأول وهلة بالمختار من الديوان فقد وجدت فى قصص أندرسن شعرا أكثر خيالا، وأجمل أضواء، وأعمق أنغاما من نظم شوقى الخفيف الجميل الساخر. ما وصلنى من مختارات شوقى (الأمر الذى لا يسمح بالتعميم) يمكن أن يُقَسَّم إلى أناشيد أقرب إلى الأناشيد الحماسية الطيبة، ثم قصائد الحكمة التى ترد بشكل مباشر فى بدء أو ختام كثير من القصائد، ثم قصائد التسلية والتندر، لتتطور بعض تلك القصائد من السخرية إلى النقد السياسى صراحة. الصور جميلة وخفيفة وبعضها مركب بشكل متداخل (القرد والفيل مثلا)، إلا أننى افتقدت الشعر فى نظم شوقى للأطفال: افتقدت انسياب الخيال، وزخم الحركة، وتنوع الحضور، وتعدد المستويات. المهم: رحت أراجع القيم التى يقدمها شوقى للأطفال (سواء كانوا أطفالا بالعمر أم أطفالا بداخل الكبار) فوجدت فيها غلبة البعد الأخلاقى ذى المستوى الواحد، دون الحفز الإبداعى والتحريك الخيالى. إن ما شغلنى بعد مقارنة قصص أندرسن التى وصلتنى شعرا، بشعر شوقى الذى وصلنى نظما فكِها أو ساخرا او حكيما، هو مدى المساحة التى تحرك فيها أندرسن حتى قارنتُها بمساحة حركة ج. رولينج، مؤلفة هارى بوتر، وأيضا بمساحة حركية ألف ليلة وليلة، (ومن ثم مساحة واتساع حركية إبداع الحلم بالقوة، وإلى درجة أقل الحلم بالفعل). مع شوقى: وجدتنى أتحرك فى المحل، راقصا فى خفة مرحة، لكننى لا انتقل من مكانى، ولا ينطلق معى خيالى. ثم انتبهت كيف أن خطاب كثير من قصائد شوقى موجه للكبار أكثر منه للصغار، خذ مثلا: قصيدة الجدة والحفيد وهو يلوذ بها من أبيه، إنها تأنيب للوالد وهى تذكَّرُه أنه كان شقيا مثل ابنه “ألم تكن تصنع ما، يصنع إذْ أنت صبى”، شوقى–شخصيا- يبدو فى أغلب قصائده إما طفلا يلهو” أو حكيما يعظ، لكنه لم يكن متحركا مكتشفا لطبقات وعينا عبر الأطفال داخلنا وخارجنا وهو يخاطبنا متلقين.  نهايات شوقى يمكن أن تضع بعدها نقطة ساكنة جدا، كما هو الحال عند معلمينا ووعاظنا ومدرسينا. بعض قصائد شوقى تبدأ بعنوان الحكمة المعنية مثل قوله “إسمع نفائس ما يأتي من حِكَمِى، وافهمه فهم لبيب ناقد واعى!!

…..

بعض ما يمكن أن يصل من شوقى كان رائعا على مستوى النقد السياسى مثلا، لكن أين الشعر وأين الحلم؟

وبعـد

هل يمثل أندرسن، وهو القاص إذ يخاطب الأطفال ما قصدت تبيانه من إبداع الحلم والشعر جميعا، وهل يمثل شوقى ، وهو الشاعر إذ يستعمل الأطفال سبيلا إلى تقديم الحكمة والنقد الاجتماعى والسياسى، عكس كل ما هو حلم حقيقى، الحلم بالقوة والحلم بالفعل؟

هذا هو ما أردت توصيله بإضافة هذا الملحق.

[1]- يحيى الرخاوى: “أطفالنا: بين روح الشعر ونظم الحكمة” (ص 45 – 49) عدد 74 مارس 2005- مجلة وجهات نظر.

[2] – أحمد شوقى: “المختار من ديوان شوقى للأطفال” مكتبة الأسرة عام 2002- الهيئة المصرية العامة للكتاب.

[3] – هانز كريسيتان أندرسن: “قصص وحكايات خرافية”  (الجزءان الأول والثانى) فبراير 2005 من سلسلة الكتاب للجميع – جريدة القاهرة- القاهرة.

[4] – Transcultural Analysis

[5] – Individuation

[6] – يحيى الرخاوى “جدلية الجنون والإبداع” (الفصل الثانى) العدد الرابع – 1986 – مجلة فصول.

[7] – يحيى ‏الرخاوى: “دراسة‏ ‏فى ‏علم‏ ‏السيكوباثولوجى” (1979) ‏دار‏ ‏الغد‏ ‏للثقافة‏ ‏والنشر‏، ‏القاهرة.

[8] – انظر  النظرية الايقاعية التطورية     www.rakhawy.org

الفصل الثانى

جدلية الجنون والإبداع

مقدمة بدءا من البداية

مقدمة بدءا من البداية

جدلية الجنون والإبداع [1]

تقدم‏ ‏هذه‏ ‏المداخلة‏ ‏مستويين‏ ‏من‏ ‏الجدل‏ ‏فيما‏ ‏يتعلق‏ ‏بالإبداع، الأول‏: الجدل بين‏ ‏المعرفة‏ ‏البدائية‏ ‏والمعرفة‏ ‏المفاهيمية‏، والثانى: الجدل ‏بين‏ ‏المراحل‏ ‏الأولى (‏وفى ‏النادر‏: ‏التالية‏) ‏من‏ ‏الإبداع‏، ‏والجنون[2].

وهى ‏تقدم‏ ‏الإبداع‏ ‏والجنون‏ ‏بوصفهما‏ ‏حالتين‏ ‏من‏ “‏حالات‏ ‏الوجود”‏، ‏فى ‏مقابل‏ “‏حالة‏ ‏العادية‏”، ‏وجميعها هى حالات تتداول من خلال الايقاع الحيوى لكل فرد، بدرجات وتجليات مختلفة لتحل محل تقسيم الناس إلى مبدع، وعادى، ومجنون وتختلف العلاقة بين‏ ‏الإبداع‏ ‏والجنون‏: ‏من‏ ‏التشابه‏ ‏المتطابق‏ (‏قبل‏ ‏التميز‏ ‏إلى ‏أيهما‏) ‏إلى ‏السلب‏ ‏أو‏ ‏الإبعاد‏ ‏أو‏ ‏التناقض‏‏،‏ ‏ثم إن‏ ‏تفرقة‏ ‏واجبة‏ ‏الإيضاح‏ ‏بين‏ ‏حالة‏ ‏الإبداع‏ (‏بما‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏الإبداع‏ ‏الحيوى‏= ‏تطور‏ ‏الحياة‏ ‏ونمو‏ ‏الإنسان‏ ‏نوعيا‏)، ‏وناتج‏ ‏الإبداع‏ ‏فى ‏أعمال‏ ‏خارجة‏ ‏عن‏ ‏ذات‏ ‏المبدع‏ ‏فى ‏صورة‏ ‏تشكيلات‏ ‏مسجلة‏ ‏خارجه.‏

وتنتهى ‏المداخلة‏ ‏إلى ‏ضرورة‏ ‏التمييز‏ ‏بين‏ ‏مستويات‏ ‏الإبداع‏ ‏وتشوهاته‏، ‏حيث‏ ‏بينت‏ ‏الفروق‏‏ ‏بين‏ ‏كل‏ ‏من‏ ‏الإبداع‏ ‏الفائق‏، ‏والإبداع‏ ‏البديل‏، ‏والإبداع‏ ‏الناقص (المجهض)‏، ‏والإبداع‏ ‏المحبط‏ (‏اللا‏‏إبداع=المجمد‏)‏، ‏مع‏ ‏ما‏ ‏يقابلها‏ ‏من‏ ‏مستويات‏‏، الاضطراب‏ ‏العقلى. ‏

وأخيرا: تُختتم المداخلة‏ ‏بالإشارة‏ ‏إلى ‏بعض‏ ‏مجالات‏ ‏التطبيق‏ ‏فى ‏علاج‏ ‏الجنون‏ ‏وتشخيصه‏، ‏وتطور‏ ‏اللغة‏، ‏ومشكلة‏ ‏الحداثة‏ ‏فى ‏الشعر خاصة‏، ‏والإبداع‏ ‏الذاتى فى التصوف مثلا.

1- بدءا من البداية

مازالت‏ ‏قضية‏ ‏علاقة‏ ‏الجنون‏ ‏بالإبداع‏ ‏تمثل‏ ‏تحديا‏ ‏للوعى ‏البشرى (وليس فقط للبحث والمعرفة) . ‏وقد‏ ‏بلغ‏ ‏الأمر‏ ‏من‏ ‏الخلط‏ ‏والتساؤل‏ ‏ما‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏مواجهة‏ ‏صعبة‏، ‏تعيد‏ ‏ترتيب‏ ‏المداخل‏ ‏والمراحل‏ ‏حتى ‏تتضح‏ ‏المعالم‏، ‏سواء‏ ‏بالنسبة‏ ‏لاحتمالات‏ ‏التشابه‏ ‏والخلاف‏، ‏أو‏ ‏بالنسبة‏ ‏لنوعية‏ ‏التفاعل‏، ‏أو‏ ‏بالنسبة‏ ‏لمخاطر‏ ‏الخلط‏ ‏والتداخل‏.‏

هذا‏ هو ‏بعض‏ ‏هدف‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏.‏

منذ أصيب الكائن البشرى بمحنة غلبة “الوعى المعقلن”[3] ومسئوليته‏، ‏تصور‏ ‏أنه‏ ‏امتلك‏ ‏وسائل‏ ‏تخطيط‏ ‏مستقبله‏، ‏فراح‏ ‏يتدخل‏ ‏فى ‏مسيرة‏ ‏حياته‏، ‏فمصير‏ ‏نوعه‏، ‏تدخلا‏ ‏عشوائيا‏ ‏غير‏ ‏منتظم‏. ‏ومن‏ ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏تزايد‏ ‏ترجيحه‏، ‏وبخطى ‏عملاقة‏، ‏لذلك‏ ‏الجانب‏ ‏الكمى “‏الإنتاجي‏” ‏من‏ ‏الوجود‏ ‏البشرى، ‏على ‏نحو‏ ‏نتج‏ ‏عنه‏ ‏تضخم‏ ‏فى ‏ناحية‏ ‏سطحية‏ ‏من‏ ‏الظاهرة‏ ‏البشرية‏ ‏دون‏ ‏سائر‏ ‏كليتها‏، ‏تضخم‏ ‏يكاد‏ ‏يهدد‏ ‏بالانقراض‏[4]. ‏وقد‏ ‏ترتب‏ ‏على ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏الانسان‏ ‏فى ‏محاولته‏ ‏لتحقيق‏ ‏التوازن‏ ‏بترجيح‏ “‏الجانب‏ ‏الآخر‏” ‏من‏ ‏الوجود‏، ‏ليكتمل‏، ‏أصبح‏ ‏عليه‏ ‏أن‏ ‏يتجاوز‏ ‏هذه‏ ‏الوصاية‏ ‏ليخترق‏ ‏ما‏ ‏فرضته‏ ‏من‏ ‏قيود‏ (‏كمية‏، ‏ومغتربة‏) ‏على ‏باقى ‏مستويات‏ ‏وجوده،‏ ‏وهو‏ ‏إذ‏ ‏يفعل‏ ‏ذلك‏ ‏يكتشف‏ ‏أن‏ ‏عليه‏ ‏أن‏ ‏يصارعها (الوصاية) ‏ ‏صراعا‏ ‏مهدَّدا‏ ‏بالإخفاق‏، ‏الذى ‏كثيرا‏ ‏ما‏ ‏يتجلى ‏فى ‏شكل‏ ‏ما‏ ‏يسمى ‏اضطراب‏ ‏نفسى قد ‏يصل‏‏ ‏إلى ‏درجة‏ ‏ مايسمى “الجنون‏”. ‏

نحن‏ ‏لا نعرف‏ ‏تحديدا‏ ‏كيف‏ ‏حل‏ ‏تاريخ‏ ‏التطورالحيوى ‏ما‏ ‏يقابل‏ ‏هذه‏ ‏المشكلة‏ ‏المتحدية‏، ‏ولكننا‏ ‏نرجح‏ ‏أن‏ ‏افتقاد‏ ‏ما‏ ‏قبل‏ ‏الإنسان‏ ‏لهذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏الوعى ‏المتدخـِّـل‏، ‏قد‏ ‏أتاح‏ ‏الفرصة‏ ‏أن‏ ‏تعمل‏ ‏قوانين‏ ‏الحياة‏ ‏بشكل‏ ‏أقرب‏ ‏إلى ‏التوازن‏ ‏الكلى، ‏على ‏نحو‏ ‏ضيَّـق‏ ‏الهوة‏ ‏الواجب‏ ‏اجتيازها‏ ‏عند‏ ‏كل‏ ‏طفرة‏ ‏نوعية‏. ‏ثم‏ ‏إن‏ ‏الإخفاق‏ ‏فى ‏طفرات‏ ‏تاريخ‏ ‏التطور‏ ‏الحيوى ‏كان‏ ‏يعلن‏ ‏عن‏ ‏نفسه‏ ‏بالانقراض‏ ‏أساسا‏ (‏أو‏ ‏بالتوقف‏ ‏عند‏ ‏نوع‏ ‏بذاته‏)، ‏كما‏ ‏أن‏ ‏النجاح‏ ‏كان‏ ‏يتمثل‏ ‏فى ‏اطراد‏ ‏النقلات‏ ‏الكيفية‏ ‏على ‏مسار‏ ‏تطور‏ ‏الحياة‏. ‏لكن‏ ‏الإنسان‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏اكتسب‏ ‏الوعى (‏هذا‏ ‏الوعى‏) ‏راح‏ ‏يحاول‏ ‏أن‏ ‏يستطلع‏ ‏المسيرة‏ ‏ليحدد‏ ‏معالمها‏ ‏وهو‏ ‏يرجح‏ ‏احتمالات‏ ‏نجاحها،‏ ‏وفى ‏محاولاته‏ ‏تلك:‏ ‏كان‏ ‏عليه‏ ‏أن‏ ‏يتجادل‏ ‏مع‏ ‏تاريخه‏ ‏الآنى ‏وهو‏ ‏الذى ‏يتمثل‏ ‏فى ‏مستويات‏ ‏الوعى ‏الأقدم‏ ‏التى ‏يحتويها‏ ‏تركيبه‏ ‏حالا‏، ‏وكانت‏ ‏بعض‏ ‏تجليات‏ ‏هذا‏ ‏الجدل‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏يسمى ‏الإبداع‏ (‏كما‏ ‏نعرفه‏-‏غالبا‏: ‏ناتجا‏ ‏رمزيا‏ ‏تشكيليا‏ ‏مسجلا‏) ‏إلا‏ ‏أنه‏ ‏لم‏ ‏ينجح‏ ‏على ‏طول‏ ‏الخط‏، ‏فظهرت‏ ‏أشكال‏ ‏فشله‏ ‏فى ‏التوقف‏ ‏أو‏ ‏الجمود‏ ‏أو‏ ‏التناثر‏ ‏حتى ‏الجنون‏.‏

هذا‏، ‏ومع‏ ‏تقدم‏ ما يسمى بالعلوم ‏ ‏المُحكمة‏[5] على  ‏حساب‏ ‏الإبداع‏ ‏المشتمل، ‏ ‏زادت‏ ‏الفجوة‏ ‏بين‏ ‏الجزء‏ ‏الكمى ‏الظاهر‏ ‏الطاغى ‏من‏ ‏الوجود‏ ‏البشرى، ‏وبين‏ ‏سائر‏ ‏المستويات‏ ‏الأخرى‏- ‏مستويات‏ ‏الوعى ‏الكامنة‏ ‏فى ‏منظومات‏ ‏الدماغ‏ ‏الهيراركية[6]‏، ‏فأصبحت‏ ‏النقلة‏ ‏من‏ ‏الوعى ‏المعقلن‏ ‏إلى ‏محاولة‏ ‏التكامل‏ ‏محفوفة‏ ‏بمخاطر‏ ‏متزايدة‏، ‏وبالتالى ‏أصبح‏ ‏تحقيق‏ ‏الإبداع‏ ‏النمائى الطبيعى ‏مرتبطا‏ ‏ارتباطا‏ ‏تاما‏ ‏بتهديد‏ ‏الجنون‏.

الامتحان المواجِه لإنسان اليوم هو امتحان عبوره – واعيا مشاركا -‏ ‏أزمة‏ ‏تطوره‏ ‏. احتد الوعى ‏بشكل غير مسبوق حتى انتقلت‏ ‏القضية‏ ‏الحيوية‏ ‏لحركية‏ ‏الحياة‏ ‏‏ ‏من‏: “‏إما‏ ‏أن‏ ‏نتطور‏ ‏أو‏ ‏ننقرض‏”، ‏إلى “‏إما‏ ‏أن‏ ‏نبدع‏ ‏أو‏ ‏نُجن‏”.‏

كان‏ ‏من‏ ‏البديهى ‏أن‏ ‏تنشأ‏ ‏حركة‏ ‏مواجهة‏ ‏نافرة‏ ‏تحتج‏ ‏على ‏غلبة‏ ‏هذا‏ “‏الوعى ‏المعقلن‏”، ‏فظهرت‏ ‏أطروحات‏ ‏مضادة‏ ‏منذ‏ ‏نهاية‏ ‏الحرب‏ ‏العالمية‏ ‏الأولى ‏وقد‏ ‏بلغت‏ ‏ذروتها‏ ‏فى ‏الأربعينيات‏ ‏إلى ‏السبعينيات‏، ‏وذلك‏ ‏مثل‏ ‏الحركة‏ ‏المناهضة‏ ‏للطب ‏النفسى[7] (‏والمبرِّرة‏ ‏للجنون‏ ‏ضمنا‏)، ‏ومثل‏ ‏بعض‏ ‏أشكال‏ ‏الأوتوماتية‏ ‏فى ‏الشعر‏[8]، ‏مارين‏ ‏ببعض‏ ‏التجمعات‏ ‏السياسية‏ ‏المتناثرة‏، ‏والصرخات‏ ‏الاجتماعية‏ ‏الطفلية‏ ‏والنكوصية‏ ‏المجهَضة‏. ‏وقد‏ ‏أخفقت‏ ‏أغلب‏ ‏هذه‏ ‏الحركات‏ ‏المضادة‏ ‏من خلال ‏اختبار‏ ‏الزمن‏، (بدأ إعلان الإخفاق من أواخر السبعينات ثم الثمانينيات وهو ما زال يزداد فى معظم المجالات..) . كاد‏ ‏هذا‏ ‏الإخفاق‏ ‏يصبح‏ ‏مبررا‏ ‏لتمادى ‏اغتراب‏ ‏الإنسان اندفاعا إلى الجانب الآخر، على حساب جدل تطوره ونوعية وجوده‏.‏

‏ ‏فى ‏محاولة‏ ‏أخرى ‏تواترت‏ ‏أشكال‏ ‏الإبداع‏ ‏التفريغى ‏التطهيري‏!! (‏التسكيني‏)، ‏والإبداع‏ ‏الجمالى (‏والتجميلي‏)، ‏وماشابه‏، ‏على ‏نحو‏ ‏أدى ‏وظيفة‏ ‏توازنية‏ ‏تهديئية‏، ‏لكنها‏ ‏لم‏ ‏تكن‏ ‏كافية‏ ‏لكبح‏ ‏طغيان‏ ‏الوعى ‏المعقلن‏، ‏بل‏ ‏لعلها‏ ‏أجلت‏ ‏المواجهة، بل‏‏ ‏كادت‏ ‏تعطل‏ ‏المسيرة‏.‏

كذلك‏ ‏شاعت‏ فى الحياة اليومية  ‏قيم‏ “‏التكمية‏ ‏الاغترابية‏”[9] ‏بدءآ‏ ‏من‏ ‏الرفاهية‏ ‏كهدف‏ ‏نهائى، ‏مرورا‏ ‏بالمبالغة‏ ‏فى ‏الاقتصار‏ ‏على ‏تحريك‏ ‏الوعى ‏أو‏ ‏تخميده‏ ‏بعوامل‏ ‏كيميائية‏ ‏خارجية‏ ‏سواء‏ ‏كانت‏ ‏عقاقير‏ ‏حديثة‏ ‏يروجها‏ ‏الطب‏ ‏النفسى ‏الميكانيكى، ‏أم‏ ‏كانت‏ ‏مخدرات‏ ‏ومنشطات‏ ‏مسئولة‏ ‏عن‏ ‏تمادى ‏ظاهرة‏ ‏الإدمان‏، أم كانت تفسيرات سطحية لنصوص مقدسة رائعة، المفروض أنها ملهِمَة أكثر منها وصية مجمِّدة.

هكذا‏ ‏أصبحت‏ ‏الحاجة‏ ‏ماسة‏ ‏إلى ‏أطروحة‏ ‏محيطة‏ (‏لا‏ ‏عكسية‏ ‏ولا‏ ‏بديلة‏) ‏تستوعب‏ ‏النقيضين‏ ‏لتحقق‏ ‏التوازن‏ ‏الحركى ‏الجدلى ‏الدافع‏ ‏لاستمرار‏ ‏المسيرة‏  ‏واضطراد‏ ‏التطور‏، ‏وهو‏ ‏ما‏ ‏أسميناه‏ ‏ـ‏ ‏هنا‏ ‏-‏ ‏الإبداع‏ ‏الفائق‏ (‏أنظر بعد)، ‏الذى ‏يمكنه‏ ‏أن‏ ‏يحتوى ‏المكاسب‏ ‏البشرية‏ ‏الكمية‏ ‏المتحدية‏ ‏بوصفها‏ ‏أدوات‏، ‏ليخدم‏ ‏بها‏ ‏كلية‏ ‏الوجود‏ ‏البشرى، ‏من‏ ‏أجل‏ ‏استمرار‏ ‏حركته‏ ‏المتنامية نوعيا‏.

‏غير‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏الإبداع‏، ‏مع‏ ‏وجود‏ ‏هذه‏ ‏الفجوة‏ ‏الناتجة‏ ‏عن‏ ‏فرط‏ ‏الاغتراب‏، ‏قد‏ ‏بدا‏ ‏نوعا‏ ‏أكثر‏ ‏خطرا‏، ‏وأشد‏ ‏صعوبة‏، ‏وأزعج‏ ‏إرعابا‏،، ‏ذلك‏ ‏لأنه‏ ‏يتطلب‏ ‏المخاطرة‏ ‏بتنشيط‏ ‏منظومات‏ ‏الوعى: ‏الأثرى، ‏والطفلى، ‏والفج‏، ‏والبدائى، ‏دون‏ ‏أى ‏ضمان‏ ‏لعدم‏ ‏غلبته‏ ‏أو‏ ‏التوقف‏ ‏عنده‏، ‏بمعنى ‏أنه‏ ‏لكى ‏يكون‏ ‏الإبداع‏ ‏إبداعا‏ ‏على ‏هذا‏ ‏المستوى‏، ‏فلابد‏ ‏أن‏ ‏يخترق‏ ‏مرحلة‏ ‏الجنون‏ ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏. ‏وقد‏ ‏ترتب‏ ‏على ‏ذلك‏، ‏وعلى ‏الخوف‏ ‏من‏ ‏ذلك‏، ‏أن‏ ‏ظهرت‏ ‏أشكال‏ ‏مجهضة‏ ‏ومختلطة‏، ‏من‏ ‏الإبداعات‏ ‏المختلفة‏، ‏حتى ‏لو‏ ‏كان‏ ‏بعضها‏ ‏أصيلا‏ ‏جزئيا‏، ‏أو‏ ‏بدايةً‏، ‏مما‏ ‏زاد‏ ‏الحاجة‏ ‏إلى ‏مواكبة‏ ‏نقد‏ ‏مسئول‏ ‏مبدع‏ ‏طول‏ ‏الوقت‏.‏

وهذا‏ ‏بعض‏ ‏اتجاه‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏.‏

‏2- ‏تحديد‏ ‏مفاهيم‏:‏

على‏ ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏مفهوم‏ ‏كل‏ ‏من‏ ‏الجنون‏ ‏والإبداع‏ ‏يكاد‏ ‏يكون‏ ‏من‏ ‏الشيوع‏ ‏بحيث‏ ‏يبدو‏ ‏كأنه‏ ‏لايحتاج‏ ‏إلى ‏تحديد‏ ‏أصلا‏، ‏فإنه تلزمنا مناقشة‏ ‏مضمون‏ ‏هذه‏ ‏المفـاهيم‏ ‏حتى ‏تتحدد‏ ‏معالم‏ ‏ما‏ ‏نشير‏ ‏إليه‏ هنا ‏بدقة‏ ‏مناسبة‏،‏ لذلك سـوف نحاول‏ -‏ ‏ابتداء‏ ‏-‏ ‏تحديد‏ ما نعنيه بكلٍّ‏ ‏من‏ ‏الإبداع‏ ‏والجنون‏، وذلك بصورة مبدئية، مع‏ ‏الوضع‏ ‏فى ‏الاعتبار‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏التحديد‏ ‏المبدئى ‏ليس‏ ‏ملزما‏ ‏حتى ‏نهاية‏ ‏المداخلة‏، ‏فهو‏ ‏قابل‏ ‏للتعديل‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏تطور‏ ‏التناول‏ ‏وإعادة‏ ‏النظر‏ ‏طول‏ ‏الوقت.

لم‏ ‏يستقر‏ ‏الأطباء‏ ‏المختصون‏ ‏أنفسهم‏ ‏على ‏وصف‏ ‏الجنون‏ ‏أو‏ ‏تحديده‏ ‏أو‏ ‏تقسيمه‏ ‏إلى ‏فئات‏ ‏متفق‏ ‏عليها‏ ‏اتفاقا‏ ‏تاما‏ ‏حتى‏الآن‏، ‏ناهيك‏ ‏عن‏ ‏عجزهم‏ ‏عن‏ ‏تحديد‏ ‏أسبابه‏ ‏أو‏ ‏أبعاده‏ ‏أو‏ ‏معانيه‏ ‏أو‏ ‏غاياته‏، ‏فكيف‏ ‏يكون‏ ‏الحال‏ ‏عند‏ ‏الأديب‏ ‏والناقد‏، ‏فضلا‏ ‏عن‏ ‏المثقف‏ ‏العام‏، ‏لاسيما‏ ‏أن‏ ‏لفظ‏ “الجنون”  ‏يستعمل‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏المجالات‏ ‏استعمالا‏ ‏متواترا؟ إن‏ ‏المـُراجع‏ ‏لاستعمال‏ ‏الأطباء‏ ‏المختصين‏ ‏للفظ‏ ‏الجنون‏، ‏سوف‏ ‏يكتشف‏ ‏أنهم‏ ‏يستعملون – الآن خاصة – ‏ ‏ألفاظا‏ ‏بديلة‏، ‏كما‏ ‏سوف‏ ‏يتبين‏ ‏أنهم‏ ‏لم‏ ‏يتفقوا‏ ‏لا‏ ‏على ‏مضمون‏ ‏اللفظ‏ ‏ولا‏ ‏على ‏مضمون‏ ‏ما‏ ‏اقترحوا‏ ‏من‏ ‏مترادفات‏ للفظ‏ ‏الجنون‏‏. فى الإنجليزية. مثلا: نجد أن لفظ ‏ Madness ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏مستعملا‏ ‏فى ‏اللغة‏ ‏العلمية‏ ‏الطبية‏، ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏أحلوا‏ ‏محله‏ ‏ألفاظ‏ ‏مثل‏ ‏الذهان‏ Psychosis، ‏والخرف‏ Dementia ‏وما‏ ‏شابه‏. والترجمة إلى العربية – وهى السائدة بين الأطباء العرب للأسف- تسير على نفس النهج الغامض غير الجامع وغير المانع.  ‏على ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏فما‏ ‏زال‏ ‏الاستعمال‏ (‏الطبي‏) ‏الشائع‏ للفظ الجنون ‏يشمل‏ ‏معانى: ‏الاختلاف‏ ‏الشديد‏، ‏والغربة الشاذة جدا‏، ‏والاغتراب المتمادى‏، ‏والانسحاب‏ ‏الشامل‏ ‏من‏ ‏الواقع‏، ‏والتفجر‏ ‏الخطر‏، ‏والتناثر‏، ‏وبقايا‏ ‏المحاولة‏ (‏التطورية‏ ‏المخفـِقـَـةْ‏)، ‏والموت‏ ‏النفسى، ‏والنشوز‏ ‏السلوكى ‏الخطر،‏ ‏ولا‏ ‏يمكن‏ ‏لأحد‏ ‏أن‏ ‏يتبين‏ ‏أيا‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏المعانى ‏هو‏ ‏المراد‏ ‏إلا‏ ‏فى ‏سياق‏ ‏متكامل‏ ‏أو‏ ‏بعد‏ ‏تحـديد‏ ‏إجرائى ‏معلن‏.‏

أما عند العامة فإننا ‏ ‏نجد‏ ‏نوعا آخر من‏ ‏‏الخلط‏ ‏والتداخل‏ ‏فى ‏استعمال‏ ‏لفظ‏ ‏الجنون‏ ‏فى مختلف المجالات. ‏فـفى ‏مجال‏ ‏الأخلاق‏ ‏يـستعمل‏ ‏لفظ‏ ‏الجنون‏ ‏ليشمل‏ ‏معانى ‏متعددة‏، ‏مثل‏: ‏العدوان‏ ‏الفج‏، ‏والتبلد‏، ‏والحمق‏، ‏والجسارة‏ ‏الجسيمة‏، ‏والقحة‏، ‏وغيرها‏. ‏وفى ‏مجال‏ ‏الأدب‏ ‏لانجد‏ ‏للفظ‏ ‏نفسه‏ ‏حظا‏ ‏أوفر‏ ‏تحديدا‏. ‏وقد‏ ‏يصل‏ ‏الاختلاف‏ ‏إلى ‏حد‏ ‏التضاد، ‏فثمَّ‏ ‏الجنون‏/ ‏التجاوز‏، ‏والجنون‏/الحلم‏، ‏والجنون‏/‏الوله‏، ‏والجنون‏/‏البله‏، ‏والجنون‏/‏السبْق‏، ‏وخرق‏ ‏العادة‏[10]، ‏والجنون ‏/‏الجمال‏، ‏والجنون‏/‏القفزة‏، ‏والجنون‏/ ‏التناقض‏… ‏إلخ‏.‏ ولا تسعفنا المعاجم بما يفيد إلا تجذيرا وتأريخا لأصل اللفظ وتنوع وروده فى التراث أساسا،  دون مراجعة مضمونه الحركى الحالى.

يكاد‏ ‏يسرى ‏على ‏لفظ‏ ‏الإبداع‏ ‏ما‏ ‏يسرى ‏على ‏لفظ‏ ‏الجنون‏. ‏ولكن‏ ‏لحسن‏ ‏الحظ‏ ‏أنه‏ ‏مازال‏ ‏أقل‏ ‏تداولا‏، ‏ومن‏ ‏ثم‏ ‏أكثر‏ ‏تواضعا‏ (‏وإن‏ ‏كان‏ ‏فى ‏حقيقته‏ ‏غير‏ ‏ذلك‏). ‏يحدث‏ ‏الخلط‏ ‏والتداخل‏ مع استعمال الأبجدية المرتبطة بـ”الإبداع” ‏عند‏ ‏المثقف‏ ‏العام‏، ‏كما‏ ‏يحدث‏ ‏عند‏ ‏بعض‏ ‏المختصين‏ ‏سواء‏ ‏بسواء‏، ‏خصوصا‏ ‏عندما‏ ‏تُـستعمل‏ ‏ألفاظ ‏مثل‏ ‏الأصالة‏، ‏والتلقائية‏، ‏والخيال‏ (‏ناهيك‏ ‏عن‏ ‏ألفاظ‏ ‏الفن‏، ‏والموهبة‏). كثيرا ما تستعمل هذه الألفاظ باعتبارها ‏مترادفات‏ ‏للإبداع‏، ‏علما‏ ‏بأنه‏ ‏ليس‏ ‏كل‏ ‏جديد‏ ‏إبداعا‏، ‏كما‏ ‏أنه‏ ‏ليس‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏سرى‏” ‏منطلقا‏” ‏على ‏غير‏ ‏توقع‏ ‏إبداعا‏. ‏وأخيرا‏ ‏فليس‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏غلبت‏ ‏عليه‏ ‏صور‏ ‏الخيال‏ ‏إبداعا‏، ‏فقد‏ ‏يكون‏ ‏بعض‏ ‏هذا‏ ‏أو‏ ‏كله‏ ‏من‏ ‏مقومات‏ ‏الإبداع‏، ‏أو‏ ‏أدواته‏، ‏لكنه‏ ‏ليس‏ ‏هو‏ ‏الإبداع‏، ‏فالإبداع‏ ‏ ‏‏”‏فعل‏”‏أشمل‏، ‏وأعقد‏، ‏وأخطر‏، هو “‏التخليق فالخلْق” مما نؤجل تفصيله حالا. ‏

لكل‏ ‏هذا علينا أن نتفق، بصفة مبدئية على الأقل، على تحديد‏ ‏مناسب‏ ‏لهذين‏ ‏اللفظين‏ ‏كما‏ ‏سنستعملها‏ ‏فى ‏حديثنا‏ ‏عن‏ ‏الجدلية‏ ‏المحتملة‏ ‏فيما‏ ‏بينهما‏، ثم نرى.‏

‏ 2 – 1‏

الجنون‏ ‏-هنا‏- ‏قد‏ ‏يعنى ‏معنيين‏ ‏أساسين‏ ‏مختلفين‏، ‏بحيث‏ ‏تختلف‏ ‏علاقة‏ ‏الجنون‏ ‏بالإبداع‏ ‏باختلاف‏ ‏استعمال‏ ‏كل‏ ‏منهما‏:‏

فالجنون‏ ‏قد‏ ‏يعنى

 ‏أولا‏: العملية‏ ‏التى ‏يتفكك‏ ‏بها‏ ‏الكيان‏ ‏البشرى‏، ‏تركيبا‏ ‏وسلوكا‏ ‏بلا‏ ‏اتجاه‏ ‏واع‏ ‏بداية‏ – ‏يتفكك‏ ‏إلى ‏وحداته‏ ‏الأولية‏ (‏وما دونها‏)، ‏إذ‏ ‏تنشط‏ ‏صراحة‏ – ‏وفى ‏وساد‏ ‏الوعى ‏القائم‏ ‏نفسه‏ ‏-‏ ‏بعض‏ ‏مستويات‏ ‏الوجود‏ ‏الكامنة‏، ‏ومحتوياتها‏، تظهر ‏منافسةً‏، ‏ومعارضة‏، ‏ومباعِدة‏ ‏للمستوى ‏الغالب‏ ‏ظاهرا‏ ‏فى ‏السلوك‏ ‏اليومى ‏المعتاد‏.

كما‏ ‏يعنى ‏الجنون‏

 ‏ثانيا‏: ‏الناتج‏ ‏الانهزامى ‏المتهدم‏، ‏أو‏ ‏الساكن‏، ‏أو‏ ‏المنسحب‏، ‏لهذه‏ ‏العملية‏ ‏بعد‏ ‏إخفاقها‏، ‏على ‏نحو‏ ‏تترتب‏ ‏عليه‏ ‏حالة‏ ‏من‏ ‏التفسخ‏ ‏المستقر‏، ‏أو‏ ‏الإعاقة‏ ‏البالغة‏، ‏أو‏ ‏الانسحاب‏ ‏المنغلق‏، ‏أو‏ ‏كل‏ ‏ذلك‏.‏

إن هذا‏ ‏الوصف‏ لهذين‏ ‏المستويين‏ ‏إنما‏ ‏ينطبق‏ ‏على ‏جنون‏ ‏الفصام‏ ‏على ‏وجه‏ ‏خاص‏، ‏حيث‏ ‏عٌـَّدت‏ ‏أغلب‏ ‏أنواع‏ ‏الجنون‏ ‏الأخرى ‏تنويعات‏ ‏مرحلية‏ ‏بديلة (هذا ما ينتمى إليه الكاتب على الأقل). إن أغلب – إن لم يكن كل – الأمراض النفسية وخاصة تنويعات الجنون ‏إنما‏ ‏تظهر‏ ‏للحد‏ ‏من‏ ‏تمادى ‏مشروع‏ (‏عملية‏) ‏الفصام‏ ‏حتى ‏غايته‏ ‏القصوى، ‏ألا‏ ‏وهى: ‏النكوص‏ ‏الخامد‏، ‏أو‏ ‏الموت‏ ‏النفسى. على ذلك: فإن كل‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏دون‏ ‏الفصام‏- فيما‏ ‏عدا‏‏‏ ‏الأمراض‏ ‏العضوية‏ ‏مثل‏ ‏الخرف-‏ ‏‏هو‏ ‏مرحلة‏ ‏وسطى ‏فى ‏محاولة‏ ‏وقف‏ ‏المسيرة‏ ‏التدهورية‏ ‏الأخطر المتوجهة إلى الموت النفسى‏.‏

لكل‏ ‏هذا‏ ‏سوف‏ ‏يكون‏ ‏هذا‏ ‏النوع‏ – ‏الفصام‏- خصوصا ‏فى ‏تناثره‏ ‏الحركى ‏هو‏ ‏المقصود‏ ‏بلفظ‏ ‏الجنون‏ ‏أغلب‏ ‏مراحل‏ ‏الدراسة‏[11].‏ مع التنبيه مكررا ، مثلما كان الحال فى الفصل الأول، إلى أن الجنون العضوى التشريحى،[12] الناتج عن ضمور عضوى (خرف الشيخوخة أو ألزهايمر)  أو تلف تشريحى (ورم بالدماغ مثلا) أو التهاب أو ما أشبه، هو مستبعد ابتداء من هذه الدراسة وبشكل حاسم.

‏2 – 2‏

على ‏الجانب‏ ‏الآخر‏، ‏نرى أن‏ ‏لمفهوم‏ ‏الإبداع‏ ‏معنيين‏ (‏أو‏ ‏مستويين‏) ‏يقابلان‏ ‏مستويا‏ ‏الجنون‏:‏

المستوى الأول يشير إلى أن‏:

 ‏الإبداع‏ ‏هو‏ ‏العملية‏ ‏التى ‏تتتعتع‏ ‏فيها‏ ‏المفاهيم‏ ‏والكيانات‏ ‏التى ‏كانت‏ ‏ثابتة‏ ‏ساكنة‏ ‏نسبيا‏، ‏بما‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏التركيب‏ ‏الحيوى ‏للفرد‏، ‏بحيث‏ ‏تستعيد‏ ‏وحداتها‏ ‏الأولية‏ ‏ومستوياتها‏ ‏الكامنة‏ (‏ومادونهما‏) ‏المرونة‏، ‏إذ‏ ‏تكتسب‏ ‏الشحن‏ ‏من‏ ‏جديد‏ ‏بما‏ ‏يمكنها‏ ‏من‏ ‏حركية‏ ‏التوجه‏ ‏إلى ‏التأليف‏ ‏الواعد‏ ‏بخلق‏ ‏كلٍّ‏ ‏أكبر‏، ‏مختلف‏ ‏نوعيا‏ ‏ومجاوز‏ ‏دائما‏، وتحمل هذه العملية من الإيجابيات الواعدة ما يكفى.

فى حين يشير المستوى الثانى إلى‏:

 “الإبداع هو ‏ذلك‏ ‏الناتج‏ ‏الولافى ‏لهذه‏ ‏العملية‏ ‏بعد‏ ‏نجاحها‏، ذلك الناتج  ‏الذى ‏يتمثل‏ ‏أساسا فى تطور ذاتى‏، ‏وليس‏ ‏فقط‏ ‏فى ‏ظهور‏ ‏شكل‏ ‏رمزى، ‏أو‏ ‏وجود‏ ‏نوعى، ‏يعلن‏ ‏ولادة‏ ‏تنظيم‏ ‏أرقى، ‏يحمل‏ ‏قدرة‏ ‏الاستمرار‏ ‏بدرجة‏ ‏من‏ ‏الاستقرار‏ ‏المرحليين‏، ‏حتى ‏تأتى ‏اندفاعة‏ ‏جديدة‏، ‏تَعِدُ‏ ‏بنقلة‏ ‏نوعية‏ ‏جديدة‏، ‏وهكذا‏.‏

موضوع‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏ ‏يتزايد‏ ‏تعلقه‏ ‏بالمعنيين‏ ‏الأول‏ ‏لكل‏ ‏من‏ ‏مفهومى ‏الجنون‏ ‏والإبداع‏، ‏أى ‏أننا‏ ‏سنهتم‏ ‏فى ‏معظم‏ ‏الوقت‏ ‏بالجنون “كعملية” وليس كناتج تدهورى، وبالإبداع كعملية قبل أن تكون إنجازا تشكيليا جديدا متميزا، ‏وذلك‏ ‏فيما‏ ‏يتعلق‏ ‏بالعلاقة‏ ‏الجدلية، ‏إذ‏ ‏هى ‏حركية‏ ‏بالضرورة‏، ‏بما‏ ‏يشمل‏ ‏ما‏ ‏هو‏: ‏تفكك‏، ‏وتحريك‏، ‏وتوجّه‏، ‏وتنشيط‏، ‏وتجاوز‏، ‏وتوليف‏، ‏وكل‏ ‏ذلك‏ ‏حالة‏ ‏كونه‏ ‏يجرى ‏فى ‏اتجاه‏ ‏ضام‏ ‏طفرى (إبداع) ، ‏معرض‏ ‏للفشل بالضرورة (جنون)‏.‏

‏ 3 – ‏الوحدات‏ ‏الأولية

الوحدات‏ ‏الأولية‏ (‏مادة‏ ‏الإبداع‏/ شظايا‏ ‏الجنون‏) ‏هى ‏الأبجدية‏ ‏الأساسية‏ ‏التى ‏ينبغى ‏أن‏ ‏نتقنها‏ ‏ونحن‏ ‏نحاول‏ ‏تكوين‏ ‏جملة‏ ‏مفيدة‏ ‏فى ‏مسألة‏ ‏الجنون‏ ‏والإبداع‏، ‏وخاصة‏ ‏بما‏ ‏هما‏ ‏عمليتان‏ ‏تتحرك‏ ‏كل‏ ‏منهما‏ ‏فى ‏تشكيل‏ ‏متنوع،‏ ‏ثم‏ ‏قد‏ ‏يتحركان‏ ‏معا‏ ‏فى ‏جدل‏ ‏محتمل‏، ‏وسوف‏ ‏يكون‏ ‏مدخلنا‏ ‏إلى ‏هذه‏ ‏الوحدات‏ ‏الأولية‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏محاولة‏ ‏التعرف‏ ‏على ‏الجانب‏ ‏الآخر‏ ‏لما‏ ‏هو‏ ‏معرفة‏ ‏بشرية‏، ‏متجنبين‏ ‏ما‏ ‏أمكن‏ ‏استعمال‏ ‏لغة‏ ‏التحليل‏ ‏النفسى الكلاسى (الفرويدى) ، ‏حيث‏ ‏أن‏ ‏مدخلنا‏ ‏إلى ‏هذه‏ ‏الدراسة‏ ‏هو‏ ‏مدخل‏ “‏معرفى (غائى نسبيا)، ‏يهتم‏ ‏أساسا‏ ‏بمستويات‏ ‏المعرفة‏ ‏البشرية‏ ‏المختلفة‏ ‏وأشكالها‏. ‏كذلك‏ ‏علينا‏ ‏أن‏ ‏نتذكر‏ ‏ابتداء‏ ‏أن‏ ‏الشائع‏ ‏الأعم‏ ‏فى ‏دراسات‏ ‏التفكير‏ ‏والذاكرة‏ ‏وما‏ ‏إليهما‏ ‏هو‏ ‏دراسة‏ ‏المستوى ‏المفاهيمى[13] ‏المنطقى ‏العادى ‏دون‏ ‏غيره‏، ‏وهذا‏ ‏مسخر‏ ‏أساسا‏ ‏لخدمة‏ ‏نوع‏ ‏الوجود‏ ‏الكمى ‏السائد‏، ‏وهو‏ ‏الوجود‏ ‏المغترب‏ ‏الذى ‏أشرنا‏ ‏إليه‏ ‏منذ‏ ‏قليل‏. ‏وبما‏ ‏أن‏ ‏كلا‏ ‏من‏ ‏الإبداع‏ ‏والجنون‏ ‏هو‏ ‏محاولة‏ ‏لنقض‏ ‏هذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏الوجود‏، ‏أملا‏ ‏فى ‏استعادة‏ ‏توازن‏ ‏ما‏، ‏كان‏ ‏لزاما‏ ‏علينا‏ ‏أن‏ ‏ننظر‏ ‏فى ‏الوسائل‏ ‏والمستويات‏ ‏المعرفية‏ ‏الأخرى، ‏الغالبة‏ ‏فى ‏حركية‏ ‏الإبداع‏ ‏مخترقا‏ ‏الجنون‏. ‏ومن‏ ‏هنا‏ ‏نعود‏ ‏فنقول‏ ‏بصفة‏ ‏مبدئية‏:

 ‏إن‏ ‏الإبداع‏ – ‏مخترقا‏ ‏الجنون‏- ‏هو‏ ‏عملية‏ ‏(معرفية‏/‏وجدانية‏) ‏فائقة، ‏إذ‏ ‏هو‏ ‏كشف‏ ‏لمكنون‏، ‏وبسط‏ ‏لكامن‏، ‏وتخليق‏ ‏لتركيب‏، ‏وتوليف‏ ‏لبنية‏، ‏من‏ ‏خلال‏ ‏تنشيط‏ ‏مستويات‏ ‏وعى ‏متعددة‏ ‏وتفاعلها‏ ‏معا،‏ ‏ولا‏ ‏يكون‏ ‏الإبداع‏ ‏إبداعا‏ ‏إذا‏ ‏كانت‏ ‏أداته‏ ‏بداية‏ ‏ونهاية‏ ‏هى ‏المستوى ‏الظاهر‏ ‏من‏ ‏الوعى ‏الغالب‏ (‏المعرفة‏ ‏المصقولة‏)، ‏إنما‏ ‏يكون‏ ‏كذلك‏ ‏بالتكامل‏ ‏مع‏ ‏مستويات‏ ‏المعرفة‏ (‏الوعى‏) ‏الأخرى‏.

فما‏ ‏هى ‏المستويات‏ ‏المعرفية‏ ‏الأخرى ‏التى ‏طال‏ ‏إهمالها‏ ‏حتى ‏بدا‏ ‏وكأنه‏ ‏من‏ ‏المستطاع‏ ‏الاستغناء‏ ‏عنها‏، ‏أو ‏أنه‏ ‏من‏ ‏الأفضل‏ ‏العمل‏ ‏على ‏كبتها‏؟

يطلق‏ ‏على ‏تلك‏ ‏المعرفة‏ ‏الأخرى ‏أسماء‏ ‏عدة‏ ‏مثل‏: ‏المعرفة‏ ‏البدائية‏، ‏أو‏ ‏غير‏ ‏الناضجة‏، ‏أو‏ ‏المُـغْـفلة‏، ‏أو‏ ‏القديمة‏، ‏أو‏ ‏اللامتميزة‏، ‏أو‏ ‏العيانية‏، ‏أو‏ ‏الأسطورية‏، ‏إلى ‏غير‏ ‏ذلك‏. ‏كما‏ ‏يسميها‏ ‏فرويد‏ ‏العمليات‏ ‏الأولية‏ ‏وهى ‏التى ‏تعد‏ ‏مميزة‏ ‏للأحلام‏، ‏وغالبة‏ ‏فى ‏الفصام‏، ‏وموجودة‏ ‏فى ‏المجتمعات‏ ‏البدائية‏، ‏وفى ‏الطفولة‏ ‏المبكرة‏. ‏وقد‏ ‏أشار‏ ‏فرويد‏ ‏كذلك‏ ‏إلى ‏أهميتها‏ ‏فى ‏عمليات‏ ‏الإبداع‏، ‏لكنه‏ ‏لم‏ ‏يغال‏ ‏فى ‏إمكانية‏ ‏قيامها‏ ‏مستقلة‏ ‏بعملية‏ ‏الإبداع‏ ‏حتى ‏تمامها‏، ‏كما‏ ‏فعل‏ ‏بعض‏ ‏تابعيه‏. ‏وقد‏ ‏انتبه‏ ‏أغلب‏ ‏الباحثين‏ ‏إلى ‏معارضة‏ ‏ذلك‏ ‏الاتجاه‏ ‏الذى ‏يعلى ‏من‏ ‏قيمة‏ ‏اللاشعور‏ ‏فى ‏عملية‏ ‏الإبداع‏، ‏على ‏أساس‏ ‏أن‏ ‏العملية‏ ‏الإبداعية‏ ‏هى ‏الولاف‏ ‏الأعلى ‏لكل‏ ‏من‏ ‏العمليات‏ ‏الأولية‏، ‏والعمليات‏ ‏الثانوية‏. ‏وقد‏ ‏اقترح‏ ‏سيلفانو‏ ‏أريتى ‏اسما‏ ‏لهذا‏ ‏الولاف‏ ‏الأعلى ‏الذى ‏يشمل‏ ‏العمليتين‏ ‏معا‏، ‏أطلق‏ ‏عليه‏ ‏اسم‏ ‏العمليات‏ ‏الثالثوية‏[14]، ‏مؤكدا‏، ‏مع‏ ‏غيره‏، ‏أن‏ ‏الإبداع‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏يتصف‏ ‏بالإحاطة‏، ‏والتكيف‏، ‏واحتواء‏ ‏الواقع‏، ‏والحوار‏ ‏معه‏، ‏جنبا‏ ‏إلى ‏جنب‏ ‏مع‏ ‏الأصالة‏ ‏والمرونة‏ ‏والطلاقة‏ ‏حتى ‏يتحقق‏ ‏فى ‏درجة‏ ‏فائقة‏ ‏من‏ ‏التكامل‏.‏

الجدلية‏ ‏التى ‏نتاجها‏ ‏الإبداع‏، هى ‏جدلية‏ ‏بين‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏بدائى (‏كلى، ‏أولى، ‏مدغم‏…) ‏وماهو‏ ‏منطقى ‏(‏تسلسلى‏، ‏مفاهيمى‏، ‏ثانوى‏…) ‏فهل‏ ‏ثمَّ‏ ‏مستوى ‏جدلى ‏آخر‏ ‏بين‏ ‏ناتج‏ ‏هذه‏ ‏الجدلية‏ ‏فيما‏ ‏هو‏ ‏إبداع‏ ‏فى ‏أى ‏مرحلة‏ ‏من‏ ‏المراحل‏، ‏وناتج‏ ‏تحلُّل نكوصى‏ ‏مقابل‏ (‏على ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏غائيته‏) ‏وهو‏ ‏الجنون‏ ‏؟‏ ‏

يجدر‏ ‏بنا‏ ‏أن‏ ‏نؤجل‏ ‏الإجابة‏ ‏عن‏ ‏هذا‏ ‏السؤال‏ ‏إلى ‏مرحلة‏ ‏لاحقة‏ ‏من‏ ‏الدراسة، ‏ولنتقدم‏ ‏خطوة‏ ‏أبعد‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏المستوى ‏الأول‏، ‏لنتدارسه‏ ‏من‏ ‏منطلق‏ ‏معرفى ‏مشتمِـل‏ (‏أى ‏يشمل‏ ‏الوعى ‏والوجدان أيضا‏)‏، ‏ذلك‏ ‏المستوى ‏المعرفى ‏البدائى ‏الأساسى ‏اللازم‏ ‏للمشاركة ‏- ‏المباشرة‏ ‏أو‏ ‏غير‏ ‏المباشرة‏ – ‏فى ‏مسار‏ ‏العملية‏ ‏الإبداعية‏ ‏فى ‏كل‏ ‏مراحلها‏. ‏

سوف‏ ‏نستند‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الفقرة‏ ‏أساسا‏ (‏وليس‏ ‏نهائيا‏) ‏إلى ‏فكر‏ (‏سيلفانو‏ ‏أريتي‏)، ‏لما‏ ‏له‏ ‏من‏ ‏باع‏ ‏فى ‏دراسة‏ ‏كل‏ ‏من‏ ‏الفصام‏[15] ‏والنمو‏ ‏النفسى ‏والتطور‏[16]، ‏ثم‏ ‏بما‏ ‏أسهم‏ ‏به‏ ‏فيما‏ ‏هو‏ ‏تنظير‏ ‏لطبيعة‏ ‏الإبداع ‏:‏

يقدم‏ ‏أريتى ‏رؤيته‏ ‏لعملية‏ ‏الإبداع‏ ‏بوصفها‏ ‏تعبيرا‏ ‏ولافيا‏ ‏فائقا‏ ‏عن‏ ‏تشكيلات‏ ‏معرفية‏ ‏مضفورة‏ ‏من‏ ‏أكثر‏ من‏ ‏مصدر‏ ‏ومستوى ‏للمعرفة‏. ‏وهو‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏يؤكد‏ ‏أهمية‏ ‏المرحلة‏ ‏الأولية‏ ‏للمعرفة‏، ‏وبخاصة‏ ‏مرحلة‏ “‏الصورة‏ “Image، ‏ومرحلة‏ “‏الإندوسبت‏”. ‏فهو‏ ‏يرى ‏أن‏ ‏إطلاق‏ ‏سراح‏ “‏الصورة‏” ‏لكى ‏تتحرك‏ ‏فى ‏حرية‏، ‏هو‏ ‏من‏ ‏أولى ‏الخطوات‏ ‏الدالة‏ ‏على ‏إحياء‏ ‏مستوى ‏المعرفة‏ ‏الأقدم‏، ‏كما‏ ‏يرى ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الإندوسبت‏ = ‏المَكَدْ‏ ‏هو‏ ‏أساس‏ ‏المرحلة‏ ‏المعرفية‏ ‏التالية‏ ‏لمرحلة‏ ‏الصورة‏، ‏الذى ‏يرى “‏أريتى” ‏أنه‏ ‏بنشاطه‏ ‏الضاغط‏ ‏هو‏ ‏المحور‏ ‏الجوهرى ‏لعملية‏ ‏الإبداع‏. ‏

الصورة‏ ‏تتحرك‏ ‏فى ‏الحلم‏، ‏و‏ ‏هى “‏تقول‏” بما هى، وليس بالضرورة بترجمتها إلى رمز كلامى، ‏فتؤدى ‏وظيفتها‏ ‏التنظيمية‏ ‏فى ‏كل‏ ‏حال‏، (‏وهذا‏ ‏ما‏ ‏أشرنا‏ ‏إليه‏ ‏فى ‏الفصل‏ ‏الأول‏)، ‏لكن‏ ‏الحلم‏ ‏لا‏ ‏يستوعب‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏يحركه‏ ‏الإيقاع‏ ‏الحيوى ‏من‏ ‏صور‏، ‏فيحتاج‏ ‏الأمر‏ ‏إلى ‏مسارات‏ ‏بديلة‏: ‏فالصورة  ‏إما‏ ‏أن‏ ‏تضغط‏ ‏فتظهر‏ ‏فى ‏الوساد‏ ‏الشعورى ‏العادى (وعى اليقظة)  ‏بلا‏ ‏احتواء‏ ‏ولا‏ ‏تطوير‏، ‏فهى ‏عندئذ‏ ‏الهلوسة‏ (‏المرضية‏ ‏فى ‏العادة‏). ‏وإما‏ ‏أن‏ ‏تحفز‏ ‏المستويات‏ ‏الأرقى ‏لاحتوائها‏، ‏فهى ‏عندئذ‏ جزء من أبجدية  ‏الإبداع‏.‏

حين‏ ‏تكون‏ ‏هذه‏ ‏الحركة‏ ‏فى ‏متناول‏ ‏مستوى ‏من‏ ‏الوعى ‏يقدر‏ ‏على ‏استعمال‏ ‏مستويات‏ ‏مختلفة‏ ‏من‏ ‏النشاط‏ ‏العقلى، ‏إذ‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏ينتقل‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏ذلك‏ ‏جيئة‏ ‏وذهابا‏ ‏من‏ ‏أعلى ‏المستويات‏ ‏إلى ‏أدناها‏. ‏يتحقق‏ ‏الإبداع‏. ‏أريتى ‏لا‏ ‏يبالغ‏ ‏فى ‏قيمة‏ “‏مجرد‏ ‏حضور‏” ‏الصورة‏ ‏فى ‏إتمام‏ ‏العملية‏ ‏الإبداعية‏، ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏التقاط‏ ‏تحريك‏ ‏الصورة‏، ‏وما‏ ‏قبلها‏ ‏وبعدها‏، ‏فى ‏مرونة‏ ‏قادرة‏ ‏على ‏إعادة‏ ‏التشكيل‏، ‏وأيضا‏ توظيف ‏القدرة على ‏الحوار‏ ‏والتوليف‏ ‏مع‏ ‏مثيرات‏ ‏ومعلومات‏ ‏الواقع‏ ‏الخارجى، ‏هذا وذاك هما اللذان‏ ‏يتحقق‏ ‏من‏ ‏خلالهما‏ ‏الإبداع‏.‏

إن‏ ‏الجانب‏ ‏الأهم‏ ‏فى ‏العملية‏ ‏الإبداعية‏ ‏هو‏ ‏ضغط‏ ‏المعرفة‏ ‏الأخرى، ‏التى ‏أسماها‏ ‏أريتى: ‏المعرفة‏ ‏الهشة‏[17] (‏غير‏ ‏المتبلورة‏)، ‏التى ‏نفضل‏ ‏أن‏ ‏نسميها‏ ‏المعرفة‏ “‏الضبابية‏ (أو ‏المدُغمة‏)”. هى ‏تضغط‏ ‏لكى ‏تظهر‏، ‏أو‏ ‏تضغط‏ ‏على ‏أمل‏ ‏أن‏ ‏تظهر‏، ‏من‏ ‏خلال‏ -‏ومع‏- ‏غيرها‏ ‏من‏ ‏المعارف‏ ‏الأحدث‏ ‏والأقدر‏ ‏على ‏الحركة‏ ‏الخارجية‏ ‏والتعبير‏ ‏والتواصل‏. ‏إنه‏ ‏ليس‏ ‏من‏ ‏طبيعة‏ ‏المعرفة‏ ‏الضبابية‏ ‏المدغمة‏ ‏هذه‏ ‏أن‏ ‏تظهر‏ ‏بنفسها‏، ‏فهى ‏نوع‏ ‏من‏ ‏المعرفة‏، ‏يتمثل‏ ‏فى ‏الداخل‏ ‏بلا‏ ‏تفسير‏ ‏مباشر‏ ‏له‏ ‏من‏ ‏الخارج‏، ‏فى ‏شكل‏ ‏فكرة‏، ‏أو‏ ‏صورة‏، ‏أو‏ ‏لفظ‏، ‏أو‏ ‏مفهوم‏. ‏وهى ‏تتكون‏ ‏أساسا‏ ‏مما‏ ‏أسميناه‏ “‏المكد‏”، ‏حيث‏ ‏أن‏ ‏المكد‏ ‏هو‏ ‏تنظيم‏ ‏كلى ‏أولى ‏لخبرة‏ ‏سابقة‏ ‏من‏ ‏المدركات‏، ‏ومن‏ ‏آثار‏ ‏الذاكرة‏، ‏وصور‏ ‏الأشياء‏، ‏والحركات‏، ‏فهو‏ ‏خبرة‏ ‏كلية‏ ‏لا‏ ‏يمكن‏ ‏تقسيمها‏ ‏إلى ‏أجزاء‏، ‏أو‏ ‏إحلالها‏ ‏فى ‏ألفاظ‏ (‏كما‏ ‏هى‏)، ‏فهو‏ (المكد) ‏كلٌّ‏ ‏مدغم‏ ‏من: ‏ ‏فكر‏، ‏وتهيؤ‏، ‏وانفعال‏، ‏وحفز‏، ‏وفعل‏، ‏ومن‏ ‏ثم‏ ‏فهو‏ ‏فى ‏شوق‏ ‏دائم‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏يظهر‏ ‏بصورة‏ ‏أو‏ ‏بأخرى، ‏قد‏ ‏يكون‏ ‏المكد‏ ‏هو‏ ‏لغة‏ ‏الحلم‏ ‏غير‏ ‏المحكى (الأقرب إلى الحلم بالقوة، وبعض الحلم الحركى- الفصل الأول) ، ‏يصدق ذلك‏ خاصة ‏فـى ‏حالة‏ ‏الأحلام‏ ‏الشمولية‏ ‏المصورة‏ ‏العصّية‏ ‏على‏ ‏الاسترجاع‏، ‏وقد‏ ‏يجد‏ ‏المكد‏ ‏طريقة‏ ‏إلى ‏التشكل‏ ‏فى ‏حلم‏ ‏محكى ‏على ‏مختلف‏ ‏المستويات‏ (‏أنظر‏ ‏الفصل‏ ‏الأول‏)، ‏وقد‏ ‏يعجز‏ ‏الحلم‏ ‏عن‏ ‏احتواء‏ ‏حركية‏ ‏المكد‏، ‏فيصبح‏ ‏الأخير‏ ‏طاقة‏ ‏ضاغطة‏ ‏فى ‏محاولة‏ ‏أن‏ ‏تجد‏ ‏طريقها‏ ‏إلى ‏التعبير‏، ‏مع‏ ‏احتمال‏ ‏أن‏ ‏تسلك‏ ‏السبيل‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏هو‏ ‏إبداع‏ ‏إذا‏ ‏ما‏ ‏تيسرت وسائله وأتيحت فرصه‏.‏

يعترف‏ ‏أريتى ‏أنه‏ ‏فى ‏مرحلة‏ ‏معلوماتنا‏ ‏الحالية‏ ‏لايمكن‏ ‏الحصول‏ ‏على ‏دليل‏ ‏يمكن‏ ‏عن‏ ‏طريقه‏ ‏إثبات‏ ‏وجود‏ ‏ماهو‏”‏مكد‏”. ‏لذلك‏ ‏فهو‏ ‏يقر‏ ‏بأن‏ ‏هذا‏ ‏المفهوم‏ ‏سوف‏ ‏يظل‏ ‏إلى ‏أمد‏ ‏طويل‏ ‏بعيدا‏ ‏عن‏ ‏مجال‏ ‏التناول‏ ‏العلمى ‏بالمنهج‏ ‏التقليدى، ‏ولكن‏ ‏أريتى ‏يشير‏ ‏إلى ‏دلالات‏ ‏غير‏ ‏مباشرة‏ ‏على ‏وجود‏ ‏هذا‏ ‏المستوى ‏المكدى ‏من‏ ‏المعرفة‏ ‏فيما‏ ‏نصفه‏ ‏أحيانا‏ ‏بألفاظ‏ ‏مثل‏ “‏الجو‏ ‏العام‏”، ‏أو‏ “‏التوجه‏”، ‏أو‏”‏الخبرة‏ ‏الكلية‏”، ‏أو‏ ‏ما‏ ‏أطلق‏ ‏عليه‏ ‏فرويد‏ ‏تعبير‏ “‏الشعور‏ ‏المحيطى‏”[18]. ‏ويذهب‏ ‏أريتى ‏إلى ‏أن‏ ‏جزءا‏ ‏أكبر‏ ‏من‏ ‏حياتنا‏ ‏المفاهيمية‏ ‏إنما‏ ‏يلتحم‏ ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بأخر‏ ‏بمقابلاته‏ ‏المكدية‏، ‏أو‏ ‏يتحور‏ ‏إلى ‏أشكال‏ ‏مكدية‏ ‏غائرة‏. ‏ثم‏ ‏يستطرد‏ ‏إلى ‏أنه‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏نتدرج‏ ‏من‏ ‏ذلك‏ ‏لنقول‏: ‏إن‏ ‏الشيء‏ ‏نفسة‏ ‏قد‏ ‏يصح‏ ‏بالنسبة‏ ‏لكثير‏ ‏من‏ ‏النشاط‏ ‏المعرفى ‏الجاهزِ لكى “‏ينبسط‏”[19] ‏فيما‏ ‏هو‏ ‏إبداع‏.

‏ ‏ليس صحيحا‏ ‏أن‏ ‏كثيرا‏ ‏من‏ ‏مظاهر‏ ‏حياتنا‏ ‏المفاهيمية‏ ‏التى ‏ترتد‏ ‏إلى ‏المستوى ‏المكدى، أ‏و تتراجع‏ ‏نحوه‏، ‏إنما‏ ‏تفعل‏ ‏ذلك‏ ‏لمجرد‏ ‏أن‏ ‏تهرب‏ ‏من‏ ‏القلق‏ ‏أو‏ ‏العصاب‏ ‏أو‏ ‏الخطر‏، ‏فالشخص‏ ‏المبدع‏ ‏يحتاج‏ ‏أيضا‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏ينسحب‏ ‏من‏ ‏النظم‏ ‏الثابتة‏ ‏والصحيحة‏ ‏والجامدة‏، ‏إلى ‏مرحلة‏ ‏سابقة‏ ‏من‏ ‏مراحل‏ ‏المعرفة‏ ‏الضبابية‏ ‏المدغمة‏، ‏أى ‏إلى ‏هذا‏ ‏الوعاء‏ ‏الكبير‏ ‏المضيف الرحب‏، ‏الذى ‏يغلب‏ ‏فيه‏ “‏تعليق‏ ‏الحكم‏”، ‏وعدم‏ ‏التحديد‏، ‏وتوحد‏ ‏الزمن‏ ‏مع‏ ‏محتواه‏، ‏وتوقع‏ ‏حدوث‏ ‏التحورات‏ ‏غير‏ ‏المتوقعة‏، يفعل ذلك كخطوة نحو اقتحامٍ ضامٍَ أعلى وجديدْ.

ذكرنا أن‏ ‏تنشيط‏ “‏مستوى ‏الصورة‏” ‏قد‏ ‏يطلقها‏ ‏فى ‏لغة‏ ‏الحلم‏ ‏أو‏ ‏يجعلها‏ ‏تقتحم‏ ‏وعى ‏اليقظة‏ ‏فى ‏نوبة‏ ‏جنون‏، ‏أو‏ هو قد ‏يسمح‏ ‏لها‏ ‏أن‏ ‏تُـحرك‏ ‏وعى ‏الإبداع‏ ‏فى ‏توليف‏ ‏جديد‏، ‏كذلك‏ ‏فإن‏ ‏تنشيط‏ ‏المستوى ‏المكدى ‏قد‏ ‏يظهر‏ ‏فى ‏الحلم‏، ‏أو‏ ‏يكون‏ ‏أساسا‏ ‏للإبداع‏ (‏انظر‏ ‏بعد‏) ‏أو‏ ‏قد‏ ‏يبدو‏ ‏عرضا‏ ‏مرضيا‏ ‏فى ‏الجنون‏ ‏يظهر‏ ‏بعض‏ ‏تجلياته‏ ‏فيما‏ ‏يسمى ‏التفكير‏ ‏العِهْنى[20] ‏أو‏ ‏فيما‏ ‏يعرف‏ ‏أحيانا‏ ‏بفرط‏ ‏التضمين‏[21]‏.

‏4 – ‏إيضاحات‏، ‏وتحفظات‏ ‏حول‏ ‏طبيعة‏ ‏التنشيط‏ ‏ومراحل‏ ‏التنظير

نحن‏ ‏إذْ ‏نوافق‏ ‏أريتى ‏من‏ ‏حيث‏ ‏المبدأ‏ ‏على ‏ما‏ ‏ذهب‏ ‏إليه‏ ‏من‏ ‏أهمية‏ ‏الصورة‏ ‏بما‏ ‏هى ‏مادة‏ ‏أولية‏، ‏ثم‏ ‏على ‏أساس‏ ‏التعامل‏ ‏مع‏ ‏المكد‏ ‏بوصفه‏ ‏كتلة‏ ‏معرفية‏، ‏مدغمة‏ ‏وضبابية‏ ‏وضاغطة‏ ‏فى ‏آن‏ ‏واحد‏، ‏نتوقف‏ ‏قليلا‏، ‏خوفا‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏تنتقل‏ ‏هذه‏ ‏الرؤية‏ ‏وهذه‏ ‏الموافقة‏ ‏بطريقة‏ ‏تجزيئية‏، ‏تختصر‏ ‏عملية‏ ‏الإبداع‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏يبعدنا‏ ‏عن‏ ‏مسئولية‏ ‏الإحاطة‏ ‏بها‏ ‏بما‏ ‏هى. ‏علينا‏ ‏أن‏ ‏نضيف‏ ‏بعض‏ ‏الإيضاحات‏ ‏المكمّلة‏، ‏والتحفظات‏ ‏الواجبة‏، ‏قبل‏ ‏النظر‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الوحدات‏ ‏الأولية‏، ‏وطبيعة‏ ‏العلاقة‏ ‏فيما‏ ‏بينها‏، ‏وفى ‏مستوياتها‏، ‏فنقول‏: ‏

إن‏ ‏كلا‏ ‏من‏ ‏الصورة‏، ‏والمكد‏، ‏وسائر‏ ‏الوحدات‏ ‏المعرفية‏ ‏الأولية‏، ‏إنما‏ ‏تنشط‏، ‏وتتحرك‏، ‏وتُـحرك‏ ‏فى ‏مستوى ‏من‏ ‏الوعى ‏يمثل‏ ‏كلية‏ ‏شاملة‏، ‏ويتفاعل‏ ‏بهذه‏ ‏الكلية‏ ‏مع‏ ‏مستويات‏ ‏أخرى “. ‏ومن‏ ‏خلال‏ ‏تبنى ‏المفهوم‏ ‏الأحدث‏ ‏للبصم‏،[22] ‏واعتمال (فعلنة)‏ ‏المعلومات[23] ‏على ‏مستويات‏ ‏متعددة‏، ‏نستطيع‏ ‏أن‏ ‏نفهم‏ ‏العلاقة‏ ‏الوثيقة‏ ‏بين‏ ‏الإدراك‏ ‏الجشتالتى، ‏والذاكرة‏ ‏الكلية‏، ‏وتعدد‏ ‏التنظيمات‏ ‏البيولوجية‏ (‏بنيات‏ ‏الوعي‏)، ‏من‏ ‏جهة‏، ‏ومفهوم‏ ‏تعدد‏ ‏الذوات‏ ‏من‏ ‏جهة‏ ‏أخرى. ‏وأهمية‏ ‏هذه‏ ‏الإطلالة‏ ‏هى ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏التعدد‏ ‏يمثل‏:‏

‏ ‏أولا‏: ‏الثروة‏ ‏الأساسية‏ ‏التى ‏يستمد‏ ‏منها‏ ‏الإبداع‏ ‏مادته‏،

وثانيا‏: ‏أن‏ ‏الإبداع‏ ‏يخلق‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏المستويات‏ ‏المتبادلة‏ ‏فى‏الأحوال‏ ‏العادية‏ ‏بنية‏ ‏جديدة‏، ‏من‏ ‏خلال‏ ‏تآلفها‏ ‏الجدلى ‏النشط‏.

بتعبير‏ ‏آخر‏:

 إن‏ ‏الإبداع‏ ‏ينشّط‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏مستوى ‏من‏ ‏مستويات‏ ‏الوعى (‏على ‏أساس‏ ‏أن‏ ‏كلا‏ ‏منها‏ ‏تنظيم‏ ‏كامن،‏ ‏وليس‏ ‏مجرد‏ ‏مفردات‏ ‏أو‏ ‏معلومات‏ ‏متجاورة‏)- ‏ينشطها‏ ‏من‏ ‏كمونها‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏هى، ‏وفى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏تتفاعل به‏ ‏‏مع‏ ‏غيرها‏ ‏من‏ ‏مستويات وعى آخر ليتخلق منها معا وعى  أعلى  فلا يكتفى أى مستوى مفرد بأن (أ)يحضر دوريا، (ب) أو أن يتنحى”‏تبادلا‏ ” أو (جـ) أن يستدير مغلق الدائرة[24]. ‏

ثانيا‏: ‏إن‏ ‏مستويات‏ ‏الوعى ‏بما‏ ‏هى، “‏تركيبة‏ ‏كلية‏ ‏شديدة‏ ‏التداخل‏” ‏لا‏ ‏تُرادِفُ‏ ‏تلقائيا‏ ‏ماهو‏ ‏تعدد‏ ‏الذوات‏[25]، ‏فهى ‏بنيات‏ ‏موازية‏ ‏ومتداخلة.‏‏ ‏إن‏ ‏الذى ‏ينشط‏ ‏ليتفاعل‏ ‏فى ‏جدل‏ ‏الإبداع‏ ‏ليس‏ ‏فقط‏  ‏مجرد‏ ‏وحدات‏ ‏أولية‏ ‏غامضة‏، ‏مع‏ ‏لبنات‏ ‏مفاهيمية‏ ‏مصقولة‏، ‏ولكنه أيضا‏ ‏مستويات‏ ‏وعى ‏وذوات‏ ‏كلية‏ ‏متضاعفة‏ ‏فى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏. ‏

ثالثا‏: ‏ثم‏ ‏تأتى ‏قضية‏ ‏دافع‏ ‏التنشيط‏، ‏فهل‏ ‏نستسلم‏ ‏لرؤية‏ ‏تقول‏ ‏إن‏ ‏التنشيط‏ ‏إنما‏ ‏يأتى ‏نتيجة‏ ‏لضغط‏ ‏المعرفة‏ ‏الأولية‏ ‏الملحة‏ ‏للظهور‏، ‏بسبب‏ ‏ما‏ ‏أصابها‏ -‏وتعانيه‏- ‏من‏ ‏إنكار‏، ‏وكبت؟‏ ‏أم‏ ‏أن‏ ‏ثمَّ‏ ‏سببا‏ ‏آخر‏ ‏وطبيعة‏ ‏أخرى (‏دون‏ ‏إنكار‏ ‏هذا‏ ‏الضغط‏ ‏اللحوح‏)‏؟

هنا‏: ‏يجدر بى‏ ‏أن‏ ‏أثبت‏ ‏أنى ‏مررت‏ – من واقع معايشتى خبرتى وخبرة مرضاى ومحاولاتى النقدية جميعا- ‏بأربع‏ ‏مراحل‏ ‏إزاء‏ ‏هذه‏ ‏القضية (أنظر الملحق الثالث)‏: ‏

‏1- ‏فقد‏ ‏رأيت‏ ‏باكرا‏ ‏أن‏ ‏التنشيط‏ ‏إنما‏ ‏يحدث‏ ‏فى ‏حالة‏ ‏أزمة‏ ‏الانتقال‏ ‏من‏ ‏مستوى ‏أدنى ‏للصحة‏ ‏النفسية‏ ‏إلى ‏مستوى ‏أعلى (‏نتيجة‏ ‏لإخفاق‏ ‏مرحلة‏ ‏التوازن‏ ‏الأدنى ‏للصحة‏ ‏النفسية‏، ‏وذلك‏ ‏إذا‏ ‏استنفدت‏ ‏المرحلة الجارية ‏ ‏أغراضها‏، ‏أو‏ ‏أنهكت‏، ‏أو‏ ‏نتيجة‏ ‏لجرعة‏ ‏رؤية‏ ‏زائدة‏، ‏أو‏ ‏لفقد‏ ‏التوازن‏ ‏البيولوجى… ‏الخ‏.)[26]. هذا‏ ‏بالنسبة‏ ‏لما‏ ‏يحدث‏ ‏على ‏مسار‏ ‏النمو‏ ‏المتصل‏ ‏للفرد‏. ‏وقد‏ ‏بدا‏ ‏لى ‏كذلك‏ ‏أن‏ ‏خبرة‏ ‏إبداع‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏ناتج‏ ‏رمزى ‏خارجى ‏مثبت‏ (‏على ‏فترات‏) ‏هى ‏بمثابة‏ ‏خبرة‏ ‏مؤقتة‏، ‏وبديلة‏، ‏لهذه‏ ‏النقلة‏ ‏النمائية ‏[27]، ‏بمعنى ‏أن‏ ‏الإبداع‏ ‏هو‏ ‏محاولة‏ ‏لإعادة‏ ‏التوازن‏ ‏على ‏مستوى ‏أعلى، ‏ذلك‏ ‏التوزان‏ ‏الذى ‏هزته‏ ‏أزمة‏ ‏النمو‏ ‏حين‏ ‏استنفدت‏ ‏مرحلة‏ ‏سابقة‏ ‏للنمو‏ ‏أغراضها‏، ‏ولم‏ ‏تعد‏ ‏تكفى ‏للحفاظ‏ ‏على ‏التوازن‏ ‏بالقوانين‏ ‏الأدنى.

إلا‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الفرض‏ ‏لم‏ ‏يحدد‏ ‏طبيعة‏ ‏التفاعل‏ ‏بين‏ ‏أى ‏مستوى ‏وآخر‏، ‏بل‏ ‏أكد‏ ‏ترجيح‏ ‏وسيلة‏ (‏قدرة‏) ‏توازن‏ ‏على ‏أخرى ‏مما‏ ‏هو‏ مفترض أنه ‏موجود‏ ‏أصلا‏ ‏منذ‏ ‏البداية‏، ‏وذلك‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏رتب‏ المؤلف ‏مراحل‏ ‏النمو‏ ‏فى ‏ثلاث‏ ‏مراتب‏ (‏أ‏) ‏مرحلة‏ ‏غلبة‏ ‏التوازن‏ ‏بالدفاعات‏ (‏ب‏) ‏ثم‏ ‏مرحلة‏ ‏غلبة‏ ‏التوازن‏ ‏بالبصيرة‏ (‏المعقلنة‏) (‏جـ‏) ‏وأخيرا‏ ‏مرحلة‏ ‏غلبة‏ ‏التوازن‏ ‏بالولاف‏ ‏الجديد‏ (‏الإبداع‏).‏

هذه‏ ‏المرحلة‏ الباكرة من تنظيرى  (1968) إنما  ‏تصف‏ ‏نوعية‏ ‏فكرى ‏التى ‏كانت آنذاك ‏ ‏والتى غلبت عليها جرعة ليست يسيرة من ‏مفاهيم‏ ‏ما‏ ‏يسمى “‏علم‏ ‏النفس‏ ‏الإنسانى” ‏الذى ‏يؤكد‏ ‏هيراركية‏ ‏النمو‏، ‏وإيجابية‏ ‏صفات‏ ‏إنسانية‏ ‏بذاتها‏، ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يعمق‏ ‏تفاعل‏ ‏وحدات‏ ‏وجود‏ ‏بيولوجى ‏حركى ‏يسعى ‏إلى ‏التكامل‏، كذلك‏ ‏كنت‏ ‏واقعا‏ ‏تحت‏ ‏تأثير‏ ‏غلبة‏ ‏فكرة‏ “‏تنمية‏ ‏قدرات‏ ‏الإبداع‏”، ‏وكأنها‏ ‏ملكات‏ ‏خاصة‏ ‏يتمتع‏ ‏بها‏ ‏كل‏ ‏فرد‏ ‏قليلا‏ ‏أو‏ ‏كثيرا‏ ‏ويمكن‏ ‏أن‏ ‏تزيد‏ “‏كمًّا‏” ‏بالتدريب‏ ‏أساسا‏.

بالرغم من تراجعى النسبى عن تفاصيل هذا الفرض، فقد أضاف‏‏ لى ‏بعدين‏ ‏ما زالا يمثلان ركنا أساسيا فى فكرى الحالى‏:

  • فمن‏ ‏ناحية‏ ‏أكد‏ ‏أن‏ ‏الإبداع‏ ‏هو‏ ‏احتمال‏ ‏قائم‏ ‏عند‏ ‏كل‏ ‏فرد، ‏أيا‏ ‏كان‏، ‏بعيدا‏ ‏عن‏ ‏تخصيص‏ ‏ملكات‏ ‏بذاتها‏ ‏لفئة‏ ‏بذاتها‏.
  • ومن‏ ‏ناحية‏ ‏أخرى ‏أظهر‏ ‏كيف‏ ‏يكون‏ ‏الإبداع‏ ‏حاضرا‏ ‏فى ‏الفعل‏ ‏اليومى والنمو الذاتى، ‏دون‏ ‏حاجة‏ ‏إلى ‏تسجيله‏ ‏فى ‏ناتج‏ ‏تشكيلى ‏رمزى.

ومع‏ ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏فقد‏ ‏ظلت‏ ‏تلك‏ ‏المرحلة‏ ‏تمثل‏ ‏فكرا‏:

o        بعيدا‏ ‏عن‏ ‏الأساس‏ ‏البيولوجى

o        مغفِلا‏ ‏الوحدات‏ ‏الأساسية‏ ‏للمعرفة‏ ‏البشرية‏ ‏وصورها‏ ‏التركيبية‏ ‏المختلفة‏

o        مهمِلا‏ ‏طبيعة‏ ‏حركية‏ ‏العلاقة‏ ‏الإيقاعية‏ ‏الجدلية‏ ‏المنتظمة‏ ‏والمنظِّمة‏ ‏للوجود‏ ‏البشرى، ‏وأخيرا‏

o        بطئ‏ ‏الإيقاع‏ (‏بما‏ ‏يشير‏إلى ‏سكونية‏ ‏نسبية،‏ ربما ‏كانت‏ ‏تحيط‏ ‏بي آنذاك بشكل ما‏). ‏

‏2 – ‏ ‏اقتربتُ‏ ‏بعد‏ ‏ذلك‏ ‏من‏ ‏قضية‏ ‏الإبداع‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏بعد‏ ‏بيولوجى ‏أعمق‏. ‏ذلك‏ ‏بأنى ‏عدت‏ ‏أنظر‏ ‏إلى ‏التنشيط‏ ‏ونتاجه‏ ‏الإبداعى ‏من‏ ‏مدخل‏ ‏غريزة‏ ‏العدوان‏ ‏والجنس‏ ‏من‏ ‏زاوية ‏مختلفة، ‏حيث‏ ‏رجحت‏ ‏أن‏ ‏التنشيط‏ ‏إنما‏ ‏يحدث‏ ‏ليستوعب‏ ‏طاقة‏ ‏غريزية‏ ‏فى ‏سعيها‏ ‏إلى ‏الالتحام‏ ‏بالكل‏ ‏الأرقى ‏والأكثر‏ ‏تعقيدا‏، يستوعبها بها، وليس على حسابها، ‏وهو‏ ‏ما‏ ‏ينتج‏ ‏عنه‏ ‏بعد‏ ‏ذلك‏ ‏إبداع‏ ‏تشكيلى ‏بديل‏ (‏ناتج‏ ‏إبداعى‏)، ‏أو‏ ‏إبداع‏ ‏حياتى ‏متصاعد‏ (= ‏نمو‏ ‏جدلى‏). ‏وقد‏ ‏كان‏ ‏احتوائى ‏لنظرية‏ ‏دافعية‏ ‏الغرائز‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏المرحلة‏ ‏مرتبطا‏ ‏أساسا‏ ‏ببحثى ‏عن‏ ‏صورة‏ ‏جدلية‏ ‏ولافية‏ ‏وقادرة‏ ‏على ‏احتواء‏ ‏الغرائز‏ ‏دون‏ ‏الاكتفاء‏ ‏بالإبدال‏ ‏الأرقى (‏التسامى‏)، ‏الذى ‏تمادى ‏فرويد‏ ‏فى ‏تأكيد‏ ‏أنه‏ ‏الوسيلة‏ ‏المثلى ‏للتحكم‏ ‏فى ‏غريزة‏ ‏الجنس‏ ‏بصفة‏ ‏خاصة‏.  ‏من‏ ‏هذا التوجه أمكن التمييز‏ ‏بين‏ ‏الإبداع‏ ‏البديل‏ (‏بالتسامى‏) ‏والإبداع‏ ‏الجدلى ‏المشتمل‏ ‏على ‏فعل‏ ‏الغريزة‏ ‏فى ‏أرقى ‏درجات‏ ‏تكاملها،‏  ‏سواء‏ ‏فى ‏جماليات‏ ‏التواصل‏ ‏النابعة‏ ‏من‏ ‏حفز‏ ‏الجنس‏ ‏فالالتحام‏ ‏به‏، ‏أم‏ ‏من‏ ‏أصالة‏ ‏الإقدام‏ ‏المُواجِهِى، ‏النابعة‏ ‏من‏ ‏جدل‏ ‏العدوان‏ بالمعرفة‏ ‏الأحدث‏[28]. ‏ ‏

‏هذا المنظور‏ ‏يركز على ‏دافعية‏ ‏الإبداع، ‏ ‏وأيضا‏ ‏على ‏أن‏ ‏للغرائز‏ ‏فى ‏ذاتها‏ ‏دورا‏ إيجابيا ‏يسهم‏ ‏فى ‏صورته‏ ‏الأرقى ‏فى ‏عملية‏ ‏الإبداع‏ ‏دون‏ ‏إبدال‏ ‏أو‏ ‏تسام‏. ‏لكننى ‏تبينت‏ ‏بعد‏ ‏ذلك‏ ‏كيف‏ ‏عجزت‏ ‏حتى ‏ذلك‏ ‏الحين‏ ‏عن‏ ‏أن‏ ‏أتبين‏ ‏طبيعة‏ ‏وحدات‏ ‏التفاعل‏ ‏الأولية‏، وأيضا تفاصيل العملية الجدلية المتعددة المستويات.

‏3 – ‏ ‏انتقلتُ‏ بعد ذلك ‏خطوة‏ ‏أخرى ‏فى ‏اتجاه‏ ‏آخر‏، ‏مقتربا‏ ‏من‏ ‏بدايات‏ ‏النمو‏ ‏النفسى ‏من‏ ‏ناحية‏ (‏حيث‏ ‏يبدأ‏ ‏الكائن‏ ‏البشرى ‏خطواته‏ ‏الأولى ‏مطروحا‏ ‏بين‏ ‏جرعات‏ ‏متراوحة‏ ‏من‏ “‏الأمان‏ ‏و‏التوجس‏” ‏معا‏)، ‏ومقتربا‏ ‏فى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ -‏من‏ ‏ناحية‏ ‏أخرى‏- ‏من‏ ‏تناول‏ ‏بعض‏ ‏مسألتى ‏الإبداع‏ ‏والمرض‏ ‏النفسى ‏من‏ ‏خلال‏ ‏حركية‏ ‏جدلية‏ ‏أكثر‏ ‏عمقا‏، ‏وأدق‏ ‏تفصيلا‏. ‏فقد‏ ‏ميزت‏ -‏فى ‏عمل‏ ‏نقدى ‏مقارن‏ ‏بين‏ ‏رباعيات‏ ‏الخيام‏، ‏وسرور‏، ‏وجاهين‏[29] – ‏بين‏ ‏شكل‏ ‏ناتج‏ ‏الإبداع‏ ‏ومحتواه‏ ‏لدى ‏كل‏ ‏منهم‏ ‏بما‏ ‏يتناسب‏ ‏مع‏ ‏ترجيح‏ ‏جرعة‏ ‏الأمان‏ ‏أو‏ ‏التوجس‏ ‏وطبيعة‏ ‏العلاقة‏ ‏بينهما‏، ‏وافترضت‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏احتمالات‏ ‏ثلاثة‏:

o       فرأيت‏ ‏أن‏ “‏نقص‏ ‏الأمان‏ “ ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏هو‏ ‏الدافع‏ ‏إلى ‏الإبداع‏ ‏أساسا‏ ‏أنتج إبداعاً‏ ‏مثل‏ “‏رباعيات‏ ‏الخيام‏”.

o   وجعلت‏ ‏الاحتمال‏ ‏الثانى، ‏وهو‏ “‏فرط‏ ‏التوجس‏”، ‏مبررا‏ ودافعاً ‏لنوع‏ ‏الإبداع‏ ‏ومحتواه‏ ‏كما‏ ‏ظهر‏ ‏فى”‏الهجوم‏ ‏الدفاعى ‏المتلاحق‏ “‏فى ‏رباعيات‏ ‏سرور‏.

o   وأخيرا‏ ‏جعلت‏ ‏الاحتمال‏ ‏الثالث‏، ‏وهو‏ “‏تناسب‏ ‏جرعتى ‏الأمن‏ ‏والتوجس‏، ‏مع‏ ‏غلبة‏ ‏الأولى، ‏وحركية‏ ‏الاثنين‏ ‏معا‏ ‏حركة‏ ‏نشطة‏ ‏دائبة‏ “‏هو‏ ‏ما‏ ‏يفسر‏ ‏طبيعة‏ ‏رباعيات‏ ‏جاهين‏ ‏وتشكيلها‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏هى….. ‏وقد‏ ‏وضعت‏ ‏المقابل‏ ‏لكل‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏الاحتمالات‏ ‏مرضا‏ ‏نفسيا‏ ‏بذاته‏، ‏أوعدة‏ ‏أمراض‏[30]. ‏

وقد‏ ‏أشرتُ‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏العمل‏ ‏نفسه‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏أعنيه‏ ‏بطبيعة‏ ‏الأمان‏، ‏من‏ ‏أنه‏ ‏ليس‏ ‏هو‏ ‏المفهوم‏ ‏السائد‏ ‏بمعنى “‏الحب‏ ” ‏أو‏ “‏الحنان‏ ” ‏أو‏ ” ‏الأمومة‏ “، ‏لكنه‏ “‏تناسب‏ ‏العطاء‏ (‏نوعا‏، ‏وكمًّا‏) – ‏مع‏ ‏الاحتياج‏ (‏نوعا‏ ‏وكمًّا‏”)، ‏كما‏ ‏أكدت‏ ‏علاقة‏ ‏الإبداع‏ ‏بهذا‏ “‏العطاء‏” ‏الكافى، ‏وأن‏ ‏طبيعة‏ ‏هذا‏ ‏العطاء‏ ‏تشمل‏ ‏ما‏ ‏هو‏ “‏معلومات‏ ” (‏بالمعنى ‏الأعمق‏ ‏لرسائل‏ ‏المعنى ‏كما‏ ‏تشمل‏ ‏حضور‏ ‏الموضوع‏ ‏فى ‏الوعى (‏الرِّى ‏العلاقاتي‏). ‏

وقد خَلُصْتُ‏، ‏خرجت‏ ‏فى ‏بعض‏ ‏جوانب‏ ‏هذا‏ ‏النقد‏ ‏إلى ‏أن‏ “… ‏عدم‏ ‏الانتظام‏ ‏والتناسب‏ ‏فى ‏جرعات‏ ‏المعلومات‏ ‏المؤمِّنة‏ ‏لاينتج‏ ‏عنه‏ ‏بالضرورة‏ ‏مرض‏ ‏نفسى، ‏بل‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏ننظر‏ ‏فى ‏وجهه‏ ‏الآخر‏ ‏لنجده‏ ‏هو‏ ‏هو‏ ‏وراء‏ ‏بعض‏ ‏أنواع‏ ‏الإبداع‏… “[31]. ‏ومن‏ ‏ثم‏ ‏تمت‏ ‏هذه‏ ‏النقلة‏/‏‏الإضافة‏- ‏دون‏ ‏التنازل‏ ‏الكامل‏ ‏عما‏ ‏سبقها‏ – ‏لتعلن‏ ‏بدايات‏ ‏نظر‏ ‏أعمق‏ ‏فيما‏ ‏هو‏ ‏دافعية‏ ‏وجدلية‏ ‏معا‏، ‏حتى ‏أننى ‏أشرت‏ ‏إلى ‏ذلك‏ ‏مباشرة‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏العمل‏ ‏نفسه‏، ‏وكيف‏ ‏أن‏ ‏حركة‏ ‏التناوب‏ ‏بين‏ ‏الفرح‏ ‏والاكتئاب‏ (‏فى ‏صورتها‏ ‏الإبداعية‏، ‏وبدرجة‏ ‏أقل‏ ‏فى ‏صورتها‏ ‏المرضية‏) ‏ليست‏ ‏حركة‏ ‏بين‏ ‏قطبين‏ ‏متنافرين‏ ‏كما‏ ‏يبدو‏ ‏من‏ ‏ظاهر‏ ‏اللغة‏ ‏وشائع‏ ‏الاستعمال‏.. ‏ولكنها‏ ‏حركة‏ ‏بين‏ ‏نشاطين‏ ‏ينشأ‏ ‏كلاهما‏ (‏وخاصة‏ ‏فى ‏وجههما‏ ‏الإبداعي‏) ‏من‏ ‏توازن‏ ‏الأمان‏ ‏والتوجس‏ ‏فى ‏حركية فاعلة‏ ‏ ‏ (‏أكرر‏: ‏وليست‏ ‏حركة‏ ‏تسوية‏ ‏ساكنة‏). ‏يتأكد‏ ‏المنظور‏ ‏الجدلى ‏هنا‏ ‏من‏ ‏القول‏ ‏بأنه‏ “… ‏لكى ‏يسمح‏ ‏بهذا‏ ‏التجاوب‏ ‏الخلاق‏ ‏فإننا‏ ‏نتوقع‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏جرعة‏ ‏الأمن‏ (‏مع‏ ‏وجود‏ ‏جرعة‏ ‏التوجس‏) ‏حقيقية‏ ‏وعميقة‏، ‏وفى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏ناقصة‏ ‏وواعدة‏.. “.

 ‏وصلتُ‏ ‏فى ‏النهاية‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏ثمَّ‏ ‏منبعا‏ ‏مشتركا‏ ‏للمرض‏ ‏والإبداع‏ ‏فى ‏حالة‏ ‏جاهين‏ ‏بصفة‏ ‏خاصة‏، ‏وهو‏ ‏الأمان‏ ‏المسنود‏ ‏بدعم‏ ‏التوجس‏، ‏وأن‏ ‏ثمَّ‏ ‏مصبا‏ ‏أعلى”… ‏يتأكد‏ ‏من‏ ‏منظور‏ ‏النمو‏ ‏الجدلى ” ‏كما‏ ‏ظهر‏ ‏فى ‏إبداع‏ ‏رباعيات‏ ‏جاهين أيضا‏. ‏

وقد‏ ‏حددتْ‏ ‏هذه‏ ‏المرحلة‏ ‏من‏ ‏فكرى ‏إضافة‏ ‏دالة‏، ‏جاوزت‏ “‏التوازن‏ ‏القدراتي‏”، ‏و‏”‏الدفع‏ ‏الغريزى ” (‏دون‏ ‏رفضهما‏)، ‏لتقتحم‏ ‏عمق‏ ‏حركية‏ “‏المعلومات‏ “‏الناقصة‏ ‏وغير‏ ‏المستقرة‏ ‏وطبيعتها الساعية إلى البسط الولافى” فى علاقتها بالآخر (الموضوع)‏.  ‏لم‏ ‏أكن حتى ذلك الحين‏ ‏قد‏ ‏تكشفت لى ‏الطبيعة‏ ‏البيولوجية الإيقاعية‏ ‏الأساسية‏ ‏فى ‏إسهامها‏ ‏فى ‏عمليتى ‏الإبداع‏ ‏والجنون‏. ‏

‏4-  ‏انتبهتُ‏ ‏أخيرا‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏التنشيط‏ ‏لمادة‏ ‏الإبداع‏ ‏لايحتاج‏ ‏بالضرورة‏ ‏إلى ‏مثير‏ ‏بمعنى الدافع الخاص‏، ‏سواء‏ ‏كان‏ ‏هذا‏ ‏المثير‏ ‏نقلة‏ ‏من‏ ‏مستوى ‏توازن‏ ‏صحى ‏أُُرهق‏ ‏أو‏ ‏استُـنْـفِدتْ‏ ‏أغراضه‏، ‏أو‏ ‏كان‏ ‏ضغطا‏ ‏من‏ ‏غريزة‏ ‏أُهملت‏ ‏أو‏ ‏كبتت أو شاركتْ‏، ‏أو‏ ‏كان‏ ‏نتيجة‏ ‏لعدم‏ ‏كفاية‏ ‏أو‏ ‏توازن‏ ‏جرعتى ‏الأمن‏ ‏والتوجس‏.

أخيراً تبين لى أن ‏التنشيط‏ عموما ‏هو‏ فى الأساس ‏جزء‏ ‏لايتجزأ‏ ‏من‏ ‏عملية‏ ‏بيولوجية‏ ‏مستمرة‏، ‏تحدث‏ ‏تلقائيا‏ ‏كل‏ ‏يوم‏ ‏وليلة‏ ‏فى ‏الدورة‏ ‏الليلنهارية‏ (‏اليوماوية‏= ‏السركادية ‏Circadian)، ‏بما‏ ‏يشمل‏ ‏ ‏ ‏دورات‏ “الحلم‏/ ‏والنوم‏”[32] (أنظر: ‏الفصل‏ ‏الأول‏)، ‏وأن‏ ‏صور‏ ‏الإبداع‏ ‏تختلف‏ ‏باختلاف‏ ‏الناتج‏ ‏الذى ‏ليس‏ ‏قاصرا‏ ‏على ‏ما‏ ‏نعرفه‏ ‏من‏ ‏إبداع‏ ‏خارجى ‏مسجل‏ ‏كنصوص‏ ‏متاحة‏. ‏ومن‏ ‏ثم‏ ‏فقد‏ ‏وصلتُ‏ ‏إلى ‏أن:‏ الإبداع‏ ‏هو‏ ‏دورة‏ ‏حياتية‏ ‏طبيعية‏ ‏لها‏ ‏صور‏ ‏مختلفة‏، ‏ليس‏ ‏أقلها‏ ‏إبداع‏ ‏الشخص‏ ‏العادى ‏الذى ‏يبدو‏ ‏فى ‏صورة‏ ‏استمرار‏ ‏سلاسة‏ و‏مرونة‏ ‏وجوده‏ ‏المتصاعد‏، مخترقا ومستوعبا أزمات نموه،  ‏والذى ‏يصب‏ ‏فى ‏اطراد فى ‏ ‏سلسلة‏ ‏الترقى المحتمل لنوعه‏ (البشر).‏

 ‏ارتبطتْ‏ ‏هذه‏ ‏النقلة‏ ‏الأخيرة‏ ‏برفض‏ ‏التمييز‏ ‏الطبقى ‏لمن‏ ‏هو‏ ‏مبدع‏ ‏من‏ ‏ناحية‏، ‏ورفض‏ ‏تصور‏ ‏ضرورة‏ ‏صدور‏ ‏الإبداع‏، ‏من‏ ‏قدرات‏ ‏خاصة‏ ‏متميزة‏ ‏من‏ ‏ناحية‏ ‏أخرى، ‏ذلك‏ ‏لأن‏ ‏الإبداع‏ ‏بدا‏- ‏من‏ هذا المنظور المرتبط بالإيقاع‏ ‏الحيوى ‏ـ‏ ‏أنه‏ ‏نتاج‏ ‏طبيعى ‏لدورات‏ ‏حياتية‏ ‏منتظمة‏ ‏ومطردة‏ ‏وحتمية‏ ‏للحركة‏ ‏البيولوجية‏ ‏المتناوبة‏ ‏المتفاعلة‏ ‏أبدا‏. ‏من‏ ‏خلال‏ ‏ذلك‏ ‏تبين‏ ‏لى ‏كيف‏ ‏أن‏ ‏المسألة‏ ‏لا‏ ‏تحتاج‏ ‏إلى ‏غرائز‏ ‏مستثارة‏ ‏ليحتويها‏ ‏الإبداع‏، ‏ولا‏ ‏إلى ‏فقد‏ ‏التوازن‏ ‏ليعيده‏ ‏الإبداع‏، ‏وإنماثمَّ‏ ‏فيض‏ ‏من‏ ‏المعلومات‏ ‏ناقصة‏ ‏التمثيل‏، ‏يتحرك‏ ‏فى ‏إيقاع‏ ‏منتظم‏ ‏أثناء‏ ‏تنشيط‏ ‏الذوات‏ ‏الكامنة‏، ‏حيث‏ ‏تتاح‏ ‏الفرصة‏ ‏لاستيعابها‏ ‏فى ‏نبضة‏ ‏إبداع‏ ‏جديدة‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏حركية‏ ‏النمو‏ ‏المنتظمة‏، وبتعبير‏ ‏آخر‏: ‏انتبهتُ‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏ما‏ ‏يتنشط‏ ‏تلقائيا‏ ‏ودوريا‏ ‏ليقدم‏ ‏مادة‏ ‏الإبداع‏ ‏الأولية‏:

  • ليس‏ ‏هو‏ -أساسا- ‏ما‏ ‏أُهمل‏ ‏أو‏ ‏كُبت‏ (‏معرفة‏ ‏أولية‏ ‏مكبوتة‏ – ‏أريتى‏) ‏مما‏ ‏لم‏ ‏تتح‏ ‏له‏ ‏فرصة‏ ‏الظهور‏ ‏للتعبير‏.
  • كما‏ ‏أنه‏ ‏ليس‏ ‏مجرد‏ ‏الدفع‏ ‏الغريزى ‏الباحث‏ ‏عن‏ ‏احتوائه‏ ‏فى ‏شكل‏ ‏أرقى.
  • كما‏ ‏أنه‏ ‏لا‏ ‏يتعلق‏ -‏بالضرورة‏- ‏بعدم‏ ‏تناسب‏ ‏جرعتى ‏الأمان‏ ‏والتوجس‏ ‏الأوليينْ‏.

‏وإنما‏ ‏هو:‏ ‏كل نتاج حركية ما‏‏لم‏ ‏يُتمثل‏ ‏تمثلا‏ ‏كاملا‏ (‏بيولوجيا‏) ‏فعجز‏ ‏عن‏ ‏أن‏ ‏ينمحى تماما إذ  ‏يلتحم‏ ‏فى ‏كلية‏ ‏النمو‏، ‏فظل‏ ‏قَلِقا‏ ‏ضاغطا‏ ‏يبحث‏ ‏عن‏ ‏فرصة‏ ‏جديدة‏ ‏مع‏ ‏كل‏ ‏تنشيط‏ ‏دورى ‏جارٍ (إيقاع حيوى)‏، ‏ليجد‏ ‏مكانه‏ ‏الغائر‏ ‏فى (‏والملتحم‏ ‏بـ‏) ‏الكل‏ ‏النامى.

وهى عملية لا تتوقف أبدا لأن النمو والتمثُّل لا يكتملان أبدا.

هكذا‏ ‏وصلت‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏اسميته‏ ‏عملية‏ ‏الإبداع‏ ‏اليوماوى ‏الحيوى[33]‏ التى ‏هى ‏دفع‏ ‏للنمو‏ ‏المستمر‏‏، ‏والتى‏ ‏قد‏ ‏لا‏ ‏تكون‏ ‏كافية‏ ‏لاستيعاب‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏تنشط‏ ‏من‏ ‏معلومات‏ ‏وذوات‏، ‏فيحتاج‏ ‏الأمر‏ ‏إلى ‏نشاط‏ ‏إبداعى ‏يظهر‏ ‏فى ‏تشكيل‏ ‏منتـَج‏، ‏وهو‏ ‏ما‏ ‏يتاح‏ ‏لنا‏ ‏مما‏ اعتدنا أن ‏نسميه‏ ‏دون‏ ‏غيره ‏”‏الإبداع‏”.

 على ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏لا‏ ‏يعنى ‏أن‏ ‏كل‏ ‏من‏ ‏لا‏ ‏يعيش‏ ‏خبرة‏ ‏الوعى ‏الظاهر‏ ‏ذى ‏الناتج‏ ‏الإبداعى ‏تشكيلا‏ ‏رمزيا‏ ‏مسجلا‏، ‏هو‏ ‏مبدع‏ ‏حيوى ‏تلقائيا‏ ‏وحتما‏ (‏اللهم‏ ‏إلا‏ ‏على ‏مستوى ‏تطور‏ ‏النوع‏) ‏كما‏ ‏أنه‏ ‏لاينبغى ‏أيضا‏ ‏أن‏ ‏نتصور‏ ‏أن‏ ‏تأكيد‏ ‏تلقائية‏ ‏التنشيط‏ ‏ونوابية‏ ‏الإيقاع‏ ‏الحيوى ‏يتضمنان‏ ‏أى ‏ترجيح‏ ‏لإلغاء‏ ‏دور‏ ‏الإرادة‏ ‏الفردية‏، أ‏و تحمل مسئولية‏ ‏الرؤية‏، ‏أو الفروق الفردية فى‏ ‏التركيب‏ ‏الشخصى، ذلك‏ ‏أن:

‏ ‏التقاط‏ ‏التنشيط‏، ‏بل‏ ‏السعى ‏إلى ‏استثارته‏، ‏والمشاركة‏ ‏فى ‏توجيهه‏، ‏ثم‏ ‏تحمل‏ ‏مسئولية‏ ‏الوعى ‏به‏، ‏والحيلولة‏ ‏دون‏ ‏إحباطه‏، ‏فالصبر‏ ‏على ‏عدم‏ ‏الإسراع‏ ‏بإجهاضه‏، ‏بالإضافة‏ ‏إلى ‏تعهده‏ ‏فصقله‏، ‏و‏‏رفض‏ الهرب أمام ‏إرعابه‏، ‏ثم النهوض‏ ‏بثقله‏، ‏فاكتشاف‏ ‏نقصه‏ ‏وحوار‏ ‏نقده‏ – ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏وغيره‏ ‏هو‏ ‏وظيفة‏ ‏التوجه‏ ‏الإبداعى ‏الإرادى ‏الفردى ‏لكل‏ ‏مبدع‏ ‏على ‏حدة‏ (‏أنظر‏ ‏الفصل‏ ‏الثالث‏: عن ‏الحرية‏ والإبداع).‏

وهكذا‏ ‏انتهيتُ‏ ‏إلى ‏ضرورة‏ ‏أن‏ ‏أخطو‏ ‏خطوة‏ ‏جديدة‏ ‏فى ‏اتجاه‏ ‏دراسة‏ ‏طبيعة‏ ‏التفاعل‏ ‏بين‏ ‏وحدات‏ ‏هذه‏ ‏المادة‏ ‏النشطة‏ ‏والمنشَّطة‏، ‏بما‏ ‏يسمح‏ ‏بفهم‏ ‏بعض‏ ‏جدلية‏ ‏محتملة‏ ‏بين‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏إبداع‏ ‏وما‏ ‏هو‏ ‏جنون‏. ‏

لكن‏ ‏ثم‏ ‏تحذير‏ ‏واجب‏ ‏ابتداء‏، ‏يعرفه‏ ‏كل‏ ‏من‏ ‏اقترب‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏المنطقة‏ ‏فتصور‏ ‏إمكانية‏ ‏الكتابة‏ ‏أصلا‏ ‏عن‏ ‏الجدل‏، ‏ذلك‏ ‏أن‏ “.. ‏الكتابة‏ ‏عن‏ ‏الديالكتيك‏ (‏هى‏) ‏ضده‏، ‏أو‏ ‏هى ‏مستوى ‏من‏ ‏مستويات‏ ‏إشكاليته”‏،[34] ‏أو‏ ‏بصيغة‏ ‏ثالثة‏ ‏أقول‏ ‏إن‏ ‏هناك‏ ‏مسافة‏ ‏بين‏ ‏الوعى ‏الجدلى ‏والكتابة‏ ‏الجدلية‏”. ‏لقد‏ ‏انتبهت‏ ‏إلى ‏ذلك‏ ‏منذ‏ ‏زمن ‏[35]. ‏وحتى ‏هذا‏ ‏المقتطف‏ ‏السابق‏ ‏وقفت‏ ‏منه‏ ‏موقفا‏ ‏يعلن‏ ‏أنه‏ “.. ‏لامفر‏ ‏من‏ ‏المغامرة‏، ‏ولتكن‏ ‏الكتابة‏ ‏عن‏ ‏الديالكتيك‏ -‏كما‏ ‏قال‏ ‏المقتطف‏ -‏هى ‏حركة‏ ‏فى ‏فعل‏ ‏الديالكتيك‏ ‏ذاته‏، ‏إذ‏ ‏هى ‏ضده‏ ‏حالة‏ ‏كونها‏ ‏تكتب‏ ‏عنه‏: ‏لكنى ‏رفضت‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏ثمة‏ ‏مسافة‏ ‏بين‏ ‏الوعى ‏الجدلى ‏والكتابه‏ ‏عنه‏. ‏ولعل‏ ‏ماوصلنى ‏هو‏ ‏الفرق‏ (‏وليس‏ ‏المسافة‏)، ‏والمواجهة‏ ‏المتداخلة‏ ‏بين‏ ‏الوعى ‏بالجدل‏ ‏والكتابة‏ ‏عن‏ ‏الجدل‏، ‏فالوعى ‏لايكون‏ ‏جدليا‏ ‏أو‏ ‏غير‏ ‏جدلى، ‏فهو‏ ‏جدلى ‏بالضرورة‏،  ‏وقد‏ ‏نعِـى ‏جدليته‏ ‏أو‏ ‏لا‏ ‏نعيها‏. ‏والكتابة‏ ‏لاتكون‏ ‏جدلية‏ ‏أو‏ ‏غير‏ ‏جدلية‏. الكتابة‏ ‏هى ‏اغتراب‏ ‏ضرورى ‏يضحى ‏بجزء‏ ‏من‏ ‏الوعى (‏الجدلي‏) ‏فى ‏سبيل‏ ‏التواصل‏ ‏الآنى، ‏ولتأمين‏ ‏نقل‏ ‏الخبرة‏ ‏الإنسانية‏ ‏عبر‏ ‏التاريخ‏”[36].

[1] نشرت فى صورتها الأولى فى مجلة فصول– المجلد السادس – العدد الرابع 1986

 ص( 30 – 58) وقد تم تحديثها دون مساس بجوهرها.

[2] – أنظر الفصل الأول هامش (11) عن معنى الجنون فى هذا الكتاب.

[3] – ‏ تستعمل‏ ‏كلمة‏ “‏الوعي‏” ‏خلال‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏ ‏بمعان‏ ‏مختلفة‏ ‏لايظهرها‏ ‏إلا‏ ‏السياق‏، ‏وقد‏ ‏أضفت‏ ‏صفة‏ “‏المعقلن‏” ‏فى ‏هذه‏ ‏المراجعة‏ ‏لتفيد‏ ‏أمرين‏: ‏الأول‏: ‏أن‏ ‏تحدد‏ ‏مستوى هذا ‏الوعى المعنِى ‏هنا‏ ‏بالمعنى ‏الشائع‏ ‏والمرادف‏ ‏لما‏ ‏هو‏ ‏المستوى ‏الظاهر‏ ‏للمعرفة‏ ‏الشعورية حيث يطلق‏ ‏عليه‏ ‏أحيانا‏: ‏الشعور‏، ‏والثانى: ‏أن‏ ‏نشير‏ ‏إلى ‏تضخم‏ ‏دور‏ ‏المخ‏ ‏الحسابى ‏الرمزى ‏الممثل‏ ‏أساسا‏ ‏فى ‏نشاط‏ ‏نصف‏ ‏الدماغ‏ ‏الكروى ‏الطاغى: ‏الأيسر‏ ‏فى ‏الشخص‏ ‏الأيمن‏.‏

‏ ‏لكنى ‏أستعمل‏ “‏الوعي‏” ‏أساسا‏ ‏فى ‏معظم‏ ‏هذا‏ ‏الكتاب‏ ‏بمعنى “…‏تركيبى ‏محدد‏، ‏أنظر‏ ‏هامش‏ ‏رقم‏ 9 ‏الفصل‏ ‏الأول‏.‏

[4] – ‏برغم‏ ‏مرور‏ ‏الفكر‏ ‏التطورى (‏الدارونى ‏بوجه‏ ‏خاص‏) ‏بهزة‏ ‏نابعة‏ ‏من‏ ‏سطحية‏ ‏المنهج‏ ‏الذى ‏يبحث‏ ‏عن‏ ‏أدلة‏ ‏مباشرة‏، ‏وحلقات‏ ‏مفقودة‏، ‏فإن‏ ‏تاريخ‏ ‏الحياة‏، ‏والقياس‏ ‏الموازى، ‏وعلم‏ ‏التشريح‏ ‏المقارن‏، ‏وعلم‏ ‏الأجنة‏ ‏المقارن‏، ‏كلها‏ ‏تحذر‏ ‏من‏ ‏التمادى ‏فى ‏الاستسلام‏ ‏لآثار‏ ‏هذه‏ ‏النكسة‏‏ ‏الجديرة‏ ‏بأن‏ ‏تعوق‏ ‏الفكر‏ ‏البشرى ‏وهى ‏تظلم‏ ‏بصيرته‏ ‏كلما‏ ‏أظلم‏ ‏ضيق‏ ‏المنهج‏ ‏وتهافتت‏ ‏سطحيته‏ ‏يبدو ذلك مثلما‏ ‏حدث‏ ‏سابقا‏ ‏حين‏ ‏شوه‏ ‏مندل‏ ‏ووايزمان‏ ‏فكرة‏ ‏وراثة‏ ‏العادات‏ ‏المكتسبة‏. ‏الدراسة‏ ‏الحالية‏ ‏مازالت‏ ‏تستند‏ ‏مباشرة‏ ‏إلى ‏الفكر‏ ‏التطورى ‏الحيوى ‏على ‏مستوى ‏النوع‏، ‏وعلى ‏مستوى ‏الفرد‏، ‏وعلى ‏مستوى ‏الدورة‏ ‏اليومية‏، ‏ثم‏ ‏على ‏مستوى ‏المسار‏ ‏الإبداعى (‏انظر‏ ‏أيضا‏: ‏الإيقاع‏ ‏الحيوى ونبض الإبداع: الفصل‏ ‏الأول‏).‏

[5] – exact sciences

[6] – والنوعية‏ ‏المنحّاة جانبا حتى كمُنَـت

[7] –   Antipsychiatry‏أعطت‏ ‏الحركة‏ ‏المناهضة‏ ‏للطب‏ ‏النفسى ‏قيمة‏ ‏إيجابية‏ ‏مبالغا‏ ‏فيها‏ ‏لما‏ ‏هو‏ “‏جنون‏”. ‏وعلى ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏الحركة‏ ‏تحمل‏ ‏فكرا‏ ‏مهما‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏المبدأ‏، ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏عدم‏ ‏تحديد‏ ‏مرحلة‏ ‏الجنون‏ ‏التى ‏تدافع‏ ‏عنها‏ (‏حتى ‏لايتمادى ‏الجنون‏) ‏وهجومها‏ ‏غير‏ ‏المنظم‏ ‏على “‏كل‏” ‏الوسائل‏ ‏الفيزيائية‏، ‏والكيميائية‏ ‏اللازمة‏ ‏لضبط‏ ‏فرط‏ ‏جرعة‏ ‏التنشيط‏ ‏الداخلى ‏العشوائي‏-‏هذا‏ ‏وذاك‏ ‏قد‏ ‏أديا‏ ‏إلى ‏إخفاق‏ ‏نتائجها‏ ‏العملية‏ ‏إخفاقا‏ ‏كاد‏ ‏يهز‏ ‏حتى ‏الأفكار‏ ‏الصحيحة‏ ‏التى ‏أسست‏ ‏عليها‏ ‏توجهها‏. ‏وقد‏ ‏يلاحظ‏ ‏القاريء‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الدراسة‏ ‏ماهو‏ ‏دفاع‏ ‏عن‏ ‏الجنون‏، ‏لكنه‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏يكتشف‏ ‏التأكيد‏ ‏المتكرر‏ ‏على ‏أن‏ ‏الدفاع‏ ‏إنما‏ ‏ينصب‏ ‏على ‏بدايات‏ ‏الجنون‏ ‏بما‏ ‏يسمح‏ ‏بإمكانية‏ ‏تحويل‏ ‏المسار، وليس على ترجيح مزايا خاصة للجنون المستتب‏.‏

[8]- ‏أقصد‏ ‏هنا‏ ‏بالأوتوماتية‏ ‏المعنى ‏الذى ‏يقول‏ “.. ‏فلا‏ ‏يكون‏ ‏ثمة‏ ‏انتباه‏ ‏أثناء‏ ‏الكتابة‏ ‏إلا‏ ‏إلى ‏دفق‏ ‏الكلمات‏ ‏النابع‏ ‏عن‏ ‏اللاوعى ..”، “.. ‏لم‏ ‏تكترث‏ ‏بأن‏ ‏تحقق‏ ‏توازنا‏ ‏بين‏ ‏الأوتوماتية‏ ‏وصفاء‏ ‏الذهن‏، ‏أو‏ ‏بعبارة‏ ‏أخرى ‏لم‏ ‏توفق‏ ‏بين‏ ‏نتائج‏ ‏العقل‏ ‏الباطن‏ ‏وتحكم‏ ‏العقل‏ ‏الواعي‏”، ‏انظر‏: ‏نعيم‏ ‏عطية: “الأوتوماتية‏ ‏فى ‏الشعر‏ ‏السيريالي”‏ ص 155-161 ‏ ‏المجلد‏ ‏الأول‏- ‏العدد‏ ‏الرابع‏ (1981) مجلة فصول. ‏

[9] – أعنى بالتكمية الاغترابية alienated quantification أن يصبح معيار التقدم هو الوفرة فى الكم أساسا أو  تماما (-بما فى ذلك اغتراب الرفاهية وقهر الاستهلاك).

[10] – خالدة‏ ‏سعيد‏ “‏حركية‏ ‏الإبداع”‏. ص 62-92 – ‏دار‏ ‏العودة‏ ‏بيروت: والأمثلة‏ ‏‏تفوق‏ ‏الحصر‏، ‏سواء‏ ‏فى ‏استعمال‏ ‏لفظ‏ ‏الجنون‏ ‏فى ‏نص‏ ‏العمل‏ ‏الأدبي‏-‏الروائى ‏بصفة‏ ‏خاصة‏، ‏أو‏ ‏فى ‏وصف‏ ‏الخبرة‏ ‏الذاتية‏ ‏للمبدع‏ (‏كمثال‏: ‏وصف‏ ‏شعر‏ ‏أنسى ‏الحاج‏: “‏بالجنون‏ ‏ينتصر‏ ‏التمرد‏”، ‏أو‏ ‏فى النقد‏ “. ‏بهذا‏ ‏المعنى ‏يكون‏ ‏الجنون‏ ‏هو‏: ‏السبق‏، ‏ونقض‏ ‏المصطلحات‏ ‏وخرق‏ ‏العادة‏، ‏وتجاوز‏ ‏دائرة‏ ‏المعقول‏”)

[11] – ذكرت‏ ‏فى ‏الفصل‏ ‏الأول: “…‏إن‏ ‏الجنون‏ ‏الدورى ‏هو‏ ‏أساس‏ ‏عندى ‏لكل‏ ‏الأنواع‏ ‏الأخرى”. ‏ثم‏ ‏أعود‏ ‏فأذكر‏ ‏هنا‏ ‏أنى ‏أرى ‏أن‏ ‏جنون‏ ‏الفصام‏ ‏هو‏ ‏الأصل‏، ‏وأن‏ ‏أغلب‏ ‏أنواع‏ ‏الجنون‏ ‏الأخرى ‏هى ‏تنويعات‏ ‏مرحلية‏…‏إلخ‏”. ‏ولابد‏ ‏من‏ ‏إيضاح‏ ‏لما‏ ‏يبدو‏ ‏تناقضا‏ ‏بين‏ ‏هذا‏ ‏الزعم‏ ‏وذاك‏، ‏فى ‏حين‏ ‏أنه‏ ‏ليس‏ ‏كذلك‏: ‏فالجنون‏ ‏الدورى ‏هو‏ ‏أساس‏ ‏كل‏ ‏الأنواع‏ ‏الأخرى ‏من‏ ‏منظور‏ “‏الإيقاع‏ ‏الحيوي‏” ‏الذى ‏كان‏ ‏موضوع‏ ‏الدراسة‏ ‏الأولى، و‏فى نفس الوقت فإن ‏الفصام‏ ‏هو‏ ‏الأصل‏،‏ ‏من‏ ‏منظور‏ ‏غائية‏ ‏التدهور‏ ‏وحركية‏  ‏التناثر‏(التحللية)  ‏فى ‏اتجاه‏ ‏الانقراض‏. ‏وقد‏ ‏سبق‏ ‏أن‏ ‏وضعت‏ ‏الفصام‏ ‏فى مراحل فشله المتمادى فى ‏هذه‏ ‏المرتبة‏ ‏القصوى ‏المتدنية‏ ‏تدهوريا‏، ‏فى ‏مقابلته‏ ‏للمستوى ‏الخالقى ‏للصحة‏ ‏النفسية‏- ‏انظر‏:  ‏يحيى ‏الرخاوى: ‏مستويات‏ ‏الصحة‏ ‏النفسية‏ ‏على ‏طريق‏ ‏التطور‏ ‏الفردى، ‏فى: ‏حيرة‏ ‏طبيب‏ ‏نفسى، (1972) ‏دار‏ ‏الغد‏ ‏للثقافة‏ ‏والنشر‏، ‏القاهرة‏.‏

[12] – تحديد هذا النوع بصفة “تشريحى” سواء التشريح الجسيم أو التشريح الدقيق (الهستولوجيا) هو لبيان أن كلمة عضوى وحدها لا تكفى للاستبعاد، لأن كل أنواع الجنون التى يقال إنها وظيفية هى عضوية بمعنى التغير الكيميائى والتنظيمى البيولوجى المصاحب. أما استبعاد هذا النوع فلأن له “إمراضية” (كيفية تكون الأعراض The how of symptom formation = Psychopathology=) مختلفة اختلافا جذريا إذ يحدث هذا النوع  بلا غائية محددة، اللهم إلا فى التعويض بعد الإصابة المبدئية، إن كان ثَمَّ تعويض وظيفى محتمل.

[13] – أصــر‏ ‏قصدا‏ ‏أن‏ ‏أنسب‏ ‏للجمع‏ ‏فأقول‏ “‏مفاهيمي‏” ‏بدلا‏ ‏من‏ ‏مفهومى، ‏متى ‏ساقنى ‏السياق‏ ‏إلى ‏ذلك‏. ‏وأحسب‏ ‏أنه‏ ‏قد‏ ‏آن‏ ‏الأوان‏ ‏لتجاوز‏ ‏هذا‏ ‏المحظور‏ ‏إذا‏ ‏ماكانت‏ ‏النسبة‏ ‏إلى ‏الجمع‏ ‏تستطيع‏ ‏أن‏ ‏تـضـمّـن‏ ‏اللفظ‏ ‏معنى ‏خاصا‏ ‏متميزا‏. ‏وقد‏ ‏أردت‏ ‏هنا‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏لهذه‏ ‏الصيغة‏ ‏يإيقاعها‏ ‏الخاص‏ ‏المتميز‏ ‏مايضعني‏-‏والقارئ‏- ‏فى ‏موقع‏ ‏يسمح‏ ‏بتخصيصها‏ ‏لما‏ ‏يعنى ‏مرحلة‏ ‏معرفية‏ ‏مصقولة‏ ‏ومسلسلة‏، ‏تستخدم‏ ‏المفاهيم‏ ‏الواضحة‏ ‏والراسخة‏ ‏كأبجدية‏ ‏مفيدة‏ ‏لسياق‏ ‏عام‏. ‏وقد‏ ‏أفضل‏ ‏هذه‏ ‏الصيغة‏ ‏على ‏صيغة‏ “‏مفهومي‏” ‏التى ‏قد‏ ‏تستعمل‏ ‏بصيغة‏ ‏المفعول‏ ‏أو‏ ‏ماشابه‏، ‏مما‏ ‏يضيق‏ ‏بما‏ ‏أردته‏.‏

[14] – سيلفانو‏ ‏أريتى: الإبداعية‏: ‏الولاف‏ ‏السحرى‏، ‏ص‏66.

‏ Silvano Arieti: Tertiary processes (1976), Creativity: The Magic Synthesis. Basic Books، New York.‏

[15] – سلفانو‏ ‏أريتى:

 Silvano Arieti (1974), Interpretation of Schizophrenia. Basic Books, New York.

[16] – سلفانو‏ ‏أريتى: ‏النفس‏ ‏داخل‏ ‏الذات‏:

 Silvano Arieti (1967), The Intrapsychic Self: Feeling Cognition and Creativity in Health and Disease. Basic Books, New York

[17] – الإبداعية‏: ‏الولاف‏ ‏السحرى (‏أريتي‏)، ‏ص‏53-54.‏

 Amorphous Cognition.‏ أنظر هامش (14)

[18] – Oceanic Feeling

[19] – To be Unfolded

[20] – Wooly Thinking

[21] – Over inclusion

[22]- المفهوم‏ ‏الأحدث‏ ‏للبصم‏ Imprinting ‏من‏ ‏حيث‏ ‏رصده‏ ‏حالة‏ ‏حدوثه‏ ‏كما‏ ‏ورد‏ ‏فى ‏مرجع‏ يحيى الرخاوى: “‏دراسة‏ ‏فى ‏علم‏ ‏السيكوباثولوجي‏” (1979) دار الغد للثقافة والنشر- القاهرة. ‏وليس‏ ‏فقط‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏إطلاق‏ ‏السلوك‏ ‏المبصوم‏ (‏لورنز‏ & ‏تنبرجن‏).‏

[23] – يستعمل‏ ‏بعض‏ ‏الزملاء والمترجمين‏ ‏تعبير‏ “‏معالجة‏ ‏المعلومات‏” ‏ترجمة‏ ‏لعملية‏ ‏الـــ‏Information processing ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏المؤلف‏ ‏يتحفظ‏ ‏بالاستمرار‏ ‏فى ‏استعمال‏ “‏فعلنة‏” ‏على ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏أن‏ “‏معالجة‏” ‏تفيد‏ ‏بعض‏ ‏المعنى ‏وذلك‏ ‏للأسباب‏ ‏التالية‏: (‏أ‏) ‏إن‏ ‏المعالجة‏ ‏تقابل‏ ‏ما‏ ‏هو‏ Treatment ‏فى ‏حين‏ ‏أن‏ ‏العملية‏ ‏المعنية‏ ‏أكثر‏ ‏تفصيلا‏ ‏وتكثيفا‏ ‏من‏ ‏ذلك‏، (‏ب‏) ‏إن‏ ‏الفعلنة‏ ‏تفيد‏ ‏التعامل‏ ‏مع‏ ‏المعلومة‏ ‏باعتبارها‏ ‏مشتركة‏ ‏فى ‏الفعل‏ ‏التنظيمى ‏التركيبى ‏فعلا‏ ‏ظاهرا‏ ‏أو‏ ‏كامنا‏ ‏فى ‏حين‏ ‏أن‏ ‏المعالجة‏ ‏تفيد ضمنا: استعمال‏ ‏المعلومة‏ ‏سلبا‏، (‏جـ‏) ‏إن‏ ‏المؤلف‏ ‏يستعمل‏ ‏هذا‏ ‏التعبير‏ ‏فى ‏تنظيره‏ ‏السابق‏ ‏وتغييره‏ ‏مؤخرا‏ ‏قد‏ ‏يخلط‏ ‏الأمر‏ ‏على ‏متتبع‏ ‏أعماله‏ ‏طوليا‏.‏   بالرغم من كل ذلك، فقد اقتنعت مؤخرا بتعبير “اعتمال المعلومات”، فهو يشمل العمل بشكل فيه زخم التلقائية والتنظيم (إن الكريم وأبيك يعتمل، إن لم يجد يوما على من يتّكل) ، لكننى أفضل مرحليا أن  أواصل استعمال لفظ فعلنة بجوار الاعتمال.

[24] – يحيى ‏الرخاوى: “‏إشكالية‏ ‏العلوم‏ ‏النفسية‏ ‏والنقد‏ ‏الأدبى” ص‏41 ‏المجلد‏ ‏الرابع‏، ‏العدد‏ ‏الأول (1983) مجلة فصول، تمَّ تحديثها فى: “تبادل الأقنعة” هيئة قصور الثقافة 2006.‏

[25]- يحيى ‏الرخاوى ‏”الوحدة‏ ‏والتعدد‏ ‏فى ‏الكيان‏ ‏البشرى” ص‏ 19-33، عدد‏ ‏أكتوبر (1981) ‏مجلة الإنسان‏ ‏والتطور.‏

[26] – يحيى الرخاوى: دليل الطالب الذكى “الجزء الأول” دار الغد للثقافة والنشر (1982)- القاهرة.

[27] – نفسه‏، ‏ص‏217.‏

[28] – ‏ يحيى ‏الرخاوى: ‏”العدوان‏ ‏والإبداع” ص‏49-80  ‏المجلد‏ ‏الأول‏ ‏العدد‏ ‏الثانى (1980) مجلة الإنسان ‏والتطور (‏الفصل‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏الكتاب‏) وأيضا بالموقع www.rakhawy.org

[29] – يحيى ‏الرخاوى: “‏رباعيات‏ ‏ورباعيات‏” ص‏45-98 ‏المجلد‏ ‏الثالث- ‏العدد‏ ‏الأول‏ (1982) مجلة الإنسان‏ ‏والتطور(‏نشر‏ ‏ضمن‏ ‏سلسلة‏ ‏الأعمال‏ ‏المتكاملة موجود أيضا بموقع المؤلف www.rakhawy.org‏.‏

[30] – نفسه‏، ‏ص‏: 52، 53.‏

[31] – نفسه‏، ‏ص‏: 53.‏

[32] – الفكرة الأساسية فى هذا المنحى ظهرت باكرا فى: يحيى ‏الرخاوى: “‏الإيقاع‏ ‏الحيوى ‏ونبض‏ ‏الإبداع”‏ ص‏67-91  ‏المجلد‏ ‏الخامس‏، ‏العدد‏ ‏الثانى(1985) مجلة فصول، ثم تحدثت فى ‏الفصل‏ ‏الأول‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏الكتاب‏.‏

[33] – Circadian

[34] – محمد‏ ‏الزايد‏ (1981): ‏الديالكتيك‏ ‏إجابة‏ ‏أم‏ ‏إشكالية‏. ‏الفكر‏ ‏المعاصر‏‏.‏

[35] – يحيى ‏الرخاوى: “‏مقدمة‏ ‏فى ‏العلاج‏ ‏الجمعى” ص 176 (1978) ‏دار‏ ‏الغد‏ ‏للثقافة‏ ‏والنشر‏، ‏القاهرة‏. “….‏وأنا‏ ‏أعترف‏ ‏أن‏ ‏استيعاب‏ ‏الجدل‏ ‏أمر‏ ‏شديد‏ ‏الصعوبة‏ ‏مالم‏ ‏يمارس‏ ‏ ‏فى ‏خبرة‏ ‏ومعايشة‏، ‏أعترف‏ ‏أننى لم أعرف الجدل بحق  إلا حين عشته‏ ‏من‏ ‏احتكاكى ‏بهؤلاء‏ ‏الناس‏ (‏المرضي‏) ‏ونفسى، ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏أقرأ‏ ‏عنه‏”.‏

[36] – يحيى ‏الرخاوى: “‏مقتطف‏ ‏وموقف” ص 41‏، ‏المجلد‏ ‏الثالث‏، ‏العدد‏ ‏الأول‏ (1982)‏ مجلة الإنسان‏ ‏والتطور.

المستوى المعرفى البدئى فى الجنون والإبداع

المستوى المعرفى البدئى فى الجنون والإبداع

‏5- ‏المستوى ‏المعرفى ‏البدئى ‏فى ‏الجنون‏ ‏والإبداع‏: ‏

انطلاقا‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏الاعتراف‏ ‏بالعجز‏، ‏واختراقا‏ ‏لهذا‏ ‏المأزق‏، ‏أبدأ‏ ‏بمحاولة‏ ‏تحديد‏ ‏متواضعة‏ ‏للكشف‏ ‏عن‏ ‏الوحدات‏ ‏الأولية‏ ‏للحركية‏ ‏الجدلية‏ ‏على ‏الرغم‏ ‏مما‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏من‏ ‏مخاطرة‏ ‏الابتعاد‏ ‏عن‏ ‏جوهر‏ ‏الطبيعة‏ ‏الشمولية‏ ‏لما‏ ‏أحاول‏ ‏تقديمه‏، ‏لكننى ‏لا‏ ‏أجد‏ ‏سبيلا‏ ‏آخر‏. ‏وسوف‏ ‏أكتفى ‏فى ‏هذه‏ ‏المرحلة‏ ‏بالتحرك‏ ‏الممكن‏ ‏فى ‏محاولة‏ ‏استيعاب‏ ‏مستوى “‏الصورة‏”، ‏ومستوى “‏المكد‏” ‏على ‏أساس‏ ‏ما‏ ‏يتمتعان‏ ‏به‏ ‏من‏ ‏حرية‏ ‏الحركة‏ ‏من‏ ‏ناحية‏، ‏ومرونة‏ ‏الكلية‏ ‏غير‏ ‏المتميزة‏ ‏من‏ ‏ناحية‏ ‏أخرى. ‏كذلك‏ ‏فإن‏ ‏التوقف‏ ‏عند‏ ‏مرحلة‏ ‏تنشيطهما‏ ‏إنما‏ ‏يظهرهما –لأول وهلة-‏ ‏كما‏ ‏لو‏ ‏كانا‏ ‏بديلين‏ ‏متنافرين‏، ‏ومعوقين‏، ‏ومفككين‏ ‏للحياة‏ ‏المفهومية‏، ‏وهذا‏ ‏من‏ ‏أظهر‏ ‏أعراض‏ ‏الجنون إذا ما تمادى هذا التوجه دون ضم جدلى لاحق‏. ‏

‏5 – 1 ‏فى ‏الجنون‏:‏

تظهر‏ ‏المعرفة‏ ‏البدائية‏ ‏فى ‏الجنون‏ ‏فى ‏شكل‏ ‏مباشر‏، ‏أو‏ ‏غير‏ ‏مباشر‏، ‏فمثلا‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نعد‏ ‏الهلوسات‏ ‏الحسية‏ ‏بعامة‏، ‏والبصرية‏ ‏بخاصة‏، ‏تنشيطا‏ ‏لمستوى “‏الصورة‏”. ‏وكذلك‏ ‏فإن‏ ‏ظاهرة‏ ‏التعيين‏ ‏النشط‏ Active Concretization – ‏أى ‏تجسيم‏ ‏المجرد‏ ‏فى ‏شكل‏ ‏عيانى ‏تدركه‏ ‏الحواس‏ ‏حاضرا‏ ‏بشكل‏ ‏مباشر‏، ‏هى ‏ظاهرة‏ ‏تماثل‏ ‏إلى ‏حد‏ ‏كبير‏ ‏تفكير‏ ‏الطفل‏ ‏والبدائى (‏مع‏ ‏التحفظات‏ ‏اللازمة‏ ‏لتجنب‏ ‏الترادف‏ ‏الساذج‏). ‏وقد‏ ‏يظهر‏ ‏المكد‏ ‏بما‏ ‏هو‏ ‏حدثٌ‏ ‏غامض‏ ‏ملح‏ ‏ويقينى، ‏حتى ‏لو‏ ‏لم‏ ‏يعبر‏ ‏عنه‏ ‏فى ‏ألفاظ‏، ‏يظهر‏ ‏على ‏نحو‏ ‏قد‏ ‏ينعكس‏ ‏على ‏تعبير‏ ‏وجه‏ ‏الفصامى ‏الذى ‏يعيش‏ ‏فى ‏يقين‏ ‏ما‏. …. ‏فالفصامى ‏إذ‏ ‏يتراجع‏ ‏إلى ‏منطقة‏ ‏عميقة‏ ‏من‏ ‏وجوده‏، ‏يعيش‏ ‏إحياء‏ ‏هذه‏ ‏الوحدات‏ ‏الأولية‏ ‏بعد‏ ‏تفككها‏. ‏وهو‏ ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏التعبير‏ ‏عنها‏ ‏بشكل‏ ‏مباشر‏ ‏كما‏ ‏أشرنا‏ ‏سالفا‏، ‏كما‏ ‏جاء‏ ‏فى ‏المتن‏، ‏فإذا‏ ‏استطاع‏ ‏فإنها‏ (‏قد‏) ‏تخرج‏ ‏فى ‏شكل‏ ‏أعراض‏ ‏جسمية‏ ‏غير‏ ‏متماسكة‏:‏

‏”‏شئ ‏يتكور‏ ‏فى ‏جوفى ‏

‏ ‏يمشى ‏بين‏ ‏ضلوعى ‏

يصّـاعد‏ ‏حتى ‏حلقى ‏

‏ ‏فأكاد‏ ‏أحس‏ ‏به‏ ‏يقفز‏ ‏من‏ ‏شفتى “[1].‏

وكثيرا‏ ‏ما نشاهد‏ ‏هذا‏ ‏العرَض‏ ‏عند‏ ‏الفصامى ‏حين‏ ‏يهم‏ ‏بالكلام‏ ‏فعلا‏، ‏ويفتح‏ ‏فمه‏ ‏ثم‏ ‏يغلقه‏ ‏فجأة‏، ‏وكأنه‏ ‏إما‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏قد‏ ‏عدل‏ ‏عن‏ ‏القول‏، ‏وإما‏ ‏أنه‏ ‏عجز‏ ‏عن‏ ‏القول‏”.‏

لابد‏ ‏أن‏ ‏أعترف‏ ‏هنا‏ ‏بما‏ ‏خطر‏ ‏لى ‏لاحقا‏ ‏من‏ ‏ترجيح‏ ‏أن‏ ‏تحريك‏ ‏هذا‏ ‏المستوى ‏الإبداعى ‏لدىّ ‏لأصف‏ ‏معايشتى ‏لخبرة‏ ‏الفصامى ‏فى ‏متن‏ ‏شعرى (‏هكذا‏) ‏قد‏ ‏يكون‏ ‏نتيجة‏ ‏لمحاولة‏ ‏ضمنية‏، ‏من‏ ‏ناحيتى ‏لكى ‏أواكب‏ ‏المريض‏ ‏بما‏ ‏أحدَث‏ ‏بى ‏من‏ ‏تنشيط‏، ‏إلى ‏ما‏ ‏عجز‏ ‏عنه‏ ‏من‏ ‏وصف‏، ‏فقد‏ ‏رحت‏ ‏أتقمص‏ ‏مريضى ‏الفصامى ‏وهو‏ ‏يبحث‏ ‏عن‏ ‏اللفظ‏ ‏الذى ‏يترجم‏ ‏صرخته‏ ‏أو‏ ‏استغاثته‏، ‏فلا‏ ‏يجد‏ ‏لفظا‏ ‏قادرا‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يحتوى ‏تلك‏ ‏المشاعر‏ ‏النشطة‏ ‏اللا‏متميزة‏، ‏وهو لا‏ ‏يأمل‏ ‏فى ‏أن‏ ‏يجد‏ ‏من‏ ‏يسمع‏ ‏له‏ -‏ صامتا‏ – ‏فيتقبل‏ ‏عجزه‏ ‏هذا‏ ‏بوصفه‏ ‏لغة‏ ‏حقيقية‏، ‏حتى ‏لو‏ ‏لم‏ ‏تَمْثُل‏ ‏فى ‏ألفاظ‏:‏

‏”‏أحكى ‏فى ‏صمت‏ ‏عن‏ ‏شيٍء‏ ‏لايُحْـكي

عن‏ ‏إحساس‏ ‏ليس‏ ‏له‏ ‏اسم‏ ‏

إحساس‏ ‏يفقد‏ ‏معناه‏ ‏

إن‏ ‏سكن‏ ‏اللفظ‏ ‏الميت‏ “[2].‏

وكأن‏ ‏المسألة‏ ‏ليست‏ ‏مجرد‏ ‏عجز‏ ‏عن‏ ‏التلفظ‏، ‏وإنما‏ ‏هى – ‏ضمنا‏ – ‏رفض‏ ‏للاغتراب فى الكلمات بعيدا عن نبض الوعى‏، ‏إذ‏ ‏يظهر‏ ‏أن‏ ‏الفصامى ‏إنما‏ ‏يتخذ‏ ‏قرارا‏ ‏بأن‏ ‏الألفاظ‏ ‏الجامدة‏ ‏المحددة‏ ‏الأبعاد‏ قد ماتت حين سكنت فى قالب واحد لا تتغير أو تتجدد حتى أصبحت بمثابة قبر‏ ‏مظلم‏ ‏لأى من‏ ‏الخبرات‏ ‏المعرفية‏ ‏المنشطة‏.  ‏الفصامى‏ ‏برغم‏ ‏علمه‏ ‏بطبيعة وفائدة‏ ‏الأداة‏ ‏اللفظية‏ ‏المتاحة‏ ‏للتعبير‏ ‏عن‏ ‏استغاثته‏‏، ‏لايجدها‏ (‏كافية‏) ‏فيصرخ‏ ‏بصمته‏ ‏حين‏ ‏لاتسعفه‏ ‏حروفها‏ ‏الجامدة‏ ‏المقوْلَبة‏، ‏ثم‏ ‏المتعيـَِنة‏ ‏تجسيدا‏، ‏ثم‏ ‏المنقضة‏ ‏عليه‏ ‏تهديدا‏:‏

وبحثتُ‏ ‏عن‏ ‏الألفِ‏ ‏الممدودةْ

وعن‏ ‏الهاء

وصرختُ‏ ‏بأعلى ‏صمتى

لم‏ ‏يسمعنى ‏السادة‏”[3].‏

وعلى ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏الفصامى ‏هو‏ ‏الذى ‏لم‏ ‏ينطقها‏ ‏أصلا‏ ‏فإنه‏ ‏يلوم‏ ‏الآخر‏، ‏وكأنه‏ ‏هو‏ ‏المسئول‏ ‏عن‏ ‏الإهمال الذى لحقه‏، أو تصور أنه لحقه، ‏وكأن الفصامى يفترض أنه كان على هذا “الآخر” أن ‏ ‏يسمع‏ ‏صرخة‏ ‏صمته‏ ‏مادام‏ هو ‏قد‏ ‏اجتهد‏ – ‏بما‏ ‏استطاع‏ – ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏صرخته‏ ‏أعلى ‏مما‏ ‏لم‏ ‏ينبس‏ ‏به‏ (‏وصرخت‏ ‏بأعلى ‏صمتى‏).‏

بدءا‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏المفترق‏ ‏يختلف‏ ‏موقف‏ ‏المبدع‏ ‏عن‏ ‏المجنون‏.‏

‏ ‏فقد‏ ‏يصف‏ ‏المبدع‏ ‏هذه‏ ‏الخبرة‏ ‏نفسها‏ ‏بألفاظ‏، ‏وقد‏ ‏يترجمها‏ ‏إلى ‏مفاهيم‏، ‏وقد‏ ‏يحتويها‏ ‏فى ‏كلٍَ‏ ‏أكبر‏، ‏وقد‏ ‏يغوص‏ ‏بها‏ ‏إلى ‏مستوى (‏مستويات‏) ‏أعمق‏، ‏ليصعد‏ ‏من‏ ‏خلالها‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏يتخلق‏ ‏منه‏ ‏الكل‏ ‏الجديد‏.‏

أما‏ ‏الفصامى ‏فهو‏ ‏ينسحب‏، ‏ويحتج‏، ‏ويستغنى ‏عن‏ ‏المعرفة‏ ‏المفهومية‏ ‏التى ‏لم‏ ‏تسعفه‏، ‏بل‏ ‏هو‏ ‏أيضا‏ ‏يستغنى ‏عن‏ ‏الآخر‏ ‏الذى ‏لم‏ ‏يسمعه‏، ‏فيتمادى ‏التفكك‏ ‏والتناثر‏، ‏بدءا‏ ‏باللفظ‏، ‏ليحل‏ ‏محله‏ ‏العيانى، ‏والبدائى، ‏والمجسد‏، ‏ثم‏ ‏المُنقَضّ‏:‏

‏”‏وارتدّت‏ ‏تلك‏ ‏الألف‏ ‏الممدودة‏ ‏

تطعننى ‏فى ‏قلبى ‏

وتدحرجت‏ ‏الهاء‏ ‏العمياء‏ ‏ككرة‏ ‏الصلب

داخل‏ ‏أعماقى “[4].‏

إذا‏ ‏انتقلنا‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏المستوى ‏السيكوباثولوجى ‏(‏الإمراضى‏) ‏لشرح‏ ‏كيفية‏ ‏تنشيط‏ ‏المستوى ‏المكدى ‏عند‏ ‏الفصامى (‏دون‏ ‏الانتقال‏ ‏إلى ‏مابعد‏ ‏التنشيط‏)- ‏إذا‏ ‏انتقلنا‏ ‏إلى ‏عرض‏ ‏بعض‏ ‏الأعراض‏ ‏كما‏ ‏تظهر‏ ‏مباشرة‏ ‏فى ‏سلوك‏ ‏الفصامى، ‏التى ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نعزوها‏ ‏إلى ‏الإعاقة‏ ‏نفسها‏، ‏فإننا‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نعد‏ ‏عرض‏ “عرقلة‏ ‏التفكير‏”[5] ‏عجزا‏ ‏مؤقتا‏ ‏عن‏ ‏ترجمة‏ ‏التنشيط‏ ‏إلى ‏مفاهيم‏ ‏تواصلية‏، أحيانا نتيجة لتنشيط مستويين من الوعى معا بشحن متكافئ مواجه حتى التصادم المعيق. كذلك‏ ‏يمكن قراءةعرض‏ “الربكة‏ “[6] ‏الذى يظهر فى بعض بدايات الفصام على ‏أنه‏ ‏إعلان‏ ‏لتداخل‏ ‏مستويين‏ ‏منشطين‏ ‏أو‏ ‏أكثر‏ ‏معا، مع العجز عن ترجيح أيهما أوْلى فى لحظة بذاتها‏، ‏وكذلك‏ نفهم “‏الخلط‏ “[7] ‏على ‏أنه‏ ‏درجة‏ ‏أخطر‏ ‏من‏ ‏التداخل‏ ‏لما‏ ‏هو‏ ‏أكثر‏ ‏وأغمض‏، ‏كما‏ ‏قد‏ ‏يدل‏ ‏عرض‏ ‏الانحراف‏ ‏بالمسار[8] ‏أو‏ ‏الاستجابة‏ ‏فى ‏غير‏ ‏الاتجاه‏ (‏تخطّى الهدفْ‏)[9]  ‏باعتباره إعلانا لانحراف عن الهدف الأول نتيجة  ‏المزاحمة‏ ‏بين‏ ‏تيارات‏ وعى ‏منشطة‏ ‏معا‏. ‏وأخيرا‏ ‏قد‏ ‏يكون‏ ‏الناتج‏ ‏المرضى ‏أظهر‏ ‏ما‏ ‏يكون‏ ‏فيما‏ ‏يصيب‏ ‏المستوى ‏المفاهيمى ‏من‏ ‏تفكك‏ ‏نتيجة‏ ‏للمزاحمة‏ ‏فالإفشال فالتفسخ‏، ‏وهو‏ ‏ما‏ ‏يظهر‏ ‏فى ‏شكل‏ ‏أعراض‏ ‏مثل‏: ‏تراخى ‏الترابط‏،[10] ‏والتفكير‏ ‏العهنى،[11] ‏وفرط‏ ‏التداخل[12]

هذا‏ ‏وقد‏ ‏قابلت‏ ‏فى ‏دراسات‏ ‏ومشاهدات‏ ‏متلاحقة‏ ‏مقارنة‏ ‏بين‏ ‏أعراض‏ ‏مختلفة‏، ‏وبين‏ ‏أشكال‏ ‏مقابلة‏ ‏لمراحل‏ ‏الإبداع‏ ‏أو‏ ‏مظاهره‏، ‏مما‏ ‏لا‏ ‏مجال‏ ‏لتفصيله‏ ‏هنا‏، ‏فأكتفى ‏بأن‏ ‏أقدم‏ ‏إشارة‏ ‏مجدولة‏ (‏جدول‏ ‏أ‏) ‏إلى ‏بعض‏ ‏هذه‏ ‏المحاولات‏ ‏لمن‏ ‏شاء‏ ‏أن‏ ‏يلم بالخطوط العريضة‏‏.

جدول (1)  يقارن بين التفكك المرضى[13] المتمادى فى الفصام 

والتعتعة المرحلية[14] إلى التضام فى الإبداع

تراخى الترابط (مرض) تراخى الترابط (إبداع)
تراخى مبدئى عشوائى تفكيك قصدى (من حيث المبدأ)
بلا توجه غائى فى البداية التوجه غائى ولو لم يكن شعوريا
التمادى فى التباعد باضطراد التباعد مرحلى إلى ضمّ لاحق
وجود أعراض مرضية مصاحبة لا توجد أعراض مرضية مصاحبة
وجود إعاقة ممتدة فى التفكير المفاهيمى التفكير المفاهيمى جاهز للعمل

 

هكذا‏ ‏نرى ‏كيف‏ ‏أن‏ ‏تنشيط‏ ‏المعرفة‏ ‏البدائية‏ ‏إنما‏ ‏يظهر‏ ‏فى ‏الجنون‏ ‏مستقلا‏ ‏ومزاحما‏ ‏وعلى ‏حساب‏ ‏المعرفة‏ ‏المفاهيمية‏. ‏لكن‏ ‏تنشيط وتعتعة هذه‏ ‏المعرفة‏ ‏البدائية‏ ‏نفسها‏ ‏بوحداتها‏ ‏الأولية‏ “.. ‏هى ‏مرحلة‏ ‏مهمة‏ ‏فى ‏تكوين‏ ‏الفكر‏، ‏وفى ‏الإبداع‏، ‏إذا‏ ‏ما‏ ‏استُوعبت‏ ‏وعُمقت‏ ‏وطُورْت‏.” [15].‏

فكيف‏ ‏ذلك‏‏؟

‏5 – 2‏

تكامل‏، ‏وجدلية‏، ‏مستويات‏ ‏المعرفة‏ ‏فى ‏الإبداع‏:‏

جدير‏ ‏بنا‏ ‏الآن‏ ‏أن‏ ‏نذهب‏ ‏إلى ‏أقصى ‏الجانب‏ ‏الآخر‏ ‏لنستشهد‏ ‏ببعض‏ ‏خبرات‏ ‏المبدعين‏ ‏ممن‏ ‏استطاعوا‏ ‏أن‏ ‏يلتقطوا‏ ‏بعض‏ ‏معالم‏ ‏هذه‏ ‏المرحلة‏ ‏فى ‏بدايات‏ ‏الإبداع‏ ‏خاصة‏ (‏أو‏ ‏قبيل‏ ‏الإبداع‏ ‏أصلا‏)، ‏على ‏أساس‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏التنشيط‏ ‏البدائى ‏ ‏ ‏هو‏ ‏المدخل‏ ‏لما‏ ‏تلاه‏. ‏وسوف‏ ‏أحاول‏ ‏أن‏ ‏أركز‏ ‏على ‏ماهو‏ “‏صورة‏”، ‏وماهو‏ “‏مكد‏” ‏فى ‏بعض‏ ‏أنواع‏ ‏الإبداع‏ ‏الأدبى ‏أساسا‏. ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏المنطلق‏ ‏قد‏ ‏يتبين‏ ‏أكثر‏ ‏وأقرب‏ ‏فى ‏الإبداع‏ ‏الموسيقى ‏والتشكيلى ‏البصرى، ‏لما‏ ‏يتميز‏ ‏به‏ ‏هذا‏ ‏وذاك‏ ‏من‏ ‏لغة‏ ‏خاصة‏ ‏متحررة‏ ‏نسبيا‏ ‏من‏ ‏وصاية‏ ‏أبجدية لفظية‏ ‏مفاهيمية‏ ‏محددة جاثمة‏[16].

‏5 – 2 – 1‏

‏1 – ‏يصف‏ ‏نيتشه‏ ‏رؤية‏ ‏عمله‏ “‏هكذا‏ ‏تكلم‏ ‏زرادشت‏،” ‏وكيف‏ ‏جاءته‏ ‏إرهاصاته‏ ‏فى ‏شكل‏ “‏صورة‏ ‏موسيقية‏” ‏فى ‏أحد‏ ‏أيام‏ ‏فبراير‏ 1883 ‏فى ‏بلدة‏ ‏ريكاردو‏ ‏الإيطالية‏، ‏حيث‏ ‏استشعر‏ ‏علاقة‏ ‏منذرة‏ ‏فى ‏شكل‏ ‏تغير‏ ‏غائر‏. ‏وفى ‏هذه‏ ‏المرحلة‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏عند‏ ‏نيتشه‏ ‏أدنى ‏فكرة‏ ‏عما‏ ‏سيحدثه‏ ‏به‏ ‏زرادشت‏، ‏فقد‏ ‏أخذت‏ ‏مرحلة‏ ‏الحضانة‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏عدة‏ ‏أشهر‏[17].

‏2 – ‏يصف‏ ‏بيتهوفن‏ ‏عملية‏ ‏تأليفه‏ ‏قائلا‏: “… ‏وفى ‏رأسى ‏أبدأ‏ ‏بتطوير‏ ‏العمل‏ ‏بعرضه‏ ‏وامتداده‏ ‏وطوله‏ ‏وعمقه‏، ‏وبما‏ ‏أنى ‏أكون‏ ‏واعيا‏ ‏بما‏ ‏أريد‏ ‏أن‏ ‏أنقله‏، ‏فإن‏ ‏الفكرة‏ ‏الخلفية‏ ‏لاتغيب‏ ‏عنى ‏أبدا‏، ‏إنها‏ ‏تتمطى، ‏وتتنامى، ‏فأسمع‏ ‏وأرى ‏الصورة‏ ‏أمامى ‏من‏ ‏كل‏ ‏زاوية‏ ‏كأنها‏ ‏تمثلت‏..”[18].‏

‏3 – ‏وصف‏ ‏روزنبرج‏ – ‏فيما‏ ‏يتلقى ‏الإبداع‏ – ‏ظاهرة‏ ‏تجسيدية‏ ‏عيانية‏ ‏أسماها‏ ‏عملية‏ ‏التماثل‏ ‏المكانى[19]، ‏وهى ‏نوع‏ ‏من‏ ‏المعرفة‏ ‏التى ‏ترتكز‏ ‏على ‏الصورة‏ ‏المكانية‏ ‏الماثلة‏، ‏بدءا‏ ‏لما‏ ‏هو‏ ‏إبداع‏. ‏وقد‏ ‏استشهد‏ بمن يلى:

أ‏ -‏ ‏هنرى ‏مور‏ (‏أحد‏ ‏النحاتين‏ ‏المبدعين‏ ‏المعاصرين‏) ‏وهو يصف عملية‏ ‏إبداعه‏ ‏بقوله‏:”.. ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏ماينبغى ‏أن‏ ‏يفعله‏ ‏النحات‏: ‏عليه‏ ‏أن‏ ‏يجتهد‏ ‏دائما‏ ‏فى ‏أن‏ ‏يفكر‏، ‏وأن‏ ‏يستعمل‏ ‏الشكل‏ ‏فى ‏حضوره‏ ‏المكانى ‏المتكامل‏. ‏إنه‏ ‏يحصل‏ ‏على ‏الشكل‏ ‏المجسم‏ ‏داخل‏ ‏رأسه‏… ‏وهو‏ ‏يرى ‏بعقله‏ ‏الشكل‏ ‏المركب‏ ‏فى ‏كل‏ ‏مايحيط‏ ‏به‏، ‏فهو‏ ‏يعرف‏ ‏كيف‏ ‏يكون‏ ‏الجانب‏ ‏الآخر‏ ‏وهو‏ ‏ينظر‏ ‏إلى ‏الجانب‏ ‏المقابل‏”. ‏

ب‏ – ‏ ‏أحد‏ ‏علماء‏ ‏الميكروبيولوجى (‏من‏ ‏الحاصلين‏ ‏على ‏جائزة‏ ‏نوبل‏) ‏ ‏يصف‏ ‏كيف‏ ‏جاءته‏ ‏فكرة‏ ‏جديدة‏ ‏تتعلق‏ ‏بسلوك‏ ‏أحد‏ ‏الإنزيمات‏، ‏أنه‏: “…‏رأى ‏نفسه‏ ‏واقفا‏ ‏فوق‏ ‏إحدى ‏الذرات‏ ‏داخل‏ ‏جزئ‏ ‏الإنزيم…” ‏. ‏

‏4 – ‏جاء‏ ‏فى ‏خطاب‏ ‏من‏ ‏أينشتاين‏ ‏إلى ‏جاك‏ ‏هاد‏ ‏مارد‏ ما يؤكد: …. إن‏ ‏الألفاظ‏ ‏كما‏ ‏تستعمل‏ ‏فى ‏اللغة‏ ‏المكتوبة‏ ‏أو‏ ‏المنطوقة‏ ‏لاتقوم‏ ‏بأى ‏دور‏ ‏فى ‏ميكانزمات‏ ‏تفكيره‏، ‏وإنما‏ ‏تبدأ‏ ‏عملياته‏ ‏المعرفية‏ ‏بصورة‏ ‏بصرية‏ ‏وعضلية‏، ‏ثم‏ ‏تتدخل‏ ‏الكلمات‏ ‏بعد‏ ‏ذلك‏ ‏فى ‏شكل‏ ‏سمعى ‏تماما‏. ‏وقد‏ ‏كتب‏ ‏أينشتاين‏ ما يفيد “… ‏إنه‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يسترجع‏ ‏بإرادته‏ ‏هذه‏ ‏الصور‏ ‏وأن‏ ‏يؤلف‏ ‏بينها‏…، ‏فقد‏ ‏كان‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏ينتقل‏ ‏مباشرة‏ ‏من‏ ‏التخيل‏ ‏إلى ‏التجريد‏ (‏الرياضى‏) “[20].‏

‏ ‏نلاحظ‏ فى الأمثلة السابقة ‏دور‏ ‏حركية‏ ‏الصورة‏، ‏والتجسيد‏ ‏العيانى، ‏والرؤية‏ ‏البصرية‏، ‏والحضور‏ ‏الجسدى – ‏فى ‏العضلات‏ – ‏بوصفها‏ ‏جزءا‏ ‏لايتجزأ‏ ‏من‏ ‏إرهاصات‏ ‏العملية‏ ‏الإبداعية‏ ‏وبداياتها‏ ‏وتخطيطها‏، ‏فى ‏مجالات‏ ‏متعددة‏ ‏من‏ ‏الإبداع‏ ‏الأدبى ‏والعلمى ‏والتشكيلى.‏

فى ‏الفقرة‏ ‏التالية‏ ‏سوف‏ ‏نركز‏ ‏على الاستشهاد والاقتطاف من ‏نوع‏  ‏ ‏من‏ ‏الإبداع‏ ‏الأدبى، ‏وهو‏ ‏القصة‏ ‏القصيرة‏ (‏المصرية‏/ ‏العربية‏).‏

[1] – ‏هذا‏ ‏المقطع‏ ‏هو‏ ‏جزء‏ ‏من‏ ‏المتن‏ ‏الشعرى (‏فى السيكوباثولوجي‏) ‏الذى ‏يصف‏ ‏هذه‏ ‏المرحلة‏ ‏من‏ ‏تحريك‏ ‏المعرفة‏ ‏الهشة‏، ‏وقد‏ ‏ورد‏ ‏شرحه‏ ‏فى ‏العمل‏ ‏الأساسى ‏للمؤلف‏ (هامش 23)، ‏ونظرا‏ ‏لتكرار‏ ‏الاستشهاد‏ ‏بهذا‏ ‏العمل‏ ‏رأيت‏ ‏هنا‏ ‏أن‏ ‏أعلن‏ ‏للقاريء‏ ‏طبيعته‏ ‏وطريقة‏ ‏وضعه‏ ‏حتى ‏لايأخذ‏ ‏من‏ ‏استشهادى ‏إلا‏ ‏ماتسمح‏ ‏به‏ ‏هذه‏ ‏الحدود: فقد‏ ‏كتبت‏ ‏هذا‏ ‏العمل‏ ‏أصلا‏ ‏فى ‏متن‏ ‏شعرى (‏ديوان‏ ‏سر‏ ‏اللعبة‏) ‏أردت‏ ‏أن‏ ‏أثبت‏ ‏به‏ ‏قدرة‏ ‏لغتى ‏على ‏احتواء‏ ‏نبض‏ ‏خبرتى ‏وأصول‏ ‏علم‏ ‏تخصصى، ‏فخرج‏- ‏لظروف‏ ‏معايشتى ‏لمرضاي‏- ‏شعرا‏ ‏يكشف‏ ‏أكثر‏ ‏مما‏ ‏حسبت‏ ‏أنى ‏أعرف‏ (‏وليس‏ ‏نظما‏ ‏يـسـهل‏ ‏حفظ‏ ‏المادة‏ ‏ويزركشها‏، ‏شبيها‏ ‏بالألفية‏). ‏وحين‏ ‏وجدت‏ ‏أن‏ ‏حدسى ‏الشعرى قد ‏أحاطه‏ ‏علمى، ‏عدت‏ ‏إلى ‏المتن‏ ‏أستقرؤه‏، ‏فشرحته‏ ‏شرحا‏ ‏مطولا‏ ‏من‏ ‏واقع‏ ‏خبرتى ‏فى ‏مرجع‏ ‏علمى ‏مستقل‏، ‏أسميته‏ “‏دراسة‏ ‏فى ‏علم‏ ‏السيكوباثولوجي‏”. ‏فالاستشهاد‏ ‏بهذا‏ ‏وذاك‏ (‏المتن‏ ‏والشرح‏) ‏هو‏ ‏تأكيد‏ ‏لما‏ ‏هو‏ ‏خبرتى ‏عبر‏ ‏هذه‏ ‏السنين‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏المجال‏. ‏وقد‏ ‏أثبت‏ ‏رأيى ‏الذى ‏اقتطفته‏ ‏هنا‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏أطلع‏ ‏تفصيلا‏ ‏على ‏مفهوم‏ “‏أريتي‏” ‏عن‏ ‏المعرفة‏ ‏الأخرى، ‏أو‏ ‏مستوى ‏ماهو‏ “‏مكد‏”، ‏فقد‏ ‏كتبت‏ ‏المتن‏ ‏سنة‏ 1970/71، ‏ثم‏ ‏بدأت‏ ‏قراءتى ‏لأريتى ‏من‏ 1974، ‏ورأيت‏ ‏إثبات‏ ‏هذا‏ ‏التسلسل‏ ‏التاريخى ‏لعل‏ ‏فيه‏ ‏بيانا‏ ‏لبعض‏ ‏ما‏ ‏أسميته‏ ‏الصدق‏ ‏بالاتفاق‏ ‏التاريخى Historical consensual validity، ‏وأعنى ‏به‏ ‏أن‏ ‏إعادة‏ ‏اكتشاف‏ ‏نظرية‏ ‏سبق‏ ‏اكتشافها، أو اكتشاف بعضها،‏ ‏دون‏ ‏معرفة‏ ‏بها دليل‏ ‏على ‏مصداقيتها‏ (‏بالإضافة‏ ‏إلى أنه دليل على ‏جهل‏ ‏المكتشف‏ ‏التالى ‏لها‏!! ‏ذلك‏ ‏الجهل‏ ‏المعرفى ‏المفيد‏، على الأقل ‏لتحقيق‏ مثل هذه ‏المصداقية‏).‏

[2] – أنظر هامش (23) ‏ص‏: 416.‏

[3] – نفسه‏ ‏ص‏: 417.‏

[4] – نفسه‏ ‏ص‏: 417، 418.‏

[5] – Thought Block

[6] – Perplexity

[7] – Confusion

[8] – Derailment

[9] – Past Pointing

[10] – Looseness of Association

[11] – Wooly Thinking

[12] -‏ Over-Inclusion هذه‏ ‏الأعراض‏ ‏هى ‏من‏ ‏أعراض‏ ‏الفصام‏ ‏النموذجية‏. ‏ويمكن‏ ‏مراجعتها‏ ‏فى ‏أى ‏مرجع‏ ‏تقليدى ‏مثل‏:‏

‏Slater E. and Roth، M (1969) Mayer-Gross Slater Roth، Clinical Psychiatry. William and Wilkins co.Baltimore‏

[13] – Incoherence

[14] – Temporary dislodgement

[15] – هامش 39، ‏ص‏ 123.‏

[16] – أنظر هامش (14) ‏ص‏62.‏

[17] – ‏نفسه‏، ‏ص‏63.‏

[18] – Schoenberg A.(1950)”Style and Idea.(p113.)Philosophical Library Inc. ‏

[19] – Rothenberg A. (1976)”Homospacial Thinking and Creativity. Arch. Gen. Psychiat. vol. 33 Ian p. 17-.26.

[20] – أنظر هامش (14) ‏ص‏: 65.

شهادات من مبدعى الحكى

شهادات من مبدعى الحكى

‏5 – 2 – 2 ‏

شهادات‏ ‏من‏ ‏مبدعى “‏الحكى‏”‏

سوف‏ ‏نعتمد‏ ‏على ‏مصدر‏ ‏واحد‏ تتوحد فيه الأسئلة مع مختلف المبدعين، ‏وهو‏ ‏استجابة‏ ‏للاستبار‏ ‏الذى ‏أرسل‏ ‏لعدد‏ ‏من‏ ‏كتاب‏ ‏القصة‏ ‏ونشر‏ ‏فى ‏مجلة‏ ‏فصول‏[1]. ‏وسوف‏ ‏نقوم‏ ‏بمراجعة‏ “‏انتقائية‏” ‏نحاول‏ ‏من‏ ‏خلالها‏ ‏أن‏ ‏نلتقط‏ ‏معالم‏ ‏كل‏ ‏من‏ “‏الصورة‏” ‏و‏”‏المكد‏” ‏فى ‏مرحلة‏ ‏الإعداد‏ ‏والإرهاص‏، ‏وفى ‏خلفية‏ ‏الإبداع‏ ‏جميعا‏. ‏وقد‏ ‏فضلت‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏نوع‏ ‏الإبداع‏ ‏المستشهد‏ ‏به‏ ‏مطولا‏ ‏هو‏ ‏القصة‏ ‏القصيرة‏، ‏لما‏ ‏تتميز‏ ‏به‏ ‏من‏ ‏سرعة‏ ‏الإيقاع‏ ‏بما‏ ‏هى ‏صورة‏ ‏مكثفة‏ ‏أساسا‏ ‏تتداخل‏ ‏مع‏ ‏الشعر‏ ‏فى ‏كثير‏ ‏من‏ ‏الأحيان‏:‏

‏(‏أ‏) ‏إبراهيم‏ ‏أصلان‏[2]:‏

‏”… ‏لكن‏ ‏بقية‏ ‏التفاصيل‏ ‏التى ‏لا‏ ‏تـكتب‏ (‏مثلها‏ ‏مثل‏ ‏كل‏ ‏الكلمات‏ ‏التى ‏لا‏ ‏تكتب‏) ‏تظل‏ ‏موجودة‏ ‏وحاضرة‏ ‏فى ‏قلب‏ ‏ذلك‏ ‏القليل‏ ‏الذى ‏يكتب‏. ‏أقول‏ ‏لنفسى ‏أحيانا‏: ‏إن‏ ‏مايقال‏ ‏يكتسب‏ ‏قيمته‏ ‏الباقية‏ ‏من‏ ‏تلك‏ ‏الأشياء‏ ‏المجهولة‏ ‏والتى ‏لا‏ ‏تقال‏ ‏أبدا‏”.

فنلاحظ‏ ‏هنا‏:‏

أ‏- ‏شعور‏ ‏الكاتب‏ ‏بحيوية‏ ‏وحضور‏ ‏ما‏ ‏لم‏ ‏يكتبه‏، ‏فى ‏قلب‏ ‏نص‏ ‏كلمات‏ ‏عمله‏.‏

ب‏- ‏يقينه‏ ‏بأن‏ ‏ما‏ ‏يخلّد‏ ‏عمله‏ (‏ما‏ ‏يكسبه‏ ‏قيمته‏ ‏الباقية‏) ‏هو‏ ‏قدرة‏ ‏ما‏ ‏رصد‏ ‏من‏ ‏كلمات‏ ‏على ‏أن‏ ‏تحمل‏- ‏على ‏قلتها‏ ‏النسبية‏ – ‏نبض‏ ‏ما‏ ‏تنشـط‏ ‏من‏ ‏مستوى ‏معرفى ‏أبعد‏ ‏غورا‏ ‏وأشمل‏ ‏كلية‏.‏

ج‏- ‏شعور‏ ‏المبدع‏ ‏أن‏ “‏هذه‏ ‏المعرفة‏ ‏الآخرى” ‏غير‏ ‏قابلة‏ ‏للقول‏ ‏المباشر‏ ‏أصلا‏ (‏لاتقال‏ ‏أبدا‏). ‏

د‏- ‏وصف‏ ‏الكاتب‏ ‏لهذا‏ ‏الذى ‏لايقال‏ – ‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏فهو‏ ‏يصل‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏الذى ‏قيل‏ – ‏وصفه‏ ‏هذا‏ ‏المستوى ‏بكلمة‏ “‏الأشياء‏” ‏وليس‏ ‏كلمات‏ “‏المعانى ‏أو‏ ‏المفاهيم‏ ‏أو‏ ‏المواضيع‏”. ‏مما قد يشير‏ ‏إلى ‏إدراك‏ ‏الكاتب‏ ‏الحدسى ‏لطبيعة‏ ‏عيانية‏ ‏هذه‏ “‏المادة‏ ‏الأولية‏ ‏النشطة‏”،  ‏أو‏ ‏على ‏الأقل‏ ‏طبيعة‏ ‏صورتها‏ “‏الشيئية”‏ ‏فى ‏ذاتها‏، ‏وليست‏ ‏فى ‏رمز‏ٍ ‏حل‏ ‏محلها‏. (عيانية وشيئية بيولوجية بالمعنى الحيوى)‏.

‏ (‏ب‏) ‏أبو‏ ‏المعاطى ‏أبو‏ ‏النجا‏:[3]

‏ “.. ‏فأكتب‏ ‏القصة‏ ‏لأعبر‏ ‏عن‏ ‏شىء‏، ‏أو‏ ‏لأمسك‏ ‏بشيء‏ ‏يتململ‏ ‏فى ‏داخلى، ‏ويعجزنى ‏أن‏ ‏أتعرف‏ ‏عليه‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏أضعه‏ ‏فى ‏شراك‏ ‏الصيغة‏ ‏القصصية‏ ‏الملائمة‏، ‏لأجسد‏ ‏شيئا‏ ‏هلاميا‏، ‏يفتقر‏ ‏إلى ‏التجسيد‏، ‏ليكتسب‏ ‏معنى “.‏

فنلاحظ‏ ‏هنا‏ ‏أيضا‏:‏

أ‏ – ‏معنى ‏التنشيط‏ ‏الداخلى ‏الذى ‏أشرنا‏ ‏إليه‏، ‏وذلك‏ ‏فى ‏قول‏ ‏الكاتب‏: “‏يتململ‏ ‏فى ‏داخلى “. ‏

ب‏ – ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏الذى ‏يتململ‏ ‏هو‏ ‏بعيد‏ ‏عن‏ ‏التعرف‏ ‏عليه‏ ‏فى ‏ذاته‏ ‏كما‏ ‏هو‏، ‏إذ‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏تصوغه‏ ‏إبداعية‏ ‏الكاتب‏ ‏فى ‏تخليق‏ ‏مكتمل‏ (‏أضعه‏ ‏فى ‏شراك‏ ‏الصيغة‏ ‏القصصية‏). ‏

‏(‏وقد‏ ‏وصلنى ‏فعل‏ ‏”أضعه” ‏ ‏هنا‏ ‏بما‏ ‏قربنى ‏من‏ ‏معنى ‏الولادة‏ – ‏تضع‏ ‏كل‏ ‏ذات‏ ‏حمل‏ ‏حملها‏ – ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏معنى ‏الحط‏ ‏والإنزال‏). ‏

جـ‏- ‏وصف‏ ‏هذا‏ ‏المستوى ‏المعرفى ‏الأول‏ ‏بـ‏ ” ‏الشيء‏ ” (‏قارن‏ ‏أصلان‏: “‏الأشياء‏”)، ‏وفى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏بالهلامية‏، ‏وأنه‏ ‏لم‏ ‏يكتسب‏ ‏معناه‏ ‏بعد‏، ‏ثم‏ ‏إنه‏ ‏لايكتسب‏ ‏معناه‏ ‏إلا‏ ‏بعملية‏ “‏الوضع‏ “‏فى ‏شراك‏ ‏المستوى ‏المحتوِى ‏إياه‏، ‏المتجادل‏ ‏معه‏.‏

‏(‏جـ‏) ‏إدوار‏ ‏الخراط‏:[4]

‏”… ‏بداءة‏، ‏تتخلق‏ ‏القصة‏ ‏عندى – ‏على ‏الأغلب‏، ‏أو‏ ‏على ‏الأرجح‏ – ‏من‏ ‏صورة‏، ‏صورة‏ ‏تتشكل‏ ‏فى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏بأصوات‏، ‏بكلمات‏… ‏وسواء‏ ‏كانت‏ ‏هذه‏ ‏الصورة‏ ‏لمشهد‏ ‏خارجى- ‏هو‏ ‏نفسه‏ ‏ساحة‏ ‏النفس‏ ‏المسفوحة‏- ‏أو‏ ‏لفعل‏ ‏يدور‏ ‏بلا‏ ‏انفصام‏ ‏عن‏ ‏هذا‏ ‏المشهد‏ ‏الذى ‏يضم‏ ‏الخارج‏ ‏والداخل‏، ‏والواقع‏ ‏واللاواقع‏، ‏أو‏ ‏للتكون‏ ‏الأولى… ‏المتحقق‏ ‏منذ‏ ‏أول‏ ‏لمسة‏ ‏للشخصية‏…، ‏سواء‏ ‏كان‏ ‏ذلك‏ ‏أو‏ ‏غيره‏، ‏فهى ‏أساسا‏ ‏صورة‏ ‏تتخذ‏ ‏لنفسها‏ ‏على ‏الفور‏ ‏جسدا‏ ‏من‏ ‏اللغة‏. ‏وأظن‏ ‏أن‏ ‏لى ‏لغتى، ‏فهى ‏تتخلق‏ ‏بالكلمة‏ ‏أو‏ ‏بنسق‏ ‏من‏ ‏الكلمات‏، ‏بجرسها‏ ‏وإيقاعها‏ ‏وكثافتها‏…، ‏وهى ‏فى ‏الآن‏ ‏نفسه‏ ‏تأتى ‏حسية‏ ‏ومدركة‏، ‏أى ‏أنها‏ ‏تأتى ‏حسية‏ ‏ومتجسدة‏، ‏ولها‏ ‏طعمها‏ ‏ورائحتها‏ ‏وملمسها‏، ‏ومرتبة‏ ‏شديدة‏ ‏الحضور‏ ‏البصرى ‏أساسا‏”.

و نلاحظ هنا‏‏: ‏أولا‏:‏

أ‏- ‏تركيز‏ ‏الكاتب‏ ‏على ‏المثير‏ ‏بوصفه‏ “‏صورة‏”، ‏سواء‏ ‏كانت‏ ‏مشهدا‏ ‏أو‏ ‏فعلا‏، ‏فمن‏ ‏البداية‏ ‏تكاد‏ ‏الصورة‏ ‏تقرن‏ ‏الفعل‏ ‏بدورانه‏ ‏فى ‏المشهد‏، ‏والمشهد‏ ‏بحركته‏ ‏فى ‏فعل‏ (‏على ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏استعمال‏: ‏أو‏). ‏

ب‏- ‏اقتران‏ ‏الصورة‏ (‏ذات‏ ‏الحضور‏ ‏البصرى ‏فى ‏النهاية‏) ‏بعملية‏ ‏تشكيل‏ ‏بأصوات‏، ‏بكلمات‏. ‏

ج‏- ‏مع‏ ‏ربط‏  “‏أ‏ ” ‏بـ‏ “‏ب‏ “، ‏تتخذ‏ ‏الصورة‏ ‏لنفسها‏ ‏جسدا‏ ‏من‏ ‏اللغة‏. ‏

د‏- ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏الجسد‏ ‏اللغوى ‏له‏ ‏جرس‏ ‏وإيقاع‏ ‏وكثافة‏، ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏له‏ ‏مضمون‏ ‏ودلالة‏.‏

هـ‏- ‏إن‏ ‏هذه‏ ‏الصورة‏ ‏اللغوية‏ ” ‏مرتبة‏ ” ‏متماسكة‏ ” ‏وشديدة‏ ‏الحضور‏”، ‏ثم‏ ‏هى ‏فى ‏الآن‏ ‏نفسه‏ ‏حسية‏ ‏ومتجسدة‏ (‏أى ‏أنها‏ ‏ليست‏ ‏فقط‏ – ‏فى ‏النهاية‏ – ‏مفاهيمية‏ ‏أو‏ ‏مجردة‏).‏

و‏- ‏إن‏ ‏صفتها‏ ‏الحسية‏ ‏هذه‏ ‏توحى ‏بأنها‏ ‏عيانية‏ ‏حقيقية‏ ‏لا‏ ‏مجازية‏، ‏فهى ‏حسية‏ ‏مدركة‏ (‏لامفهومة‏، ‏ولا‏ ‏مفهومية‏)، ‏لها‏ ‏طعمها‏ ‏ورائحتها‏ ‏وملمسها‏. ‏

كل‏ ‏هذا‏ ‏يضعنا‏ ‏أمام‏ ‏خبرة‏ ‏استطاع‏ ‏صاحبها‏ ‏أن‏ ‏يلتقطها‏ ‏ليصفها‏ ‏بدرجة‏ ‏تحقق‏ ‏ما‏ ‏ذهبنا‏ ‏إليه‏ ‏من‏ ‏طبيعة‏ ‏تنشيط‏ ‏المستوى ‏الآخر‏ ‏للمعرفة‏، ‏تنشيطا‏ ‏متفتحا‏ ‏مفتحا‏ (‏ساحة‏ ‏النفس‏ ‏المسفوحة‏)، ‏وفى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏يؤكد‏ ‏كيفية‏ ‏احتواء‏ ‏هذا‏ ‏التنشيط‏ ‏البدائى-من‏ ‏حيث‏ ‏المبدأ‏- ‏لينتقل‏ ‏به‏ ‏مما‏ ‏هو‏ ‏صورة‏ ‏سلبية‏ ‏آنية‏ ‏بديلة‏، ‏إلى ‏ماهو‏ ‏صورة‏ ‏حركية‏ ‏متجسدة‏، ‏حاضرة‏. ‏وكأنه‏ ‏بهذا‏ ‏الولاف‏ ‏الصعب‏ ‏قد‏ ‏حافظ‏ ‏على ‏كل‏ ‏الصفات‏ ‏الأساسية‏ ‏للمستوى ‏المعرفى ‏البدائى، ‏ولكن‏ ‏فى ‏شكل‏ ‏مفهومى ‏شديد‏ ‏النضج‏، ‏إذ‏ ‏تَجَدَّدَ‏ ‏وتنامى ‏باحتوائه‏ ‏المستوى ‏الأول‏ ‏احتواء‏ ‏جدليا‏ ‏حيا‏، ‏فهو‏ ‏لايكتفى ‏بترجمة‏ ‏مستوى ‏غامض‏ ‏إلى ‏مستوى ‏واضح‏، ‏ولاهو‏ ‏ينقل‏ ‏مالا‏ ‏يقال‏ ‏إلى ‏لغة‏ ‏سبق‏ ‏القول‏ ‏بها‏، ‏بل‏ ‏هو‏ ‏يخلق‏ ‏لغته‏ ‏القادرة‏ ‏على ‏الاحتفاظ‏ ‏للصورة‏ ‏بحضورها‏ ‏الحسى، ‏دون‏ ‏الرضوخ‏ ‏لظهورها‏ ‏منفصلة‏ ‏أو‏ ‏مقتحمة‏ ‏بذاتها‏ ‏وعيانيتها‏ ‏الفجة‏ (‏كما‏ ‏يحدث‏ ‏فى ‏الجنون‏). ‏

ونلاحظ‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏المقتطف‏ ‏ثانيا‏:‏

علاقة‏ ‏الذات‏ ‏بالخارج‏، ‏حين‏ ‏نتبين‏ ‏أن‏ ‏المشهد‏ ‏الخارجى هو‏ ‏نفسه‏ ‏ساحة‏ ‏النفس‏ ‏المسفوحة‏ (‏استقبلت‏ “‏المسفوحة‏” ‏هنا‏ ‏بمعنى ‏الاتساع‏ ‏انفتاحا‏ ‏على ‏الخارج‏، ‏وليس‏ ‏بمعنى ‏السفك‏ ‏أو‏ ‏الصلب‏). ‏وتتأكد‏ ‏هذه‏ ‏العلاقة‏ ‏حين‏ ‏يجعل‏ ‏المشهد‏ (‏الصورة‏) ‏هو‏ ‏الذى ‏يضم‏ ‏الخارج‏ ‏والداخل‏، ‏وفى ‏هذا‏ ‏ما‏ ‏يبين‏ ‏أن‏ ‏زوال‏ ‏حدود‏ ‏الذات‏ ‏إنما‏ ‏يحدث‏ ‏فى ‏الإبداع‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏الطمأنينة‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏فعل‏ ‏الإبداع‏ ‏هو‏ ‏فعل‏ ‏تكثيفى ‏ضام‏، ‏فالمشهد‏ ‏لايُتلقى ‏من‏ ‏خارج‏ ‏ليثير‏ ‏الداخل‏، ‏أو‏ ‏يقفز‏ ‏من‏ ‏الداخل‏ ‏ليوضح‏ ‏الخارج‏، ‏وإنما‏ ‏هو‏ ‏يشمل‏ ‏الداخل‏ ‏والخارج‏ ‏على ‏نحو‏ ‏يسمح‏ ‏بسفح‏ ‏الذات‏ ‏بدون‏ ‏فقدان‏ ‏الحدود[5]، أما‏ ‏فقد‏ ‏حدود‏ ‏الذات‏ ‏عند‏ ‏المجنون‏ ‏فيجعله‏ ‏نهبا‏ ‏لما‏ ‏يلقى ‏إليه‏، ‏وما‏ ‏يلقى ‏فيه‏ (‏ضلال‏ ‏التأثير‏  Delusion of Influence[6]) ‏كما‏ ‏يجعله‏ ‏كتابا‏ ‏مفتوحا‏ ‏لمن‏ ‏يقرؤه‏ (‏قراءة‏ = ‏إذاعة‏ ‏الأفكار‏ Thought reading = broadcasting[7]) ‏فى ‏حين‏ ‏أن‏ ‏الذات‏ ‏عند‏ ‏المبدع‏ ‏إنما‏ ‏تتنازل‏ ‏عن‏ ‏حدودها‏ ‏طواعية‏ ‏لتحتوى ‏العالم‏ ‏دون‏ ‏امحاء‏، ‏ولتتحاور‏ ‏مع‏ ‏الخارج‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏مسامها‏ ‏المرنة‏. ‏فحدود‏ ‏ذات‏ ‏المبدع‏ ‏ليست‏ ‏جدارا‏ ‏فاصلا‏، ‏كما‏ ‏نشاهد‏ ‏فى ‏الشخص‏ ‏العادى ‏المتجمد‏ (‏فرط‏ ‏العادية‏ hyper-normality‏ انظر‏ ‏بعد‏)، ‏ولكنها‏ ‏كيان‏ ‏يتخلق‏ ‏باستمرار‏، ‏إذ‏ ‏هو‏ ‏جدار‏ ‏حيوى ‏متين‏ ‏ونفـّاذ‏ ‏فى ‏آن‏ ‏واحد‏. ‏ثم‏ ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏التحديد‏ ‏للذات‏ ‏لايتم‏ ‏بحدود‏ ‏جدارية –مجازيا-‏ ‏فحسب‏ (‏حتى ‏لو‏ ‏اتصفت‏ ‏بالمرونة‏ ‏والحيوية‏)، ‏وإنما‏ ‏يتم‏ ‏فى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏بحضورها‏ ‏المتميز‏ ‏حول‏ ‏وعى ‏محورى ‏يتخلق‏[8]. ‏

ثم‏ ‏نلاحظ‏ ‏ثالثا‏:‏

ما‏ ‏يشير‏ ‏إلى ‏الوحدة‏ ‏الزمنية‏ ‏الشديدة‏ ‏القصر‏، ‏التى ‏تتخلق‏ ‏فيها‏ ‏بدايات‏ ‏فعل‏ ‏الإبداع‏، ‏وذلك‏ ‏فى ‏تعبير‏ ‏الخـراط‏ “… ‏المتحقق‏ ‏من‏ ‏أول‏ ‏لمسة‏”، ‏أو‏ “‏على ‏الفور‏”، ‏وربما‏ ‏أيضا‏ ‏تعبير‏ “‏التكوّن‏ ‏الأولي‏”. ‏وأهمية‏ ‏الإشارة‏ ‏إلى ‏هذه‏ ‏المنطقة‏ ‏بهذا‏ ‏المـجـهر‏ ‏الذى ‏صور‏ ‏شهادته‏ ‏من‏ ‏خلاله‏: ‏هو‏ ‏أنها‏ ‏المنطقة‏ ‏المشتركة‏ ‏مع‏ ‏الجنون‏ ‏فى ‏انقضاضه‏ ‏الصاعق‏ ‏فى ‏بداياته‏ ‏الخفية‏، ‏وهذا‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏يقابل‏ ‏فى ‏الإمراض‏ (‏السيكوباثولوجيا‏) ‏الضلالات‏ ‏الأولية‏،[9] ‏أو‏ ‏مايسمى ‏الإدراك‏ ‏الضلالى[10] ‏ولكن‏ ‏فى ‏حين‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏التكون‏ ‏الأولى، ‏و‏”‏المحقق‏ ‏من‏ ‏أول‏ ‏لمسة‏”، ‏يتضفـر‏ ‏فى ‏فعل‏ ‏الإبداع‏ ‏مع‏ ‏المستويات‏ ‏الأخرى، ‏فإنه‏ ‏فى ‏حالة‏ ‏الجنون‏ ‏يتمادى ‏المريض‏ ‏فى ‏سوء‏ ‏التأويل‏، ‏وتشويه‏ ‏الـمـدرك‏، ‏حتى ‏تحل‏ ‏المعرفة‏ ‏البدائية‏ ‏بتفسيراتها‏ ‏اليقينية‏ ‏المنفصلة‏ ‏والتجزيئية‏ ‏محل‏ ‏المعرفة‏ ‏المفاهيمية‏، ‏وعلى ‏حسابها‏، ‏ثم‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏بقايا‏ ‏تناثرها‏، ‏فلا‏ ‏تضفير‏ ‏ولاتكامل‏، ‏ولاتشكيل‏، ‏ولاترابط‏، ‏ولا‏ ‏التفاف‏ ‏حول‏ ‏محور‏ ‏يتخلق‏، ‏ولعل‏ ‏هذا‏ “‏الانقضاض‏” ‏الضلالى، ‏هو‏ ‏ما‏ ‏يقابل‏ “‏لحظة‏ ‏الإلهام‏ ‏عند‏ ‏المبدع‏، مع الفارق حتى التناقض التام فى المسار والمآل.

‏ ‏وفى ‏حين‏ ‏يصبح‏ ‏اليقين‏ ‏برسائل‏ ‏الحدس‏ ‏البدائى ‏هو‏ ‏التفجير‏ ‏الذى ‏تتهاوى ‏بعده‏ ‏الوحدات‏ ‏ومن ثم التفسخ، يكون‏ ‏البرق‏ ‏الإبداعى (‏أنظر‏ ‏شهادة‏ ‏نزار‏ ‏فيما‏ ‏بعد)، ‏هو‏ ‏بداية‏ ‏رحلة‏ ‏التوليف‏ ‏والتصعيد‏ ‏وإعادة‏ ‏التشكيل‏.‏

‏(‏د‏) ‏مجيد‏ ‏طوبيا‏:[11]‏

‏”.. ‏مدخلى ‏إلى ‏القصة‏ ‏شحنة‏ ‏وجدانية‏ ‏تصرخ‏ ‏بداخلى ‏طالبة‏ ‏الوصول‏ ‏إلى ‏القارئ‏، ‏شحنة‏ ‏تظهر‏ ‏وتنمو‏ ‏بسبب‏ ‏اختلافات‏ ‏بينى ‏وبين‏ ‏غالبية‏ ‏من‏ ‏يحيطون‏ ‏بى، ‏ورفضى ‏لبعض‏ ‏ما‏ ‏استقروا‏ ‏عليه‏… ‏وهذه‏ ‏الشحنة‏ ‏أو‏ ‏الفكرة‏ ‏تبدأ‏ ‏مبهمة‏ ‏بداخلى ‏ولكنها‏ ‏سرعان‏ ‏ماتتجلى…”‏

يشير‏ ‏هذا‏ ‏المقتطف‏ ‏إلى “‏شحنة‏” “‏مبهمة‏”، ‏ويصفها‏ المبدع ‏فى ‏البداية‏ ‏بأنها‏ ‏وجدانية‏، ‏ثم‏ ‏يقرنها‏ ‏باحتمال‏ ‏أنها‏ ‏فكرة‏، ‏وهذا‏ ‏وذاك‏ ‏قد‏ ‏يشيران‏ ‏إلى ‏ماسبق‏ ‏أن‏ ‏أوضحناه‏ ‏من‏ ‏طبيعة‏ ‏المكد، ‏من‏ ‏أنه‏ ‏مدرك‏ ‏كلى ‏وأولى ‏يصعب‏ ‏فيه‏ ‏فصل‏ ‏الوجدان‏ ‏عن‏ ‏الفكر‏، ‏عن‏ ‏حفز‏ ‏الفعل‏، ‏فيصفه‏ ‏الكاتب‏ ‏مرة‏ ‏بهذا‏ ‏ومرة‏ ‏بذاك‏.

‏وتفسير‏ ‏الكاتب‏ ‏لما‏ ‏يثير‏ ‏هذه‏ ‏الشحنة‏ / ‏الفكرة‏/ ‏المبهمة‏ ‏بأنه‏ “‏اختلافه‏ ‏عما‏ ‏حوله‏” ‏هو‏ ‏تفسير‏ ‏متواضع‏، ‏وغير‏ ‏ملزم‏ ‏فى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏، ‏لأن‏ ‏هذه‏ ‏المواجهة‏ ‏المتأزمة‏ ‏مع‏ ‏الغير‏ ‏المختلف‏ ‏إنما‏ ‏تمثل‏ ‏فى ‏العادة‏ ‏مرحلة‏ ‏سابقة‏، ‏أو‏ ‏لاحقة‏، ‏للتنشيط‏ ‏الأولى. ‏كذلك‏ ‏فإن‏ ‏تصوره‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏الشحنة‏ ‏تصرخ‏ ‏للوصول‏ ‏إلى ‏القارئ‏، ‏قد‏ ‏لا‏ ‏يشير‏ ‏إلا‏ ‏إلى ‏استقباله‏ ‏لإلحاح‏ ‏هذا‏ ‏التنشيط‏ ‏على ‏الظهور‏، ‏ثم‏ ‏دوره‏ ‏هو‏.. “‏ليتوجه‏” -‏فإذا‏ ‏وجهته‏ ‏القارىء‏. ‏ثم‏ ‏إن‏ ‏ارتباط‏ ‏الحركة‏ ‏بموضوع‏ ‏فى ‏الخارج‏ ‏هو‏ ‏مايميز‏ ‏توجه‏ ‏حركية‏ ‏الإبداع‏ ‏عن‏ ‏دائرية‏ ‏الجنون‏ ‏المغلقة‏، “‏فالقارىء‏” ‏هنا‏ ‏الذى ‏تلح‏ ‏شحنة‏ مجيد ‏طوبيا‏ ‏الوجدانية‏ ‏للوصول‏ ‏إليه‏ ‏ليس‏ ‏بالضرورة‏ ‏هو‏ “‏من‏ ‏يقرأ‏” ‏عمله‏ ‏هذا‏ ‏بوجه‏ ‏خاص،‏ ‏ولكنه‏ ‏كل‏ ‏من‏ ‏يوجد‏، ‏ومن‏ ‏يتلقى، ‏ومن‏ ‏يسمح‏، ‏ومن‏ ‏يتحرك‏ “‏بجوار‏” ثم “مع”..، ‏وهذا‏ ‏التعميم‏ ‏هو‏ ‏محاولة‏ ‏لعدم‏ ‏تخصيص‏ ‏حركية‏ ‏الإبداع‏ ‏بنوع‏ ‏خاص‏ ‏من‏ ‏التلقى، ‏وفى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏نرى ‏من‏ ‏خلال‏ ‏هذا‏ ‏المقتطف‏ ‏الفرق‏ ‏بين‏ ‏الجنون‏ ‏والإبداع‏. ‏فى ‏مسألة‏ “‏العلاقة‏ ‏بالموضوع‏/‏الآخر‏”، ‏ففى ‏حين‏ ‏أن‏ ‏المجنون‏ ‏ـ‏ ‏رغم‏ ‏إلحاح‏ ‏عطشه‏ ‏ـ‏ ‏يواصل‏ ‏فى ‏اتجاه‏ ‏إلغاء‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏هو‏ “‏آخر‏”، ‏بدعوى ‏اليأس‏ ‏منه‏ (‏لم‏ ‏يسمعنى ‏الآخر‏…) ‏ثم‏ ‏الاستغناء‏ ‏عنه‏ (‏يأسا‏ ‏مصنوعا‏) ‏نجد‏ ‏أن‏ ‏المبدع‏ ‏يواصل‏ ‏محاولات‏ ‏السعى ‏نحو‏ ‏الآخر‏، ‏وإعلان‏ ‏توجهه‏ ‏إليه‏ ‏به‏ ‏قارئا‏ ‏أو‏ ‏غير‏ ‏قارىء‏.‏

‏(‏هـ‏) ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏:[12]

‏”… ‏تدب‏ ‏حركة‏ ‏من‏ ‏نوع‏ “‏ما‏” (‏التنصيص‏ ‏من‏ ‏عندي‏) ‏فينشط‏ ‏الكاتب‏ ‏لتوصيلها‏ ‏إلى ‏القاريء‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏تتجسد‏ ‏له‏ ‏فى ‏شكل‏ ‏معين‏، ‏ما‏ ‏هذه‏ ‏الحركة‏ ‏؟‏ ‏قد‏ ‏تكون‏ “‏أى ‏شيء‏”، ‏أو‏ “‏لا‏ ‏شيء‏ “‏بالذات‏… “. ‏

فنلاحظ‏ ‏هنا‏ ‏تعبيرات‏ “‏تدب‏ ‏حركة‏” “‏ما‏”، ‏فلم‏ ‏يستطع‏ ‏الكاتب‏ المبدع هنا ‏أن‏ ‏يلتقط‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏الذى ‏يدب‏ (‏ينشط‏) ‏إلا‏ ‏أنه‏ ‏من‏ ‏نوع‏ “‏ما‏ “، ‏فهو‏ ‏ليس‏ ‏مجهولا‏ ‏كل‏ ‏الجهل‏، ‏كما‏ ‏أنه‏ ‏ليس‏ ‏محددا‏ ‏بعد‏. ‏وهذا‏ ‏هو‏ أقرب شئ إلى حركية ‏المكد‏. ‏ثم‏ ‏نلاحظ‏ ‏هنا‏ ‏تحديد‏ ‏استجابة‏ ‏الكاتب‏ – ‏مثل‏ ‏المقتطف‏ ‏السابق‏- ‏بأن‏ ‏ثمَّ‏ ‏توصيلا‏ ‏يلح‏ ‏للإنجاز‏، ‏وأن‏ ‏ثمَّ‏ “‏آخر‏” ‏يتوجه‏ ‏إليه‏ ‏التنشيط‏ (‏تنشيط‏ ‏الكاتب‏ ‏فى ‏مقابل‏ ‏ما تنشط‏ ‏من‏ ‏دبيب‏ ‏الحركة‏)، ‏على ‏نحو‏ ‏يؤكد‏ ‏الفرق‏ ‏بين‏ ‏حركية‏ ‏الإبداع‏ ‏المتوجهة‏ (‏لا‏ ‏الموجَّهة‏)، ‏ودوائرية‏ ‏الجنون‏ ‏المغلقة‏ ‏والمتناثرة‏ ‏معا‏ ‏على ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏حركتها‏ ‏فى ‏المحل‏، ‏أو‏ للوراء‏.‏

ثم‏ ‏يعود‏ ‏الكاتب‏ ‏ليجهِّـل‏ -‏بمنتهى ‏اليقين‏ ‏المعرفى- ‏طبيعة‏ ‏هذه‏ ‏الحركة‏ ‏فى ‏أنها‏ “‏أى ‏شيء‏” ‏أو‏” ‏لا‏ ‏شىء‏ ‏بالذات‏” ‏على ‏نحو‏ ‏يتحقق‏ ‏معه‏ ‏الفرض‏ ‏الأصلى ‏الذى ‏أوردناه‏ ‏هنا، والذى‏ ‏يشير‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏الخطوات‏ ‏الأولى ‏للإبداع‏ ‏تتميز‏ ‏بحركيتها‏ ‏وتوجهها‏ ‏أكثر‏ ‏مما‏ ‏تتميز‏ ‏بمضمونها‏ ‏أو‏ ‏هدفها‏ (‏المحدد‏). ‏وتعبير‏ “‏لاشىء‏” ‏هنا‏ ‏لايمكن‏ ‏أن‏ ‏يؤخذ‏ ‏إلا‏ ‏بما‏ ‏لحقه‏: “‏لاشىء‏ ‏بالذات‏”.‏

والفرق‏ ‏بين‏ ‏هذه‏ ‏الظاهرة‏ ‏كما‏ ‏تبدت‏ ‏هنا‏ ‏وبين‏ ‏التفكير‏ ‏العِهنى[13] ‏فى ‏الجنون‏ ‏هو‏ ‏أن‏ ‏التفكير‏ ‏العهنى ‏غير‏ ‏المحدد‏ ‏هو‏ ‏بداية‏ ‏ونهاية‏، ‏فى ‏حين‏ ‏أن‏ ‏ما‏ ‏يقابله‏ ‏هنا‏ ‏هو‏ ‏مجرد‏ ‏بداية‏ ‏يتعهدها‏ ‏الكاتب‏ ‏بحرص‏ ‏حتى ‏يتولد‏ ‏بها‏ ‏ومعها‏ ‏ومنها‏ ‏ماتطلقه‏ ‏من‏ ‏طاقة‏ ‏ومادة‏ ‏فى ‏تضفر‏ ‏جدلى ‏مع‏ ‏سائر‏ ‏المستويات‏.

(‏و‏) ‏يوسف‏ ‏إدريس‏:[14]

‏”.. ‏الإبداع‏ ‏عندى ‏أشبه‏ ‏مايكون‏ ‏بخلق‏ ‏الكون‏..، ‏سديم‏ ‏من‏ ‏الإحساس‏ ‏يتكون‏ ‏داخلى، ‏ثم‏ ‏يبدأ‏ ‏حركة‏ ‏هائلة‏ ‏الضخامة‏، ‏بطيئة‏ ‏الوقع‏. ‏وتتخلق‏ ‏الأفكار‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏الحركة‏ ‏السديمية‏ ‏للأحداث‏ ‏والشخصيات‏.. ‏وبتوقف‏ ‏الحركة‏ ‏تكون‏ ‏القصة‏ ‏قد‏ ‏تخلقت‏ ‏فيما‏ ‏أسميه‏ ‏القصة‏ -‏الكون‏ – ‏الحياة‏ ‏التى ‏هى ‏أعلى ‏مراحل‏ ‏السديم‏ “.‏

‏(‏أ‏) ‏فنلاحظ‏ ‏هنا‏ ‏تعبير‏”‏السديم‏” ‏الذى ‏هو‏ ‏أقرب‏ ‏عندى ‏إلى ‏صورتين‏ (‏معجميتين‏ ‏أصلا‏)، ‏الأولى “‏السديم‏: ‏الضباب‏ ‏الرقيق‏”، ‏والثانية‏: “‏السديم‏: ‏مجموعة‏ ‏نجوم‏ ‏تظهر‏ ‏بعيدة‏، ‏تظهر‏ ‏كأنها‏ ‏سحابة‏ ‏رقيقة‏”، ‏وكلا منهما‏ ‏يبدو ‏أقرب‏ إلى ‏مايتفق‏ ‏مع‏ ‏تعبير‏ “‏أريتي‏” ‏عن‏ ‏المعرفة‏ “‏الهشة‏” (‏بما‏ ‏اخترنا‏ ‏له‏ ‏بالعربيه‏ ‏لفظين‏ ‏معا‏: “‏الضبابية‏ ‏المدغمة‏”). ‏ووصف‏ ‏إدريس‏ ‏لهذا‏ ‏السديم‏ ‏بأنه‏ ‏من‏ “‏الإحساس‏” ‏هو‏ ‏تقريب‏ ‏غير‏ ‏ملزم‏، ‏فالإحساس‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏المرحلة‏ ‏مرادف‏ ‏للإدراك‏ ‏الأولى، ‏وللحفز‏ ‏الغامض‏، ‏وللانفعال‏ ‏المعرفى، ‏وللتوجه‏ ‏العام‏ ‏جميعا‏.‏

‏(‏ب‏) ‏ثم‏ ‏نلاحظ‏ ‏كيف‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏السديم‏ ‏ليس‏ ‏مثولا‏ ‏ثابتا‏، ‏بل‏ ‏هو‏ ‏حركة‏ ‏أساسا‏ (‏الحركة‏ ‏السديمية‏)، ‏ومع‏ ‏أنه‏ ‏ألحق‏ ‏بها‏ “‏للأحداث‏ ‏والأشخاص‏ “، ‏إلا‏ ‏أنها‏ ‏فى ‏مرحلتها‏ ‏السديمية‏ ‏تلك‏ ‏ليست‏ ‏أحداثا‏ ‏بذاتها‏ ‏أو‏ ‏أشخاصا‏ ‏متميزين‏ ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏هى ‏تنبيء‏، ‏وتجزم‏ ‏فى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏، ‏بأحداث‏ ‏وأشخاص‏ “‏ما‏”.‏

‏(‏ج‏) ‏ثم‏ ‏إن‏ ‏الأفكار‏ ‏تتولد‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏الحركة‏، ‏وكأن‏ ‏الأفكار‏ ‏هنا‏ ‏هى ‏التى ‏تنشيء‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏الضباب‏ ‏الرقيق‏ (‏أو‏ ‏تكثفه‏ ‏إلى‏) ‏ما‏ ‏تمثل‏ ‏به‏ ‏فى ‏المستوى ‏المفاهيمى ‏للمعرفة‏، ‏فهى ‏ليست‏ ‏ترجمة‏ ‏الإحساس‏ ‏إلى ‏مفاهيم‏ ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏هى ‏تخليق‏ ‏لمفاهيم‏ ‏قادرة‏ ‏على ‏استيعاب‏ ‏حركة‏ ‏السديم‏ ‏المنبعثة‏.‏

‏ (‏د‏) ‏و‏لا‏ ‏يخدعنا‏ ‏تعبير‏ “هائلة‏ ‏الضخامة‏ ‏بطيئة‏ ‏الوقع‏ “، ‏فنتصور‏ ‏من‏ ‏خلاله‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏المرحلة‏ ‏تحدث‏ ‏فى ‏وحدة‏ ‏زمنية‏ ‏كافية‏ ‏لرصدها‏ ‏هكذا‏ ‏بأى مقياس‏، ‏فارتباط‏ ‏هذه‏ ‏السديمية‏ ‏بالكونية‏، ‏إنما‏ ‏يتواكب‏ ‏مع‏ ‏عملية‏ ‏إيقاف‏ ‏الزمن‏ (‏العادى‏) ‏على ‏نحو‏ ‏يجعل‏ ‏الجزء‏ ‏من‏ ‏الثانية‏ ‏يحمل‏ ‏هذا‏ ‏الإيقاع‏ ‏البطىء‏ ‏إلى ‏حد‏ ‏الإيحاء‏ ‏بالتوقف‏، ‏كما‏ ‏أن‏ ‏هائلية‏ ‏الضخامة‏ ‏هنا‏ ‏إنما‏ ‏تشير‏- ‏فى ‏الأغلب‏ – ‏إلى ‏تمدد‏ ‏الذات‏ – ‏فى ‏الكون‏- ‏دون‏ ‏فقد‏ ‏لحدودها‏ (‏بما‏ ‏يميزها‏ ‏عن‏ ‏الجنون‏).

[1]- “القصة‏ ‏القصيرة‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏تجاربهم” ص‏: 257-309 ‏المجلد‏ ‏الثانى- ‏العدد‏ ‏الرابع‏ (1982) مجلة فصول.‏

[2] – نفسه‏ ‏ص‏: 260.‏

[3] – نفسه‏: 262.‏

[4]- نفسه‏ 266، 267.‏

[5] – يعد‏ ‏تعبير‏ “‏حدود‏ ‏الذات‏” ‏من‏ ‏المفاهيم‏ ‏التى ‏فرضت‏ ‏نفسها‏ ‏على الفكر النفسى التحليلى  ‏أحادى ‏النظرة، ‏ ‏فهو‏ ‏يعنى ‏الحدود‏ ‏الظاهرة‏ ‏للذات‏ ‏الشعورية‏. ‏وأى ‏فقد‏ ‏لهذه‏ ‏الحدود‏ ‏هو‏ ‏بالضرورة‏، – ‏تبعا‏ ‏لهذا‏ ‏المنظور‏ ‏المحدود‏: ‏خطر‏ ‏مرضى، ‏فى ‏حين‏ ‏أن‏ ‏الطب‏ ‏النفسى ‏التطورى يعترف بأن درجة ما من الفقد لحدود الذات، الغالبة بوجه خاص، هى لازمة للسماح بالتوليف الجديد مع ذوات أخرى فى حركية الإبداع.

[6]- مايسمى “‏ضلال‏ ‏التأثير‏” ‏يدرج‏ ‏أساسا‏ ‏تحت‏ ‏ماهو‏ ‏فقد‏ ‏الإرادة‏ ‏أو‏ ‏فقد‏ ‏الذات‏، ‏وعمقه‏ ‏السيكوباثولوجى ‏يشير‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏الذات‏ ‏الشاعرة‏ ‏التى ‏كانت‏ ‏طاغية‏ ‏طوال‏ ‏الوقت‏ ‏قد‏ ‏تراخت‏ ‏قبضتها‏ ‏فأطلت‏ ‏ذوات‏ ‏أخرى “‏تقرأ‏ ‏وتذيع‏” ‏وتؤثر‏، ‏ثم‏ ‏أسقطت‏ ‏هذه‏ ‏الذوات‏ ‏إلى ‏العالم‏ ‏الخارجى، ‏حتى ‏عاد‏ ‏المريض‏ ‏يستقبلها‏ ‏بوصفها‏ ‏ضلالات‏.‏

[7]- يسرى ‏على هذا ‏العرض‏ (‏قراءة‏/ ‏إذاعة‏ ‏الأفكار‏) ‏مايسرى ‏على ‏سابقه‏ ‏من‏ ‏منظور‏ ‏سيكوباثولوجى، ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الوجود‏ ‏العارى ‏والمعلن‏ ‏هو‏ ‏أقرب‏ ‏عرض‏ ‏لتعبير‏ ‏إدوارد‏ ‏الخراط‏ “‏مسفوح‏”، ‏ولكن‏ ‏شتان‏ ‏بين‏ ‏مسفوح‏ ‏واع‏ ‏مسئول‏، ‏ومسفوح‏ ‏مذاع‏ ‏منتهك‏.‏

[8] – أنظر‏ ‏الفصل‏ ‏الأول‏ ‏أيضا.

[9] – Primary Delusion

[10] – Delusional Perception

خطر‏ ‏لى ‏أنه‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نطلق‏ ‏على ‏الضلال‏ ‏الأولى ‏عند‏ ‏المريض‏ ‏تعبير‏ “‏الإلهام‏ ‏المرضي‏” (‏اليقيني‏).

[11] – أنظر هامش (58) ‏ص‏ 300.‏

[12] – نفسه‏ ‏ص‏: 303.‏

تعرفت‏ ‏على ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏بعد‏ ‏ذلك‏ 1994، ‏وحين‏ ‏بدأ‏ ‏بعد‏ ‏ست‏ ‏سنوات‏ ‏من‏ ‏التدريب‏ ‏اليومى ‏الشاق‏ ‏المستمر‏، ‏حين‏ ‏بدأ‏ ‏يتمكن‏ ‏من‏ ‏كتابة‏ ‏جملة‏ ‏فبضع‏ ‏جمل‏، ‏بلغنى ‏أنه‏ ‏سوف‏ ‏يعاود‏ ‏الكتابة‏ ‏قريبا‏، ‏وحين‏ ‏سألته‏ ‏عن‏ ‏ذلك‏ ‏ابتسم‏ ‏قائلا‏: ‏آه‏، ‏والله‏.. ‏فيه‏ “‏نغبشة‏” ‏تراودنى ‏وأشار‏ ‏إلى ‏رأسه‏، ‏وربطت‏ ‏بين‏ ‏كلمة‏ “‏نغبشة‏” ‏وبين‏ ‏شهادته‏ (1982) ‏وتعبيره فى‏ ‏المقتطف‏ ‏هنا‏ “‏تدب‏ ‏حركة‏ ‏من‏ ‏نوع‏ ‏ما‏”.‏

[13] – التفكير العهنى woolly thinking  هو نوع من التفكير الفصامى يتصف بالهلامية والغموض والهشاشة، وفى نفس الوقت يبدو من بعيد وكأنه ضخم فخم قد يفيد شيئا، لكنه لا يحتوى إلا الشكل بلا فحوى تقريبا،  وقد وصفناه بالعهنى استلهاما من الصوف المنفوش فى الآية الكريمة  “… و تكون الجبال كالعهن المنفوش”

[14] – أنظر هامش (58)‏ ‏ص‏: 307.‏

شهادات من الشعراء

شهادات من الشعراء

5 – 2 – 3

‏شهادات‏ ‏من‏ ‏الشعراء

إذا‏ ‏كانت‏ ‏القصة‏ ‏القصيرة‏ ‏تتميز‏ ‏بغلبة‏ ‏الصورة‏ ‏وسرعة‏ ‏الإيقاع‏ ‏وشدة‏ ‏التكثيف‏ ‏على ‏نحو‏ ‏أمكننا‏ ‏من‏ ‏تحسس‏ ‏علاقة‏ ‏مراحل‏ ‏التكوين‏ ‏الأولى (‏تنشيط‏ ‏المعرفة‏ ‏الضبابية‏ ‏المدغمة‏) لا ‏بالصياغة‏ ‏النهائية‏ (‏احتواء‏ ‏القصة‏ ‏لمستويات‏ ‏المعرفة‏ ‏المتكاملة‏) ‏فإن‏ ‏الشعرقد‏ ‏ينتقل‏ ‏بنا‏ ‏خطوة‏ ‏أصعب‏ ‏وأدل‏، ‏فبالإضافة‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏الشعر‏ (‏الشعر‏) ‏يتضاءل‏ ‏اهتمامه‏ ‏شيئا‏ ‏فشيئا‏ ‏بترجمة‏ ‏مستوى ‏إلى ‏مستوى ‏آخر‏، ‏فإنه يحتوى‏‏ ‏المعرفة‏ ‏الفطرية: فجة‏ دون أن يخضع لها أو يبدلها، فتظل تحتفظ بإيقاعها وريحها متجسدة بجرعة ‏كافية‏ ‏للتدليل‏ ‏على ‏ماذهبنا‏ ‏إليه‏، ‏على ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏أنها‏ ‏جرعة‏ ‏لاتظهر‏ ‏أبدا‏ ‏منفصلة‏ ‏عن‏ ‏المحور‏ ‏الضام‏، ‏أو‏ ‏مستقلة‏ ‏عن‏ ‏الصقل‏ ‏المفاهيمى اللاحق.‏

لن‏ ‏أعرج‏ ‏إلى ‏تمييز‏ ‏مستويات‏ ‏الشعر‏ ‏هنا/الآن‏، (وقد أشرت إليها فى الفصل الأول) ‏غير‏ ‏أننى ‏سأقدم‏ ‏نموذجين‏ ‏محددين‏ ‏لمستويين‏ ‏من‏ ‏مستويات‏ ‏الشعر، ‏أحدهما‏ ‏يقدم‏ ‏الجمال‏ ‏الشعرى ‏فى ‏صورة‏ ‏مفهومية‏ ‏بديعة‏، ‏بعد‏ ‏احتوائه‏ ‏لآثار‏ ‏التنشيط‏ ‏وإيقاع‏ ‏الصور‏، ‏والآخر‏ ‏يقدم‏ ‏الفعل‏ ‏الشعرى ‏بكل‏ ‏ثقله‏ ‏المقتحم‏ ‏والمتحدى ‏والمجدد‏، ‏والخالق‏ ‏لمفاهيم‏ ‏جديدة‏، ‏والباعث‏ ‏لروح‏ ‏جديدة‏، ‏ونبض‏ ‏مغير‏ ‏فى ‏المفاهيم‏ ‏القديمة‏: ‏

1 – ‏نزار‏ ‏قبانى:[1]

‏”‏تأتينى ‏القصيدة‏ -‏أول‏ ‏ماتأتي‏-‏بشكل‏ ‏جمل‏ ‏غير‏ ‏مكتملة‏، ‏وغير‏ ‏مفسرة‏، ‏تضرب‏ ‏كالبرق‏ ‏وتختفى ‏كالبرق‏. ‏لا‏ ‏أحاول‏ ‏الإمساك‏ ‏بالبرق‏، ‏بل‏ ‏أتركه‏ ‏يذهب‏، ‏مكتفيا‏ ‏بالإضاءة‏ ‏الأولى ‏التى ‏يحدثها‏… ‏أرجع‏ ‏للظلام‏ ‏وأنتظر‏ ‏التماع‏ ‏البرق‏ ‏من‏ ‏جديد‏، ‏ومِـن‏ ‏تجمع‏ ‏البروق‏ ‏وتلاحقها‏، ‏تحدث‏ ‏الإنارة‏ ‏النفسية‏ ‏الشاملة‏… ‏وفى هذه‏ ‏المرحلة‏ ‏فقط‏ ‏أستطيع‏ ‏أن‏ ‏أتدخل‏ ‏إراديا‏ ‏فى ‏مراقبة‏ ‏القصيدة‏ ‏ورؤيتها‏ ‏بعقلى ‏وبصيرتي‏”. ‏

نلاحظ‏ ‏هنا‏ ‏التقاط‏ ‏التنشيط‏ ‏المبدئى ‏فى ‏وحدة‏ ‏زمنية‏ ‏شديدة‏ ‏القصر‏ ‏والتعبير‏ ‏عنها‏ ‏بمقياس‏ ‏الزمن‏ ‏العادى، ‏بعكس‏ ‏يوسف‏ ‏إدريس‏، وهذا‏ ‏مانفسره‏ ‏باختلاف‏ ‏زاوية‏ ‏الرؤية‏ ‏لأنواع‏ ‏الإبداع‏ (‏فبعض‏ ‏قصص‏ ‏يوسف‏ ‏إدريس‏ ‏هى ‏شعر‏ ‏أخطر‏

من‏ ‏قصائد‏ ‏نزار‏، ‏حيث‏ ‏استطاع‏ ‏إدريس‏ ‏أن‏ ‏يغوص‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏اللحظات‏ ‏حالة‏ ‏كون‏ ‏الزمن‏ ‏قد‏ ‏توقف‏ ‏أو‏ ‏كاد‏، ‏فى ‏حين‏ ‏عبر‏ ‏نزار‏ ‏عن‏ ‏اللحظة‏ ‏نفسها‏ ‏بعد‏ ‏انقضائها‏، ‏وبمقياس‏ ‏عادى ‏تـتـبـعى ‏بعد‏ ‏انقضائها‏ ‏وليس‏ ‏من‏ ‏داخلها‏. ‏وهذا‏ ‏الموقف‏ ‏هو‏ ‏الذى ‏رجح‏ ‏لنا‏ ‏أن‏ ‏نزارا‏ ‏وهو‏ ‏يسير‏ ‏فى ‏ضوء‏ ‏تجمع‏ ‏خطف‏ ‏البرق ‏(‏من‏ ‏تجمع‏ ‏البروق‏ ‏وتلاحقها‏) ‏يسير فى “‏إنارة‏ ‏نفسية‏” ‏ولا‏ ‏يخوض‏ ‏نارا‏ ‏ضبابية‏، ‏لأنه‏ ‏لايغامر‏ ‏بالتوقف‏ ‏داخل‏ ‏احتكاك‏ ‏تفريعات‏ ‏حركية‏ ‏السحب‏ ‏الهشة‏ ‏بضغوطها‏ ‏المتنافرة‏ ‏إذ‏ ‏تشعل‏ ‏البرق‏، ‏فأتى ‏أغلب‏ ‏شعره‏ ‏بعد‏ ‏تنشيط‏ ‏المعرفة‏ ‏الأولى ‏مستضيئا‏ ‏بها‏، ‏لكنه‏ ‏ليس‏ ‏غارقا‏ ‏فيها‏، ‏ولاصاعدا‏ ‏بها‏ (‏هذا‏ ‏بالرغم‏ ‏من‏ ‏تأكيده‏ ‏بعد‏ ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏تدخـّله‏ ‏الإرادى ‏هو‏ ‏للمراقبة‏ ‏والرؤية‏ ‏أساسا‏).‏

‏2 – ‏أدونيس‏:[2]

‏ “…‏إنها‏ (‏القصيدة‏)، ‏عالم‏ ‏ذو‏ ‏أبعاد‏، ‏عالم‏ ‏متموج‏ ‏متداخل‏ ‏كثيف‏ ‏بشفافية‏، ‏عميق‏ ‏بتلألؤ‏،… ‏تقودك‏ ‏فى ‏سديم‏ ‏من‏ ‏المشاعر‏ ‏والأحاسيس‏، ‏سديم‏ ‏يستقل‏ ‏بنظامه‏ ‏الخاص‏ ، ‏تغمرك‏، ‏وحين‏ ‏تهم‏ ‏أن‏ ‏تحضنها‏ ‏تفلت‏ ‏من‏ ‏بين‏ ‏ذراعيك‏ ‏كالموج‏”‏

‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏المثال‏ ‏الآخر‏ ‏للمستوى ‏الآخر‏ ‏للشعر‏ (‏الشعر‏)، ‏إذ‏ ‏نلاحظ‏ ‏هنا‏ ‏أن‏ ‏الشاعر‏ ‏يظل‏ ‏محتفظا‏ ‏بنبض‏ ‏المستوى ‏الأول‏ ‏نفسه‏، ‏حتى ‏تظهر‏ ‏ملامحه‏ ‏فى ‏القصيدة‏ ‏نفسها‏ ‏بعد‏ ‏اكتمالها‏، ‏وذلك‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏مظاهر‏ ‏التكثيف‏ ‏والشفافية‏ ‏وتعدد‏ ‏الأبعاد‏ ‏فى ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏توجه‏ “‏معا‏”. ‏ثم‏ ‏إنه‏ ‏يستعمل‏ ‏كلمة‏ “‏السديم‏” ‏نفسها‏ (‏مثل‏ ‏إدريس‏)، ‏ولكنه‏ ‏يستعملها‏ ‏لوصف‏ ‏القصيدة‏ ‏ذاتها‏ ‏وليس‏ ‏لتفسير‏ ‏الحركة‏ ‏المخلِّـقة‏ ‏لها‏، ‏كما‏ ‏أنه‏ ‏يعطى ‏للسديم‏ ‏نفسه‏ ‏معالم‏ ‏أوضح‏ ‏فأوضح‏، ‏وقدرة‏ ‏على ‏التواصل‏، ‏بعد‏ ‏التأكد‏ ‏من‏ ‏إحكام‏ ‏نظامه‏ ‏الخاص‏، ‏ثم‏ ‏يجعله‏- ‏هو‏ ‏نفسه‏ ‏أيضا‏ – ‏فى ‏المتناول‏، ‏شريطة‏ ‏ألا‏ ‏يحبس‏ ‏فى ‏محاولة‏ ‏الترجمة‏ ‏إلى ‏ماقبله‏ (‏من‏ ‏قوالب‏ ‏مفاهيمية‏ ‏ثابتة‏). ‏هذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏الشعر‏ ‏يتقدم‏ ‏خطوة‏ ‏عن‏ ‏أغلب‏ ‏أشكال‏ ‏القصة‏ ‏القصيرة‏، ‏إذ‏ ‏أنه‏ ‏لايلجأ‏ ‏أصلا‏ ‏إلى ‏الترجمة‏ ‏من‏ ‏مستوى ‏معرفى ‏إلى ‏آخر‏، ‏بقدر‏ ‏مايلتزم‏ ‏بجدل‏ ‏ينفى ‏عن‏ ‏المعرفة‏ ‏الأولى ‏بدائيتها‏، ‏إذ‏ ‏تلتحم‏ ‏بالمعرفة‏ ‏المفاهيمية‏ ‏فى ‏تخلقها‏ ‏المجاوز‏ ‏لكليهما‏. ‏وهذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏الشعر‏ ‏هو‏ ‏أقرب‏ ‏ما‏ ‏يمثل‏ ‏العملية‏ ‏الإبداعية‏ ‏فى ‏حركيتها الأصعب‏ ‏والمثيرة‏ ‏للجدل.‏

‏ ‏ويقابل‏ ‏هذا‏ ‏المستوى ‏من‏ ‏الإبداع‏ ‏ما‏ ‏سبق أن أشرنا إليه  ‏عند‏ ‏الفصامى باسم  “‏التفكير‏ ‏العهنى” ‏حيث‏ ‏يبدو‏ ‏تفكير‏ ‏المجنون‏ ‏منفوشا‏ ‏كالعهن‏ ‏المندوف‏، ‏بالغ‏ ‏الإيحاء‏ ‏بالمعالم‏ ‏والوعد‏، ‏لكنك‏ ‏إذ‏ ‏تقترب‏ ‏منه‏ ‏تكتشف‏ ‏أنه‏ ‏فاقد‏ ‏التماسك‏ ‏والغاية‏ ‏والحدود‏، ‏لاينبئ‏ ‏بشىء‏. ‏وهذا‏ ‏ماوصفه‏ ‏بلويـْلَـر‏ ‏من‏ ‏قديم‏[3] ‏حين‏ ‏قرر‏ ‏أن‏ ‏تفكيرالفصامى ‏يغرى ‏بماوراءه‏، ‏لكنه‏ “.. ‏كالباب‏ ‏المقفول‏ ‏الذى ‏ليس‏ ‏وراءه‏ ‏شىء‏”، (‏مثل‏ ‏بعض‏ ‏أبواب‏ ‏ديكور‏ ‏المسرح‏). ‏والخلط‏ ‏وارد‏ ‏حتما‏ ‏بين‏ ‏هذا‏ (‏الإبداع‏) ‏وذاك‏ (‏الجنون‏). ‏

5 – 2 – 4

 ‏من‏ ‏خبرة‏ ‏الإبداع‏ ‏الشخصية

“‏شهادة‏” ‏خاصة‏  ‏أعرج‏ ‏إليها متحرجا كالعادة، لكننى أعدل عن الحرج تأكيدا للمنهج الفينومينولوجى،‏ ‏عارضا جانبا من  ‏خبرتى ‏الشخصية‏ ‏فى ‏محاولات‏ ‏الإبداع‏، ‏فأختار‏ ‏هذه‏ ‏المرة‏ ‏عملا‏ ‏ ‏لا هو‏ ‏بالقصة‏ ‏ولا‏ ‏هو‏ ‏بالشعر [4] ‏بل‏ ‏هو‏ ‏مزيج‏ ‏من‏ ‏أدب‏ ‏الرحلات‏ ‏والسيرة‏ ‏الذاتية‏، ‏فهو‏ ‏يحمل‏ ‏بين‏ ‏طياته‏ ‏من‏ ‏التعرية‏ ‏الذاتية‏ ‏ومحاولات‏ ‏الغوص‏ ‏التلقائى ‏ما‏ ‏شجعنى ‏على ‏مراجعته‏، ‏ضبطتـُنى ‏وقد‏ ‏تناولت‏ ‏موقفى ‏الشخصى ‏من‏ ‏هذا‏ ‏التنشيط‏ ‏المَكَدى، ‏وطبيعة‏ ‏إحياء‏ ‏المعلومات‏ ‏الكامنة‏ ‏بما‏ ‏قد‏ ‏يفيد‏ ‏فى ‏إيضاح‏ ‏بعض‏ ‏جوانب‏ ‏موضوعنا‏ ‏هذا‏. ‏ذلك‏ ‏لأنه‏ ‏يبدو‏ ‏أننى ‏اقتربت‏ ‏فى ‏بعض‏ ‏مواقع‏ ‏هذا‏ ‏العمل‏- ‏دون‏ ‏قصد‏ ‏مسبق‏-‏ من‏ ‏كشف‏ ‏علاقتى ‏بالكتابة‏، ‏ومن‏ ‏حالة‏ ‏تهيئى ‏للاستعادة‏ ‏المنشطة‏ ‏لما‏ ‏هو‏ “‏ليس‏ ‏كذلك‏”. ‏ثم‏ ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏العمل‏ ‏قد‏ ‏علمنى ‏كيف‏ ‏أحتفظ‏ ‏بالمساحة‏ ‏نفسها‏ ‏حية‏ ‏قابلة‏ ‏للتنشيط‏ ‏برغم‏ ‏تباعد‏ ‏زيارتى ‏لها‏، ‏فقد‏ ‏كـُـتب‏ ‏على ‏مدد‏ ‏متباعدة‏ ‏ومتقطعة‏ (‏أكثر‏ ‏من‏ ‏عامين‏)، ‏فاكتشفت‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏المستوى ‏الكلى ‏للإدراك‏ – ‏حتى ‏لخبرة‏ ‏محدودة‏ ‏فى ‏وقت‏ ‏بذاته‏- (‏زمن‏ ‏الرحلة‏) ‏يظل‏ ‏حيا‏، ‏وفى ‏المتناول‏، ‏ما‏ ‏ظل‏ ‏الطريق‏ ‏إليه‏ ‏ممكنا‏، ‏وماظلت‏ ‏القدرة‏ ‏على ‏التنشيط‏ ‏واردة‏، ‏بغض‏ ‏النظر‏ ‏عن‏ ‏توقيت‏ ‏رصد‏ ‏الخبرة‏ ‏الأولى ، ‏ومجاوزا‏‏ ‏تفصيلات‏ ‏الخارج‏ ‏المحددة‏.‏

أورد‏ ‏هنا‏ ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏سجلت‏-‏دون‏ ‏سابق‏ ‏قصد‏-‏فى ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏موقع‏ ‏بما‏ ‏قد‏ ‏يـُـظهر‏:‏

‏(‏أ‏) ‏الفرق‏ ‏بين‏ ‏مستويات‏ ‏المعرفة‏ ‏فى ‏مجال‏ ‏التذكر‏، ‏

‏(‏ب‏) ‏طبيعة‏ ‏إحياء‏ ‏المعايشة‏ ‏فالصياغة‏، ‏من‏ ‏ناحية‏ ‏أخرى،‏

(‏جـ‏) ‏خبرة‏ ‏تحريك‏ ‏التنشيط‏ ‏المكدى، ‏دون‏ ‏إخراجه‏ ‏ناتجا‏ ‏مباشرا‏ ‏مشكلا‏.‏

أ‏- ‏المقتطف‏ ‏الأول‏: “‏مستويات‏ ‏المعرفة‏ ‏وتجليات‏ ‏الذاكرة‏”‏

‏ “…‏على ‏أنى ‏لاأعنى ‏بالذاكرة‏ ‏ذلك‏ ‏التذكر‏ ‏الراوى، ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏أعنى ‏المعايشة‏، ‏فالذاكرة‏ ‏أمرها‏ ‏عجيب‏ ‏أشد‏ ‏العجب‏، ‏وكل‏ ‏الحديث‏ ‏العلمى ‏عن‏ ‏طبيعتها‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏يتوارى ‏بجوار‏ ‏حقيقـة‏ ‏حـِدتها‏، ‏وأعاجيب‏ ‏مفاجآتها‏، ‏وحيوية‏ ‏روائحها‏. ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏الذاكرة‏ ‏كما‏ ‏يدرسها‏ ‏العلماء‏ ‏هى ‏ذاكرة‏ ‏فورية‏، ‏أو‏ ‏ذاكرة‏ ‏قريبة‏، ‏أو‏ ‏ذاكرة‏ ‏بعيدة‏…‏إلخ‏، ‏وكلها‏ ‏تعتمد‏ ‏على ‏حفظ‏ ‏معلومات‏ ‏معينة‏ ‏ثم‏ ‏استرجاعها‏ ‏بتوقيت‏ ‏معين‏ ‏وقدر‏ ‏معين‏، ‏أما‏ ‏الذاكرة‏ ‏التى ‏تبرق‏ ‏فى ‏الظلام‏، ‏والذاكرة‏ ‏التى ‏تنقضُّ‏ ‏من‏ ‏شاهق‏، ‏والذاكرة‏ ‏التى ‏تتهادى ‏فى ‏تراخٍ‏، ‏والذاكرة‏ ‏فى ‏سباق‏ ‏التتابع‏، ‏والذاكرة‏ ‏التى ‏تفوح‏ ‏رائحتها‏ ‏حقيقة‏ ‏وفعلا‏، ‏فهذه‏ ‏ظاهرات‏ ‏ليست‏ ‏فى ‏متناول‏ ‏منهج‏ ‏العلم‏ ‏المتواضع‏[5].‏

فنلاحظ‏ ‏هنا‏ ‏أن‏ ‏الإبداع‏ ‏فى ‏علاقته‏ ‏مع‏ ‏ماهـو‏ ‏ذاكرة‏، ‏لايسترجع‏ ‏بل‏ ‏يتلقى ‏التنشيط‏ ‏المثار‏.. ‏وهو‏ – ‏لكونه‏ ‏فى ‏حالة‏ ‏استعداد‏ ‏رحب‏- ‏يسمح‏ ‏بتواصل‏ ‏مستويات‏ ‏المعرفة‏. ‏فهذا‏ ‏التلقى ‏من‏ “‏البرق‏ ‏الخاطف‏” (‏قارن‏ ‏نزار‏) ‏أو‏ ‏الرعب‏ ‏من‏ ‏الانقضاض‏: “‏تنقض‏ ‏من‏ ‏شاهق‏”، ‏ثم‏ ‏ما‏ ‏يعقب‏ ‏هذا‏ ‏وذاك‏ ‏من‏ ‏السماح‏ ‏بأن‏ ‏تتهادى ‏فى ‏تراخ‏، ‏ثم‏ “‏مواكبة‏” ‏طلاقة‏ ‏المستويات‏ ‏معا‏. ‏ثم‏ ‏سَـلْسَلَتها‏ ‏فى ‏سباق‏ ‏التتابع‏ (‏أكثر‏ ‏من‏ ‏فريق‏‏) ، ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏يجعل‏ ‏هذا‏ ‏التهيؤ‏ ‏المتلقى ‏الضام‏ ‏الرحب‏ ‏معا‏، ‏هو‏ ‏فعل‏ ‏الإبداع‏، ‏فهو‏ ‏تلق‏ ‏فاعل‏ ‏للتنشيط‏ ‏المثار‏، ‏وفى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏هو‏ ‏السماح‏ ‏المنتظر‏ ‏للمفاجأت‏ (‏باختياره‏!)، ‏إذ‏ ‏هو‏ ‏مصدرها‏ ‏نفسه‏، ‏ثم‏ ‏هو‏ ‏الإحياء‏ ‏لحركية‏ ‏تجسد‏ ‏الموجودات‏ ‏عيانا‏ ‏دون‏ ‏تجريد‏ (‏لاحظ‏ ‏مثلا‏ ‏تعبير‏: ‏الذاكرة‏ ‏التى ‏تفوح‏ ‏رائحتها‏ ‏حقيقة‏ ‏وفعلا‏).‏

ب‏ – ‏المقتطف‏ ‏الثانى: ” ‏إحياء‏ ‏اللحظة‏ ‏وتجديد‏ ‏المعايشة‏”‏ (وصف بدء الكتابة لمرحلة من الرحلة بعد انتهائها بشهور فى مقهى ملحق بمخيم قرب فينيسيا):

‏”‏لا‏.. ‏ليست‏ ‏الذاكرة‏..، ‏نعم‏، ‏بل‏ ‏إنى ‏أشعر‏ ‏أنى ‏أقوم‏ ‏بـ‏ “‏إحياء‏ ‏اللحظة‏”.. ‏هى ‏عملية‏ ‏إحياء‏ ‏أعيشها‏ ‏كلما‏ ‏أمسكت‏ ‏القلم‏،..‏فكلما‏ ‏جلست‏ ‏لأكتب‏..‏سافرت‏ ‏إليها‏ ‏من‏ ‏جديد‏، ‏فعشتها‏ ‏بكل‏ ‏التفاصيل‏ ‏والهمس‏ ‏والاستطراد‏، ‏والرسائل‏ ‏ذات‏ ‏المعنى، ‏والوعود‏، ‏والتنشيط‏، ‏والإحباط‏، ‏والمراجعة‏. ‏وعلمت‏ ‏من‏ ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏أقل‏ ‏القليل‏ ‏من‏ ‏العالم‏ ‏الخارجى ‏يكفينى.. ‏فإلى ‏ثقب‏ ‏الإبرة‏ ‏نطلق‏ ‏منه‏ ‏سراح‏ ‏الكمون‏…”[6].‏

ثم‏ ‏أختتم‏ ‏الفصل‏ (‏السادس‏) ‏نفسه-  فى نفس العمل-‏ ‏قائلا‏:‏

‏”..‏وقبل‏ ‏أن‏ ‏أنسحب‏ ‏تماما،‏ ‏لاأنسى‏أن‏ ‏أترك‏ ‏علامة‏ ‏مميزة‏ ‏بجوار‏ ‏ثقب‏ ‏الإبرة‏ ‏فى ‏مخزون‏ ‏وجدانى، ‏ذلك‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏لصقتُ‏ ‏عليه‏ ‏شمعا‏ ‏قابلا‏ ‏للذوبان‏، ‏لعله‏ ‏يستجيب‏ ‏لى ‏تحت‏ ‏حرارة‏ ‏الاستدعاء‏ ‏حين‏ ‏أعود‏ ‏إليه‏ ‏أسحب‏ ‏منه‏ ‏الخيط‏ ‏من‏ ‏جديد‏”[7].‏

فى ‏هذا‏ ‏المقتطف‏ ‏نرى ‏أن‏ ‏الإدراك‏ ‏الكلى ‏الغائر‏ ‏هو‏ ‏فى ‏المتناول‏ – ‏بإرادة‏ ‏الإبداع‏ – ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏. ‏كما‏ ‏نرى ‏أن‏ ‏فعل‏ ‏الإرادة‏ ‏هنا‏ ‏يسهم‏ ‏فى ‏تنشيط‏ ‏اللحظة‏، ‏بوصفها‏ ‏كيانا‏ ‏لم‏ ‏ينقضِ‏ ‏فى ‏زمان‏ ‏مضى، ‏بل‏ ‏هى ‏كيان‏ ‏قائم‏ ‏فى ‏مكان‏ ‏ما‏ ‏قابل‏ ‏للتناول‏، ‏ومن‏ ‏ثم‏ ‏فهو‏ ‏جاهز‏ ‏لمعاودة‏ ‏التنشيط‏ ‏فالتلقى ‏فالسماح‏ ‏فالمفاجأت‏ ‏فالمواكبة‏ ‏فالتضفر‏..‏إلخ‏، ‏فتعبير‏ “‏نطلق‏ ‏منه‏ ‏سراح‏ ‏الكمون‏ ‏المتفجر‏” ‏قد‏ ‏يؤكد‏ ‏ما ذهبنا‏ ‏إليه‏ ‏من‏ ‏دور‏ ‏التوجه‏ ‏الواعى ‏فى ‏إطار‏ ‏من‏ ‏السماح‏ ‏المرن‏، ‏ومع‏ ‏طواعية‏ ‏الأداة‏ ‏المفاهيمية‏ ‏القادرة‏ ‏على ‏إكمال‏ ‏تضفر‏ ‏الجدل‏ ‏بين‏ ‏مستويات‏ ‏المعرفة‏، ‏وأخيرا‏، ‏فإن‏ ‏الحرص‏ ‏على ‏مساّمية‏ ‏مخزون‏ “‏الوجدان‏” ‏وضمان‏ ‏السماح‏ ‏بالعودة‏ ‏هو‏ ‏الذى ‏يؤكد‏ ‏التماسك‏ ‏من‏ ‏ناحية‏، ‏واستطاعة‏ ‏التناول‏ ‏من‏ ‏ناحية‏ ‏أخرى، ‏على ‏نحو‏ ‏قد‏ ‏نستنتج‏ ‏منه‏ ‏اقتراب‏ ‏بعض‏ ‏مستويات‏ ‏المعرفة‏ ‏من‏ ‏بعضها‏، ‏وهو‏ ‏مايسهل‏ ‏الحركة‏، ‏ويواصل‏ ‏الحوار‏ ‏فالجدل‏.‏

حين‏ ‏عدت‏ ‏إلى ‏قراءة‏ ‏هذا‏ ‏العمل‏ ‏قرب‏ ‏تمامه‏. ‏ولم‏ ‏أكن‏ ‏أتابع ما ينشر منه‏ ‏أولا‏ ‏بأول‏، ‏حتى ‏أنى ‏سمحت‏ ‏لنفسى ‏باحتمال‏ ‏التكرار‏- ‏أقول‏ ‏حين‏ ‏عدت‏ ‏إليه‏ -‏إذا‏ ‏بى ‏أقرؤه‏ ‏وكأنه‏ ‏كتب‏ ‏فى ‏جلسة‏ ‏واحدة‏ (‏مع‏ ‏أنه‏ ‏كتب‏ ‏على ‏مدى ‏عامين‏ ‏كما‏ ‏ذكرت‏، ‏وبالتحديد‏ ‏لمدة‏ ‏بضعة‏ ‏أيام‏ ‏كل‏ ‏ثلاثة‏ ‏أشهر‏)، ‏فعدت‏ ‏أطمئن‏ ‏إلى ‏حيوية‏ ‏المحتوى ‏ودلالة‏ ‏كلية‏ ‏الخبرة‏، ‏على ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏التقطيع‏ ‏الظاهرى.‏

جـ‏ – ‏المتقطف‏ ‏الثالث‏: ‏”تنشيط‏ ‏المكد‏ ‏دون‏ ‏إلتزام‏ ‏بإخراجه”

‏ “…. ‏متراخ‏ ‏فى ‏غير‏ ‏كسل، ‏ ‏فُألملم‏ ‏ورقى ‏راضيا‏ ‏بهذا‏ ‏الائتناس‏ ‏الصامت‏ ‏الذى ‏لم‏ ‏تجرح‏ ‏بكارته‏ ‏شقاوة‏ ‏القلم‏ ‏وشهوة‏ ‏الكتابة ‏[8]‏..  ‏فما‏ ‏أنا‏ ‏بالشخص‏ ‏الذى ‏يحتمل‏ ‏ألا‏ ‏يختلى ‏بنفسه‏ ‏وورقه‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏يوم‏….، وهأنذا‏ ‏أضعها‏ ‏أخيرا‏ ‏أمامى ‏معتذرا‏ ‏واعدا‏ ‏بحوار‏ ‏أعمق‏ ‏وإنصات‏ ‏طيب‏.. ‏وتتلقانى ‏أوراقي‏-‏كالعادة‏- ‏بسماح‏ ‏شديد‏، ‏فهى ‏واثقة‏ ‏دائما‏ ‏أنى ‏لاأملك‏ ‏منها‏ ‏فرارا‏، ‏وأنه‏ ‏على ‏عينى ‏هجرى ‏لها‏ ‏هذه‏ ‏الدهور[9]، ‏فأمسح‏ ‏جبهتها‏، ‏وأداعب‏ ‏أطرافها‏، ‏وأنصت‏ ‏إلى ‏همسها‏ ‏وسط‏ ‏هذا‏ ‏الصخب‏ ‏المتداخل‏، ‏وأقول‏، ‏وتقول‏، ‏وأنظر‏، ‏وتوافق‏، ‏وأقترح‏، ‏وتعارض‏، ‏وآمل‏، ‏وتحذر‏، ‏وأبتسم‏، ‏فتتذكر‏، ‏وأتطلع‏ ‏للوجوه‏ ‏من‏ ‏حولنا‏، ‏فتعلق‏، ‏ويمر‏ ‏وقت‏ ‏ليس‏ ‏بقصير‏، ‏ثم‏ ‏أنظر‏ ‏إلى ‏المائدة‏ ‏فإذا‏ ‏الورق‏ ‏خال‏ ‏من‏ ‏غير‏ ‏سوء،….”[10]

أكتفى ‏بالنسبة‏ ‏لهذا‏ ‏المقتطف‏ ‏بأن‏ ‏ألفت‏ ‏النظر‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏الصفحة‏ ‏البيضاء‏، ‏التى ‏ظلت‏ ‏بيضاء‏ (‏فعلا‏)، ‏بدت لى الآن ممثلة لما أسميته‏ “‏مسقطا‏”‏ جيدا‏ ‏لحركة‏ ‏المستوى ‏الداخلى (‏ليس‏ ‏البدائى‏) ‏ومجالا‏ ‏للحوار‏ ‏معه‏ ‏وبه‏، ‏هذا‏ ‏الذى ‏لم‏ ‏أعلم‏ ‏عنه‏ ‏إلا‏ ‏بعد‏ ‏شهور‏ ‏وأنا‏ ‏جالس‏ ‏لكتابة‏ ‏هذا‏ ‏الفصل‏. ‏ثم‏ ‏هأنذا‏ ‏أكتشف‏ -‏الآن‏-‏بعد‏ ‏هذا‏ ‏التنظير‏ ‏والمراجعة‏، ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏البياض‏ “‏الإيجابي‏”، ‏وذاك‏ ‏الائتناس‏ ‏الصامت‏، ‏كانا‏ ‏وجودا‏ ‏حقيقيا‏ ‏مع‏ ‏ماهو‏ ‏داخلىّ ‏ومُنَشَّط‏، ‏وأن‏ ‏هذا‏ ‏العجز‏ (‏كما‏ ‏يبدو‏ ‏للوهلة‏ ‏الأولي‏) ‏كان‏ ‏استكفاء‏ ‏وليس‏ ‏إعاقة‏، (‏بما‏ ‏يقابل‏ ‏عرقلة‏ ‏التفكير‏ ‏فى ‏حالة‏ ‏الذهاني‏). ‏ثم‏ ‏أتبين‏ ‏معنى ‏هادئا‏ ‏لما‏ ‏هو‏ ‏تنشيط‏ ‏صامت‏ ‏حين‏ ‏أضبط‏ ‏هذا‏ ‏التعبير‏ “‏متراخ‏ ‏فى ‏غير‏ ‏كسل‏”، ‏إذ‏ ‏يبدو‏ ‏أن‏ ‏معايشة‏ ‏الخبرة‏ ‏الداخلية‏ ‏قد‏ ‏تكون‏ ‏مرضية‏ ‏فى ‏حد‏ ‏ذاتها‏ ‏لدرجة‏ ‏قد‏ ‏تجاوز‏ ‏أى ‏حاجة‏ ‏إلى ‏نقلها‏ ‏إلى ‏ناتج‏ ‏خارجى ‏مسجل‏، ‏بل إنه‏ ‏قد‏ ‏بدا‏ ‏لى (‏من‏ ‏واقع‏ ‏النص‏) ‏فى ‏هذه‏ ‏المراجعة‏، ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏المستوى ‏من‏ ‏التنشيط‏ ‏الداخلى ‏المكتفى ‏بهذه‏ ‏الجرعة‏ ‏من‏ ‏المرونة‏ ‏والسماح‏ ‏والحوار‏ ‏الصامت‏ (‏الواضح‏)-‏أن‏ ‏مثل‏ ‏هذا‏ ‏لايحتاج‏ ‏إلى ‏نقله‏ ‏إلى ‏القلم‏ ‏أصلا‏، ‏بل‏ ‏إن‏ ‏نقله‏ ‏إلى ‏القلم‏ ‏فالورق‏ ‏هو‏-‏من‏ ‏بُعْدٍ‏ ‏خاص‏- ‏ضد‏ ‏تكامله‏ ‏الداخلى ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏ (‏لاحظ‏ ‏تعبير‏: ‏لم‏ ‏تجرح‏ ‏بكارته‏ ‏شقاوة‏ ‏القلم‏ ‏وشهوة‏ ‏الكتابة‏).‏

‏6 – ‏كفاءة‏ ‏الوجود‏ ‏البشرى ‏فى ‏مرونته‏ ‏

الفرض الأساسى (‏تبادل‏ ‏حالات‏ ‏الوجود‏ ‏الثلاث‏):‏

تبين‏ ‏لنا‏ ‏فيما‏ ‏سبق‏ ‏أن‏ ‏‏ لكل‏ ‏من‏ ‏الإبداع‏ ‏والجنون حركية نشطة فى مرحلة بذاتها باعتبار‏ ‏أنهما‏ ‏معا‏ ‏يمثلان‏ ‏محاولة‏ ‏هز‏ ‏سكون‏ ‏ما‏ ‏هو ‏”‏راتب‏ ‏عادى ‏مستقر‏”، ‏ثم‏ ‏بعد‏ ‏ذلك‏ ‏يختلف‏ ‏المسار‏: ‏

  • فإما‏ ‏حركية‏ ‏تحللية‏ ‏بديلة‏ ‏وناكصة‏، ‏فمتفسخة‏ ‏ومتناثرة‏ إلى التدهور ما لم يلحقها تشكيل ضام مناسب: ‏فهو‏ ‏الجنون‏.
  • ‏ ‏وإما‏ ‏حركية‏ ‏جدلية‏ ‏ضامة‏ ‏متضفرة‏، حتى إعادة التشكيل على مستوى أعلى: ‏فهو‏‏ ‏الإبداع‏.‏

انطلاقا‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏الموقع‏ ‏يمكننا‏ ‏أن نضع الفرض الأساسى فى هذه الدراسة ‏على الوجه التالى:

6 – 1 تمهيد:

بإعادة ‏النظر‏ ‏فى ‏موقفنا‏ ‏مما‏ ‏يسمي‏”‏الحياة‏ ‏العادية‏”، ‏يبدو أنه ‏ ‏ليس‏ ‏صحيحا‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏هذا‏ ‏التعبير‏ ‏مصطلح‏ “‏الحياة‏ ‏العادية‏” (‏عند‏ ‏العامة‏ ‏والأطباء‏ ‏على ‏السواء‏) ‏هو‏ ‏المرادف‏ ‏البديهى ‏لما‏ ‏هو‏ “‏صحة‏” (‏نفسية‏ !!). ‏ذلك‏ ‏لأن‏ ‏مايسمى ‏بالحياة‏ ‏العادية‏ ‏ليس‏ ‏إلا‏ ‏إحدى “‏صور‏/‏حالات‏” ‏الوجود المتعددة‏. ‏ومهما‏ ‏كانت‏ ‏هذه‏ “‏الحالة العادية”‏ ‏هى ‏الغالبة‏ ‏إحصائيا‏ (‏حيث يتصف بها معظم‏ ‏الناس‏) ‏والسائدة‏ ‏زمنيا‏ (لمعظم‏ ‏الوقت‏)، ‏فهى ‏ليست‏ ‏كل‏ ‏الوجود‏ ‏حتى ‏تحتكر‏ ‏ما‏ ‏يطلق‏ ‏عليه‏ ‏الحياة‏ ‏العادية‏، ‏بمعنى ‏الصحة‏ ‏المرجَّحة أحيانا‏. ‏ذلك‏ ‏لأن‏ ‏مايسمى”‏الحالة‏ ‏العادية‏” ‏لو‏ ‏سادت‏ -‏هكذا‏- ‏طوال‏ ‏الوقت‏ ‏لأصبحت‏ ‏عاملا‏ ‏معوٍّقا‏ ‏لمسيرة‏ ‏الحياة‏، فالتطور، ‏حيث‏ ‏أنها‏ ‏عاجزة‏ ‏عن‏ ‏احتواء‏ ‏حركية‏ ‏الظاهرة‏ ‏البشرية‏ ‏فى ‏جدليتها‏ ‏المتصاعدة‏. ‏

‏ ‏إن‏ ‏التحدى ‏الملقى ‏علينا‏ – ‏والذى ‏نحاول‏ ‏تحمل‏ ‏مسئوليته‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الدراسة‏- ‏هو‏ ‏مواجهة‏ ‏هذه‏ ‏الشائعة‏ ‏السكونية‏ ‏بفهم‏ ‏أعمق‏ ‏لطبيعة‏ ‏المسيرة‏ ‏البشرية‏، ‏حتى ‏لانخدع‏ ‏فنعتقد‏ ‏أن‏ ‏الصحة‏ ‏النفسية‏ ‏المناسبة‏ ‏ليست‏ ‏إلا‏ ‏المضاعفة‏ ‏المتراكمة‏ ‏لهذه‏ ‏العادية‏ ‏العددية‏ ‏الكمية‏ ‏السكونية‏.

6 – 2 معالم الفرض‏:

‏إن‏ ‏ما‏ ‏يطلق‏ ‏عليه‏ ‏تعبير‏”‏الحياة‏ ‏العادية‏” Normal Life، ‏ليس‏ ‏سوى “‏حالة‏ ‏العادية‏” State of Normality، ‏على ‏أساس‏ ‏أنها‏ “‏حالة‏” ‏من‏ ‏بين‏ ‏حالات‏ ‏أخرى ‏لازمة‏، ‏بالتبادل‏ ‏والتفاعل‏، ‏لاستمرارية‏ ‏الحياة‏ ‏البشرية‏ ‏فى ‏كفاءتها‏ ‏القصوى ‏ونمائها‏ ‏المتصل‏.‏

فما‏ ‏هى ‏تلك‏ ‏الحالات‏ ‏الأخرى‏؟

‏إنها‏ ‏ليست‏ ‏سوى ‏ماقدمنا‏ ‏منذ‏ ‏قليل‏، ‏أى “‏حالة‏ ‏الإبداع‏” “‏وحالة‏ ‏الجنون‏”، ‏على ‏أساس‏ ‏أنهما‏ ‏تمثلان‏ ‏ألوان‏ ‏النشاط‏ ‏المتبادلة‏ (‏والمتداخلة‏ ‏والمتفاعلة‏) ‏مع‏ ‏حالة‏ ‏النشاط‏ ‏العادى ‏الغالبة‏.‏

‏ ‏وإذا‏ ‏كنا‏ ‏نقبل‏ ‏أن‏ ‏تتبادل‏ ‏حالة‏ ‏العادية‏ ‏مع‏ ‏حالة‏ ‏الإبداع‏، ‏فكيف‏ ‏نتصور‏ ‏ضرورة‏ ‏التبادل‏ ‏مع‏ ‏حالة‏ ‏الجنون‏‏؟

‏نرجع‏ ‏إلى ‏ماسبق‏ ‏تحديده‏ ‏من‏ ‏تقسيم‏ ‏مفهوم‏ ‏الجنون‏ ‏إلى “‏عملية‏” ‏و‏”‏ناتج‏ ‏سلبي‏”، ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏حالة‏ ‏الجنون‏ ‏التى ‏نعنيها‏‏ ‏الآن‏ إنما  ‏تختص‏ ‏بالعملية‏ ‏الحركية‏ ‏ذات‏ ‏التوجه‏ ‏المحتمل‏ ‏المتفسخ‏ ‏دون‏ ‏مفهوم‏ ‏الجنون‏ ‏الناتج‏ ‏السلبى ‏المستتب‏، ‏إن‏ ‏الخلط‏ ‏بين‏ ‏مفهومىْ ‏الجنون هذين‏ ‏هو‏ ‏السبب‏ ‏فى ‏إشاعة‏ ‏الرعب‏ ‏والإرعاب‏ ‏الذى ‏يلاحقنا‏ ‏ويحول‏ ‏دون‏ ‏إبداعنا‏ ‏حيث‏ ‏نخاف من‏ ‏أى “‏حركة‏” ‏حقيقية غامضة باعتبارها‏ ‏مؤدية‏‏ ‏إلى ‏هذه‏ ‏النهاية‏ ‏الساكنة‏ ‏المتفسخة فالمتدهورة‏ دون سواها. ‏إن هذا الموقف هو الذى ‏‏يعطى مبررا تلقائيا ‏لاستمرار‏ ‏غلبة‏ “‏العادية‏” ‏طول‏ ‏الوقت‏ (‏طلبا‏ ‏للسلامة‏). ‏وعلى ‏ذلك‏ ‏فإن‏ ‏الحالة التى نسميها هنا الجنون والتى ‏نصر‏ ‏‏على ‏أنها‏ ‏إحدى ‏الحالات‏ ‏اللازمة‏ ‏لكفاءة‏ ‏الوجود‏ ‏البشرى، ‏هى ‏مرحلة‏ ‏زمنية‏ (‏مهما‏ ‏قصر‏ ‏زمنها‏) ‏قد‏ ‏تتحور‏ ‏أو‏ ‏تنتهى، ‏وقد‏ ‏تسكن‏ ‏وتتراجع‏ ‏لتعلن‏ ‏حالة‏ ‏العادية‏ ‏وقد‏ ‏تتمادى ‏للتفسخ‏ ‏فالناتج‏ ‏السلبى فقط فهو الجنون بمعنى المرض، وقد تتوجه نفس العملية ضامة فى إعادة تشكيل ‏إلى ‏حالة‏ فائقة من الجدل والتوليف فهو ‏الإبداع‏.

إن‏ ‏فهمنا‏ ‏الأعمق‏ ‏لكل‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏الحالات‏ ‏واحتمالات‏ ‏تبادلها‏ ‏هو‏ ‏الوسيلة ‏لاستعادة‏ ‏الفهم‏ ‏السليم‏ ‏لحركية‏ ‏الوجود‏، ‏ومن‏ ‏ثم‏ ‏لتأمين‏ ‏استمرارية‏ ‏جدلية‏ ‏النمو‏ ‏والابداع‏. ‏وبتعبير‏ ‏آخر‏: ‏إن‏ ‏كفاءة‏ ‏الوجود‏ ‏البشرى، ‏إنما‏ ‏تتحق‏ ‏بمرونة‏ ‏الحركة‏ ‏وسلاستها‏، ‏والتفاعل‏ ‏بين‏ ‏الحالات‏ ‏الثلاث‏: ‏حالة‏ ‏العادية‏، ‏وحالة‏ ‏الجنون‏، ‏وحالة‏ ‏الإبداع‏.‏

لقد‏ ‏قصدت‏ ‏أن‏ ‏أستعمل‏ ‏تعبير‏ “‏كفاءة‏ ‏الوجود‏ ‏البشرى‏” ‏ليحل‏ ‏محل‏ ‏تعبير ‏”‏الصحة‏ ‏النفسية‏” ‏حتى ‏يتضح‏ ‏أن‏ ‏المفهوم‏ ‏السكونى ‏الشائع‏ ‏عما‏ ‏هو‏ ‏صحة تحت‏ ‏زعم‏ ‏تقديس‏ “‏العادية‏” ‏فحسب‏، ‏لا‏ ‏يتفق‏ ‏مع‏ ‏ما‏ ‏يعد‏ ‏به‏ ‏الوجود‏ ‏البشرى ‏ويستطيعه‏ ‏فى ‏حركيته‏ ‏النامية‏ ‏الغائية‏.‏

‏ ‏سبق‏ ‏لى ‏أن‏ ‏رفضت‏ ‏مفهوم‏ “‏العادية‏” ‏مرادفا‏ ‏للصحة‏ ‏النفسية‏[11]، ‏حتى ‏أنى ‏انتهيت‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏العادية‏ ‏إنما‏ ‏تمثل‏ ‏أحد‏ ‏مستويات‏ ‏الصحة‏ ‏النفسية‏ (‏وليس‏ ‏كلها‏)، ‏بل‏ ‏وصفتها‏ ‏حينذاك‏ ‏بأنها‏: “‏أدني‏” ‏مستويات‏ ‏الصحة‏ ‏النفسية‏. ‏لكنى ‏وضعت‏ آنذاك ‏حلا‏ “‏‏توازنيا‏” ‏للخروج‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏المأزق‏، ‏حيث‏ ‏رأيت‏ ‏أن‏ ‏الصحة‏ ‏النفسية‏ ‏هى “‏توازن‏ ‏القوى ‏التى ‏تواجه‏ ‏إمكانات‏ ‏فرد‏ ‏معين‏ ‏فى ‏مجتمع‏ ‏ما‏، ‏فى ‏وقت‏ ‏بذاته‏،  ‏لتحقق‏ ‏لهذا‏ ‏الفرد‏ ‏احتياجاته‏ ‏المرتبطة‏ ‏بدرجة‏ ‏تطوره‏، ‏التى ‏يتم‏ ‏بها‏ ‏التوافق‏ ‏الداخلى، ‏والتلاؤم‏ ‏مع‏ ‏من‏ ‏حوله‏…”[12]. ‏

ثم‏ ‏تطورت‏ ‏رؤيتى ‏للصحة‏ ‏النفسية‏ – ‏كما‏ ‏ذكرت‏ – ‏من‏ ‏تناسب‏ ‏القدرات‏ (‏الدفاعية‏، ‏والبصيرية‏ ‏والابداعية‏) ‏فى ‏مختلف‏ ‏مراحل‏ ‏النمو‏، ‏إلى ‏انتظام‏ ‏الإيقاع‏ ‏الحيوى ‏الذى ‏يسمح‏ ‏بتبادل‏ ‏المستويات‏ ‏وجدلها‏ ‏وذلك‏ “…‏ بافتراض‏ ‏أن‏ ‏الإبداع‏ ‏هو‏ ‏حتم‏ ‏حيوى (‏بيولوجي‏) ‏حياتى (‏وجود‏ى)، ‏وأن‏ ‏مظاهره‏ ‏فى ‏الفن‏ ‏والأدب‏ ‏وتشكيل‏ ‏النغم‏ ‏والخط‏ ‏واللون‏.. ‏إلخ‏.، ‏ليست‏ ‏إلا‏ ‏بعض‏ ‏صوره‏ ‏الظاهرة‏ ‏والباقية‏… ‏لكنه‏- ‏من‏ ‏ناحية‏ ‏أخرى‏-‏ هو‏ ‏فعل‏ ‏يومى ‏لكل‏ ‏الناس‏[13] ‏كما‏ ‏سبق‏ ‏أن‏ ‏أوضحنا‏.‏

‏ ‏تجيء‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏ ‏الحالية‏ ‏لتوضح‏ ‏أبعاد‏ ‏هذه‏ ‏النقلة‏ ‏من‏ ‏التوازن‏ ‏الكمى، ‏إلى ‏الحركة‏ ‏الإيقاعية‏ ‏اليوماوية‏ (‏السركادية‏)، ‏إلى ‏التناوب‏ ‏المحتمل‏ ‏المرتبط‏ ‏بمرونة‏ ‏الحركة‏ ‏وسلاستها‏ ‏والتفاعل‏ ‏بين‏ ‏حالات‏ ‏الوجود‏، ‏ليس‏ ‏فقط‏ ‏تناوبا‏، ‏وإنما‏ ‏جدلا‏ ‏معادا‏ ‏وصولا‏ ‏إلى ‏توليف‏ ‏أعلى. ‏

كذلك‏: ‏لم‏ ‏يصح‏ ‏عندى  بعد التتبع الطويل كما أشرت سالفا، أن أرضى بتصنيف‏ ‏البشر‏ ‏إلى أعلى وأدنى بحسب المستوى الذى يحققون به التوازن، أعنى ‏مستوى ‏الخالقى (الابداعى‏)، ‏والعقلانى (‏المعرفى‏)، ‏والدفاعى (‏العادى‏)، لا يجوز ‏‏تصنيفهم‏ ‏بصفة‏ ‏عامة‏ ‏أو‏ ‏دائمة‏ ‏إلى ‏مبدع‏، ‏وعادى، ‏ومجنون‏.

هذه النقلة فى تطور فكرة لها دلالتها التطورية، وربما يكون لها دلالتها الإبداعية والوقائية والتربوية.

[1] – عز‏ ‏الدين‏ ‏إسماعيل‏ (1981)، ‏مفهوم‏ ‏الشعر‏ ‏فى ‏كتابات‏ ‏الشعراء‏ ‏المعاصرين‏. ‏فصول‏. ‏المجلد‏ ‏الأول‏، ‏العدد‏ ‏الرابع‏ ‏ص‏50، ‏وأصل‏ ‏المقتطف‏ ‏كما‏ ‏ورد‏ ‏فى ‏الهامش‏: نزار‏ ‏قبانى: ‏”قصتى ‏مع‏ ‏الشعر‏” ‏ص‏186-187 (1974) بيروت.‏

[2]- نفسه‏، ‏وأصل‏ ‏المقتطف‏ ‏أدونيس‏، “‏زمن‏ ‏الشعر” ص 235‏- ‏(1972) دار‏ ‏العودة- بيروت.‏

[3]-  إيوجين بلويلر 1911 فى: عمر‏ ‏شاهين‏، ‏يحيى ‏الرخاوى: “‏مباديء‏ ‏الأمراض‏ ‏النفسية‏”

 ص‏: 274 (1977) ‏مكتبة‏ ‏النصر‏ ‏الحديثة‏، ‏القاهرة‏، ‏.‏

[4]- يحيى ‏الرخاوى: ‏نشر‏ ‏هذا‏ ‏العمل‏ (‏الناس‏ ‏والطريق‏) ‏فى ‏تسعة‏ ‏فصول‏ ‏فى ‏مجلة‏ ‏الإنسان‏ ‏والتطور‏، ‏من‏ ‏أكتوبر‏ 1984 ‏حتى ‏أكتوبر‏ 1986، ‏المجلدات‏: ‏الخامس‏ (‏عدد‏ 4)، ‏والسادس‏ (‏أعداد‏ 1-4)، ‏والسابع‏ (‏أعداد‏ 1-4)، ‏كما‏ ‏أنه‏ ‏تم نشره بعد ذلك فى ثلاثة أجزاء باسم “ترحالات” (2002) القاهرة.

[5] – الناس‏ ‏والطريق‏-‏الإنسان‏ ‏والتطور‏، ‏المجلد‏ ‏السادس‏، ‏العدد‏ ‏الثانى، ‏ص‏ 113، 114.‏

[6]- نفسه‏، ‏المجلد‏ ‏السابع‏، ‏العدد‏ ‏الأول‏، ‏ص‏ 113، 114.‏

[7]- نفسه‏، ‏ص‏ 140.‏

[8]- نفسه‏، ‏المجلد‏ ‏السادس‏، ‏العدد‏ ‏الثانى، ‏ص‏ 103.‏

ملحوظة‏: ‏كتبت‏ ‏فيما‏ ‏بعد‏ ‏قصة‏ ‏قصيرة‏ “‏البياض‏ ‏والطارق‏” ‏نشرت‏ ‏فى ‏مجموعة‏ “‏هيا‏ ‏بنا‏ ‏نلعب‏ ‏يا‏ ‏جدى ‏سويا‏ ‏مثل‏ ‏أمس‏” (2000) ‏مركز‏ ‏المحروسة- القاهرة. تفيد نفس المعنى تقريبا‏.

[9] – يومان.

[10] – TAT

[11]- أنظر هامش (27)

[12]- نفسه‏، ‏ص‏ 196.‏

[13]- أنظر هامش (28)

كفاءة الوجود البشرى فى مرونته (الفرض)

كفاءة الوجود البشرى فى مرونته (الفرض)

كفاءة الوجود البشرى فى مرونته (الفرض)

6 – 3 تحديد الفرض:

“لا يوجد إنسان هو مبدع بالطبيعة والاستعداد والموهبة، والآخر ليس مبدعا ولا يمكن أن يكون كذلك، الاختلافات واردة، والفرص مختلفة، لكن ‏ ‏الطبيعة‏ ‏البشرية‏ ‏بمسيرتها‏ ‏الحيوية‏ ‏تسمح بالتبادل الحتمى لكل فرد دون استثناء‏‏ ‏بين‏ ‏حالات‏ ‏الوجود‏ ‏التى أشرنا إليها حالا: حالة العادية، وحالة الجنون، وحالة الإبداع. الإشكال إذن فى التوقف عن هذا التبادل قهرا أو خوفا أو تشويها، بما يترتب عليه دوام إحدى هذه الحالات على حساب الأخريتين.

 فلو‏ ‏غلبت‏ ‏حالة العادية‏ ‏طوال‏ ‏الوقت‏، ‏لتجمد‏ ‏الوجود‏، ‏ فيما يسمى “فرط العادية” الذى قد يشمل فى تضخمه الكمى بعض ما يعرف بـ “اضطرابات الشخصية”‏

ولو‏ ‏غلبت حالة‏ ‏الجنون‏ ‏طوال‏ ‏الوقت‏، ‏لتمادى ‏التناثر‏ ‏فتحلل‏ ‏الوجود إلى التدهور المتمادى فالتحلل المتفسخ السلبى (الإزمان والموت النفسى). ‏

ولو‏ ‏غلبت حالة ‏الإبداع‏ ‏طوال‏ ‏الوقت (وهو فرض مستحيل)‏، ‏لتقلص‏ ‏الوجود‏ ‏باسطا‏ ‏ما‏ ‏احتوى ‏فى ‏تشنج‏ ‏ممتد‏ ‏حتى قد ‏ينقلب‏ ‏الإبداع‏ ‏إلى ‏عكسه‏ ‏مفتقرا‏ ‏إلى ‏تجديد‏ ‏مادته‏ ‏الأولية‏ ‏اللازمة‏ ‏المتغيرة‏ ‏لحركية‏ ‏الجدل‏ ‏فى نبضة إبداع تال.

هذه النقلة من “تصنيف البشر” إلى “تصنيف الأحوال” هى اعتراف ضمنى بحتمية التطور (الإبداع) عند كل الناس إذْ تمثل انطلاقة نحو قبول الطبيعة البشرية بما يسمح للعادى أن يبدع، ويُطَمْئُن المبدع حتى لو خاف مخاطرة الجنون (اللاعودة = سكة اللى يروح ما يرجعشى) ، كما أنها بمثابة تنبيه إلى ضرورة احترام الذى جـُنّ باعتبار أنه احتمال قائم عند أى واحد منا، وأيضا باعتبار أن ثمة فرصة أمام الذى تورط فى هذه المحنة: ليس فقط للعودة إلى العادية والتبادل الصحى، وإنما لاحتمال الإبداع ما دام أنه تحرك بما يشير إلى احتمال أنه أَجْهزُ للتفكيك من المتصلب العادى، مع اتخاذ كل الحذر لتعرضه أكثر من غيره للحل السلبى المتمادى (أنظر الملحق الأول).

6 – 4 تحذير

نوضح‏ ‏هنا‏- ‏ثانية‏ ‏وكثيرا‏- أن‏ ‏اعترافنا‏ ‏بـ‏ “‏حالة‏ ‏الجنون‏” ‏على ‏أنها‏ ‏مرحلة‏ ‏ضمن حركية النمو‏، ‏لاينبغى ‏أن‏ ‏يعطيها‏ ‏أية ‏شرعية‏ ‏للتمادى، حتى تصير إلى ما يسمى “الجنون”، حالة الجنون غير الجنون وإن كانت المؤدية إليه متى طالت، وعادت، وظهرت فى الوعى العادى، ‏كذلك‏ فأن‏ ‏دفاعنا‏ ‏عن‏ ‏حق‏ ‏التواجد‏ ‏والتبادل‏ ‏والتفاعل‏ لهذه الحالة ‏هو‏ ‏دفاع‏ ‏عن‏ ‏حالة‏ ‏الجنون‏ (‏حالة‏ ‏كونها‏ ‏حركة‏)، ‏وليس‏ ‏عن‏ ‏ظاهرة‏ ‏الجنون‏ (‏حالة‏ ‏كونها‏ ‏إقامة‏)، ‏أى ‏أننا‏ ‏نقبل‏ ‏الجنون‏-‏وندافع‏ ‏عنه‏- ‏بما‏ ‏هو‏ ‏حالة‏ ‏مرحلية‏ ‏نشطة، واحتمالٌ وارد، وبالتالى نسمح بحركتها‏ ‏فى ‏إطار‏ ‏حركية‏ ‏متكاملة‏ (‏لكن‏ ‏ليس‏ ‏أبدا‏ ‏بوصفها‏ ‏ظاهرة‏ ‏مستقرة‏). إنها دعوة أن نقبل حالة الجنون وليس الجنون، باعتبارها حالة ‏نحترم‏ ‏بدايتها‏ ‏دون‏ ‏مسارها‏ (‏إلى ‏التدهور‏ ‏والنكوص‏ ‏المستتب‏). ‏هذا‏ ‏الاضطرار‏ ‏الحذر‏ (‏الجنون فى رحاب العقل) ‏هو‏ ‏المخرج‏ ‏المحتمل‏ ‏لمواجهة‏ ‏غلبة‏ ‏رفضنا للجنون‏‏ ‏كليةً‏ ‏وابتداءً‏ ، ‏مما‏ ‏يترتب‏ ‏عليه‏ ‏رفض‏ ‏للحركية‏ ‏ضمنا‏، ‏ومن‏ ‏ثم‏ تراجع ‏احتمالات‏ ‏الإبداع‏ ‏الذى ‏يتفق‏ ‏معه‏ (مع الجنون) ‏فى ‏البدايات‏.‏

فى هذه المرحلة من النقاش ينبغى تقديم تمييز واضح بين الحالات الثلاث تميييزا ‏ ‏يساعدنا‏‏ ‏على ‏عدم‏ ‏الخلط‏، ‏خصوصا‏ ‏بين‏ ‏الجنون‏ ‏والإبداع‏، ‏ونحن‏ ‏نرجو‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏هذا‏ ‏التمييز‏ (‏المجدول‏ ‏فى‏: الملحق الأول) ‏مدخلا‏ ‏للانطلاق‏ ‏إلى ‏النظر‏ ‏فى ‏نوعية‏ ‏العلاقات‏ ‏المطروحة‏، ‏وبخاصة‏ ‏بين‏ ‏الجنون‏ ‏والإبداع‏، ‏كما‏ ‏يجدر‏ ‏بنا‏ ‏الانتباه‏ ‏مرة‏ ‏أخرى ‏إلى ‏صفة‏ “‏حالة‏” ‏بالمقارنة‏ ‏بتعبير‏ “‏مستوى ‏التوازن‏” ‏فى ‏المحاولة‏ ‏الباكرة عن مستويات الصحة النفسية، ‏حيث‏ “‏الحالة‏” ‏هنا‏ ‏هى ‏حركية‏ ‏أساسا‏، ‏أما‏ “‏المستوى ‏التوازني‏” ‏فهو‏ ‏قد يبدو تسوية ساكنة بشكلٍ ما‏. إن ‏ ‏‏التأكيد‏ ‏على ‏ما‏ ‏هو‏ ‏حالة‏ مرحلية وحركية بالضرورة‏ ‏هو‏ ‏المفتاح‏ ‏الضرورى ‏لفهم‏ ‏‏ ‏المسيرة‏ ‏البشرية‏ ‏بمختلف‏ ‏أوجه‏ ‏مثولها‏ ‏المتناوب‏ ‏المتفاعل‏الإيقاعى، ‏وجدليتها الخلاقة باستمرار‏.‏

‏ ‏أوجه‏ ‏الشبه‏ ‏بين‏ ‏الجنون‏ ‏والإبداع‏، ‏تتجلى:‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏التعدد‏، ‏والتفكك‏، ‏والشحن‏ ‏والنشاط‏، ‏وفى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏تتجلى‏ ‏أوجه‏ ‏التضاد‏ ‏بينهما‏ ‏مجتمعين‏ (‏الجنون‏/ ‏الإبداع‏) ‏وبين‏ ‏حالة‏ ‏العادية‏. ‏فكأنهما‏ ‏معا‏ ‏هما‏ ‏ضد‏ ‏ماهو‏ ‏عادى. ‏وفى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏فإن‏ ‏وجه‏ ‏التضاد‏ ‏بين‏ ‏الجنون‏ ‏والإبداع‏ ‏ليس‏ ‏خافيا‏، ‏ففى ‏حين‏ ‏نجد‏ فى ‏الجنون‏-‏فى ‏ناحية‏- ‏تأكيداً‏ ‏لمعالم‏ ‏التنافر‏ ‏والتناثر‏ ‏والعجز‏ ‏والدوائرية‏ ‏وقصر‏ ‏النفس‏، ‏نلاحظ‏ ‏فى ‏ناحية‏ ‏الإبداع‏ ‏ملامح‏ ‏الضم‏ ‏والمواكبة‏ ‏والتخلق‏ ‏والمرونة‏ ‏والغائية‏ ‏الصاعدة‏ ‏والنهايات‏ ‏المفتوحة‏.‏

على ‏أن‏ ‏مايهمنا‏ ‏بصفة‏ ‏خاصة‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏الصدد‏ ‏ليس‏ ‏هو‏ ‏مجرد‏ ‏تمييز‏ ‏الشبه‏ ‏والاختلاف‏، ‏بقدر‏ ‏مانود‏ ‏أن‏ ‏نؤكد‏‏ ‏أن‏ ‏الحالات‏ ‏الثلاث‏ ‏هى ‏صور‏ ‏الوجود‏ ‏المتبادلة‏ ‏عند‏ ‏كل‏ ‏الناس‏، ‏وهذا‏ ‏مايجعلنا‏ ‏نتقدم‏ ‏خطوة‏ ‏لازمة‏ ‏فى تطوير الفرض فى ‏محاولة‏ ‏تحديد‏ ‏مجالات‏ ‏ظهور‏ ‏كل‏ “‏حالة‏” ‏عند‏ ‏الشخص‏ ‏العادى (‏أساسا‏)، ‏ثم‏ ‏احتمالات‏ ‏تمادى ‏أى ‏منها‏.‏

فحالة‏ ‏الجنون‏ ‏هى ‏المقابلة‏ – ‏فى ‏المراحل‏ ‏الأولى – ‏للنشاط‏ ‏التفكيكى ‏للحلم‏، ‏كما‏ ‏تظهر‏ ‏نادرا‏ ‏فى ‏بعض‏ ‏حالات‏ ‏النكوص‏ ‏المؤقت‏، ‏تلقائيا‏، ‏أو‏ ‏بفعل‏ ‏الكيمياء‏ (‏المهلوسات‏ ‏على ‏الخصوص‏)، ‏وأخيرا‏ ‏فهى ‏تظهر‏ ‏لمدة‏ ‏أطول‏ ‏وبشكل‏ ‏أخطر‏ ‏فى ‏الجنون‏ ‏كما‏ ‏هو‏ ‏معروف‏ ‏فى ‏شكله‏ ‏المرضى. ‏وقد‏ ‏تتمادى ‏وتستتب‏ ‏حتى ‏لاتعود‏ ‏تصلح‏ ‏لأن‏ ‏تعد‏ ‏مرحلة‏ (‏عابرة‏) ‏إلى ‏ماهو‏ ‏إبداع‏، ‏اللهم‏ ‏إلا‏ ‏فى ‏نوع‏ ‏نادر‏ ‏من‏ ‏الجنون‏ ‏الدورى ‏الذى ‏قد‏ ‏يعقب‏ ‏نوبته‏ – ‏نادرا‏- ‏تغير‏ ‏نوعى ‏فى ‏الشخصية‏، ‏إلى ‏ماهو‏ ‏مجاوزة‏ ‏تطورية‏ ‏لما‏ ‏كان‏ ‏قبل‏ ‏نوبة‏ ‏الجنون‏، ‏وكذلك‏ ‏فى ‏بعض‏ ‏حالات‏ ‏الصرْع‏ ‏عند‏ ‏بعض‏ ‏المبدعين‏ ‏مثل‏ ‏ديستويفسكى ، ‏حيث‏ ‏قد‏ ‏يخرج‏ ‏المبدع‏ ‏من‏ ‏الصرعة‏ ‏أكثر‏ ‏مرونة‏، ‏وامتدادا‏ ‏للذات‏، ‏ومن‏ ‏ثم‏ ‏أرحب‏ ‏إبداعا‏[1].

أما‏ ‏حالة‏ ‏الإبداع‏ ‏فهى ‏التى ‏تقابل‏ ‏الأطوار‏ ‏الولافية‏ ‏التعزيزية‏ ‏لنشاط‏ ‏الحلم‏ ‏بعد‏ ‏التفكيك‏ ‏المبدئى[2]، ‏كما‏ ‏تظهر‏ ‏فى ‏تأليف‏ ‏الحلم‏ ‏قبيل‏ ‏اليقظة‏ ‏أو‏ ‏حتى ‏بعدها‏[3]، ولكنها‏ ‏ليست‏ ‏هى ‏ما‏ ‏يقابل‏ ‏حكى ‏الحلم‏ ‏مسلسلاً مفصلا، أو مزيفا‏ ‏بتلفيق‏ ‏بعض‏ ‏الذاكرة‏. ‏

‏ ‏إن‏ “‏حالة‏ ‏الإبداع”، على مسار النمو،‏ ‏هى ‏الحالة‏ ‏التى ‏تسمح‏ ‏لأزمات‏ ‏النمو‏ ‏الفردى ‏فى ‏دورات‏ ‏النمو‏ ‏أن‏ ‏تُختتم‏ ‏بنقلة‏ ‏إلى ‏دورة‏ ‏أرقى، ‏وهكذا‏. ‏وهذا عكس ما شاع عن اقتصار ما هو إبداع – ‏عند‏ ‏الكافة‏ ‏بما‏ ‏فيهم‏ ‏كافة‏ ‏المختصين‏ ‏والمبدعين‏ – على الناتج الذى يعلن عن ‏نفسه ‏بشكل‏ ‏صريح‏ ‏ومباشر‏ ‏فيما يسمى  “‏الناتج‏ ‏الإبداعي‏” ‏كما‏ ‏هو‏ ‏معروف‏ ‏بأشكاله‏ ‏العلمية‏ ‏والأدبية والفنية‏. إن إبداع الذات فى اضطراد نافع، فى تواصل متناغم مع الكون، فى وعى فائق (خبرات التصوف الحقيقية) لا يعد إبداعا معترف به  للأسف ، مما يختزل مفهوم الإبداع وعملياته إلى ناتجه وليس عملياته ذاتها.

أما‏ ‏حالة‏ ‏العادية‏ ‏فهى ‏الغالبة‏ ‏فى ‏معظم‏ ‏الوقت‏ ‏عند‏ ‏معظم‏ ‏الناس‏ ‏فى ‏حالة‏ ‏الصحو‏، ‏ولاينبغى ‏التقليل‏ ‏من‏ ‏أهميتها‏ ‏وضرورتها‏، ‏كما‏ ‏لا‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏تترادف –احتكارا-‏ ‏فى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏مع‏ ‏الصحة‏ ‏النفسية‏ ‏هكذا ببساطة. ‏إن حالة العادية هى التى تسمح بالقيام ب‏العمل‏ ‏الراتب‏، ‏والتحصيل‏ ‏المنتظم‏، ‏والتبادل‏ ‏الهادئ‏، ‏وتأكيد‏ ‏الثابت‏، ‏وتثبيت‏ ‏المؤكد‏، ‏وإتقان‏ ‏الخطوة‏، ‏وتهدئة‏ ‏الحركة‏، ‏والالتزام‏ ‏بالأغلب‏…‏إلخ‏. ‏وكل‏ ‏ذلك‏ ‏حيوى ‏ولازم‏ ‏ومحورى ‏فى ‏ذاته‏ ‏وفى ‏علاقته‏ ‏بمتطلبات‏ ‏الحالات‏ ‏الأخرى.‏

لكى ‏يطرد‏ ‏النمو‏ ‏البشرى ‏لابد‏ ‏من‏ ‏وعاء‏، ‏ومحتوى، ‏ودرجة‏ ‏من‏ ‏التنظيم‏ ‏المستقر‏ ‏لفترة‏ ‏محددة‏ (‏حالة‏ ‏العادية‏)، ‏ثم‏ ‏لابد‏ ‏من‏ ‏تحريك‏ ‏وتفاعل‏، ‏يحدث‏ ‏عشوائيا‏ ‏فى ‏البداية‏ (‏حالة‏ ‏الجنون‏)، ‏ثم‏ ‏لابد‏ ‏من‏ ‏حركية‏ ‏وجدلية‏ ‏وتوليف تستوعب هذه البداية المهددة ‏ (‏حالة‏ ‏الإبداع‏) ‏…..‏.‏، وهكذا، وباستمرار.

‏7 – ‏مسار‏ ‏التبادل‏ ‏ودوراته‏:‏

إن‏ ‏هذا‏ ‏المدخل‏ ‏إلى ‏فهم‏ ‏الطبيعة‏ ‏البشرية‏ ‏يؤكد‏ ‏على ‏حركية‏ ‏البيولوجيا‏ ‏فى ‏طفراتها‏ ‏الدقيقة‏ ‏والجسيمة‏ على حد سواء، ‏كما‏ ‏أن‏ ‏تجلياته‏ ‏السلوكية‏، ‏والرمزية‏ ‏تظهر‏ ‏فى ‏صور‏ ‏الإبداع‏ ‏والجنون‏ ‏والعادية‏ ‏بالتبادل،‏ ‏وإن‏ ‏كانت‏ ‏الغلبة‏ ‏الظاهرة‏ ‏لأسباب‏ ‏لا‏ ‏تخفى، هى غلبة لصالح “‏حالة‏ ‏العادية‏” ‏أكثر‏، ‏لوقت‏ٍٍ ‏أطول‏، و‏قد‏ ‏تستغرق‏ -‏ ظاهرا‏- ‏العمر‏ ‏كله‏، ‏على ‏حساب‏ ‏حق‏ ‏الجنون‏، ‏أو‏ ‏ضرورة‏ ‏الإبداع‏.‏

6 – 5 تفصيل بعد إجمال

1 – ‏إن‏ ‏الإنسان‏ ‏فى ‏حركته‏ ‏النوابية‏ ‏إنما‏ ‏يعيد‏ ‏تنظيم‏ ‏ذاته‏ ‏تركيبا‏ (‏وهى ‏المتمثلة‏ ‏فى ‏معظم‏ ‏الوقت‏ ‏فى ‏نمط‏ ‏سلوكه‏ ‏ظاهريا‏) ‏بطريقة‏ ‏دورية‏ ‏راتبة. ‏يظهر‏ ‏ذلك‏ ‏بشكل‏ ‏واضح‏ ‏فى ‏دورات‏ ‏النمو‏ ‏الفردى (‏كمثال‏ ‏منظور‏ ‏إريك‏ ‏إريكسون‏)[4] ‏كما‏ ‏يتحقق‏- ‏بما‏ ‏لا‏ ‏يظهر‏ ‏تحديدا‏ ‏ودائما‏ ‏فى ‏السلوك‏ ‏اليومي‏-‏ فى ‏الدورة‏ ‏الليلنهارية‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏تبادل‏ ‏اليقظة‏/ ‏النوم‏ / ‏الحلم‏/[5]، ‏وتكون‏ ‏محصلته‏ ‏الحيوية‏ ‏هى ‏أساس‏ ‏الإبداع‏ ‏العادى ‏متمثلا‏ ‏فى ‏مرونة‏ ‏الوجود‏، ‏وكفاءة‏ ‏الوظائف‏، ‏ومواكبة‏ ‏الطبيعة‏، (‏التى ‏من‏ ‏بعض‏ ‏مظاهرها‏ ‏هارمونية‏ ‏الإيمان‏)، ‏كما‏ ‏أنها‏ ‏أساس‏ ‏تطور‏ ‏النوع‏ ‏على ‏المدى ‏الأبعد‏.‏

‏2- ‏إنه‏ ‏لو‏ ‏تم‏ ‏هذا‏ (‏الإبداع‏ ‏الذاتى ‏فى ‏دورات‏ ‏النمو‏) ‏وذالك‏ (‏الإبداع‏ ‏اليومى ‏فى ‏الدورات‏ ‏الليلنهارية‏ ‏المواكبة‏ ‏لنوابية‏ ‏حالات‏ ‏الوعى- ‏الفصل‏ ‏الأول‏) ‏بطريقة‏ ‏مضطردة‏، ‏ومناسبة‏، ‏وكافية‏، ‏فإن‏ ‏الإنسان‏ قد ‏لايضطر‏- ‏ابتداء‏-‏إلى “‏إنتاج‏” ‏إبداع‏ ‏خارج‏ ‏عن‏ ‏ذاته‏، ‏يسجله‏ ‏برموز‏ ‏وتشكيلات‏ ‏منفصلة‏ ‏عن‏ ‏مسيرته‏ ‏الحيوية‏، ‏كما‏ ‏أنه‏ ‏لو‏ ‏تحقق‏ ‏هذا‏ ‏الفرض‏ ‏-حتى نظريا-‏ ‏فقد لا‏ ‏يضطر‏ ‏أحد‏ ‏إلى ‏مغامرة‏ ‏التناثر‏ ‏الخطر‏، ‏إذا‏ ‏ماتفكك‏ ‏عشوائيا‏ ‏فى ‏حالة‏ ‏الصحو‏، ‏أى ‏أنه‏ ‏لن‏ ‏يضطر‏ ‏إلى السير فى طريق ‏الإبداع‏ علانية، ‏وبالتالى فإنه ‏لن‏ ‏ينزلق‏ ‏إلى احتمال ‏الجنون‏ ‏أصلا‏.‏ كل هذه احتمالات مستحيلة تؤكد ضرورة التناوب ومرونته.

بألفاظ‏ ‏أخرى (‏والإعادة‏ ‏واجبة‏): ‏إنه‏ ‏على ‏فرض‏ ‏أن‏ ‏الإنسان‏ ‏ينمو‏ ‏باطراد‏ ‏مرن‏ ‏ومناسب‏ (‏بالتبادل‏ ‏التلقائى ‏الآمِـن‏ ‏السالف‏ ‏الذكر‏) ‏كما‏ ‏أخبرنا تاريخه الحيوى عبر ملايين السنين عبر تطور الأحياء، ‏دون‏ ‏تدخل‏ ‏بوعى ‏يقظ‏ ‏أو‏ ‏إرادة‏ ‏محددة‏، ‏فإن‏ ‏مسيرته‏ ‏الحالية يمكن أن تتواصل‏ ‏بلا‏ ‏حاجة‏ ‏إلى ‏إبداع‏ ‏وثـْبىَ ‏ مشكَّل خارج‏ ‏عن‏ ‏كيانه‏، ‏وبلا‏ ‏خوف‏ ‏من‏ ‏جنون‏ ‏تفسخى ‏يهدد‏ ‏بالانقراض‏.‏

‏3- ‏ ‏المسيرة‏ ‏البشرية‏ – ‏فى ‏واقع‏ ‏الأمر‏- ‏ لاتسير ‏بهذه‏ ‏السلامة‏ ‏السهلة‏، ‏سواء‏ ‏كان‏ ‏ذلك‏ ‏نتيجة‏ ‏لطبيعة‏ ‏القوانين‏ ‏التطورية‏ ‏الناقصة‏، ‏أم‏ ‏كان‏ ‏نتيجة‏ ‏لخلخلة‏ ‏استخدام‏ ‏الوعى ‏والإرادة‏ ‏على ‏نحو‏ ‏ترتب‏ ‏عليه‏ ‏تدخل‏ ‏أخل‏ ‏بالتوازن‏ ربما نتيجة للاحتمالات التالية:

(أ) ‏رجحان ‏ ‏غلبة‏ (‏مستوى‏) ‏على ‏غيره‏ (‏أنظر‏ ‏بداية‏ ‏الدراسة‏).

(ب) ‏تراجع‏ ‏الإفادة‏ ‏من‏ ‏نتائج‏ ‏تنشيط‏ ‏الحلم‏ حتى يتضاءل ‏‏دوره‏ ‏الابداعى ‏بتزييفه‏ ‏بالحكى ‏المصنوع‏ ‏أو‏ ‏بالتفسير‏ ‏المتعسف‏ (‏انظر‏ ‏الفصل‏ ‏الأول‏)، ‏أو‏ ‏بإغفاله‏ ‏كلية‏، ‏ومحاولات محو‏ ‏آثار‏ ‏حركته‏ ‏أولا‏ ‏بأول‏، ‏وأيضا‏:

(جـ) ‏انفصال‏ ‏الإنسان‏ ‏عن‏ ‏الاتصال‏ ‏المباشر‏ ‏بدورات‏ ‏الطبيعة‏، ‏

‏(د) ‏ ‏ ‏مغالاة البشر ‏فى ‏قيمة‏ ‏ناتج‏ ‏الإبداع‏ ‏على ‏حساب‏ ‏الإبداع‏ ‏ذاته‏، ‏

فإذا غلبت هذه الاحتمالات على مسيرة البشر فى مرحلة معينة فيمكن أن نتوقع أن تتواصل حركية‏ ‏المسيرة‏ البشرية ‏‏بخطى ‏غير‏ ‏متوازنة‏، ‏فى ‏ظروف‏ ‏غير‏ ‏ملائمة‏، ‏معظم‏ ‏الوقت، لكن الإنسان بوعيه الفائق يسارع بإنتاج إبداع خارج ذاته يستعيد به التوازن من ناحية، ويرسم لنفسه ولأجيال بعده بعض خطوط المسار الأرقى من ناحية أخرى (أنظر بعد).

4- ‏تواصل‏ ‏الدورات‏ ‏الليلنهارية‏ (‏الصحو‏/ ‏النوم/ ‏الحلم‏) ‏‏عملها‏ ‏المنتظم‏ وهى ‏تحاول‏ ‏الإقلال‏ ‏من‏ ‏تدخلات‏ ‏الوعى ‏والإرادة‏، ‏كما‏ ‏تحاول‏ ‏أن‏ ‏تسمح‏ ‏للتفكك‏ (‏الجنون‏) ‏أن‏ ‏يتم‏ ‏فى ‏مستوى ‏سرى ‏بعيدا‏ ‏عن‏ ‏الإرعاب‏ ‏والإخماد‏ ‏معا‏ (‏داخل‏ ‏ستر‏ ‏النوم‏). ‏ويبدو‏ ‏أنها‏ ‏نجحت‏ ‏نسبيا‏، ‏فقللت‏ ‏من‏ ‏عمومية‏ ‏الحاجة‏ ‏إلى ‏مغامرة‏ ‏الإبداع‏ الخاص ‏وإلحاحها‏، ‏كما‏ ‏قللت‏ ‏نسبيا‏ ‏من‏ ‏ظهور‏ ‏الجنون‏ ‏الصريح‏ ‏عند‏ ‏أغلب‏ ‏الناس‏.‏

‏5- ‏فى ‏الحالات‏ ‏الأقل‏، ‏التى ‏لاتنجح‏ ‏فيها‏ ‏هذه‏ ‏الدورات‏ ‏الليلنهارية‏ ‏فى ‏أن‏ ‏تستوعب‏ ‏ناتج‏ ‏الإيقاع‏ ‏الحيوى ‏فى ‏الإبداع‏ ‏الحيوى ‏البالغ‏ ‏المرونة‏ ‏والضآلة‏، ‏كما‏ ‏لاتستطيع‏ ‏حالة‏ “‏فرط‏ ‏العادية‏”[6] ‏أن‏ ‏تواصل‏ ‏الإبطال‏ ‏والمحو‏ ‏فى ‏أثناء‏ ‏الصحو‏ ‏أولا‏ ‏بأول‏- ‏فى ‏هذه‏ ‏الحالات‏، ‏بالإضافة‏ ‏إلى ‏متغيرات‏ ‏أخرى، ‏قد‏ ‏يضطر‏ ‏الفرد‏ ‏إلى ‏التعرض‏ ‏لنوبة‏ ‏بسط‏ ‏جسيمة‏[7] ‏وذلك‏ ‏فى ‏أثناء‏ ‏وعى ‏الصحو‏ (‏أو‏ ‏حتى ‏فى ‏أثناء‏ ‏وعى ‏النوم‏ ‏مع‏ ‏امتداده‏ ‏فى ‏حالة‏ ‏الصحو‏) ‏على ‏نحو‏ ‏ينتج‏ ‏عنه‏ ‏تفكك‏ ‏مفرط‏ ‏يهدد‏ ‏الكيان‏ ‏القائم‏. ‏ويظهر‏ ‏فى ‏شكل‏ ‏بدايات‏ ‏الجنون‏ ‏المحتملة‏.‏

‏6- ‏بعد‏ ‏هذه‏ ‏الهجمة‏ ‏التخلخلية‏، ‏قد‏ ‏يعاد‏ ‏التنظيم‏ ‏إلى ‏سابق‏ ‏عهده‏، ‏مع‏ ‏أن‏ ‏ذلك‏ ‏يكاد‏ ‏يكون‏ ‏محالا‏ ‏إلا‏ ‏بالنسبة‏ ‏لظاهر‏ ‏السلوك‏. ‏ذلك‏ ‏لأن‏ ‏جرعة‏ ‏التخلخل‏ ‏إذا‏ ‏ما‏ ‏وصلت‏ ‏إلى ‏هذه‏ ‏الحدة‏، ‏فإنها‏ ‏تختلف‏ ‏عن‏ ‏جرعة‏ ‏التعتعة‏ ‏اليومية‏، ‏التى ‏يمكن‏ ‏استيعابها‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏حركية‏ ‏نشاط‏ ‏الحلم‏ ‏النوابية‏.  ‏إن‏ ‏هذه‏ ‏الجرعة‏ ‏التنشيطية‏ ‏المفرطة‏ ‏الحدة‏، ‏تختلف‏ ‏إلى ‏درجة‏ ‏تتطلب‏ ‏استيعابا‏ ‏أشمل‏ ‏فى ‏تفاعل‏ ‏أعمق‏، ‏حتى ‏يمكن‏ ‏احتواؤها‏.‏

‏7- ‏الاحتمال‏ ‏الآخر (‏وهو‏ ‏مع‏ ‏الاحتمال‏ ‏الذى ‏يليه‏ ‏موضوع‏ ‏دراستنا‏) ‏هو‏ ‏أن‏ ‏يتمادى ‏التخلخل‏ ‏والتباعد‏، ‏ويتصاعد‏ ‏التنشيط‏، ‏والفوران‏، ‏حتى ‏تسود‏ ‏الوسائل‏ ‏البدائية‏، ‏وتظهر‏ ‏المستويات‏ ‏الأولية‏، ‏بما‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏غلبة‏ ‏الصور‏، ‏والإدغام‏، ‏وعجز‏ ‏اللغة‏، ‏ومظاهر‏ ‏النكوص‏، ‏وهو‏ ‏مايسمى ‏الجنون‏.‏

‏8- ‏الاحتمال‏ ‏الإيجابى، ‏هو‏ ‏أن‏ ‏يستوعب‏ ‏الفرد‏ ‏هذا‏ ‏التخلخل‏ ‏الضاغط‏ ‏ و‏‏التنشيط‏ ‏الملح‏، ‏دون‏ ‏الخوف‏ ‏منه‏، ‏ودون‏ ‏الإسراع‏ ‏إلى ‏كبته‏، ‏ودون‏ ‏التوقف‏ ‏عنده‏، ‏أو‏ ‏الاستسلام‏ ‏لتماديه‏ (‏الجنون‏)، ‏إذ‏ ‏يتقبله‏ ‏ويحيطه‏، ‏ويترجم‏ ‏مانشط‏ ‏فيه‏ ‏من‏ ‏بدائيات‏ ‏إلى ‏لغة‏ ‏حديثة‏ ‏مرنة‏ ‏وقادرة‏ ‏على ‏استيعابه‏ ‏والتجدد‏ ‏من‏ ‏خلاله‏ ‏فى ‏آن‏ ‏واحد‏. ‏وهو‏ ‏يقوم‏ ‏بذلك:

‏ (‏أ‏) ‏بحيث‏ ‏تتخلق‏ ‏الذات‏ ‏منه‏ ‏وتتمدد‏ ‏به، بعد أزمة إعادة الولادة،‏ ‏وهذا‏ ‏هو‏ ‏النمو‏.‏

(‏ب‏) ‏أو هو‏ ‏يخرج‏ ‏فى ‏شكل‏ ‏ناتج‏ ‏أرقى، ‏مشكّل‏ ‏فى ‏صورة‏ ‏رمزية‏ ‏خارجية‏ ‏مسجلة‏، ‏وهذا‏ ‏هو‏ ‏ما يسمى عادة: الإبداع‏.

[1] – أعترف أنى لم أستطع أن اقرأ ديستويفسكى، لا فى رواياته، ولا فى خطاباته، ولا فى قصصه القصيرة، دون أن أستحضر إيجابيات  صرْعه، وأفرح بها، كما كان هو يفرح بمنذراتها ويضفها وصف من يدخل الجنة قبل الصرعة مباشرة، واعتبرت أن هذه الحركية قد أتاحت له درجة من الإفاقة المتكررة بعد الغيبوبة المفاجئة، إفاقة حافظت على حركية نصوصه طول الوقت (وليس كل صرع كذلك، بل العكس هو الأرجح)، وبالتالى استطعت أن أحتوى كل هذا الفيض من النقلات العنيفة الرائعة رغم إطنابه الممل، وقد أصررت على الاقتراب من أعماله من هذا المنظور لأؤكد به تلك الوصلة بين البيولوجى وبين الإبداع، ولأدعم الفرض الذى يجعل للصرع دور إيجابيا فى بعض الحالات، بل دورا إبداعيا وثوريا تماما، وقد تأكدت من خطورة إنكار هذا البعد أو الجهل به حين قرأت تفسير فرويد للإخوة كارامازوف، وقد أخطأ فرويد الجادة حين اعتبر هذه الصرعات نوعا من الهستيريا، وقد أرجعت ذلك إلى ابتعاد فرويد عن نبض البيولوجيا متضفرة مع نبض الإبداع، وندرة تعامل فرويد مع الذهان (الجنون) عاريا حاضرا.

[2]- انظر هامش (25) ‏ص‏45، وظهرت مؤخرا فى كتاب للكاتب: تبادل الأقنعة “دراسة فى سيكولوجية النقد” – المجلس الأعلى للثقافة – 2006

[3]- أنظر الفصل‏ ‏الأول

[4] – Erikson E.H. (1972) Childhood and Society. Penguin Books Ltd. Harmondsworth Middlesex England

[5]- أنظر الفصل الأول

[6]-  Hypernormality يستعمل‏ ‏تعبير‏ ‏فرط‏ ‏العادية‏  Hyper-normality‏مؤخرا‏ ‏للدلالة‏ ‏على ‏درجة‏ ‏من‏ ‏المبالغة‏ ‏فى ‏التشكل‏ ‏المعوق‏ ‏للحركة‏ ‏العامية‏ ‏والمانع‏ ‏للتفرد‏ ‏الذاتى ‏بحيث‏ ‏تصبح‏ ‏العادية‏ ‏أقرب‏ ‏إلى ‏الجمود‏ ‏الذى ‏أحيانا‏ ‏بعض‏ ‏اضطرابات‏ ‏الشخصية‏.‏

[7] – Major unfolding Mega-systole

تنوع العلاقات بين الجنون والإبداع

تنوع العلاقات بين الجنون والإبداع

8 – ‏تنوع‏ ‏العلاقات‏ ‏بين‏ ‏الجنون‏ ‏والإبداع، وأنواع‏ ‏الإبداع‏ ‏المقابل‏:‏

لاحظنا‏ ‏فيما‏ ‏تقدم‏ ‏أن‏ ‏العلاقة‏ ‏بين حالتَىْ‏ ‏الجنون‏ ‏والإبداع‏ ‏تشير‏ ‏إلى ‏بداية‏ ‏مشتركة‏، ‏وموقف‏ ‏متحدٍّ‏ ‏ومضاد – ‏فى ‏نفس‏ ‏الوقت‏- ‏لغلبة‏ “‏حالة‏ ‏العادية‏” ‏ولاحظنا‏ ‏فى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏أن‏ ‏ثم‏ ‏مسارا‏ ‏مختلفا‏ ‏وناتجا‏ ‏متنوعا‏ ‏لكل‏ ‏منهما‏، ‏مع‏ ‏احتمالات‏ ‏تبادل‏، ‏أو‏ ‏تضاد‏، ‏بما‏ ‏يحمل‏ ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏من‏ ‏آثار‏ ‏مختلفة‏ ‏على ‏مسيرة‏ ‏النمو‏، ‏التى ‏يعد‏ ‏أحد‏ ‏مظاهرها‏ “‏الإبداع‏”، ‏وبعض‏ ‏مضاعفاتها‏ “‏الجنون‏”. ‏وكل‏ ‏هذا‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏إيضاح‏.‏

ينبغى ‏أن‏ ‏يعاد‏ ‏النظر‏ ‏فى ‏الزعم‏ ‏بأن‏ ‏ثمَّ‏ ‏شبها‏ ‏بين‏ ‏الإبداع‏ ‏والجنون‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏تلاحق‏ ‏المراحل‏ ‏التى ‏عرضناها‏ ‏فى ‏التسلسل‏ ‏السابق‏ (‏فقرة‏ -7-)، ‏ويستحسن أن نكرر ‏أن‏ الالتباس حول  ‏الشبه بينهما‏ ‏يأتى ‏أساسا‏‏:

1- من‏ ‏أن‏ ‏كلا‏ ‏منهما‏ ‏هو‏ ‏نقيض‏ ‏حالة‏ ‏العادية‏.

‏2- وأن‏ ‏انبعاثات‏ ‏بداية‏ ‏كل‏ ‏منهما‏ ‏هى ‏واحدة‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏تنشيط‏ ‏المعرفة الأخرى‏، ‏وإحياء‏ ‏وحدات‏ ‏لغة‏ ‏بدائية‏ سبق‏ ‏كبتها‏ ‏أو‏ ‏إهمالها‏، ‏أو‏ ‏تأجيل‏ ‏التعبير‏ ‏بها‏ ‏أو‏ ‏حفظها‏، ‏ناهيك‏ ‏عن‏ ‏تشويهها‏، ‏ودغمها‏..‏إلخ‏.

8 – 1 بداية واحدة وتميز صعب

‏فى ‏هذه‏ ‏المرحلة‏ ‏الأولى ‏على ‏وجه‏ ‏التحديد‏ ‏يكاد‏ ‏يكون‏ ‏من‏ ‏المحال‏ ‏التمييز‏ ‏اليقينى، ‏أو‏ ‏حتى ‏المرجح‏، ‏للمسار‏ ‏الذى ‏سوف‏ ‏تتجه‏ ‏إليه‏ ‏خطوات‏ ‏الحركة‏. ‏لذلك‏ ‏فإنه‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يعد‏ ‏الشبه‏ ‏بين‏ ‏انبعاثات‏ ‏البدايات‏ ‏الأولى ‏للعمليتين (الإبداع والجنون)‏ ‏كما‏ ‏لو‏ ‏كان‏ ‏تطابقا‏، ‏بل‏ ‏إن‏ ‏واقع‏ ‏الأمر‏ ‏يكاد‏ ‏ينفى ‏أن‏ ‏ثمة‏ ‏ظاهرتين‏ ‏يمكن‏ ‏التمييز‏ ‏بينهما‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏المراحل‏ ‏الأولى. ‏ومن‏ ‏ثمَّ‏ ‏فليس‏ ‏مطروحا‏ ‏ابتداء‏ ‏أن‏ ‏نتحدث ‏ -فى ‏هذه‏ ‏المرحلة‏ ‏الأولى‏- ‏عن‏ ‏تشابه‏ ‏أو‏ ‏اختلاف‏، ‏وتأكيدنا‏ ‏للتطابق‏ ‏هنا‏ ‏لايمتد‏ ‏إلى ‏تشابه‏ ‏فى ‏المسار‏ ‏أو‏ ‏فى ‏النتاج‏. ‏وللأسف‏، ‏فإن‏ ‏الأبحاث‏ ‏السائدة‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏المجال‏ ‏إنما‏ ‏تركز‏ ‏على ‏ظاهر‏ ‏سلوك‏ ‏المبدع‏ ‏والمجنون‏ ‏فى ‏شخصية‏ ‏كل‏ ‏منهما‏، ‏وطباعه‏ ‏وبعض‏ ‏أعراضه‏ أو سلوكياته، ‏وقد‏ ‏تتناول‏ ‏الناتج‏ ‏بنسبة‏ ‏أقل‏ ‏تواترا‏. ‏إن‏ ‏الجدلية‏ ‏المحتملة‏ ‏بين‏ ‏الابداع‏ ‏والجنون‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نتعرف‏ ‏على ‏طبيعتها‏ ‏إذا‏ ‏افترضنا‏ ‏أنه‏ ‏بعد‏ ‏بداية‏ ‏البداية‏ ‏يحدث‏ ‏جذب محتمل‏ ‏فى ‏اتجاهين‏ ‏متضادين،‏ و‏تقل‏ ‏فرص‏ ‏الجدل‏ ‏كلما‏ ‏تمادى ‏التميز‏ ‏وافترق‏ ‏مسار‏ ‏كلٍّ‏ ‏إذْ‏ ‏تتسع‏ ‏المسافة‏، ‏فيحل‏ ‏محل‏ ‏العلاقة‏ ‏الجدلية‏ ‏علاقات‏ ‏تضاد‏ ‏أخرى. ‏هنا‏ ‏يجدر‏ ‏بنا‏ ‏أن‏ ‏نميز‏ ‏بين‏ ‏الألفاظ التى‏ ‏‏سوف‏ ‏نستعملها‏ ‏فى ‏شرح‏ ‏أشكال‏ ‏التضاد‏ ‏المحتملة‏ ‏فى ‏العلاقة‏ ‏بين‏ ‏الإبداع‏ ‏والجنون‏، ‏وهى ‏ألفاظ‏: ‏الإبعاد‏، ‏والنفى، ‏والتناقض‏، ‏ثم‏ ‏التناقض‏ ‏الجدلى، ‏ولسوف‏ ‏أحاول‏ ‏أن‏ ‏أحدد‏ ‏الفروق‏ ‏بحسب‏ ‏استعمالاتى ‏لها‏ ‏هنا ‏من‏ ‏خلال‏ ‏تحديد‏ ‏نوع‏ ‏العلاقة‏، ‏ومدى ‏المسافة‏، ‏وتوجه‏ ‏الحركة‏ ‏بين‏ ‏كل‏ ‏طرف‏ ‏من‏ ‏أطراف‏ ‏القضية‏، ‏والطرف‏ ‏الآخر‏.‏

ففى “‏الإبعاد‏”: ‏يكون‏ ‏الضد‏ ‏نافرا‏ ‏عن‏ ‏ضده‏، ‏ظاهرا‏ ‏على ‏حسابه‏، ‏متجها‏ ‏عكسه‏، ‏بعيدا‏ ‏عنه‏، فيكون الجنون عكس الإبداع بحيث يكون تمادى أحدهما على حساب الآخر.‏

وفى “‏النفى‏”: ‏يكون‏ ‏الضد‏ ‏مُبطلا‏ ‏لضده‏، ‏شالا‏ ‏لفاعليته‏ (=‏ماحيا‏ ‏أثره‏ ‏الظاهرى‏)، ‏كما‏ ‏تكون‏ ‏المسافة‏ ‏بينهما‏ ‏ثابتة‏ (‏مجمدة‏)، ‏ويكون‏ ‏التوجه‏ (‏لكل‏ ‏منهما‏) ‏دائرا‏ ‏فى ‏محله‏، ‏وفى ‏اتجاه‏ ‏عكس‏ ‏الآخر‏، ‏مع‏ ‏الثبات‏ ‏فى ‏الموقع‏ (‏أو‏ ‏فى ‏أى ‏حركة‏ ‏مكافئة‏ ‏بلا‏ ‏دفع‏)، وقد لا يظهر على السطح أيهما، أو يلغى أحدهما الآخر نهائيا وهو يحل محله طول الوقت.

أما‏ ‏فى ” ‏التناقض‏” ‏فيكون‏ ‏النقيض‏ ‏مواجِها‏ ‏لنقيضه‏، ‏ملازما‏ ‏له‏، ‏مناطحا‏ ‏إياه، وقد يظهر ذلك فى شكل توقف تصارعى، يتجلى فى التوتر المشلّ، والتردد المزمن، فضلا عن احتمالات تفجرات متقطعة.

‏ ‏وفى ‏التناقض‏ ‏الجدلى ‏يكون‏ ‏النقيض‏ ‏مواجها‏ ‏لنقيضه‏ ‏أيضا‏، ‏لكنه‏ ‏يكون‏ ‏أيضا‏ ‏متداخلا‏ ‏فيه‏، ‏حتى ‏تكاد‏ ‏المسافة‏ ‏تختفى ‏لتتجدد‏ ‏متخلقة‏ ‏باستمرار‏، ‏كما‏ ‏يكون‏ ‏”التوجه”‏ ‏هو‏ “‏محصلة‏” ‏المواجهة‏ ‏إلى ‏اتجاه‏ ‏يشملهما‏ ‏معا‏.‏ وهذا ما يظهر فى شكل الإبداع سواء كان إبداع الذات نموا، أم أى من أشكال الإبداع المعروفة.

على أن الإبداع يتشكل عمقا وأصالة بقدر عمق واعتمال الجدل.

الاحتمال الأكثر ندرة هو حين يحتوى الإبداع الجنون ويتمثله ليخرج به معه، ولا يحل محله، وهو ما اسميه هنا: الإبداع الفائق.

أما الإبداع‏ ‏البديل عن الجنون ‏ ‏فيظهر حين يتغلب الإبداع ‏ على الجنون ‏فيظهر‏ ‏سلوكا‏ ‏معلنا‏، ‏وناتجا‏ ‏محددا‏، ‏فهو ‏ ‏يفعل‏ ‏ذلك‏ ‏بإخفاء‏ ‏الجنون‏ ‏فى ‏داخل‏ ‏الذات‏ ‏كامنا‏، ‏ضاغطا‏ ‏فى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏، ‏وكلما‏ ‏زاد‏ ‏تناثره‏ ‏تفرقا‏، ‏زاد‏ ‏الإبداع‏ ‏الظاهر‏ ‏تماسكا‏، لكن هذا الإبداع البديل يظل على صلة غير مباشرة بحركية الجنون وتهديده.

وفى حالة ما إذا غلبت آليات التفكك حتى ‏ ‏ظهر‏ ‏الجنون‏ ‏فإنه يكون‏ شديد التفسخ حتى تقل فرص إعادة التشكيل – علاجا فإبداعا- وإن لم تختف‏.[1]. ‏

يظل‏ ‏‏هذا النوع من ‏الإبداع‏ ‏إبعادا‏ ‏ملحا‏، ‏وظاهرا‏، ‏ونشطا‏، ‏بقدر‏ ‏مايظل‏ ‏الجنون‏ ‏كامنا‏ ‏ومهددا‏ ‏فى ‏آن‏ ‏واحد‏. ‏وهذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏الإبداع‏ ‏هو الغالب فيما نسميه إبداعاً، وهو الذى يظهر‏ ‏فيما‏ ‏هو‏ ‏ناتج‏ ‏رمزى ‏تشكيلى ‏ملموس‏ ‏ومسجل،‏ ‏إنه‏ ‏ليس‏ ‏هو‏ ‏المستوى ‏الأقصى ‏من‏ ‏الإبداع الذى يحتوى الجنون جدلا‏، ‏وهو ‏ليس‏ ‏الإبداع‏ ‏المسئول‏ ‏عن‏ ‏تغيير‏ ‏النوع على مسار التطورالحيوى‏. ‏وهو بديل بمعنى‏ ‏أنه‏ ‏بديل‏ ‏الجنون‏ ‏إبعادا‏، ‏وفى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏هو‏ ‏بديل‏ ‏الإبداع‏ ‏الأقصى ‏الذى ‏سنسميه‏ ‏من‏ ‏الآن‏:” ‏الإبداع‏ ‏الفائق‏” (‏الجداول:‏ ‏الملحق الأول)[2].‏

‏ ‏إن‏ ‏أهمية‏ ‏تحديد‏ ‏هذا‏ ‏الإبداع‏ ‏البديل‏ ‏برغم‏ ‏قصوره‏ ‏عن‏ ‏الإبداع‏ ‏الفائق‏، ‏هو‏ ‏أن‏ ‏نوضح‏ ‏دوره‏، ‏وفى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏أن‏ ‏ننبه‏ ‏إلى ‏نتائج‏ ‏الوقوف‏ ‏عنده‏، ‏أو‏ ‏التمادى ‏فيه‏ ‏على ‏حساب‏ ‏ماهو إبداع‏ ‏أهم‏ ‏وأرقى.

‏فإذا‏ ‏رضينا‏ ‏أن‏ ‏نتقبله‏ ‏بديلا‏ ‏عن‏ ‏الجنون‏ ‏فهذا‏ ‏حل‏ ‏وارد‏، ‏يقابل‏ ‏زعم‏ ‏فرويد‏ ‏أن‏ ‏الحضارة‏ ‏هى ‏التسامى ‏عن‏ ‏الغرائز‏ (‏وليس‏ ‏السمو‏ ‏بها‏)، ‏أما‏ ‏إذا‏ ‏حل‏ ‏محل‏ ‏الإبداع‏ ‏الفائق‏ ‏طوال‏ ‏الوقت‏ (‏بديلا‏ ‏عنه‏ ‏أيضا‏)، ‏فأجهض‏ ‏نبض‏ ‏النمو‏ ‏الحيوى، ‏فردا‏ ‏فنوعا‏، ‏فلا مفر من مواجهة الاعتراف بأنه إبداع متواضع أو متوسط، وأيضا هو قد يكون معطلا ‏ ‏لما‏ ‏هو‏ ‏أعمق‏ ‏وأرقى.

‏لابد من الاعتراف أيضا بأنه ‏لايمكن‏ ‏الحسم‏ بسهولة (أو حتى بصعوبة)  ‏إذا‏ ‏ما كان‏ ‏هذا‏ ‏الإبداع‏ ‏البديل‏ ‏هو‏ ‏بديل‏ ‏عن‏ ‏الجنون‏ ‏أم‏ ‏عن‏ ‏الإبداع‏ ‏الفائق، والأرجح – كما ذكرنا – أنه بديل‏ ‏عن‏ ‏الاثنين‏ ‏معا‏.

‏كما ننّبه أيضا أن‏ ‏الإبداع‏ ‏الفائق‏ إنما ‏يحمل‏ ‏كل‏ ‏إرعاب‏ ‏الجنون‏ ‏وملامح‏ ‏تناثره‏.

ثم‏ ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏الإبداع‏ ‏البديل‏ ‏عند‏ ‏ما‏ ‏يكون‏ ‏بديلا‏ ‏عن‏ ‏نمو‏ ‏صاحبه‏ (‏إبداع‏ ‏ذات‏ ‏المبدع‏) ‏ قد ‏يمثل‏ ‏نوعا‏ ‏من‏ ‏الإسقاط‏ ‏الذى ‏يترك‏ ‏شخصية‏ ‏المبدع‏ ‏دون‏ ‏تغيير‏ ‏جوهرى ‏بعد‏ ‏كل‏ ‏خبرة‏ ‏إبداع‏، وذلك لأن‏ ‏صاحبه ‏- ‏مرة‏ ‏أخرى‏- ‏قد‏ ‏حط‏ ‏حركية‏ ‏الإبداع‏ ‏فى ‏الخارج‏، ‏فحلت‏ ‏محل‏ ‏ذاته‏، ‏فهو ‏‏بإبداعه‏ ‏هذا‏ ‏لايجادل‏ ‏جنونه‏، ‏وإنما‏ ‏يستبعده‏، ‏إذ‏ ‏يحل‏ ‏محله‏ (‏محل‏ ‏جنونه‏) ‏ثم إنه – ‏بإبداعه‏ ‏البديل‏- ‏يظل‏ ‏قادرا‏ ‏على ‏تغطية‏ ‏تناثر‏ ‏الجنون‏ ‏القابع‏ ‏فى ‏الداخل‏ ‏وقمعه.

‏المبدع‏ ‏هنا‏ ‏ـ‏ ‏فى ‏الإبداع‏ ‏البديل‏ ‏ـ‏ ‏يستعمل‏ ‏لغة‏ ‏مفهومية‏ ‏ضابطة‏ ‏ومنضبطة‏ ‏بطريقة‏ ‏جميلة‏ ‏ومنسقة‏ ‏وهو‏ ‏يكاد‏ ‏يرعب‏ ‏من‏ ‏توقفه‏ ‏عن‏ ‏الإبداع‏ ‏خشية‏ ‏أن‏ ‏يقفز‏ ‏البديل‏ (‏الجنون‏)، ‏حتى ‏ليمكن‏ ‏أن‏ ‏يسمى ‏هذا‏ ‏الإبداع‏ ‏أحيانا‏ ‏بالإبداع‏ ‏القهرى: “‏إما‏ ‏أن‏ ‏تبدع‏ ‏أو‏ ‏تجن‏”، ‏اللهم‏ ‏إلا‏ ‏إذا‏ ‏انطفأ‏ زخم الحركة من خلال ‏علاقة‏ ‏أخرى، ‏هى ‏النفى، ففرط العادية ‏أو‏ ‏إذا‏ ‏تطور‏ ‏إلى ‏علاقة‏ ‏أرقى: ‏التناقض‏ ‏فالجدل‏ ‏فالإبداع‏ ‏الفائق‏.

‏وقد‏ ‏تتبادل‏ ‏خبرة‏ ‏الإبداع‏ ‏البديل‏ ‏هذا‏ ‏مع‏ ‏نوبة‏ ‏جنون‏ ‏عند‏ ‏الشخص‏ ‏نفسه‏، ‏ويظل‏ ‏احتمال‏ ‏التناوب‏ ‏قائما‏ ‏ماظلت‏ ‏علاقة‏ ‏الإبدال‏ ‏هى ‏العلاقة‏ ‏الغالبة‏. ‏

‏علاقة‏ ‏النفى، ‏بحسب‏ ‏التعريف‏ ‏السابق‏، ‏هى ‏علاقة‏ “‏تسوياتية”‏ ‏ساكنة ‏وهى ‏تعرض‏ ‏نفسها‏، ‏أو‏ ‏تفرض‏ ‏نفسها‏، ‏فى ‏المراحل‏ ‏الوسطى ‏لتطوير‏ ‏العمليتين‏. ‏حيث‏ ‏ينجح‏ ‏أى ‏من‏ ‏الطرفين‏، ‏بل‏ ‏كليهما‏، ‏فى ‏أن‏ ‏يبطل‏ ‏مفعول‏ ‏الآخر نسبيا على الأقل‏، ‏فيتجمدان‏ ‏فى ‏علاقة‏ ‏هامدة نسبيا أيضا‏، ‏إذ‏ ‏تثبت‏ ‏المسافة‏ ‏بينهما‏، ‏وتستدير‏ ‏الحركة‏ ‏فى ‏محلها‏، ‏كل‏ ‏عكس‏ ‏الآخر‏، ‏أو‏ ‏تتجمد‏ ‏بأى ‏بديل‏ ‏مكافيء‏ ‏فى ‏أى ‏اتجاه‏، ‏فيصبح‏ “‏البسط‏” unfolding ‏المعلن‏ ‏خاملا أو موقوفا فى المحل وهو‏ ‏لا‏ ‏يتجلى‏ ‏فى سلوك‏ ‏ظاهر‏، ‏فلا‏ ‏إبداع‏، ‏ولا‏ ‏جنون‏. ‏ويكون‏ ‏ناتج‏ ‏هذه‏ ‏التسوية‏ ‏المتجمدة‏ ‏هو‏ ‏احتمال‏ ‏الاكتفاء‏ ‏باستمرار‏ ‏ظاهر‏ ‏لما‏ ‏هو‏ ‏حالة‏ “‏العادية‏”، ‏التى ‏إذا‏ ‏ما بولغ‏ ‏فيها‏ ‏بدت‏ ‏تصنيفا‏ ‏مرضيا‏ ‏على ‏نحو‏ ‏ما‏ ‏أشرنا‏ ‏إليه‏ ‏بالتعبير‏ ‏الجديد‏ “‏فرط‏ ‏العادية‏ ‏الذى ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يصل‏ ‏إلى “‏اضطراب‏ ‏الشخصية‏ ‏النمطى‏”، ‏الذى ‏من‏ ‏بعض‏ ‏صوره‏ ‏الجمود‏ ‏الدينى ‏والأيديولوجى. ‏هذا‏ ‏الحل‏ ‏بالنفى ‏قد‏ ‏يتبادل‏ ‏مع‏ ‏الحل‏ ‏بالسلب‏، ‏ونادرا‏ ‏مع‏ ‏الحل‏ ‏بالتناقض‏ ‏الناقص‏ (‏أنظر‏ ‏بعد‏)، ‏وهو‏ ‏الذى ‏يفسر‏ ‏بعض‏ ‏شذوذ‏ ‏السمات‏ ‏عند‏ ‏بعض‏ ‏المبدعين‏، ‏خصوصا‏ ‏فى ‏فترات‏ ‏السكون‏ (‏اللا‏‏إبداع‏)، ‏وهو‏ ‏مايبدو‏ ‏كأنه‏: ‏السلامة‏ ‏من‏ ‏الجنون‏ “‏بالجمود‏”، ‏على ‏حساب‏ ‏حركية‏ ‏الإبداع‏. ‏

8 – 2 مستويات الجدل

‏ ‏العلاقة‏ ‏الأهم‏ ‏والأخطر‏ ‏فى كل ما ذكرنا هى علاقة‏ ‏التناقض‏ ‏الجدلى ‏حيث‏ ‏يكون‏ ‏الإبداع‏ ‏هو‏ ‏الناتج‏ ‏الولافى للجدل‏ ‏بين‏ ‏العلميات‏ ‏الأولية‏ ‏والعمليات‏ ‏الثانوية‏ ‏بعمليات‏ ‏ثالثوية‏ ‏تشمل‏ ‏الاثنين‏ ‏معا‏ ‏كما‏ ‏اقترح‏ ‏سلفانو‏ ‏أريتى.

الجدل الأعلى ‏يتم‏‏: ‏ليس‏ ‏بين‏ ‏المعرفة‏ ‏البدائية‏ ‏والمعرفة‏ ‏المفاهيمية‏، ‏بل‏ ‏بين‏ ‏نقيضين‏ ‏يتكونان‏ ‏فى ‏اتجاهين‏ ‏مختلفين‏ (‏أو‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏المرحلة‏:  ‏يتحركان‏ ‏إلى ‏اتجاهين‏ ‏مختلفين‏)،‏ ‏إذا‏ ‏لم‏ ‏تحدث‏ ‏منذ‏ ‏البداية‏ ‏أية‏ ‏تصفية‏ ‏للموقف‏ ‏بالإبعاد‏ (‏الإبداع‏ ‏البديل‏) ‏أو‏ ‏بالنفى (‏إبطال‏/‏إحباط‏ ‏الإبداع‏ ‏وإحلال‏ ‏اضطراب‏ ‏الشخصية‏، أو فرط العادية،  ‏محل‏ ‏الجنون‏) – ‏إذا‏ ‏لم‏ ‏يحدث‏ ‏هذا‏ ‏أو‏ ‏ذاك‏، ‏فإن‏ هذه الجدلية ‏ تطرح‏ ‏نفسها‏ بنشاط متميز ‏فى ‏بداية‏ ‏العمليتين‏‏، ذلك أنه ‏بمجرد‏ ‏تخلخل‏ ‏الكيان‏ ‏القائم‏، ‏وقبل‏ ‏التمييز‏ ‏الصريح‏ ‏إلى ‏ماهو‏ ‏إبداع‏ ‏أو‏ ‏جنون‏ (‏حتى أننا ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نسمى ‏مرحلة‏ ‏التمييز‏ ‏هنا‏: ‏مشروع‏ ‏إبداع‏ ‏ومشروع‏ ‏جنون معا‏)، ‏يكون‏ ‏فى ‏التقارب‏ ‏والحركية‏ ‏فرصة‏ ‏لجعل‏ ‏التناقض‏ ‏موجها‏ ‏بما‏ ‏يسمح‏ ‏بالتلاحم‏ ‏والتصارع‏ ‏والتناغم‏ ‏واحتمال‏ ‏توجههما‏ ‏إلى ‏مايتجاوزهما‏، أى ‏إلى ‏ماهو‏ “‏الإبداع‏ ‏الفائق‏” ‏الذى ‏يحتويهما‏ ‏فى ‏كلٍّ‏ ‏أعلى. ‏ذلك‏ ‏لأن‏ ‏هذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏الإبداع‏ ‏هو‏ ‏الذى ‏يحتوى ‏الجنون‏ ‏فى ‏كليته‏ (‏إذن‏: ‏دون‏ ‏التميـّـز‏ ‏إلى ‏جنون‏)، ‏فهو‏ ‏ليس‏ ‏بديلا‏ ‏عن‏ ‏الجنون‏ ‏مثل‏ ‏الإبداع‏ ‏البديل‏ (‏التسامي‏)، ‏لأنه‏ ‏لا‏ ‏يظهر‏ ‏على ‏حساب‏ ‏جنون‏ ‏كامن‏ ‏متربص‏، ‏بل‏ ‏هو‏ ‏يستوعب‏ ‏الجنون‏ ‏ويلتحم‏ ‏به‏ ‏ليتخلق‏ ‏معه‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏يجاوزهما‏، ‏وهو ‏- ‏بذلك‏- ‏يتصف‏ ‏بحركية‏ ‏كلية‏ ‏لاتترك‏ ‏جانبا‏ ‏من‏ ‏الوجود‏ ‏إلا‏ ‏وشاركت‏ ‏فيه‏، ‏بما‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏الوجود‏ ‏الجسدى.

‏ ‏ ‏تتميز‏ ‏مسيرة‏ ‏هذا‏ ‏النوع‏ ‏برعب‏ ‏خاص‏ ‏قبيل‏ ‏خوض‏ ‏التجربة‏، ‏وأيضا‏ ‏تتميز‏ ‏بإثارة‏ ‏حفز‏ ‏مسئول‏ ‏عن‏ ‏فعل‏ ‏تلقيها‏ (‏فحمَـلها‏ ‏الإنسان‏)، ‏وهو‏ ‏إبداع‏ ‏لايعقبه‏ ‏هدوء‏ ‏تفريغى ‏يعلن‏ ‏التخلص‏ ‏من‏ ‏توتر‏ ‏ما‏ (‏كما‏ ‏هو‏ ‏الحال‏ ‏فى ‏الإبداع‏ ‏البديل‏). ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏لايترك‏ ‏المبدع‏ ‏كما‏ ‏هو‏ ‏بعد‏ ‏إبداعه‏، ‏بل‏ ‏تتمدد‏ ‏ذاته‏ ‏من‏ ‏خلاله‏ ‏إلى ‏درجة‏ ‏يختلف‏ ‏هو‏ ‏بها‏، ‏وقد‏ ‏يختلف‏ ‏تبعا‏ ‏لذلك‏ -‏قليلا‏ ‏أو‏ ‏كثيرا‏- ‏إبداعه‏ ‏التالى. ‏مثل‏ ‏هذا‏ ‏المبدع‏ ‏غير‏ ‏معرض‏-‏بالقدر‏ ‏نفسه‏- ‏إلى ‏أن‏ ‏تتبادل‏ ‏نوبات‏ ‏إبداعه‏ ‏مع‏ ‏نوبات‏ ‏جنونه‏، ‏كما‏ ‏أن‏ ‏فرصة‏ ‏جنونه‏ ‏تتناقص‏ ‏باستمرار‏، ‏لأن‏ ‏الجنون‏ ‏عنده‏ ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏مكبوتا‏ ‏بإبداع‏ ‏بديل‏، ‏وإنما‏ ‏هو‏ ‏جزء‏ ‏ظاهر‏ ‏متداخل‏ ‏وملتحم‏ ‏فى ‏الإبداع‏ ‏نفسه. ‏

إن‏ ‏هذا‏ ‏الإبداع‏ ‏الفائق‏ ‏هو‏ ‏طفرة‏ ‏نوعية‏، ‏أحد‏ ‏مظاهرها‏ هو ‏الناتج‏ ‏المبدع‏، ‏وبقية‏ ‏علاماتها‏ ‏التغير‏ ‏الجذرى ‏فى ‏الوجود الذاتى/الكونى‏، ‏وهو‏ ‏مايصف‏-‏مثلا‏ ‏وأساسا‏-‏الخبرة‏ ‏الصوفية‏ ‏الحقيقية‏، ‏التى ‏لاتحتاج‏ ‏بذاتها‏ ‏إلى ‏ناتج‏ ‏معلن‏ ‏عادة‏.‏

إن‏ ‏إبداعا‏ ‏بهذه‏ ‏الخصائص‏ ‏ليس‏ ‏هو‏ ‏المتواتر‏، ‏وهو‏ ‏حتى ‏إن‏ ‏وجد‏ ‏أحيانا‏، ‏فقد‏ ‏يصعب‏ ‏أن‏ ‏يتكرر‏ ‏كثيرا‏، ‏ناهيك‏ ‏عن‏ ‏أن‏ ‏يستمر‏ ‏طويلا‏ (‏هذا‏ ‏فى ‏مجال‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏ناتج‏ ‏رمزى ‏مشكل‏).‏

‏8 – 3 تباديل محتملة

قد‏ ‏تتبادل‏ ‏علاقة‏ ‏الجدلية‏، ‏المسئولة‏ ‏عن‏ ‏الإبداع‏ ‏الفائق‏، ‏مع‏ ‏علاقات‏ ‏النفى ‏والإبدال‏، ‏على ‏نحو‏ ‏يجعل‏ ‏ناتج‏ ‏الإبداع‏، ‏وصفات‏ ‏المبدع‏، ‏تتأرجح‏ ‏فى ‏مسارها‏ ‏الطولى ‏بحسب‏ ‏مايتغير‏ ‏عنده‏ ‏من‏ ‏علاقة‏ ‏الإبداع‏ ‏بالجنون‏ ‏فى ‏كل‏ ‏آن‏، ‏وكل‏ ‏تجربة‏، ‏وكل‏ ‏إبداع‏. ‏وكما‏ ‏ذكرنا:‏ إن‏ ‏فرصة‏ ‏العلاقة‏ ‏الجدلية‏- ‏لصعوبتها‏ ‏وخطورتها‏- ‏إنما‏ ‏تتاح‏ ‏فى ‏المراحل‏ ‏الأولى ‏لتميز‏ ‏النقيضين دون تباعد‏، ‏ثم‏ ‏تقل‏ ‏فرصها‏ ‏باستمرار‏ ‏مع‏ ‏تباعد‏ ‏المسافة، وطول المسار‏، ‏واختلاف‏ ‏التوجه‏، ‏ولكن‏ ‏يظل‏ ‏الاحتمال‏ ‏قائما‏ ‏مهما‏ ‏تضاءلت‏ ‏فرصه‏، ‏حتى ‏أن‏ ‏الاتجاه‏ ‏إلى ‏علاج‏ ‏الجنون‏ ‏بالإبداع‏ إنما يعنى فى عمق جديته احتواء حركية الجنون دون الإسراع بشلها ابتداء، سعيا إلى احتمال ‏ترجيح‏ ‏إمكانية‏ ‏قلب‏ ‏توجه الحركة السالبة إلى اتجاه إيجابى جدلى ‏حتى ‏بعد‏ ‏ظهور‏ ‏الجنون‏ ‏صريحا‏. ‏

8 – 4 تحويل المسار (العلاج)

علينا هنا أن نوضح كم هو صعب أن نحول مسار الجنون إلى إبداع، لأنه ‏لاينبغى ‏أن‏ ‏نتصور‏ ‏أن‏ المسالة هى مجرد تدريب على مهارة مثلما يشاع أحيانا‏ ‏عن‏ ‏العلاج‏ ‏بالشعر‏‏، ‏أو‏ ‏أن‏ ‏نرادف بين‏ ‏هذه‏ ‏الجدلية‏ ‏الصعبة‏ ‏وتوجيه‏ ‏المرضى ‏لتفريغ‏ ‏بعض‏ ‏توتراتهم‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏نشاط‏ ‏فنى “‏ما‏”، ‏لأن‏ ‏المقصود‏ ‏هنا‏ ‏هو‏ ‏محاولة‏ ‏تحوير‏ ‏العلاقة‏ ‏الأساسية‏ ‏بين‏ ‏الحالتين‏،‏ ‏بما‏ ‏يخلق‏ ‏من‏ ‏بعض‏ ‏الجنون‏ ‏ماهو‏ “‏ضده‏/‏به‏/‏معه‏”. ‏وهذا‏ ‏شيء‏ ‏مازال‏ ‏يقع‏ ‏فى ‏دائرة‏ ‏الأمل أكثر منه فى ملموس الواقع. إن تحقيق هذا الأمل يتطلب منا‏ ‏أن‏ ‏نحاول‏ ‏أن‏ ‏نتراجع‏ ‏بالتناثر‏ ‏السائد‏ ‏المتمادى ‏إلى ‏مرحلة‏ ‏أسبق‏، ‏هى ‏أقرب‏ ‏إلى ‏مشروع‏ ‏الإبداع‏ ‏القريب‏ ‏من‏ ‏مشروع‏ ‏الجنون‏، ‏فنوفَر‏ ‏فرصة‏ ‏أرحب‏ ‏لتنشيط‏ ‏جدلية‏ ‏حقيقية‏ ‏تستوعب‏ ‏الجنون‏، ‏فيكون‏ ‏الشفاء‏ ‏ليس‏ ‏باختفاء‏ ‏الجنون‏، ‏وإنما‏ ‏باحتوائه‏، ‏على ‏نحو‏ ‏يشمل‏ ‏وقاية‏ ‏حقيقية‏ ‏مهما‏ ‏كانت‏ ‏نسبية‏، ‏إلا‏ ‏أنها‏ ‏نوعية‏. ‏

8 – 5 عن الإبداع الفائق:

‏ ‏الإبداع‏ ‏الفائق‏ ‏إذ‏ ‏يتداخل‏ ‏مع‏ ‏الجنون‏ ‏إنما‏ ‏يستولى ‏فى ‏الحقيقية‏ ‏على ‏جزء‏ ‏منه‏ كما أشرنا، ‏بحيث‏ ‏لايعود‏ ‏قادرا‏ ‏عل ‏الانفصال‏ ‏عنه‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏ذاب‏ ‏فى ‏كلية‏ ‏جديدة‏‏، ‏وهذا‏ ‏ما يجعلنا‏ ‏نتبين‏ ‏بعض‏ ‏ملامح‏ ‏الجنون‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏هذا النوع من الإبداع‏، ‏وإن‏ ‏كانت‏ ‏هذه‏ ‏الملامح‏ ‏لا تظهر‏ عادة ‏ ‏كما‏ ‏هى، ‏بل‏ ‏تبدو‏ ‏محورة‏ ‏ونابضة‏ ‏فى ‏جوف‏ ‏كلية‏ ‏الفعل‏/ ‏الناتج‏ ‏الإبداعى، ‏بحيث‏ ‏يكون‏ ‏من‏ ‏المحال‏ ‏تمييزها‏ ‏منفردة‏ ‏بوصفها‏ ‏جنونا‏، ‏كما‏ ‏يكون‏ ‏من‏ ‏المحال‏ ‏فى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏إغفالها‏ ‏بوصفها‏ ‏مجرد‏ ‏ترجمة‏ ‏من‏ ‏لغة‏ ‏معرفية‏ ‏بدائية‏ ‏إلى ‏لغة‏ ‏مفاهيمية‏ ‏محكمة‏، ‏إذ‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏يتداخل‏ ‏تيارا‏ ‏المستويين‏ ‏المعرفيين‏ ‏تداخلا‏ ‏محكما‏، ‏يرتقى ‏بهما‏ ‏معا‏. ‏

وأخيرا‏ ‏فإن‏ ‏هذا‏ ‏الإبداع‏ ‏الفائق‏ ‏هو‏ ‏فعل‏ ‏فى ‏ذاته‏، ‏وليس‏ ‏ترجمة‏ ‏لفعل‏ ‏أو‏ ‏وعد‏ ‏بفعل‏، ‏أو‏ ‏حفز‏ ‏على ‏القيام‏ ‏بفعل‏، ‏لأنه‏ ‏تغير‏ ‏حيوى (‏بيولوجى) ‏جار‏، ‏أحد‏ ‏وجوهه‏ – ‏فحسب‏ – ‏هو‏ ‏الناتج‏ ‏الإبداعى ‏المعلن‏.‏

نظرا‏ ‏لشدة‏ ‏تكثيف‏ ‏هذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏الإبداع‏، ‏فإنه‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏نقتنع‏ ‏بأنه‏ ‏نوع‏ ‏نادر‏‏، ‏وأنه‏ ‏مواكب‏ ‏بدرجة‏ ‏ما‏ ‏لنوع‏ ‏المجتمع‏ ‏الذى ‏يسمح‏ ‏به‏/‏يفرزه‏، ‏ومتناسب‏ ‏مع‏ ‏درجة‏ ‏حيويته‏. ‏لذلك‏ ‏لاينبغى ‏أن‏ ‏نبالغ‏ ‏فى ‏أن‏ ‏نجعله‏ ‏مطلبا‏ ‏فى ‏ذاته‏، ‏فى ‏ظروف‏ ‏لاتسمح‏ ‏بإفرازه‏، ‏كما‏ ‏لاينبغى ‏أن‏ ‏يجُـبّ‏ ‏ما‏ ‏سواه‏ (‏الإبداع‏ ‏البديل‏ ‏مثلا‏)، ‏فمسيرة‏ ‏الإنسان‏ ‏تحتاج‏ ‏إلى ‏كل‏ ‏التوافيق‏ ‏والتباديل‏ ‏الممكنة‏ ‏طول‏ ‏الوقت‏. ‏ثم‏ ‏إن‏ ‏جرعة‏ ‏متوازنة‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏الإبداع‏ ‏الفائق‏، ‏دقيقة‏ ‏ومتوازنة‏، ‏هى ‏جارية‏ ‏أبدا‏ ‏بعيدا‏ ‏عن‏ ‏بؤرة‏ ‏الوعى، ‏وهى ‏دائمة‏ ‏المـعـاودة‏ ‏مادامت‏ ‏الحياة‏، ‏وهى ‏المسئولة‏ ‏فى ‏الواقع‏ ‏عن‏ ‏نمو‏ ‏النوع‏ ‏وتطوره‏ ‏فى ‏طفرات‏ ‏على ‏المدى ‏الطويل‏.‏

8 – 6 الإبداع المجهض

‏ ‏هناك‏ ‏إبداع‏ ‏آخر‏ ‏قد‏ ‏يختلط‏ ‏مع‏ ‏هذا‏ ‏النوع‏ ‏الفائق‏، ‏حتى ‏ليخيل‏ ‏إلينا ‏-‏من‏ ‏بعيد‏- ‏أنه‏ ‏هو‏، ‏غير‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏النوع‏ ‏هو‏ ‏نشاط‏ ‏نافر‏، ‏يفتقر‏ ‏إلى ‏التناغم‏، ‏والتواكب‏، ‏والخط‏ ‏المحورى، ‏وهو يبدو‏ ‏فضفاضا‏ ‏هشا‏، ‏بحيث‏ ‏يمكن‏ ‏فصل‏ ‏الجزء‏ ‏منه ‏-‏أى ‏جزء‏- ‏عن‏ ‏الكل‏ ‏الممتد‏ (‏لا‏ ‏المتلاحم‏). ‏وهذا‏ ‏الإبداع‏ ‏المتزاحم‏، حتى التصادم والمتخبط، ‏هو‏ ‏نتيجة‏ ‏إجهاض‏ ‏لجدلية‏ ‏الجنون‏ ‏والإبداع معا، ‏وناتج‏ هذا ‏الاجهاض‏ ‏هو‏ ‏ما‏‏ ‏‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يسمى ‏الإبداع‏ ‏الناقص‏، ‏أو‏ ‏الإبداع‏ ‏المجهض‏، ‏أو‏ ‏الإبداع‏ ‏المبتسر‏، ‏بمعنى ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الإبداع‏ ‏هو‏ ‏نوع‏ ‏من‏ ‏إخراج‏ ‏المادة‏ ‏المستثارة‏ ‏والمفككة‏، ‏وهى ‏بعد‏ ‏فى ‏مراحلها‏ ‏الوسطى، ‏متداخلة‏ ‏مع‏ ‏المفاهيم‏ ‏فى ‏بداية‏ ‏جدلية‏ ‏لم‏ ‏تكتمل‏، ‏إذ‏ ‏لم‏ ‏يتحملها‏ ‏صاحبها‏ ‏حتى ‏تنضج‏، “‏فتخلَّـص‏” ‏منها‏ ‏كما‏ ‏هى، ‏ناقصة‏ ‏كما‏ ‏بيـّنا‏ ‏. ثمة صعوبة‏ مبدئية فى ‏التمييز‏ ‏بين‏ ‏هذين‏ ‏النوعيين‏ (‏الفائق‏، ‏والمبتسر‏)، حتى أن‏ ‏الأمر‏ ‏قد يحتاج إلى دراسة‏ ‏معالم‏ ‏أخرى ‏إلى ‏جانب‏ ‏الناتج‏ ‏الإبداعى، ‏تحفز‏ ‏الناقد‏ ‏على ‏مواصلة‏ ‏جهده‏ ‏فى ‏اتجاه‏ ‏البحث‏ ‏عن‏ ‏التمحور،‏ ‏لاحتمال‏ ‏الكشف‏ ‏عن‏ ‏الكلية‏ ‏الغائبة‏ ‏الضرورية‏ ‏لناتج‏ ‏الجدلية‏ ‏الإيجابى، ‏وحتى ‏يغامر‏ ‏الناقد‏ ‏ببذل‏ ‏مثل‏ ‏هذا‏ ‏الجهد‏، ‏فقد‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏مزيد‏ ‏من‏ ‏التعرف‏ ‏على ‏المبدع‏ ‏فى ‏إنتاجه‏ ‏المفاهيمى ‏المصقول[3]‏، ‏حتى ‏يطمئن‏ ‏بشكل‏ ‏ما‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏المحاولة‏ ‏جادة‏ ‏ومجاوزة‏، ‏وليست‏ ‏هروبا‏ ‏متعجلا‏، ‏كذلك‏ ‏فإن‏ ‏النظر‏ ‏فى ‏أثر‏ ‏الإبداع‏ ‏على ‏المبدع‏ ‏وإنتاجه‏ ‏اللاحق‏ ‏قد‏ ‏يعين‏ ‏الناقد‏ ‏فى ‏تحديد‏ ‏مدى ‏إيجابية‏ ‏التوجه‏.‏

على ‏أن‏ ‏ثم‏ ‏شيئا‏ ‏آخر‏ ‏قد‏ ‏لايحتاج‏ ‏إلا‏ ‏إلى ‏مجرد‏ ‏إطلالة‏ ‏محذرة‏ ‏عابرة‏، ‏لاحتمال‏ ‏اختلاطه‏ ‏عند‏ ‏العامة‏ ‏لأول‏ ‏وهلة‏ ‏بالإبداع‏ ‏الفائق‏ ‏والإبداع‏ ‏الناقص‏، ‏وهو‏ ‏ذلك‏ “‏الشىء‏” ‏الذى ‏ينتج‏ ‏من‏ ‏تصنّع‏ ‏تنشيط‏ ‏وسائل‏ ‏معرفية‏ ‏أولية‏ ‏بدائية‏ (‏دون‏ ‏تنشيط‏ ‏حقيقى، ‏أو‏ ‏مغامرة‏… ‏إلخ‏)، ‏فيقحم‏ ‏المزيـف‏ ‏ما‏ ‏زيـفـه‏ ‏إقحاما‏ ‏وسط‏ ‏المستوى ‏المفاهيمى، ‏حتى ‏تضطرب‏ ‏المفاهيم‏ ‏وتشوه‏ ‏بلا‏ ‏إضافة‏ ‏ولا‏ ‏إبداع‏، ‏على ‏نحو‏ ‏يستحق‏ ‏أن‏ ‏نقترح‏ ‏له‏ ‏اسما‏ ‏هو إضافيا‏ “‏الإبداع‏ ‏الزائف‏”‏.

هذا‏ ‏التدرج‏ ‏فى ‏مستويات الإبداع‏ وتصنيفاته ‏قد يذكرنا كيف ينبغى ‏‏ ‏ألا‏ ‏يـطلق‏ ‏الحديث‏ ‏على ‏علاته‏ -‏هكذا‏- ‏فى ‏المقارنة‏ ‏بين‏ الـ”‏إبداع‏” (‏أى إبداع‏) ‏و‏الـ”‏جنون‏” (‏كل‏ ‏جنون‏)، ‏وكأن‏ ‏الإبداع‏ ‏واحد‏، ‏والجنون‏ ‏كذلك‏. ‏وسوف‏ ‏نقوم ‏بعرض‏ ‏هذه‏ ‏المقابلات‏ ‏فى ‏صورة‏ ‏مختصرة‏ ‏مـجـدولة‏ (‏الملحق الثانى)، ‏نظرا‏ ‏لأن‏ ‏أى ‏استطراد‏ ‏فى ‏تفصيلها‏ ‏هو‏ ‏خارج‏ ‏عن‏ ‏نطاق‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏.

9 – ‏مآزق‏:‏

على ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏أننى ‏أعيش‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏ ‏بما‏ ‏هى ‏فعل‏ ‏يومى ‏منذ‏ ‏سنين‏ ‏عددا‏، ‏فإنى ‏أعلن‏ ‏أنى ‏واجهت‏ ‏صعوبات‏ ‏شخصية‏ ‏متحدية‏ ‏وأنا‏ ‏أحاول‏ ‏تسجيل‏ ‏بعض‏ ‏معالمها‏، ‏كما‏ ‏حاولت‏ ‏اقتحام‏ ‏مناطق‏ ‏كنت‏ ‏أحسب‏ ‏أننى ‏قد‏ ‏اعتدت‏ ‏ارتيادها‏، ‏إلا‏ ‏أنها‏ ‏بدت‏ ‏لى ‏جديدة‏ ‏ووعرة‏ ‏وواعدة‏ ‏فى ‏آن‏. ‏وقد‏ ‏تصورت‏ ‏وأملت‏ ‏أن‏ ‏يشاركنى ‏القاارئ‏ ‏مثل‏ ‏ذلك‏ ‏وغيره‏، ‏فقدرت‏ ‏أن‏ ‏أسجل‏ ‏فى ‏نهاية‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏ ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏أعده‏ ‏مآزق‏ ‏تتطلب‏ ‏موقفا‏ ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏تلقيه‏ ‏فى ‏وجوهنا‏ ‏من‏ ‏تحديات‏، ‏ثم‏ ‏أردف‏ ‏ذلك‏ ‏ببعض‏ ‏الإشارات‏ ‏الواعدة‏ ‏بتطبيقات‏ ‏محتملة‏، ‏علها‏ ‏تخفف‏ ‏عنا‏ ‏ما‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏تخففه‏ ‏لنواصل‏ ‏المحاولة‏.‏

9 – 1‏

‏1 – المأزق الأول هو ‏ضرورة‏ ‏مراجعة‏ ‏المنهج‏ ‏الذى ‏نتناول‏ ‏به‏ ‏قضايا‏ ‏الإبداع‏، ‏والجنون‏، ‏والعلاقة‏ ‏بينهما،‏ ‏تلك‏ ‏العلاقة‏ ‏التى ‏تحتد‏ ‏وتتعقد‏ ‏فى ‏أول‏ ‏انبعاثات‏ ‏العملية‏ ‏المشتركة،‏ ‏وهى مرحلة‏ ‏كما‏ ‏ذكرنا‏ ‏بعيدة‏ ‏عن‏ ‏التناول‏ ‏المباشر‏، ‏حتى ‏لصاحبها‏، ‏كما‏ ‏أن‏ ‏الوحدة‏ ‏الزمنية‏ ‏التى ‏تحدث‏ ‏خلالها‏ ‏هى ‏أقصر‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏فى ‏متناول‏ ‏الدراسة‏ ‏أصلا‏، ‏كما‏ ‏أنها‏-‏أخيرا‏-‏من‏ ‏المحال‏ ‏إعادتها‏ ‏للتحقق‏ ‏منها‏، ‏فلا‏ ‏الملاحظة‏ ‏مفيدة‏، ‏ولا‏ ‏الذاكرة‏ ‏مسعفة‏، ‏ولا‏ ‏الألفاظ‏ ‏الشارحة‏ ‏مستوعِبَة‏ ‏أو‏ ‏كافية‏ (‏حيث‏ ‏إننا‏ ‏نتحرك‏ ‏فى ‏منطقة‏ ‏الخبرة‏ ‏المعرفية‏ ‏المدغمة‏ ‏الضبابية‏ ‏أساسا‏). ‏ثم‏ ‏إن‏ ‏الباحث‏ (‏الناقد‏ ‏عادة‏) ‏من‏ ‏خارج‏ ‏عملية‏ ‏الإبداع‏ ‏ذاتها‏، ‏اللهم‏ ‏إلا‏ ‏بإبداع‏ ‏مواز‏، ‏لاسبيل‏ ‏له‏ ‏إلى ‏هذه‏ ‏المنطقة‏ ‏أصلا‏، ‏مهما‏ ‏صدق‏ ‏واجتهد‏، ‏دون‏ ‏إنكار‏ ‏فضله‏ ‏فى ‏إضافة‏ ‏إشارات‏ ‏دقيقة‏ ‏على ‏هامش‏ ‏المسألة‏.‏

‏ ‏لا‏ ‏يغنى ‏فى ‏حل‏ ‏هذا‏ ‏التحدى ‏أن‏ ‏تتجه‏ ‏الدراسات‏ ‏إلى ‏الاهتمام‏ ‏بالمسودات‏ (‏برغم‏ ‏أنها‏ ‏خطوة‏ ‏فى ‏الاتجاه‏ ‏الصحيح‏)، ‏لأن‏ ‏المسودة‏ ‏مرحلة‏ ‏لاحقة‏ ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏، ‏إذ‏ ‏تظهر‏ ‏ـ‏ ‏على ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏تشوشها‏ ‏المبدئى ‏ـ‏ ‏بعد‏ ‏قليل من تخطى ‏المنطقة‏ ‏الضبابية‏ ‏التى ‏تبدأ‏ ‏منها‏ ‏حركية‏ ‏المسارين‏. ‏وأخيرا‏ ‏فإن‏ ‏التذرع‏ ‏بما‏ ‏يسمى ‏المنهج‏ ‏الفينومينولوجي‏-‏كما‏ ‏تعودت‏ ‏أن‏ ‏أفعل‏- ‏هو‏ ‏حل‏ ‏وارد‏ ‏لكنه‏ ‏صعب‏، ‏وقد‏ ‏يختلط‏ ‏بالذاتية‏ ‏والشخصنة‏ ‏بجرعة‏ ‏تزيد‏ ‏أو‏ ‏تنقص‏، ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏المنهج‏ ‏ـ‏ ‏الفينومينولوجى ‏ـ‏ ‏هو‏ ‏عملية‏ ‏إبداعية‏ ‏قائمة‏ ‏بذاتها‏، ‏بحيث‏ ‏يصعب‏ ‏تصنيفه‏ ‏بنفس‏ ‏لغة‏ ‏ما‏ ‏يسمى “‏المنهج‏ ‏العلمى‏” عموما، مع أنه منهج علمىّ معرفى أساسى.‏

‏2 – ‏المأزق‏ ‏الثانى ‏هو‏ ‏كيفية‏ ‏إنقاذ‏ ‏المسيرة‏ ‏البشرية‏ ‏من‏ ‏طغيان‏ ‏مستوى ‏ ‏ظاهر‏ من الوعى والسلوك ‏على ‏بقية‏ ‏الوجود‏. ‏وهو‏ ‏ما‏ ‏أشرنا‏ ‏إليه‏ ‏منذ‏ ‏البداية‏ ‏من‏ ‏خطر‏ ‏تغليب‏ ‏قيمة‏ ‏الحياة‏ ‏الكمية‏ – ‏إذ أننا ‏ ‏نعلى ‏من‏ ‏قيمة‏ ‏ناتج‏ ‏الإبداع‏ ‏على ‏حساب‏ ‏قيمة‏ ‏الإبداع‏ ‏ذاته‏. ‏وقد‏ ‏عرضنا‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الدراسة‏ (‏ومن‏ ‏قبل‏ ‏فى ‏دراستنا‏ ‏عن‏ ‏الإيقاع‏ ‏الحيوى: ‏الفصل‏ ‏الأول‏) ‏مدخلا‏ ‏للنظر‏ ‏فى “‏الإبداع‏ ‏اليومى ‏للإنسان‏ ‏العادي‏، ‏فلعلنا‏ ‏ننتبه‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏ذلك‏ (‏من‏ ‏خلال‏ ‏التفرقة‏ ‏بين‏ ‏عملية‏ ‏الإبداع‏ ‏وبين‏ ‏ناتجه‏ ‏المنشور‏ ‏أو‏ ‏المرموز‏) ‏إلى ‏أننا‏ ‏فى ‏معظم‏ ‏الدراسات‏ ‏الشائعة‏ ‏لانقارن‏ ‏عادة‏ ‏بين‏ ‏حالة‏ ‏الجنون‏ ‏وحالة‏ ‏الإبداع‏ (‏بالتحديد‏ ‏الذى ‏أوضحناه‏ ‏لكلمة‏ “‏حالة‏”)، ‏وإنما‏ ‏نحن‏ ‏نقارن‏ – ‏فى ‏الأغلب‏- ‏بين‏ ‏ناتج‏ ‏الإبداع‏ ‏التشكيلى ‏الرمزى ‏وظاهرة‏ ‏الجنون‏ ‏المرضية‏ “‏القائمة‏”، ‏وأحيانا‏ ‏ما‏ ‏نقارن‏ ‏بين‏ ‏صفات‏ ‏كل‏ ‏من‏ ‏المجنون‏ ‏والمبدع‏ ‏وقدراتهما‏، ‏حالة‏ ‏كونهما‏ ‏بعيدا‏ ‏عن‏ ‏حركية‏ ‏العمليتين‏ ‏أساس‏ ‏التفاعل‏ ‏والمقارنة‏. ‏ولعل‏ ‏ذلك‏ ‏-‏هو‏ ‏المسئول‏ ‏جزئيا‏ ‏عن‏ ‏اختلاط‏ ‏نتائج‏ ‏الأبحاث‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏المسألة‏ ‏وتداخلها‏ ‏وتعارضها‏، ‏فالانتباه‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏الإبداع‏ ‏هو‏ ‏عملية‏، ‏وحالة‏، ‏وناتج‏ ‏أحيانا‏، ‏وأن‏ ‏الجنون‏ ‏هو‏ ‏عملية‏ ‏وحالة‏، ‏مع‏ ‏ندرة‏ ‏ناتجه‏ ‏خارج‏ ‏مايلحق‏ ‏بذات‏ ‏المجنون‏ ‏وسلوكه‏، ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏يلزمنا‏ ‏بتحديد‏ ‏مستويات‏ ‏المقارنة‏ ‏ابتداًء‏ ‏حتى ‏لايختلط‏ ‏الأمر‏.‏

للخروج‏ ‏من‏ ‏مأزق‏ ‏طغيان‏ ‏المستوى ‏المفاهيمى ‏المصقول‏ ‏الظاهر‏ ‏على ‏بقية‏ ‏مستويات‏ ‏الوجود‏ ‏البشرى، ‏علينا‏ ‏أن‏ ‏نرجع‏ ‏ـ‏ ‏ما‏ ‏أمكن‏ ‏ـ‏ ‏إلى ‏بدايات‏ ‏حركية‏ ‏الجدل‏، ‏لنتبين‏ ‏أن‏ ‏إهمال‏ ‏جانب‏ ‏من‏ ‏جوانب‏ ‏التناقض‏ (‏خوفا‏ ‏من‏ ‏ناتجه‏ ‏السلبى‏) ‏هو‏ ‏المسئول‏ ‏عن‏ ‏اختزال‏ ‏الإنسان‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏آل‏ ‏إليه‏، ‏وأنه‏ ‏لا‏ ‏سبيل‏ ‏إلى ‏الخروج‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏المأزق‏ ‏إلا‏ ‏بالانتباه‏ ‏إلى ‏اللغات‏ ‏الأخرى ‏والعلاقات‏ ‏الأصعب‏ (‏غير‏ ‏المعلنة‏ ‏مباشرة‏).‏

‏3 -‏المأزق‏ ‏الثالث ‏هو‏ ‏ما‏ ‏تفرضه‏ ‏علينا‏ ‏ضرورة‏ ‏انتباهنا‏ ‏إلى ‏حتمية‏ ‏الحركة‏، ‏ومن‏ ‏ثم‏ ‏حتمية‏ ‏الجنون‏، ‏أو‏ ‏بتعبير‏ ‏أكثر‏ ‏لطفا‏، ‏وأقل‏ ‏دقة‏، ‏حتمية‏ ‏اختراق‏ ‏الجنون‏، ‏فإذا‏ ‏قبلنا‏ ‏أنه‏ ‏لكى ‏يكون‏ ‏الإبداع‏ ‏إبداعا‏ ‏حقيقيا‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏ثمة‏ ‏مخاطرة‏ ‏بالتفكك‏ (‏بلا‏ ‏ضمان‏ ‏مسبق‏)، ‏وهذا‏ ‏ما‏ ‏أشرنا‏ ‏إليه‏ ‏بوصفه‏ ‏جنونا‏، ‏وإذا‏ ‏كان‏ ‏هذا‏ ‏التفكك‏ ‏لايحدث‏ ‏فى ‏أمان‏ ‏نسبى ‏إلا‏ ‏فى ‏جوف‏ ‏نشاط‏ ‏الحلم‏، ‏وإذا‏ ‏كان‏ ‏هذا‏ ‏غير‏ ‏كاف‏ ‏فى ‏بعض‏ ‏الحالات‏، ‏فعلينا‏ ‏أن‏ ‏نعيد‏ ‏النظر‏ ‏فى ‏موقفنا‏ ‏مما‏ ‏هو‏ ‏تفكك‏ = ‏جنون‏، ‏لا‏ ‏لنبرر‏ ‏استمراره‏ ‏إلى ‏مايهدد‏ ‏به‏، ‏وإنما‏ ‏لنتحمل‏ ‏مسئولية‏ ‏اختراقه‏ ‏بما‏ ‏يتصاعد‏ ‏بمسيرة‏ ‏النمو‏، ‏كما‏ ‏أسلفنا‏.‏

وإذا‏ ‏كان‏ ‏أغلب‏ ‏الإبداع‏ ‏هو‏ ‏من‏ ‏نوع‏ “‏الإبداع‏ ‏البديل‏”، ‏ومن‏ ‏ثم‏ ‏فهو‏ ‏ليس‏ ‏بالضرورة‏ ‏اختراقا‏ ‏للجنون‏ ‏وجدلا‏ ‏معه‏، ‏بل‏ ‏هو‏ ‏إبعاد‏ ‏له‏ ‏وحلول‏ ‏محله‏، ‏فإن‏ ‏علينا‏ ‏أن‏ ‏نخفف‏ ‏قليلا‏ ‏أو‏ ‏كثيرا‏ ‏من‏ ‏الاحتفاء‏ ‏به‏، ‏خشية‏ ‏أن‏ ‏يوردنا‏ ‏التمادى ‏فى ‏ذلك‏ ‏إلى ‏إغفال‏ ‏الإبداع‏ ‏العادى (‏اليومى ‏للشخص‏ ‏العادى ‏بلا‏ ‏ناتج‏ ‏منفصل‏ ‏عنه‏) ‏من‏ ‏جهة‏، ‏وتجنب‏ ‏الإبداع‏ ‏الفائق‏، ‏من‏ ‏جهة‏ ‏أخرى. ‏ولا‏ ‏أنصح‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏بداهة‏ ‏بالإقلال‏ ‏من‏ ‏شأن‏ ‏هذا‏ ‏الإبداع‏ ‏البديل‏، ‏أو‏ ‏الخوف‏ ‏من‏ ‏إعاقته‏ ‏لخطى ‏التطور‏[4]. ‏فهو‏ ‏تنسيق‏ ‏أصيل‏، ‏ورؤية‏ ‏مستطلعة‏، ‏وجمال‏ ‏مضاف‏، ‏فضلا‏ ‏عن‏ ‏أنه‏ ‏أفضل‏ ‏من‏ ‏بديله‏: ‏الجنون‏ (‏المقابل‏) ‏على ‏الأقل‏.‏

‏4المأزق الرابع:  ‏لو‏ ‏أننا‏ ‏قبلنا‏ ‏أنه‏ ‏لكى ‏يكون‏ ‏إبداع‏ ‏فائق‏ ‏فلا‏ ‏مفر‏ ‏من‏ ‏اختراق‏ ‏الجنون‏، ‏لواجهنا‏ ‏مسئولية‏ ‏ضرورة‏ ‏تهيئة‏ ‏الظروف‏ ‏المناسبة‏- ‏دينيا‏ ‏وسياسيا‏ ‏واجتماعيا‏ ‏وتربويا‏- ‏التى ‏توفرجرعة‏ ‏بالغة‏ ‏الدقة‏ ‏من‏ ‏السماح‏ ‏والضبط‏، ‏بما‏ ‏يواكب‏ ‏المسيرة‏، ‏ومرونة‏ ‏النبضة‏، ‏ورحابة‏ ‏الاستيعاب‏. ‏وبألفاظ‏ ‏أخرى ‏ننهى ‏هذه‏ ‏الفقرة‏ ‏بأنه‏:‏

لمّا‏ ‏كان‏ ‏الإبداع‏ ‏حتما‏، ‏ومواجهة‏ ‏الجنون‏ ‏من‏ ‏خلاله‏ ‏ضرورة‏ ‏خطرة‏، ‏والعدول‏ ‏عنه‏ ‏جمودا‏، ‏وإجهاضه‏ ‏تشويها‏، ‏واستمرار‏ ‏معاودته ‏-‏هكذا‏- ‏معاناةً‏ ‏لا‏ ‏يقدر‏ ‏عليها‏ ‏واحد‏ ‏وحده‏، ‏كان‏ ‏لزاما‏ ‏علينا‏ ‏أن‏ ‏نحيط‏ ‏المسيرة‏ ‏بما‏ ‏يوفر‏ ‏ترجيح‏ ‏الناتج‏ ‏الإيجابى ‏للجدلية‏ ‏الجارية‏، ‏ومن‏ ‏ذلك‏:‏

مساحة‏ ‏الحركة‏، ‏وضمان‏ ‏المرونة‏، ‏وضبط‏ ‏التوقيت‏، ‏واستمرار‏ ‏الإبداع‏ ‏المُوَاكب‏ ‏على ‏مستوى ‏السامـع‏ ‏والمحاور‏ ‏والمجتمع‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏التخاطب‏ ‏المتعدد‏ ‏القنوات‏، ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏فى ‏إطار‏ ‏حرية‏ (‏لا تستثنى البيولوجى‏) ‏تتناسب‏ ‏مع‏ ‏حركية‏ ‏الجدل‏ ‏وقوانينه‏ (‏انظر‏ ‏الفصل‏ ‏الثالث‏).‏

على ‏أنه‏ ‏يجدر‏ ‏بنا‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏المرحلة‏ ‏أن‏ ‏نعيد‏ ‏النظر‏ ‏فى ‏الاتجاه‏ ‏السائد‏ ‏لما‏ ‏يسمى “‏تنمية‏ ‏قدرات‏ ‏الإبداع‏”. ‏ذلك‏ ‏بأن‏ ‏مثل‏ ‏هذا‏ ‏الاتجاه‏ ‏يصوِّر‏ ‏للإبداع‏ ‏قدرات‏ ‏متميزة‏ ‏كأنها‏ ‏تقع‏ ‏فى ‏بعض‏ ‏جوانب‏ ‏الحياة‏ ‏العقلية‏ ‏لبعض‏ ‏الناس‏، ‏والأوْلى ‏بنا‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏ما‏ ‏قدمنا‏ ‏أن‏ ‏نعطى ‏نفس‏ ‏الأهمية‏ ‏وأكثر‏ ‏لما‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يسمى: “‏السماح‏ ‏بحركية‏ ‏الإبداع‏”، ‏وهو‏ ‏الأمر‏ ‏الوارد‏ ‏عند‏ ‏كل‏ ‏شخص‏ ‏بطبيعة‏ ‏تركيبه‏ ‏الحيوى. ‏وبألفاظ‏ ‏أخرى ‏فإن‏ ‏المسألة‏ ‏ليست‏ ‏فقط‏ ‏قدرات‏ ‏ومواهب‏، ‏تزيد‏ ‏أو‏ ‏تنقص‏، ‏وإنما‏ ‏هى ‏حركية‏ ‏جدلية‏ ‏حتمية‏ ‏تتوجه وتؤلِّفْ، ‏أو‏ ‏تـجهض‏ ‏أو‏ ‏تُنكر‏[5].‏

لابد‏ ‏من‏ ‏إعادة‏ ‏النظر‏ ‏فى ‏مسألة‏ ‏التربية‏- ‏على ‏النطاق‏ ‏الأوسع‏- ‏من‏ ‏منظور‏ ‏حركية‏ ‏الإبداع‏ ‏وليس‏ ‏من‏ ‏منظور‏ ‏قدرات‏ ‏خاصة‏ ‏موجودة‏ ‏هنا‏، ‏وناقصة‏ ‏هناك‏، ‏مما‏ ‏يسمى ‏أيضا‏ “‏ملكات‏” ‏أو‏ “‏مواهب‏” ‏أو‏ ‏ماشابه‏ ‏ذلك‏. ‏إن‏ ‏الدور‏ ‏التربوى ‏هنا‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏يهدف‏ ‏إلى ‏ضبط‏ ‏الجرعة‏: بالممارسة‏ ‏على ‏كل‏ ‏مستوى ‏وليس‏ ‏بالتلقين‏ – ‏وهذا يتطلب:‏

(1) ‏المرونة‏ ‏فى ‏إطار‏ ‏متحرك‏،

(2) ‏ثم‏ ‏المرونة‏ ‏دون‏ ‏شروط‏،

(3) ‏ثم‏ ‏المرونة‏ ‏المواكَبة‏ ‏بالاختلاف‏ ‏الخلاق‏،

(4) ‏ثم‏ ‏التحرك‏ ‏فى ‏مساحة‏ ‏الغيب‏ ‏المفتوح‏،

(5) ‏ثم‏ ‏العناية‏ ‏بالتواصل‏ ‏الأسرى ‏والاجتماعى ‏من‏ ‏خلال‏ ‏القنوات‏ ‏غير‏ ‏اللفظية‏-‏أيضا‏، (‏وربما‏ ‏قبلا‏)،

(6) ‏ثم‏ ‏حركية‏ ‏الإيمان‏/ ‏الدين‏/ ‏التصوف‏/ ‏الإيديولوجيا‏/ ‏المراجعة‏… ‏إلخ‏،

(7) ‏ثم‏ ‏حركية‏ ‏التلقى ‏فى ‏مجالات‏ ‏النقد‏ ‏المبدع‏ ‏على ‏مختلف‏ ‏المستويات‏. ‏وهكذا باستمرار وغير‏ ‏ذلك‏ ‏مما‏ ‏لامجال‏ ‏لذكره‏ ‏هنا‏ ‏الآن‏.‏

[1]- وبصفة‏ ‏عامة‏ ‏نوضح‏ ‏هنا‏ ‏أهم‏ ‏الظروف‏ ‏التى ‏يحدث‏ ‏فيها‏ ‏مثل‏ ‏هذا‏ ‏البسط‏ ‏الجسيم – المرض‏، ‏وهى:‏

‏ (‏أ‏) ‏أن‏ ‏يحمل‏ ‏الفرد‏ ‏حفزا‏ ‏وراثيا‏ ‏لحركية‏ ‏التعتعة‏ ‏الجسمية‏ ‏والبسط‏ ‏الأعظم‏- ‏وهذا‏ ‏يتبين‏ ‏من‏ ‏تاريخ‏ ‏عائلته‏ ‏الوراثى، ‏سواء‏ ‏مايتعلق‏ ‏بالإبداع‏ ‏أو‏ ‏الجنون‏، ‏إذ‏ ‏عادة‏ ‏مايتواتر‏ ‏فى ‏العائلة‏ ‏الواحدة‏ ‏تاريخ‏ ‏كل‏ ‏من‏ ‏الظاهرتين‏ ‏بصورة‏ ‏أو‏ ‏بأخرى. ‏ويمكن‏ ‏أن‏ ‏نـرجع‏ ‏هذا‏ ‏الاستعداد‏ ‏الوراثى ‏إلى ‏كم‏ ‏قلق‏ ‏المعلومات‏ ‏ونزقها‏، ‏مما‏ ‏يشير‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏تلك‏ ‏المعلومات‏ ‏لم‏ ‏تُتَمثل‏ ‏تماما‏، ‏فى ‏الجيل‏ ‏السابق‏، ‏فانتقلت‏ ‏إلى ‏الفرد‏ ‏الحالى ‏عن‏ ‏طريق‏ ‏الذاكرة‏ ‏الجينية‏ ‏فى ‏قطاع‏ ‏بشرى ‏بذاته‏، ‏يحمل‏ ‏جرعة‏ ‏زائدة‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏المعلومات‏ ‏غير‏ ‏المتمثلة‏.‏ (‏ب‏) ‏أن‏ ‏تعجز‏ ‏التعتعة‏ ‏الدورية‏ (‏الحلم‏ ‏النوم‏ ‏اليقظة‏)، (‏أى = ‏التفكيك‏، ‏التعزيز‏/‏الاستيعاب‏) ‏عن‏ ‏أن‏ ‏تقسم‏ ‏جرعات‏ ‏البسط‏ ‏إلى ‏جرعات‏ ‏مجزأة‏ ‏يمكن‏ ‏استيعابها‏ ‏يوميا‏ ‏أولا‏ ‏بأول‏، ‏دون‏ ‏حاجة‏ ‏إلى ‏بسط‏ ‏أعظم‏.‏ (‏ج‏) ‏أن‏ ‏تتجمع‏- ‏بالإضافة‏- ‏معلومات‏ ‏جديدة‏ ‏غير‏ ‏متمثلة‏ (غير=‏ ‏=مـعـايشـة‏ ‏كيانيا‏ ‏لدرجة‏ ‏الهضم‏ ‏فالالتحام‏ ‏بالكل‏ ‏النامي‏) ‏حتى ‏تتزاحم‏ ‏وتضغط‏ ‏مع‏ ‏المعلومات‏ ‏الموروثة‏ ‏غير‏ ‏المتمثلة‏ ‏على ‏نحو‏ ‏ينتج‏ ‏عنه‏ ‏الحفز‏ ‏الشديد‏ ‏لهذا‏ ‏التخلخل‏ ‏البسطى ‏الجسيم‏.‏(‏د‏) ‏أن‏ ‏تحين‏ ‏فرصة‏ ‏التخلخل‏ ‏حين‏ ‏يختل‏ ‏توازن‏ “‏الضبط‏/‏الضغط‏” (‏الضبط‏ ‏من‏ ‏الخارج‏ ‏ومن‏ ‏الداخل‏ ‏معا‏، ‏والضغط‏ ‏من‏ ‏الداخل‏ ‏مثارا‏ ‏بالخارج‏ ‏أحيانا‏)، ‏بما‏ ‏يسمح‏ ‏بإطلاق‏ ‏الكامن‏ ‏الضاغط‏ ‏فى ‏وساد‏ ‏الوعى ‏القائم‏ ‏نفسه‏. ‏حتى ‏يختل‏ ‏التوازن‏ ‏تلقائيا‏ ‏أو‏ ‏دوريا‏، ‏أو‏ ‏نتيجة‏ ‏لظروف‏ ‏خارجية‏- ‏كما‏ ‏ذكرنا‏.‏

[2]- لم‏ ‏أعرج‏ ‏فى ‏المتن‏ ‏بالتفصيل‏ ‏إلى ‏مستوى ‏الجنون‏ ‏البديل‏ (‏لكل‏ ‏من‏ ‏الإبداع‏ ‏والجنون‏ ‏المتفسخ‏/‏الفصام‏- ‏معا‏) ‏لما‏ ‏قد‏ ‏يجرنا‏ ‏ذلك‏ ‏إلى ‏تفاصيل‏ ‏مهنية‏ ‏تخصصية‏، ‏قد‏ ‏تبعدنا‏ ‏عن‏ ‏محور‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏ ‏الأساسى، ‏فأكتفى ‏هنا‏ ‏فى ‏الهامش‏-‏لمن‏ ‏يهمه‏ ‏الأمر‏- ‏أن‏ ‏أحدد‏ ‏أن‏ ‏ثمة‏ ‏أنواعا‏ ‏أخرى ‏من‏ ‏الجنون‏ ‏قد‏ ‏تبدو‏ ‏كأنها‏ ‏متماسكة‏ ‏الظاهر‏، ‏راسخة‏ ‏الظهور‏، ‏مسلسلة‏ ‏المنطق‏ ‏المرضى ‏أو‏ ‏هى ‏تبدو‏ ‏شاقة‏ ‏تيار‏ ‏الوعى، ‏أو‏ ‏مفرطة‏ ‏فى ‏جرعة‏ ‏التجميد‏ ‏المضاد‏ ‏ضد‏ ‏التهديد‏ ‏بظهور‏ ‏التناثر‏. ‏وكل‏ ‏هذه‏ ‏الأنواع‏ ‏إما‏ ‏تظهر‏ ‏بهدف‏ ‏إيجاد‏ ‏مخرج‏ ‏ولو‏ ‏مؤقت‏ ‏يوقف‏ ‏ضغط‏ ‏التناثر‏ ‏وجذب‏ ‏الانسحاب‏ ‏النكوصى‏ ‏لا‏ ‏مجال‏ ‏لتفصيله‏ ‏حتى ‏فى ‏الهامش‏.‏

[3] –  سبق أن اشرت كيف صبرت على أدونيس شاعرا، من خلال احترامى لدراساته النقدية، خاصة فى “الثابت والمتحول”.

[4]- مررت‏ ‏بفترة‏ ‏كنت‏ ‏فيها‏ ‏أعد‏ ‏أى ‏إبداع‏ ‏رمزى ‏مسقط‏ ‏خارج‏ ‏الذات‏ ‏مهربا‏‏ ‏من‏ ‏مواجهة‏ ‏مسئولية‏ ‏النمو‏ ‏الذاتى، ‏وكان‏ ‏هذا‏ ‏نتيجة‏ ‏لملاحظتى ‏للارتباط‏ ‏التناسبى ‏العكسى ‏بين‏ ‏قرض‏ ‏الشعر‏ ‏مثلا‏ ‏ونبض‏ “‏الحضور‏ ‏الفعلي‏” ‏فى ‏العلاج‏ ‏الجمعى، ‏وهكذا‏. ‏ثم‏ ‏رويدا‏ ‏رويدا‏ ‏عدلت‏ ‏عن‏ ‏ذلك‏، ‏على ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏أنه‏ ‏مازال‏ ‏يمثل‏ ‏فى ‏مختلف‏ ‏مراحل‏ ‏كتاباتى، ‏أرضية‏ ‏فاعلة‏ ‏فى ‏معظم‏ ‏الوقت‏- ‏ورجحت‏ ‏أن‏ ‏من‏ ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يعيش‏ ‏ما‏ ‏يراه‏ (‏إبداعا‏) ‏فليكتبه‏ ‏لمن‏ ‏يستطيع‏ (‏مستقبلا‏)، ‏ورضيت‏ ‏بهذا‏ ‏التأجيل‏ ‏والتبرير.

[5]- فيما‏ عدا ما ‏يسمى ‏الزملة‏ ‏المخية‏ ‏العضوية‏ Organic Brain Syndrome ‏بما‏ ‏يشمل‏ ‏الذهان‏ ‏المصاحب‏ ‏لها‏، ‏حيث‏ ‏تحدث‏ ‏الأعراض‏ ‏بما‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏التناثر‏، ‏ليس‏ ‏نتيجة‏ ‏لضغط‏ ‏مفكك‏، ‏وإنما‏ ‏نتيجة‏ ‏لتقطع‏ ‏عشوائى ‏بسبب‏ ‏إصابة‏ ‏أو‏ ‏تهتك‏ ‏أو‏ ‏ورم‏ ‏أو‏ ‏تسمم‏. ‏ولايسرى ‏على ‏هذا‏ ‏النوع‏ ‏أى ‏مما‏ ‏ذكرنا‏، ‏اللهم‏ ‏إلا‏ ‏فى ‏هوامش‏ ‏الأعراض‏ ‏التعويضية‏، ‏وبدرجة‏ ‏طفيفة‏ ‏ومحورة‏ ‏لا‏ ‏أهمية‏ ‏لها‏ ‏فيما‏ ‏يتعلق‏ ‏بالفرض‏ ‏الحالى.

تطبيقات محتملة

تطبيقات محتملة

10‏ـ‏ ‏تطبيقات‏ ‏محتملة‏: ‏

‏ننتقل‏ ‏أخيرا‏ ‏إلى ‏مايمكن‏ ‏أن‏ ‏تعد‏ ‏به‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏ ‏فى ‏مجالات‏ ‏محددة‏، ‏كأمثلة‏ ‏متواضعة‏، ‏عملية‏ ‏ومباشرة‏، ‏نختار‏ ‏من‏ ‏بينها‏ ‏ما‏ ‏يتعلق‏ ‏بمشكلة‏ ‏التشخيص‏ ‏والعلاج‏ ‏فى ‏الطب‏ ‏النفسى ‏بالنسبة‏ ‏للجنون‏ ‏بخاصة‏، ‏ومشكلة‏ ‏تطور‏ ‏اللغة‏، ‏والموقف‏ ‏من‏ ‏الحداثة‏ ‏فى ‏الشعر خاصة‏، ‏ثم‏ ‏من‏ ‏الإبداع‏ ‏الذاتى ‏فى ‏خبرات‏ ‏التصوف‏.‏

‏(1) ‏فى ‏التشخيص‏ ‏الطبى ‏وعلاج‏ ‏الجنون‏: ‏

يخطىء‏ ‏من‏ ‏يحسب‏ ‏أن‏ ‏مشكلة‏ ‏التشخيص‏ (‏والعلاج‏) ‏فى ‏مجال‏ ‏الطب‏ ‏النفسى ‏هى ‏مشكلة‏ ‏مهنية‏ ‏أو‏ ‏علمية‏ ‏متخصصة‏ ‏على ‏نحو‏ ‏منفصل‏ ‏عن‏ ‏السياق‏ ‏التاريخى ‏العام‏، ‏أو‏ ‏عن‏ ‏الوجود‏ ‏البشرى ‏المشتمِل‏، ‏إذ‏ ‏هى ‏قبل‏ ‏ذلك‏ ‏واجهة‏ ‏دالة‏ ‏على ‏مرحلة‏ ‏تطور‏ ‏مجتمع‏ ‏بذاته‏ ‏فى ‏حقبة‏ ‏زمنية‏ ‏بعينها‏، ‏فليس‏ ‏الجنون‏ (‏على ‏الأقل‏ ‏بما‏ ‏قدمت‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏) ‏مرضا‏ ‏يصيب‏ ‏الإنسان‏ ‏من‏ ‏خارجه‏ (‏إلا‏ ‏فى ‏بعض‏ ‏أنواعه‏ ‏بعيدا‏ ‏عما‏ ‏عرضنا‏ ‏هنا[1]، ‏وإنما‏ ‏هو‏ ‏حالة‏ ‏حتمية‏، ‏كامنة‏ ‏فى ‏الداخل‏، ‏جاهزة‏ ‏للتنشيط‏، ‏ضرورية‏-‏ بما‏ ‏هى ‏مرحلة‏- ‏للمسيرة‏. ‏فإذا‏ ‏تقدم‏ ‏فرع‏ ‏تخصص‏ (‏علمى‏) ‏يعلن‏ ‏أن‏ ‏له‏ ‏الكلمة‏ ‏التخصصية‏ (‏العلمية‏!!) ‏فى ‏هذا‏ ‏الأمر‏، ‏فصور‏ ‏لنا‏ -‏وربما‏ ‏فرض‏ ‏علينا‏- ‏مفهوما‏ ‏سكونيا‏ ‏مغتربا‏ ‏لما‏ ‏هو‏ ‏جنون‏، ‏فإن‏ ‏ذلك‏ ‏قد‏ ‏يعنى ‏ضمنا‏ ‏أنه‏ ‏ممثل‏ ‏غير‏ ‏معلن‏ ‏لنوع‏ ‏الحياة‏ ‏الكمية‏ ‏الخطرة‏ ‏التى ‏انسقنا‏ ‏إليها‏، ‏والتى ‏بدأنا‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏ ‏بالإشارة‏ ‏إلى ‏خطورة ‏التمادى ‏فى ‏الرضوخ‏ ‏لها‏. ‏ولو‏ ‏أننا‏ ‏واصلنا‏ “‏الإعلام‏” ‏عن‏ ‏الجنون‏-‏بكل‏ ‏صوره‏-‏بوصفه‏ ‏مرضا‏، ‏وخطرا‏، ‏وتدهورا‏ ‏فى ‏كل‏ ‏حال‏، ‏لبدا‏ ‏أنه‏ ‏من‏ ‏الواجب‏ ‏على ‏كل‏ ‏من‏ ‏يهمه‏ ‏الأمر‏، ‏خاصة من المختصين‏ ‏من‏ ‏الأطباء‏، ‏المبادرة‏ ‏بالإغارة‏ ‏عليه‏، ‏والتخلص‏ ‏منه‏ ‏بكل‏ ‏صوره‏، ‏وفورا‏، ‏وباستمرار‏، ولا اعتراض على مبدأ رفض الجنون ومقاومته، لكن التحفظ هو على مسألة “فوراً، وباستمرار” فيما يخص عملية التحريك وليس مآل التدهور. أن هذا الإنقضاض” فورا وباستمرار” ‏هو‏ ‏مايجرى ‏حاليا‏ ‏فى ‏أغلب‏ ‏الممارسات‏ ‏الطبية‏ ‏النفسية‏ ‏فى ‏طول‏ ‏العالم‏ ‏وعرضه‏، ‏تحت‏ ‏مزاعم‏ ‏كيميائية‏ ‏وتنظير‏ ‏دوائى ‏مغرض بغير‏ ‏حدود‏[2]. ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏نستنتج‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏الإغارة‏ ‏سوف‏ ‏تأخذ‏ ‏فى ‏طريقها‏ ‏كل‏ “‏البدايات‏”، ‏بزعم‏ ‏العلاج‏ ‏السريع‏ ‏والفورى‏، ‏أعنى ‏كل‏ ‏بدايات‏ ‏حركية‏ ‏الإنسان‏ ‏على ‏طريق‏ ‏تطوره‏، ‏بما‏ ‏فى ‏ذلك ‏-‏كما‏ ‏أشرنا‏ ‏منذ‏ ‏قليل‏- ‏بدايات‏ ‏الإبداع‏. ‏وقد‏ ‏تنبهت‏ ‏ونبهت‏ ‏لهذا‏ ‏الخطر‏ ‏منذ‏ ‏البداية‏، ‏حتى ‏فى ‏مرحلة‏ ‏تفكيرى ‏الأكثر‏ ‏سكونا‏، ‏حيث‏ ‏أكدت‏ “‏أن‏ ‏التفرقة‏ ‏بين‏ “‏أزمة‏ ‏التطور‏” ‏والمرض‏ ‏الذى ‏يقتصر‏ ‏على ‏الهزيمة‏ ‏أمام‏ ‏قوى ‏التدهور‏ ‏خليقة‏ ‏بأن‏ ‏توجه‏ ‏العلاج‏ ‏توجيها‏ ‏أساسيا‏ ‏منذ‏ ‏البداية‏”[3].

على ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الخطر‏ (‏السحق‏ ‏المبكر‏ ‏والشامل “فورا وباستمرار”‏‏) ‏لايقتصر‏ ‏على ‏من‏ ‏يتصادف‏ ‏أن‏ ‏يقع‏ ‏فى ‏أيدى ‏المعالجين‏ ‏المتحمسين‏ ‏الوصاة‏، ‏بل‏ ‏إن‏ ‏إشاعة‏ ‏الخوف‏ ‏من‏ ‏الجنون‏ ‏بكل‏ ‏صوره‏ ‏ومراحله‏، ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏تنتقل‏ ‏إلى ‏الشارع‏، ‏إلى ‏الرجل‏ ‏العام‏، ‏فيصبح‏ ‏الخوف‏ ‏من‏ ‏الجنون‏ ‏مبررا‏ ‏للخوف‏ ‏من‏ ‏الاختلاف‏ ‏أيا‏ ‏كان‏، ‏بما‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏الخوف‏ ‏من‏ ‏الإبداع‏، ‏بل‏ ‏إن‏ ‏موجة‏ ‏الإرعاب‏ ‏هذه‏ ‏قد‏ ‏تنتقل‏ ‏إلى ‏مجتمع‏ ‏المبدعين‏ (‏إن‏ ‏صح‏ ‏التعبير‏ ‏بحسب‏ ‏الشائع‏ ‏عن‏ ‏الإبداع‏، ‏وليس‏ ‏بالتعريف‏ ‏الأشمل‏ ‏حيث‏ ‏كل‏ ‏إنسان‏ ‏مبدع‏ ‏بالضرورة‏)، ‏على ‏نحو‏ ‏قد‏ ‏يقلل‏ ‏من‏ ‏فرص‏ ‏التقدم‏ ‏المغامر‏ ‏إلى ‏الإبداع‏ ‏الفائق‏ ‏اختراقا‏ ‏للجنون‏ ‏ومن‏ ‏ثم‏ ‏فقد‏ ‏يقتصر‏ ‏الأمر‏ ‏على ‏الرضا‏ ‏بما‏ ‏أسميناه‏ ‏الإبداع‏ ‏البديل‏، ‏الذى ‏نتوقع‏ ‏أن‏ ‏يزداد‏ ‏تسطيحا‏ ‏كلما‏ ‏زادت‏ ‏جرعة‏ ‏الخوف‏ ‏من‏ ‏بديله‏ ‏إرعابا‏، ‏وقد‏ ‏يصل‏ ‏الأمر‏ استسهالا إلى إنتاج مزيد مما‏‏ ‏أسميناه‏ ‏بالإبداع‏ ‏الناقص‏ ‏خوفا‏ ‏من‏ ‏إكمال‏ ‏المسيرة‏ ‏اختراقا‏ ‏للجنون‏، ‏سعيا‏ ‏إلى ‏الإبداع‏ ‏الفائق‏‏، ‏فالممارسة‏ ‏الطبية‏ ‏النفسية‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏المنطلق‏ ‏لايقتصر‏ ‏تأثيرها‏ السلبى ‏على ‏المجال‏ ‏الطبى ‏فحسب‏، ‏بل‏ ‏قد‏ ‏يمتد ‏-‏كما‏ ‏أوضحنا‏- ‏إلى ‏التأثير‏ ‏على ‏حركية‏ ‏الإبداع‏ ‏وتوجهاته‏ ‏جميعا‏.‏

على ‏أن‏ ‏إعادة‏ ‏النظر‏ ‏فى ‏المسألة‏ ‏الطبية‏ ‏النفسية‏ ‏لاينبغى ‏أن‏ ‏يقتصر‏ ‏على ‏تأكيد‏ ‏ضرورة‏ ‏تمييز‏ ‏البدايات‏ ‏تشخيصا‏، ‏ولا‏ ‏على ‏التنبية‏ ‏على ‏منع‏ ‏الإغارة‏ ‏العلاجية‏ ‏المرتعدة‏ ‏الساحقة‏ الملاحقة الدائمة ‏فى ‏آن‏‏، ‏بل‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏يمتد‏ ‏إلى ‏تغيير‏ ‏الموقف‏ ‏التنظيرى ‏العلمى، ‏ومن‏ ‏ثم‏ ‏تغيير‏ ‏إعداد‏ ‏المعالج‏، ‏نظرا‏ ‏لتغيير‏ ‏مفهوم‏ ‏العلاج‏، ‏ومساره‏، ‏ومسئوليته‏. ‏ذلك‏ ‏بأنه‏ ‏إن‏ ‏كان‏ ‏ثمة‏ ‏جدلية‏ ‏ممكنة‏ ‏بين‏ ‏ماهو‏ ‏جنون‏ ‏وماهو‏ ‏إبداع‏، ‏حتى ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏يتجه‏ ‏المسار‏ ‏على ‏نحو‏ ‏متزايد‏ ‏إلى ‏ماهو‏ ‏جنون‏، ‏فإن‏ ‏واجب‏ ‏المعالج‏ ‏هو‏ ‏أن‏ ‏يسعى ‏لتهيئة‏ ‏الفرصة‏ ‏لاستعادة‏ ‏تنشيط‏ ‏هذه‏ ‏الجدلية‏ ‏بمواكبة‏ ‏المريض‏ ‏فى ‏إيقاع‏ ‏إبداعى ‏مواز‏[4]، ‏فى ‏إطار‏ ‏الضبط‏ ‏الدورى ‏للإيقاع‏ ‏الحيوى، ‏على ‏نحو‏ ‏يسمح‏ ‏باستعادة‏ ‏الجدلية‏ ‏فى ‏اتجاه‏ ‏بنائى، ‏وكأننا‏ ‏نتحدث‏ ‏عن‏ ‏جدل‏ ‏مركب‏ ‏آخر‏ ‏بين‏ ‏الجنون‏ ‏ممثلا‏ ‏فى ‏شخص‏ ‏المريض‏ (‏الذى ‏يحمل‏ ‏بذور‏ ‏الإبداع‏ ‏وجذوره‏)، ‏والإبداع‏ ‏ممثلا‏ ‏فى ‏رحابة‏ ‏المعالج‏ ‏ومرونته‏ ‏وجدليته‏ ‏الموازية‏ ‏لأكثر‏ ‏من‏ ‏مستوى ‏معرفى ‏ووجودى ‏فى ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ (‏ذلك‏ ‏الإبداع‏ ‏المواكب‏ ‏الذى ‏يحتوى ‏جنون‏ ‏المعالج‏ ‏والمريض‏ ‏معا‏). ‏ومن‏ ‏خلال‏ ‏هذا‏ ‏التركيب‏ ‏الحركى ‏الجدلى ‏المتعدد‏ ‏الأطراف‏، ‏ينتقل‏ ‏الجدل‏ ‏بالتدريج‏ ‏إلى ‏داخل‏ ‏المريض‏ ‏بعد‏ ‏رد‏ ‏المسار‏ ‏إلى ‏بداياته‏، ‏لتبدأ‏ ‏جدلية‏ ‏أقل‏ ‏تعقيدا‏ ‏بين‏ ‏جنون‏ ‏المريض‏ ‏وإبداعه‏ ‏ذاته‏ (‏وهو‏ ‏ما‏ ‏أشرنا‏ ‏إليه‏ ‏سابقا‏)، ‏وذلك‏ ‏فى ‏وسط‏ ‏مرن‏ ‏يسمح‏ ‏بمساحة‏ ‏للحركة‏ ‏وحوار‏ ‏متصل‏ ‏على ‏أكثرمن‏ ‏مستوى ‏مع‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏معالج‏. ‏فإذا‏ ‏نجح‏ ‏هذا‏ ‏كله‏، ‏أو‏ ‏بعضه‏، ‏تغير‏ ‏التركيب‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏يغير‏ ‏من‏ ‏طبيعة‏ ‏توجه‏ ‏المسار‏، ‏حتى ‏لو‏ ‏انتكس‏ ‏المريض‏، ‏حيث‏ ‏تكون‏ ‏المناعة‏ ‏هنا‏ ‏نتيجة‏ ‏لتغير‏ ‏كيفى ‏فى ‏علاقات‏ ‏المستويات‏ ‏وتوجهها‏ (‏ولامجال‏ ‏لتفصيل‏ ‏هذا‏ ‏هنا‏). ‏وقد‏ ‏أطلْتُ‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الفقرة‏ ‏برغم‏ ‏ظاهر‏ ‏التخصص‏، ‏إلا‏ ‏أنى ‏تصورت‏ ‏أنه‏، ‏بالقياس‏، ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يقوم‏ ‏النقد‏ ‏الأدبى ‏ببعض ما يوازى‏ ‏هذا‏ ‏الدور‏ ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏، مما سيأتى بعضه بعد.‏

(2) ‏فى ‏تطور‏ ‏اللغة‏:‏

‏”‏اللغة‏ (‏هى‏) ‏جماع‏ ‏تاريخ‏ ‏البشرية‏”[5]، ‏وهى “.. ‏ليست‏ ‏إضافة‏ ‏لاحقة‏ ‏تلصق‏ ‏بظاهر‏ ‏الوجود‏ ‏البشرى ‏الفردى ‏والجماعى، ‏بل‏ ‏هى ‏الوجود‏ ‏البشرى ‏فى ‏أرقى ‏مراتب‏ ‏تعقده‏”. “… ‏واللغة‏.. ‏هى ‏ذلك‏ ‏الكيان‏ ‏البيولوجى ‏الراسخ‏ ‏المرن‏/‏المفتوح‏ ‏معا‏، ‏وبالتالى ‏فهى ‏دائمة‏ ‏التشكيل‏ ‏والتشكل‏، ‏وليس‏ ‏الكلام‏ ‏إلا‏ ‏بعض‏ ‏ظاهرها‏ ‏فى ‏سلوك‏ ‏رمزى ‏منطوق‏/‏أو‏ ‏مكتوب‏”. “‏على ‏أن‏ ‏الكلام‏ ‏وهو‏ ‏يؤدى ‏بعض‏ ‏وظائفه‏ ‏للتواصل‏ ‏والاقتصاد‏ ‏يعود‏ ‏فيؤثر‏ ‏ارتجاعا‏ ‏على ‏الكيان‏ ‏اللغوى ‏ذاته‏، ‏أى ‏على ‏تنظيم‏ ‏وجودنا‏ ‏وفاعليته‏”[6]. ‏ومن‏ ‏ثم‏ ‏فإن‏ ‏اللغة‏ ‏معرضة‏ ‏للجمود‏ ‏والتشويه‏ ‏بدرجة‏ ‏تلزمنا‏ ‏بغاية‏ ‏الحذر‏ ‏ونحن‏ ‏نستسلم‏ ‏لثباتها‏، ‏أو‏ ‏نعلى ‏من‏ ‏ضرورة‏ ‏تقديسها‏ ‏كما‏ ‏هى‏. “‏فالوعى ‏المنحاز‏ ‏أو‏ ‏المزيف‏، ‏لاينتج‏ ‏إلا‏ ‏عن‏ ‏لغة‏ ‏منحازة‏ ‏بحكم‏ ‏طبيعتها‏”.‏

من‏ ‏هذا‏ ‏المنطلق‏، ‏وبعد‏ ‏هذه‏ ‏المقدمة‏، ‏نستطيع‏ ‏أن‏ ‏نتصور‏ ‏التحدى ‏الملقى ‏علينا‏ ‏فى ‏مسألة‏ ‏تطور‏ ‏اللغة‏ ‏بالقياس‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏قدمناه‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏الفرض‏ (‏هنا‏)، ‏فاختراق‏ ‏وصاية‏ ‏اللغة‏ ‏ورسوخها‏ ‏حتم‏ ‏تفرضه‏ ‏ضرورة‏ ‏التطور‏ ‏وحركية‏ ‏الإبداع‏، ‏لكن‏ ‏هذا‏ ‏الاختراق‏ – ‏مثل‏ ‏كل‏ ‏اختراق‏ – ‏محفوف‏ ‏بتهديد‏ ‏الجنون‏ (‏كما‏ ‏أوردنا‏)، ‏فثمة‏ ‏جدل‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏يفرض‏ ‏نفسه‏ ‏حلا‏ ‏لهذا‏ ‏التحدى ‏الصريح‏، ‏وهو‏ ‏الجدل‏ ‏بين‏ ‏الظاهرة‏ ‏الوجودية‏ ‏الأعمق‏ ‏إذ‏ ‏تتفجر‏ ‏فى ‏علاقات‏ ‏وتركيبات‏ ‏جديدة‏ ‏قديمة‏ ‏متجددة‏، ‏والتركيب‏ ‏اللغوى ‏السابق‏ ‏لها‏ ‏مباشرة‏، ‏والعاجز‏ ‏عن‏ ‏استيعابها‏ ‏استيعابا‏ ‏تاما‏. ‏والصيغة‏ ‏المطروحة‏ ‏لاختراق‏ ‏هذا‏ ‏المأزق‏، ‏بهذه‏ ‏الجدلية‏، ‏هى ‏التى ‏يقال‏ ‏لها‏ “‏الشعر‏”، ‏حيث‏ “.. ‏يلزم‏ ‏الشعر‏، ‏فينشأ‏، ‏حين‏ ‏ترفض‏ ‏الظاهرة‏ ‏أن‏ ‏تظل‏ ‏كامنة‏ ‏فى ‏ما‏ ‏ليس‏ ‏لفظا‏ ‏متاحا‏ ‏للتواصل‏، ‏وفى ‏نفس‏ ‏الوقت‏ ‏حين‏ ‏ترفض‏ ‏أن‏ ‏تحشر‏ ‏نفسها‏ ‏فى ‏تركيب‏ ‏لغوى ‏جاهـز‏(‏مسبق‏ ‏الإعداد‏). ‏فالشعر‏ ‏هـو‏ “‏عملية‏ ‏تخليق‏ ‏للكيان‏ ‏اللغوى ‏فى ‏محاولة‏ ‏الوصول‏ ‏إلى ‏الخبرة‏ ‏الوجودية‏ ‏المنبثـقة‏ (‏الفصل‏ ‏الأول‏) ‏وهذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏الشعر‏ ‏الذى ‏سبق‏ ‏أن‏ ‏أطلقت‏ ‏عليه‏ ‏صفات‏ ‏مختلفة‏ (‏فعل‏ ‏الشعر‏، ‏الشعر‏ ‏الشعر‏، ‏أقصى ‏الشعر‏ ..‏إلخ‏) ‏هـو‏ ‏الممثل‏ ‏الأول‏ ‏لنوع‏ ‏الإبداع‏ ‏الفائق‏ ‏كما‏ ‏ورد‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الدراسة‏- ‏ذلك‏ ‏الإبداع‏ ‏الذى ‏يؤدى ‏إخفاقه‏ ‏إلى ‏التدهور‏ ‏إلى ‏ماهو‏ ‏جنون‏ (‏ما‏ ‏استمرت‏ ‏الحركية‏: ‏تحللية‏ ‏فى ‏عكس‏ ‏الاتجاه‏)، ‏حيث‏ ‏تسقط‏ ‏اللغة‏ ‏القديمة‏ (‏المفاهيمية‏) ‏إذ‏ ‏تعجز‏ ‏عن‏ ‏الترابط‏ ‏وعن‏ ‏تأدية‏ ‏وظيفتها‏، ‏كما‏ ‏تجهض‏ ‏اللغة‏ ‏الجديدة‏ ‏وتتحلل‏، ‏فلا‏ ‏يتبقى ‏من‏ ‏هذا‏ ‏وذاك‏ ‏إلا‏ ‏مايسمى “‏سلطة‏” ‏الكلمات‏،[7] ‏أ‏و‏ ‏رطان‏ ‏صوتى ‏بلا‏ ‏دلالة‏ ‏وهو‏ ‏مايسمى ‏أحيانا‏ “‏جدلغة‏”،[8] ‏كما‏ ‏قد‏ ‏تصاب‏ ‏المسيرة‏ ‏بالإجهاض‏ ‏أيضا‏ ‏إذا‏ ‏ما‏ ‏أغار‏ ‏عليها‏ ‏ماأسميناه‏ ‏هنا‏ ‏بالإبداع‏ ‏الناقص‏، ‏الذى ‏ظهر‏ ‏كثيرا‏ ‏فى ‏بعض‏ ‏أشكال‏ ‏الشعر‏ ‏التى ‏تسربت‏ ‏تحت‏ ‏عنوان‏ ‏الحداثة‏.‏

إن تطبيق‏ ‏القياس‏ ‏فى ‏مجال‏ ‏تطور‏ ‏اللغة‏ ‏ينبهنا‏- ‏إنشاء‏ ‏ونقدا‏- ‏أن‏ ‏نهيىء‏ ‏مساحة‏ ‏الحركة‏، ‏ودفع‏ ‏التنشيط‏، ‏ومرونة‏ ‏التلقى ‏لحركية‏ ‏تطور‏ ‏اللغة‏، ‏ذلك‏ ‏لأن‏ ‏ثمة‏ ‏حتمية‏ ‏تفرض‏ ‏علينا‏ ‏ضرورة‏ ‏اختراق‏ ‏الثبات‏ (‏اللغوى‏) ‏بهدف‏ ‏خلخلة‏ ‏تزييف‏ ‏الوعى ‏الساكن‏. ‏وهذا‏ ‏يشمل‏‏ ‏مغامرة‏ ‏اختراق‏ ‏الجنون‏ ‏بما‏ ‏يهدد‏ ‏بتفكك‏ ‏الكيان‏ ‏اللغوى ‏وغلبة‏ ‏الرطانة‏، ‏كما‏ ‏يشمل‏ ‏احتمال‏ ‏نجاح‏ ‏‏العملية الجدلية ‏العميقة‏ ‏بما يترتب عليها مما‏ ‏تحققه‏ ‏من‏ ‏إثراء‏ ‏للغة‏ ‏وللكيان‏ ‏البشرى ‏بما‏ ‏هو‏ ‏فعل‏ ‏الإبداع‏ ‏الفائق‏ ‏فى ‏صورة‏ ‏الشعر‏[9] ‏المجدد‏ ‏للغة‏ (‏الشعر‏- ‏الشعر‏، ‏الشعر‏ ‏الفعل‏..).‏

إن تناول تطور اللغة من هذا المنطلق سوف تكون له آثاره فى إعادة قراءة النصوص المقدسة بما يسمح لها بإلهام أوسع، وفى نفس الوقت سوف يقابل – طبعا- بمقاومة بلا حدود ([10]).

(3) ‏الحداثة‏ ‏فى ‏الشعر‏: (‏دور‏ ‏النقد‏) ‏

يمثل‏ ‏أقصى ‏الشعر‏ (‏الشعر‏/‏الشعر‏= ‏فعل‏ ‏الشعر‏.. ‏إلخ‏) ‏إبداعا‏ ‏فائقا‏ ‏بما‏ ‏هو‏ ‏ناتج‏ ‏حقيقى ‏لجدلية‏ ‏نابضة‏ ‏بين‏ ‏الإبداع‏ ‏والجنون‏. ‏وأغلب‏ ‏مادون‏ ‏ذلك‏ ‏من‏ ‏مستويات‏ ‏الشعر‏ ‏الأخرى ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يدرج‏ ‏فى ‏عداد‏ ‏الإبداع‏ ‏البديل‏، ‏كما‏ ‏أن‏ ‏بعض‏ ‏ماتسرب‏ ‏إلى ‏الشعر‏ ‏الحديث‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يفرز‏ ‏إلى ‏ماهو‏ ‏إبداع‏ ‏ناقص‏، (‏أو‏ ‏حتى ‏إبداع‏ ‏زائف‏). ‏وأكتفى ‏هنا‏- ‏بعد‏ ‏ماذكرناه‏ ‏فى ‏تطور‏ ‏اللغة‏- ‏بأن‏ ‏أوجز‏ ‏مانبهت‏ ‏إليه‏ ‏من‏ ‏ضرورة‏ ‏التفرقة‏‏ ‏ماهو‏ ‏إبداع‏ ‏فائق‏ ‏وإبداع‏ ‏ناقص‏، ‏فالإبداع‏ ‏الناقص‏ ‏فى ‏الشعر‏، ‏خاصة وأنهما يدرجان عفويا تحت مايسمى: ‏حداثة‏ الشعر الإبداع الناقص ‏هو‏ ‏الذى ‏يعجز‏ ‏صاحبه‏ ‏عن‏ ‏أن‏ ‏يفرق‏ ‏بين‏ ‏التناثر‏ ‏العشوائى (‏الجنون‏) ‏والتفجر‏ ‏الانتقائى (‏الإبداع‏)،‏ ف‏تهرب‏ ‏منه‏ ‏وحدة‏ ‏القصيدة‏ ‏لحساب‏ ‏الاستغراق‏ ‏فى ‏قوة‏ ‏نبضه‏ ‏على ‏حدة‏، ‏وقد‏ ‏يستسلم‏ ‏الشاعر‏ ‏لدفعات‏ ‏لاشعورية‏ ‏دون‏ ‏إنضاجها‏ ‏فى ‏بوتقة‏ ‏المعرفة‏ ‏المفاهيمية‏، ‏فضلا‏ ‏عن‏ ‏خلطه‏ ‏بين‏ ‏ماهو‏ “‏جَدْلَغَة‏”، ‏وماهو‏ ‏تشكيل‏ ‏لغوى ‏جديد‏. ‏وليس‏ ‏التطبيق‏ ‏المقترح‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏المجال‏ ‏مقصورا‏ ‏على ‏اكتساب‏ ‏أدوات‏ ‏دقيقة‏ ‏للتمييز‏ ‏بين‏ ‏هذا‏ ‏وذاك‏، ‏وإنما‏ ‏قد‏ ‏يقوم‏ ‏النقد‏ ‏الإبداعى ‏بحسن‏ ‏التلقي‏- ‏وليس‏ ‏مجرد‏ ‏الفرز‏ ‏والحكم‏- ‏لدرجة‏ ‏أن‏ ‏يرفض‏ ‏الإبداع‏ ‏الزائف‏، ‏ويحتضن‏ ‏الإبداع‏ ‏الناقص‏ ‏مواكبا‏ ‏حتى ‏ليكاد‏ ‏يعيد‏ ‏تخليقه‏، ‏ليس‏ ‏نيابة‏ ‏عن‏ ‏منشئه‏، ‏وإنما‏ ‏حوارا‏ ‏معه‏ (‏انظر‏ ‏القياس‏ ‏فى ‏الممارسة‏ ‏العلاجية‏)، ‏وأخيرا‏ ‏فإن الناقد‏ ‏بإبداعه‏ ‏الموازى ‏للابداع‏ ‏الفائق‏- ‏قراءة‏ ‏خلاقة‏- ‏إنما‏ ‏يكسر‏ ‏وحدة‏ ‏هذا‏ ‏المبدع‏ ‏المتميز‏ ‏بما‏ ‏يطمئنه‏ ‏إلى ‏إمكانية‏ ‏استمرار‏ ‏خوض‏ ‏مغامرات‏ ‏الجنون‏.‏

‏(4) ‏الإبداع‏ ‏الذاتى ‏فى ‏خبرة‏ ‏التصوف‏:‏

‏لعل‏ ‏خبرة‏ ‏التصوف‏ (‏الحقيقى‏) ‏هى ‏أشد‏ ‏التجارب‏ ‏تمثيلا‏ ‏للإبداع‏ ‏الذاتى ‏دون‏ ‏الحاجة‏ ‏إلى ‏إعلان‏ ‏ناتج‏ ‏إبداعى ‏مرموز‏. ‏ومن‏ ‏ثم‏ ‏فهى ‏أولى ‏أنواع‏ ‏الإبداع‏ ‏بالمقارنة‏ ‏بالجنون‏، ‏لأنها‏ – ‏فرضا‏ ‏نظريا‏- ‏تسمح‏ ‏بمقارنة‏ ‏حالة‏ ‏بحالة‏، ‏وليس‏ ‏حالة‏ ‏بناتج‏ ‏تشكيلى ‏خارجها‏. ‏ولكن‏ ‏يبدو‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏محال‏ ‏أصلا‏ ‏وواقعا‏، ‏إذ‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏الخبرة‏ -كحالة- هى ‏بعيدة‏ ‏عن‏ ‏متناول‏ ‏الدراسة‏ ‏جملة‏ ‏وتفصيلا‏، ‏فهى ‏صامتة‏ ألفاظاً ‏بطبيعتها‏، ‏مغلقة‏ شرحاً ‏بشروطها‏، ‏وهى ‏تنتقص‏ ‏بمجرد‏ ‏أن‏ ‏تخرج‏ ‏عن‏ ‏صمتها‏. ‏فحين‏ ‏يتكلم‏ ‏المتصوفون‏ (‏مثلا: ‏النفرى ‏أو‏ ‏ابن‏ ‏عربى‏) ‏يصبح‏ ‏كلامهم‏ ‏خليطا‏ ‏من‏ ‏الأدب‏ ‏والشعر‏ ‏ومؤشرات‏ ‏الخبرة‏ ‏الخاصة‏ ‏الغامضة‏، ‏على ‏نحو‏ ‏يقربنا‏ ‏من‏ ‏ناتج‏ ‏الإبداع‏، ‏وليس‏ ‏من‏ ‏حالة‏ ‏الإبداع‏ ‏الصوفى ‏التى ‏ندعى ‏أنها‏ ‏الجدلية‏ ‏المتكاملة‏ ‏بين‏ ‏الجنون‏ ‏والإبداع‏، ‏وأنا‏ ‏لا‏ ‏أعرف‏ ‏مخرجا‏ ‏منهجيا‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏المأزق‏، ‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏فقد‏ ‏أثبت‏ ‏هذا‏ ‏المجال‏ ‏الصعب‏ ‏فيما‏ ‏يتعلق‏ ‏بمآزق التطبيق‏، ‏تنبيها‏ ‏لما‏ ‏نحن‏ ‏أحوج‏ ‏إليه‏ ‏للمقارنة‏ ‏بما‏ ‏نعجز‏ ‏عن‏ ‏الاقتراب‏ ‏منه‏ ‏بأدواتنا‏ ‏الحالية‏.‏

وعود مفتوحة

نحن‏ ‏لم‏ ‏نورد‏ ‏هنا‏ ‏كل‏ ‏التطبيقات‏ ‏المحتملة‏ ‏لهذا‏ ‏الفرض‏، ‏ولا‏ ‏المجالات‏ ‏المنتظرة‏ ‏لإعادة‏ ‏النظر‏، ‏فثمة‏ ‏إمكانية‏ ‏لمزيد‏ ‏من‏ ‏الاهتمام‏ ‏بعينات‏ ‏الكتابة‏ ‏والتشكيل‏ ‏الفجة‏ ‏لحالات‏ ‏الجنون‏ ‏الصريح‏، ‏وللتركيز‏ ‏على ‏التسجيل‏ ‏بكل‏ ‏وسائل‏ ‏التسجيل‏ ‏الحديثة‏ ‏لبدايات‏ ‏الجنون‏ ‏على ‏وجه‏ ‏الخصوص‏ (‏إن‏ ‏أمكن‏ ‏ذلك‏)، ‏وبدايات‏ ‏الإبداع‏ (‏مع‏ ‏استحالة‏ ‏ذلك‏، ‏اللهم‏ ‏إلا‏ ‏فى ‏حالات‏ ‏التناوب‏ ‏عند‏ ‏المبدع‏ ‏الواحد‏ ‏بين‏ ‏هذا‏ ‏وذاك‏‏، ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏التكنولوجيا‏ ‏الأحدث‏ ‏قد‏ ‏تعد‏ ‏بما‏ ‏لا‏ ‏نعرف‏). ‏ثم‏ ‏إنه‏ ‏من‏ ‏الممكن‏ ‏إعادة‏ ‏مراجعة‏ ‏الدراسات‏ ‏الأقدم‏ ‏للمقارنة‏ ‏بين‏ ‏المجالين‏ (‏الإبداع‏-‏الجنون‏) ‏من‏ ‏خلال‏ ‏إعادة‏ ‏قراءة‏ ‏العينات‏ ‏السابق‏ ‏جمعها‏ ‏والاستشهاد‏ ‏بها‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏وضع‏ ‏فروض‏ ‏جديدة‏.‏

ولامجال‏ ‏هنا‏ ‏حتى ‏لمجرد‏ ‏الإشارة‏ ‏إلى ‏مجالات‏ ‏أعم‏ ‏وأخطر‏ ‏فى ‏التربية‏ ‏والسياسة‏، ‏والإيمان‏، ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏المبادىء‏ ‏الأساسية‏ ‏فيما‏ ‏قدمناه‏ ‏تعد‏ ‏بما‏ ‏يصلح‏ ‏للنظر‏ ‏فى ‏كل‏ ‏ذلك‏.‏

[1]- يحيى ‏الرخاوى: “‏التفسير‏ ‏الدوائى ‏للفكر‏ ‏الطبنفسى ‏الحديث” ص‏18-40‏، ‏المجلد‏ ‏الخامس‏، ‏عدد‏ ‏يناير 1984 – مجلة الإنسان والتطور.

[2]- نفسه

[3]- يحيى الرخاوى: “مقدمة‏ ‏فى ‏العلاج‏ ‏الجمعى” ‏ص‏172 (1978) دار الغد للثقافة والنشر – القاهرة.  “‏وموقفى ‏من‏ ‏العلاج‏ ‏كما‏ ‏أعلنته‏ ‏هو‏ ‏أنه‏ ‏إعادة‏ ‏إحياء‏ ‏ديالكتيك‏ ‏النمو‏”.‏

[4]- يحيى ‏الرخاوى:”‏العلاج‏ ‏النفسى ‏للذهانيين”‏. ص‏25-53 – عدد يناير 1981‏ – الإنسان‏ ‏والتطور‏، ‏وانظر أيضا‏ ‏هامش (23) ‏ص‏737-792.‏

[5]- يحيى ‏الرخاوى: ‏حبس‏ ‏الظواهر‏ ‏الإنسانية‏ (‏النفسية‏) ‏فى ‏سجن‏ ‏المصطلحات‏ ‏المستوردة‏. (1986) (‏دراسة‏ ‏لم‏ ‏تنشر‏ ‏بعد‏).‏

[6]- عز الدين اسماعيل “أيديولوجيا‏ ‏اللغة”‏ (ص 37 -‏42)  المجلد الخامس- العدد 4 – مجلة فصول 1985.

[7] – Word Salad

[8]- Neologism تحت هذه الكلمة يشير إلى عرض قد يعانى منه الفصامى أساسا حين يصدر رطانا صوتيا غير مفهوم تماما معتقدا أنه يتكلم لغة خاصة جدا

[9] – يحيى ‏الرخاوى: “‏هوامش‏ ‏وهواجس‏ ‏حول‏ ‏شعر‏ ‏أحمد‏ ‏زرزور”‏.ص 78-79 عدد 58 أبريل (1986) ‏القاهرة.

[10] – يحيى الرخاوى “اللغة العربية وتشكيل الوعى القومى” قضايا فكرية –  المجلد السابع و الثامن عشر – مايو 1997

ملاحق الفصل الثانى

الملحق الأول: مقارنة بين حالات الوجود: العادية، والجنون والإبداع

الملحق الأول: مقارنة بين حالات الوجود: العادية، والجنون والإبداع

الملحق الأول

مقارنة بين حالات الوجود الثلاث

 العادية، والجنون، والإبداع

ينبغى التأكيد منذ البداية، وبإلحاح متكرر، على أن المقصود ليس التفرقة بين الشخص العادى والمبدع والمجنون، وإنما بين حالات العادية والجنون والإبداع التى – كما يفترض الفرض- تتبادل بدرجات ومدد متفاوته عند كل إنسان بلا استثناء.

أولاً: الجدول الإجمالى:

  حالة‏ “‏العادية‏”    حالة الجنون حالة‏ ‏الإبداع
الوعى(التركيب المبرمج) واحد‏، ‏ظاهر‏، ‏عائد‏ ‏على ‏المستوى ‏نفسه‏،‏محدد‏ ‏الاستجابة‏ ‏مستبعد لما عداه‏ مختلف‏، ‏متعدد‏، ‏متداخل‏، ‏متماوج‏، ‏مذبذب، منفصل.  مختلف‏، ‏متكاثف‏ ‏فى ‏تعدد‏ ‏ضام‏، ‏محيط‏،‏ محاط‏ ‏به‏ ‏بوعى ‏يتكون
الإرادة ظاهرة‏، ‏ضيقة‏ ‏المجال‏، ‏محددة‏ ‏الفاعلية‏، ‏زاعمة‏ ‏بالحرية‏، ‏بقدر‏ ‏أكبر‏ ‏من‏ ‏الحقيقة، ومع ذلك وهى تبدو ضرورية أساسية. خفية‏، ‏فاعلة‏، ‏متعددة‏، ‏محصلتها‏ ‏مشلولة‏ ‏واقعيا‏.‏ فاعلة‏ ‏غائية‏، ‏لا‏ ‏تحتاج‏ ‏ ‏ ‏إلى ‏قرار‏ ‏معلن‏ ‏مسبقا‏، ‏متعددة‏ ‏فى ‏تكامل‏.‏
التوجه خطي‏، ‏أو‏ ‏دائري‏، ‏بطيء‏، ‏مغلق‏ ‏عادة متذبذب، نكوصي‏، ‏تفككي‏، ‏منسحب‏.‏ جدلي‏، ‏ولافي‏، ‏متصاعد
طبيعة‏ ‏المعرفة  تحصيلية‏، ‏مفاهيمية‏، ‏منطقية‏، ‏حسابية‏، ‏كمية‏.‏ ‏ ‏كلية‏، ‏عابرة‏، ‏منفصلة‏، ‏مدغمة‏، ‏بدائية‏، ‏صورية‏،عشوائية، تصورية. كشفية‏ ‏متعددة‏ ‏المستويات‏، ‏متعددة‏ ‏الأدوات‏، ‏متعددة‏ ‏المداخل‏، ‏متضافرة‏، ‏جدلية‏.‏
الكشف(الإدراك) محكوم‏ ‏بالتحقق، ‏والحسابات‏ ‏المنطقية والحس الظاهر. بدائي‏، ‏لحظي‏، ‏يقيني‏، ‏سرعان‏ ‏ما‏ ‏ينطفيء مخترق‏، ‏مشتمل‏، ‏تكاملي‏، ‏يقينى ‏فى ‏حوار‏ ‏مستمر‏.‏
وحدات‏ ‏المعارف‏ (‏المعلومات‏)‏ ساكنة‏: ‏فى ‏المتناول‏، ‏رمزية‏، ‏مفاهيمية‏، ‏تجريدية‏، ‏ذات‏ ‏اتجاه‏ ‏سائد‏ ‏واحد مثارة‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏صوب‏ ‏وحدب‏، ‏متداخلة‏، ‏نافرة‏. ‏متعددة‏ ‏التوجه‏، ‏متصادمة‏ ‏لدرجة‏ ‏ظاهرة‏ ‏الضحالة‏ ‏أحيانا نشطة‏ ‏على ‏كل‏ ‏المستويات‏، ‏حرة‏، ‏مرنة‏، ‏متداخلة‏، ‏متجددة‏، ‏ضامة‏ ‏إلى ‏وحدات‏ ‏أكبر‏ ‏حول‏ ‏محور‏ ‏غائى ‘‏ما‏’‏
اللغة آلية‏ ‏مفاهيمية‏ ‏يستعمل‏ ‏وجه‏ ‏ظاهرها‏ (‏الكلام‏ ‏مثلا: وانظر بعد‏) ‏لما يعنيه محتواها، ‏تكيفية‏، ‏اقتصادية‏، ‏رمزية مفككة‏ ‏إلى ‏مفرداتها‏ ‏وما‏ ‏دون‏ ‏ذلك‏، ‏عاجزة‏ ‏عن‏ ‏وظيفتها‏ ‏التكيفية‏، ضاغطة‏ ‏بحركة‏ ‏استقلالها‏ ‏عن‏ ‏كلية‏ ‏التركيب‏، ‏كأنها‏ ‏تركيب‏ ‏مواز‏ ومفكك‏.‏ ملتحمة‏ ‏بالوجود‏ ‏الكلى ‏فى ‏حالة‏ ‏تخلق‏ ‏مواكب‏، ‏حية‏، ‏ملزمة‏ ‏بحفزها‏ ‏المباشر‏، تعيد إحياء الرموز بناتج حركتيها المشتملة.
الكلمة مفردة‏ ‏من‏ ‏المفردات‏، ‏رمزية‏ ‏فى ‏سياق‏ ‏خطي مستقلة‏ ومنفصلة، ‏عن‏ ‏سياقها‏،‏عيانية‏ (‏فى ‏ذاتها‏)، ‏عائمة‏، ‏عاجزة‏، ‏تحاول‏ ‏الإمساك‏ ‏بالموقف‏ ‏لتقود‏، ‏فتفعل‏، ‏بلا‏ ‏فاعلية‏، ‏قصيرة‏ ‏النفس حاضرة‏ ‏بذاتها‏ ‏فى ‏سياقها‏، ‏ملتحمة‏ ‏مع‏ ‏كلية‏ ‏الوجود‏ ‏بما‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏الوجود‏ ‏الجسدي‏-‏مشاركة‏- ‏فى ‏غير‏ ‏تميز‏- ‏غائية، متجددة متخلقة أبدا.
الآخر(الموضوع) أداة جزئية، تكيفية، فى علاقة صفقاتية محددة، ضرورية مفيدة غالبا. مصدر‏ ‏تهديد‏ ‏مرعب‏, ‏مطارد‏, ‏أو‏ ‏مصدر‏ ‏شلل‏ ‏مباعد‏, أو احتواء ماحٍ، ‏سيقابل عادة بالإنكار حتى المحو والإعدام. حاضر‏ ‏فى ‏كليته‏، ‏فيمثل‏ ‏تحديا‏ ‏صعبا‏، ‏وهو‏ ‏ممكن‏، ‏ومختلف‏، ‏وضرورى ‏معا‏.‏
الصورة باهتة، إذا ظهرت أصلا وكثيراً ما تستعمل رمزاً لغيرها. بصرية‏ (‏حسية‏ ‏عموما‏) ‏تنساب‏, ‏تغمر‏, ‏تقتحم‏, ‏مستقلة‏, ‏متغيرة‏, ‏عئمة، متداخلة، او راسخة مؤلفة‏.‏ بصرية‏ (‏حسية‏ ‏عموما‏) ‏قائمة‏ ‏بنفسها‏، ‏مخلقة‏ ‏لدلالات‏ ‏جديدة‏، ‏ملتحمة‏ ‏بالوجود‏ ‏الكلى ‏والحياة‏ ‏المفاهيمية‏ ‏القائمة‏ ‏فالمتجددة‏.‏
‏’‏المكد‏’ (‏المدرك‏ ‏الكلى ‏الداخلي‏)المعرفة الهشة‏ غير ظاهر فى وعى الصحو، مكبوت، منتظـِر، فاعليته غير مباشرة وغير محددة. قد‏ ‏يحل‏ ‏في‏ ‏وعي‏ ‏الصحو‏, ‏مع‏ ‏العجز‏ ‏عن‏ ‏الظهور‏ ‏في‏ ‏السلوك‏ ‏الخارجي‏ ‏إلا‏ ‏معيقا‏, ‏مشوشا‏, ‏منافسا‏, ‏مخلخلا‏.‏ نشط‏ ‏فى ‏سعى ‏إلى ‏استعمال‏ ‏المستوى ‏المفاهيمى ‏للحصول‏ ‏على ‏مشروعية‏ ‏الحضور‏ ‏فى ‏السلوك‏ ‏الظاهري‏، ‏محور‏ ‏فى ‏تكامل‏ ‏تعبيرى ‏فى ‏النهاية‏.‏
الزمن تتبعى، مسلسل، خطى منتظم. منفصل‏ (‏عن‏ ‏الكلية‏/‏عن‏ ‏الذات‏/‏عن‏ ‏الواقع‏) ‏متجمد‏, ‏مكاني‏ (‏حيث‏ ‏لا‏ ‏مكان‏) ‏دائرى‏, ‏معاد‏.‏ محتوى ‏فى ‏محيط‏ ‏الوعي‏، ‏مرتع‏ ‏لحركة‏ ‏القصدية‏ ‏والتكثيف‏، ‏متحرك‏ ‏فى ‏إطار‏ ‏الذات‏ ‏الممتدة‏، ‏وليس‏ ‏بُعْدا‏ ‏خارجا‏ ‏عنها‏.‏
الواحدية‏’oneness‘‏ ظاهرية، تشير إلى إطار سطحى جامد محدد بغض النظر عن محتواه. مفقودة‏ ‏أو‏ ‏مهزوزة‏ ‏أو‏ ‏ذائبة‏ ‏في‏ ‏كلٍّ‏ ‏مجهول‏ ‏بلا‏ ‏معالم‏.‏ حاضرة‏ ‏ضامـة‏ ‏مجاوزة‏ ‏فى ‏اطراد‏ ‏مفتوح
حدود الذات محددة بظاهر السلوك وصورة الذات البادية للشخص أو للأخرين أو لهما معا. باهتة‏، ‏أو‏ ‏متقطعة‏، ‏أو‏ ‏متغيرة‏ ‏أو‏ ‏مختفية مرنة‏، ‏مسامية‏، قوية فى آن ‏تتخلق‏ ‏متنامية‏ ‏من‏ ‏الداخل‏ ‏والخارج‏ ‏معا‏.‏
الاستمرارية موجودة ما تعلقت بهدف ظاهر. قصيرة‏، ‏لاهثة‏، ‏متدفقة‏ ‏فى ‏تقطع‏ ‏دائرى ‏أو‏ ‏عشوائي مغلق. متواصلة‏، ‏متنامية‏، ‏مجاوزة‏ ‏للفرد‏، ‏مفتوحة‏ ‏النهاية‏.‏

 

ثانياً : شرح محدود لمحتويات الجدول

[المقصود بالجنون هنا هو الجنون الأصل – الفصام – حيث يعتبر الكاتب  أى جنون آخر (فيما عدا الجنون العضوى التشريحى)، بمثابة تشكيلات فرعية متوسطة  للحماية من هذا الجنون

المتصف عادة بالتعدد فالتكاثر فالتفسخ فالتناثر فالتدهور]

 

  حالة‏ “‏العادية‏” حالة الجنون حالة‏ ‏الإبداع
الوعى(التركيب المبرمج) واحد‏، ‏ظاهر‏، ‏عائد‏ ‏على ‏المستوى ‏نفسه‏،‏محدد‏ ‏الاستجابة‏ ‏مستبعد لما عداه‏ مختلف‏، ‏متعدد‏، ‏متداخل‏، ‏متماوج‏، ‏مذبذب، منفصل.  مختلف‏، ‏متكاثف‏ ‏فى ‏تعدد‏ ‏ضام‏، ‏محيط‏،‏ محاط‏ ‏به‏ ‏بوعىٍ ‏يتكون

 

تستعمل كلمة الوعى بصفة عامة فى هذه المداخلة لتشير إلى “منظومة حيوية مبرمجة وسادية مشتمِـلة”، وهى لا تشير فقط إلى الوعى الظاهر بمعنى الصحو والشعور والإدراك، وإنما تشير إلى أى مستوى تركيبى فى هيراركية البناء الحيوى البشرى، وهو ما يقابل “حالات العقل” بلغة علم المعرفة العصبى[1] أو “حالات الذات”، بلغة التحليل التركيى “إريك بيرن”[2] وبالتالى فإنه توجد مستويات تصعيدية متصاعدة للوعى، تعمل فى حالة اليقظة تحت إمرة إحداها كما ورد فى أكثر من موقع فى هذه المداخلة مع الحديث عن تعدد الكيانات البشرية فى واحد: هو من يظهر لنا شخصا قائما، أو فردا متميزا .

الوعى فى حالة العادية: يشير عادة إلى الوعى الظاهر، سواء كان الشعور الفرويدى (مقابل اللاشعور)، أو اليقظة وإدراك الماحول، أو السلوك الإرادى – بحسب قانون العادية المعلن.

الوعى – هنا فى حالة العادية – منظومة ظاهرة تتعامل مع الخارج والداخل على نفس المستوى الواحد الظاهر، وتظل مستويات الوعى الأخرى كامنة معظم الوقت، وقد تتبادل بشكل ضمنى مؤقت حسب الموقف، لكن التبادل المنتظم هو فى حالة الأحلام، والمستويات الكامنة عادة ما تُختزل بتزييفها أو بتفسيرها بفك رموزها تعسفا أو دفاعية فى الأغلب (الفصل الأول).

الوعى فى حالة الجنون: “متعِّددٌ معا”، بمعنى: حضور أكثر من مستوى فى تداخل مزدحم فى نفس الوقت، بما يترتب عليه التذبذب والتماوج والخلط، وأحيانا التصادم حتى الإشلال فيما يبدو تجميدا للوعى (حالات الكاتاتونيا) الأمر الذى لا يعنى غياب الوعى، وإنما هو جمود عاجز نتيجة لحضور أكثر من مستوى معا، كل منها : متشابك متداخل متعدد معوق بعضه بعضا.

الوعى فى حالة الإبداع: يعرف بالوعى الفائق أحيانا، وإن كنت أفضل تعبير “الوعى المشتمِل الخلاّق”، ذلك أنه ليس وعيا يفوق غيره أو يعلوه، ولا هو وعى واحد أفضل وأعلى مما سواه، لكنه حالة جُماع أكثر من مستوى بغير تسوية، وإنما بتفاعل جدلى متميز، مختلف نوعيا عما يسمى الوعى العادى، لكنه يشتمله، وغالبا ما يُستعمل أبجديته (أبجدية الوعى العادى) ، كما يشتمل مستويات بدائية أقدم لا تـُـستبعد استهانة أو خوفا، وإنما تتداخل تآلفا وجدلا.

وتكون مظاهر حضور  هذا الوعى  بحسب المرحلة والتوقيت والمحيط والأدوات، فقد يظهر فى شكل خبرة صوفية إيمانية فائقة، أو فى أى تشكيل مما يقال له “إبداع أصيل”، على أنه فى هذه الحال الأخيرة، إبداع خارج الذات،  قد ينفصل المبدع عن هذا الوعى إلا قليلا بمجرد أن يفرغ خبرة إبداعه فى وقت بذاته، وقد يتبقى له أو لا يتبقى ما يضيف إلى وعيه العادى (أنظر بعد).

 

الإرادة ظاهرة‏، ‏ضيقة‏ ‏المجال‏، ‏محددة‏ ‏الفاعلية‏، ‏زاعمة‏ ‏بالحرية‏، ‏بقدر‏ ‏أكبر‏ ‏من‏ ‏الحقيقة، ومع ذلك وهى تبدو ضرورية أساسية. خفية‏، ‏فاعلة‏، ‏متعددة‏، ‏محصلتها‏ ‏مشلولة‏ ‏واقعيا‏.‏ فاعلة‏ ‏غائية‏، ‏لا‏ ‏تحتاج‏ ‏ ‏ ‏إلى ‏قرار‏ ‏معلن‏ ‏مسبقا‏، ‏متعددة‏ ‏فى ‏تكامل‏.‏

 

الإرادة فى حالة “العادية: هى الإرادة الظاهرة التى يتعامل بها القانون، وحقوق الإنسان ، ومظاهر ما يسمى الديمقراطية، ومعظم القرارات فى معظم المجالات، وهى ضرورية بصورتها الحالية، إلا أنها ليست مرادفة للحرية، برغم أنها تحتكر –تقريبا- كل ما يثار حول الحرية (أنظر بعد الفصل الثالث)، وهى لا يمكن الاستغناء عنها، وإنما يمكن الإضافة إليها.

الإرادة فى حالة الجنون: قوية عميقة  لا تظهر فى شكل قرار مسبق، وإنما فى شكل تفعيل فارض نفسه بكل ثقة وتماد، فهى إرادة كامنة تظهر، تبدو أنها بغير صاحب، ولا تتفق مع دعوى أغلب ظاهر المرضى أن المسألة كلها “غصبا عنهم”، بل إنها تفعيل[3] إرادة خفية،  بعكس الإرادة فى حالة العادية التى يغلب فيها العقل الظاهر.

المريض – كما أشرنا- لا يقر باختياره مرضه بما فى ذلك الجنون إلا بعد تفعيل إرادة الجنون، وفى جو علاج يسمح له بذلك، واحترام هذه الإرادة هى بداية مناقشتها بحسابات المكسب والخسارة، وإذا نجحنا أن يعدل المريض عن اختياره مع تهيئة ظروفٍ وصحبةٍ أفضل مما اضطرته إلى هذا الاختيار ، اختيار الجنون فى خفاء، يكون هذا بداية العلاج الحقيقى.

برغم كل حضور هذه الإرادة هكذا، فإنها فى النهاية إشلال للإرادة الحقيقية (وليس فقط الظاهرة) بمعنى أن محصلتها هى صفر بحسابات الحرية المشتملة والواقع.

الإرادة فى حالة الإبداع: هى أيضا خفية من حيث التوقيت والتفاصيل، قد يختار المبدع موضوعا، أو مسألة، أو مجالا بظاهر عقله تماما مثل حالة العادية، لكنه لا يختار أن “يبدع”، إنه يختار أن يضع نفسه فى وضع استعداد الإبداع إن صح التعبير، بنفس القدر الذى يكون قد اختار له أدواته، لكن فى نهاية النهاية لا يكون الإبداع إبداعا إلا بجُماع إرادات مستويات متعددة من الوعى، تتآلف معا فى مغامرة الحرية المشتملة، لتخوض التجربة دون ضمانات مسبقة، وقد يتحقق من خلال ذلك ما يسمى إبداعا، وقد لا يتحقق. كما قد يتحقق أثر  آخر قد يكون نوعا من الإبداع لانعرفه إلا ناتجا مختارا بأثر رجعى وليس بالمعنى الذى نعرفه عن الاختيار الشعورى بين بدائل قائمة.

إرادة إبداع الحياة  بالاستمرار فيها متجددا لا تظهر هكذا على السطح فى شكل قرار، وإنما نرى نتاجها فى نوعية الحياة وتجدد الوعى واستمرار النمو.

  حالة‏ “‏العادية‏” حالة الجنون حالة‏ ‏الإبداع
التوجـُّه خطى‏، ‏أو‏ ‏دائري‏، ‏بطيء‏، ‏مغلق‏ ‏عادة متذبذب، نكوصي‏، ‏تفككي‏، ‏منسحب‏.‏ جدلي‏، ‏ولافي‏، ‏متصاعد

 

لابد من تفرقة هنا بين التوجّه بمعنى اتجاه السهم ، وبين السعى للحصول على هدف محدد له طريق معروف، وخطوات موصِّلة.

إنما يقصد بالتوجه نوع من الاتجاه إلى خدمة ما يسمى  “الفكرة المحورية” التى يمكن أن تكون ظاهرة أو غير ذلك، حتى اعتقاد الانتماء لمنظومة دينية أو أيديولوجية محددة لا يفيد التوجه الذى نعنيه هنا. المسلم مثلا لا يتوجه إلى الإسلام وإنما  إلى وجه الله حول فكرة محورية هى التوحيد ، فـ “لا إله إلا الله” يمكن أن يقيس بها كل سلوكه، بل ووجدانه، وعلاقاته، وناتج فعله.

فى حالة العادية: يكون التوجه  مُعْلَنا ومجزأ إلى أهداف متوسطة، المفروض أنها وسائل وليست غايات محورية،  لكن هذا لا ينقص من أهمية مثل هذا التوجه الذى لا يمكن الاستغناء عنه تحت دعوى زيفه أو تسطيحه، وذلك حتى لا نواجه  حالة الجنون السلبى المتمادى، مثل هذا التوجه عادة ما ينتهى عند نفسه فى دائرة مغلقة، فيدور كل من  الوجود والفعل  والسلوك فى حلقة مغلقة، قد  تزداد اتساعا كميا متراكما بلا نقلة إلى توجه أشمل وأرحب وابقى، وهذا ما يسمى أحيانا اغترابا فيما هو عادى، أو كمى، أو تراكمى.

فى حالة الجنون: قد يبدأ التوجه فى قفزة تبدو إيجابية مهما قصُـر مداها، لكنه سرعان ما ينتكس إلى توجه انسحابى احتجاجى متخثر، ومحصلته هى سلبية فى النهاية. وفى الجنون الأصل، (الفصام/التفسخ)، يكون التوجه فى أكثر من اتجاه معا، بحيث تكون المحصلة صفرا أو سلبا على طول الخط.

فى الحالة الإبداعية: لا يعلن التوجه ابتداء بالضرورة، وإنما يكون ضامّا معظم الوقت إلى غاية لا تتبين إلا من خلال إعادة التشكيل والمحافظة على الاتجاه،. ومهما اختلف نوع الإبداع ، أو مساحته، أو مداه، فإنه يمكن تبين توجهٍ ما، اتجاه غالب جامع هو القادر على لَمّ التناثر إلى الجديد من القديم.

المسألة هنا ليست تبنيا لموقف وجودى بذاته، بقدر ما هى الانتماء بشكل ظاهر أو كامن نستنتجه من ناتجه نحو أمر ما ، اتجاه قد يتمكن الناقد من رصدْ أكثر من المبدع الأول، أوربما  يظل مفتوحا للفحص والمراجعة والتجديد طول الوقت.

فى هذا النوع من التوجه لا يكون هناك هدف محدد بقدر ما نرصد آلية جدلية متسقة قادرة على الاحتواء فالتخليق والتوليف باستمرار.

  حالة‏ “‏العادية‏” حالة الجنون حالة‏ ‏الإبداع
طبيعة‏ ‏المعرفةالغالبة تحصيلية‏، ‏مفاهيمية‏، ‏منطقية‏، ‏حسابية‏، ‏كمية‏.‏ ‏ ‏كلية‏، ‏عابرة‏، ‏منفصلة‏، ‏مدغمة‏، ‏بدائية‏، ‏صورية‏، ‏ عشوائية ،تصورية كشفية‏ ‏متعددة‏ ‏المستويات‏، ‏متعددة‏ ‏الأدوات‏، ‏متعددة‏ ‏المداخل‏، ‏متضافرة‏، ‏جدلية‏.‏

فى حالة العادية تكون أغلب المعرفة تقريرية، تحصيلية ، كما يغلب فيها  المنطق الأرسطى وما هو فى مستواه، ويتم التعامل بالمفاهيم التجريدية الجاهزة، كما تكون الإضافة كمية متزايدة، وعادة ما تكون بعيدة  عن متناول  النقد القادر على إثرائها أو تعديلها.

فى حالة الجنون (الأصلى- الفصام) تكون المعرفة كلية مدغمة معا، حيث يتم اعتمال المعلومات[4] على أكثر من مستوى، بأكثر من قاعدة ، كما قد تظهر المعرفة الهشَّة[5] بما هى ، وتغلب الصور كأبجدية بذاتها، كذلك تكون متذبذبة عشوائية غير هادفة (فى الظاهر على الأقل) .

فى حالةالإبداع: تحتفظ المعرفة ببداية الشمول، ومرونة الحركة المنفرجة  المتعددة  التوجه، لكن كخطوة نحو اللقاء حول محور ضام، ليس ظاهرا بالضرورة منذ البداية، كما تكون متضفرة معا، جدلية، متعددة الأبجديات والأدوات، بقدر ما هى متعددة المستويات دون تصادم معيق، اللهم إلا كمرحلة صعبة فى مراحل الإعداد الكامن المتحفز الغامض، قبل أن يختمر التوجه إلى إنتاجية عملية الإبداع.

 

  حالة‏ “‏العادية‏” حالة الجنون حالة‏ ‏الإبداع
الكشف/الإدراك محكوم‏ ‏بالتحقق‏ ‏، ‏والحسابات‏ ‏المنطقية، والحس الظاهر بدائي‏، ‏لحظي‏، ‏يقيني‏، ‏سرعان‏ ‏ما‏ ‏ينطفيء مخترق‏، ‏مشتمل‏، ‏تكاملي‏، ‏يقينى ‏فى ‏حوار‏ ‏مستمر‏.‏

 

فى حالة العادية: يكون الإدراك محكوما بالحواس وملتزما بالتحقق والتثبت بقواعد الحس وغلبة الاتفاقية[6] والمشاركة، وتمثل المدركات ثروة هائلة من المعلومات الجاهزة للاعتمال والتشكيل، لكن يظل الإدراك يغلب عليه التسجيل أكثر من التشكيل، ولا يتم إدراك الداخل بشكل مباشر وإنما يحتاج إلى درجة متفاوتة من الاستبطان المعقلن، بمعنى أن العقل العادى الظاهر هو الذى يستنتج أكثر مما يدرك ماهية داخل الذات ومحتوياتها.

فى حالة الجنون: تختل قوانين الإدراك الحسى الظاهر، ولا تقتصر مداخل الإدراك على الحواس، كما لا يقتصر الإدراك على إدراك الخارج، بل يمكن – بما يسمى العين الداخلية[7] أن يدرك بشكل مباشر، وعادة – وليس دائما- ما لا يطيق المجنون تحمل اعتبار مصدر هذا المدرك الآخر داخليا صرفا، فيسقطه إلى الخارج فيما يسمى الهلاوس أو بعض الضلالات.

فى حالة الإبداع: يحتد إدراك الخارج ولكن بطريقة مختلفة نوعيا من حيث أنه قد يسبر غور المدرك الخارجى إلى ما بعد ظاهره ، وأيضا يستطيع الشخص فى حالة الإبداع أن يدرك الداخل مباشرة ودون أن يفصله عن إدراك الخارج من جهة، وأيضا دون أن يحتاج إلى إسقاطه دفاعيا إلى الخارج من جهة أخرى. فيكون الإدراك هنا من خلال أكثر من اتجاه معا بما يتيح اشتمال المتاح للتشكيل الممكن.

 

  حالة‏ “‏العادية‏” حالة الجنون حالة‏ ‏الإبداع
حركية وطبيعة وحدات‏ ‏المعارف‏ (‏المعلومات‏)‏ ساكنة‏: ‏فى ‏المتناول‏، ‏رمزية‏، ‏مفاهيمية‏، ‏تجريدية‏، ‏ذات‏ ‏اتجاه‏ ‏سائد‏ ‏واحد مثارة‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏صوب‏ ‏وحدب‏، ‏متداخلة‏، ‏نافرة‏. ‏متعددة‏ ‏التوجه‏، ‏متصادمة‏ ‏لدرجة‏ ‏ظاهرة‏ ‏الضحالة‏ ‏أحيانا نشطة‏ ‏على ‏كل‏ ‏المستويات‏، ‏حرة‏، ‏مرنة‏، ‏متداخلة‏، ‏متجددة‏، ‏ضامة‏ ‏إلى ‏وحدات‏ ‏أكبر‏ ‏حول‏ ‏محور‏ ‏غائى ‘‏ما‏’‏

 

يمكن أن نستقبل وحدات المعارف على أنها وحدات المعلومات، أو أبجدية المعرفة، أو وحدات اللغة، أو كل ذلك، أو غير ذلك.

فى حالة العادية: يغلب على طبيعة هذه الوحدات أن تكون رموزا لغيرها، دليلا عليه، كما تغلب التجرييدات والمفاهيم والتعريفات والتحديد، وعادة ما تسير فى مسار خطى تتابعى منطقى واضح.

فى حالة الجنون: تتحرك هذه الوحدات بدرجة من الاستقلال والعشوائية حتى تكاد تصبح مستقلة عن بعضها البعض، وبالتالى  تصبح فى مجموعها متعددة التوجه نافرة متصادمة  معطلة لبعضها البعض ، كما  تبدو متناثرة متباعدة هلامية.

فى حالة الإبداع تتحرك وحدات المعرفة فى أكثر من اتجاه، لا لتتباعد أكثر، ولكن لتتسع المساحة، وتتدعم المرونة بما يسمح بإعادة التشكيل، تنشط الوحدات معا ‏على ‏كل‏ ‏المستويات‏، ‏حرة‏،  ‏ضامة‏ ‏إلى ‏وحدات‏ ‏أكبر‏ ‏حول‏ ‏محور‏ ‏غائى ‘‏ما‏’‏، وكما أنها تحتمل تعدد مصادر مستويات الوعى، فإنها قادرة على التعبير بأكثر من طريقة عادة.

 

  حالة‏ “‏العادية‏” حالة الجنون حالة‏ ‏الإبداع
اللغة آلية‏ ‏مفاهيمية‏ ‏يستعمل‏ ‏وجه‏ ‏ظاهرها‏ (‏الكلام‏ ‏مثلا: أنظر بعد‏) ‏لما‏ ‏يعنيه محتواها‏، ‏تكيفية‏، ‏اقتصادية‏، ‏رمزية مفككة‏ ‏إلى ‏مفرداتها‏ ‏وما‏ ‏دون‏ ‏ذلك‏، ‏عاجزة‏ ‏عن‏ ‏وظيفتها‏ ‏التكيفية‏، ضاغطة‏ ‏بحركة‏ ‏استقلالها‏ ‏عن‏ ‏كلية‏ ‏التركيب‏، ‏كأنها‏ ‏تركيب‏ ‏مواز‏ ومفكك‏.‏ ملتحمة‏ ‏بالوجود‏ ‏الكلى ‏فى ‏حالة‏ ‏تخلق‏ ‏مواكب‏، ‏حية‏، ‏ملزمة‏ ‏بحفزها‏ ‏المباشر‏، تعيد إحياء الرموز بناتج حركيتها المشتملة.

 

فى حالة العادية: يحتوى الكلام (والرموز) أغلب ما هو لغة ، وتقوم اللغة بوظائف التعبير والتواصل معا، وهى تمارس وظيفتها الاقتصادية باستعمال الرموز والمفاهيم بما اتفق عليه عادة

وفى حالة الجنون: تستقل اللغة نسبيا، وتختنق فى الرمز حتى أنها قد تتخلص منه، وتصبح كيانا بذاتها، تكتسب طلاقة خطرة بما هى، وهى تفقد بذلك وظيفتها التكيفية، لتصبح تهديدا منافسا، لكنه مفكك، ولاغائى، برغم عنفوانه فى ذاته.

فى حالة الإبداع: تلتحم اللغة بالوجود فلا تختنق فى الكلام أو تنحبس فى الرموز، وبالتالى تصبح طاقة مغِيرة مغيّرة معا، تتشكل بما يتاح لها من جديد لتكتسب دفعا جديدا إلى تشكيل مغاير، وهى تقوم بوظيفة التجديد من حيث إثراء الرموز بما لم تعتده  من قبل، من واقع وضعها فى سياقات مختلفة تشحنها بمضامين غير ما كانت.

 

  حالة‏ “‏العادية‏” حالة الجنون حالة‏ ‏الإبداع
الكلمة مفردة‏ ‏من‏ ‏المفردات‏، ‏رمزية‏ ‏فى ‏سياق‏ ‏خطي مستقلة‏ ‏ومنفصلة‏ ‏عن‏ ‏سياقها‏، ‏عيانية‏ (‏فى ‏ذاتها‏) ‏عائمة‏، ‏عاجزة‏، ‏تحاول‏ ‏الإمساك‏ ‏بالموقف‏ ‏لتقود‏، ‏فتفعل‏، ‏بلا‏ ‏فاعلية‏، ‏قصيرة‏ ‏النفس حاضرة‏ ‏بذاتها‏ ‏فى ‏سياقها‏، ‏ملتحمة‏ ‏مع‏ ‏كلية‏ ‏الوجود‏ ‏بما‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏الوجود‏ ‏الجسدي‏-‏مشاركة‏- ‏فى ‏غير‏ ‏تميز‏- ‏غائية، متجددة متخلقة أبدا.

فى حالة العادية: الكلام هو الكلام، والكلمة تقوم بدورها كرمز له حدوده ومضمونه، وبالتالى تظل الكلمة أداة لغيرها، قادرة على القيام باقتصاديات تساعد التعبير والتواصل والتكيف.

فى حالة الجنون: قد تفرغ  الكلمات من مضمونها ، وقد تفيد غير المألوف منها، وقد تحتوى مضمونا جديدا خاصا دون تحديد أو إعلان، فتصبح مثل القالب الفارغ الذى إما أن يظل فارغا، وإما أن يملأ سرا كيفما اتفق، وهى لذلك تبدو طافية فوق معناها، ملامسة لغيره بشكل عشوائى، أو تصبح أداة  لما لم تنشأ من أجله. من فرط تفريغها وغرابة إعادة ملئها، تتزاحم مع بعضها البعض، ويصبح ظهورها على السطح عشوائى التواجد مجهول التوقيت.

فى حالة الإبداع: تظل الكلمة نابضة بمضمونها القديم لكنها ، بمرونتها ونشاطها الحر الملتزم بالتمحور والتوجه قادرة على اكتساب مضامين جديدة، حسب السياق والجدل، والكلمة –هنا عموما- تتجاوز اللفظ إلى أى وحدة رمزية أو أداة تعبيرية مناسبة .

 

  حالة‏ “‏العادية‏” حالة الجنون حالة‏ ‏الإبداع
الآخر(الموضوع) أداة جزئية، تكيفية، فى علاقة صفقاتية محددة، ضرورية مفيدة غالبا. مصدر‏ ‏تهديد‏ ‏مرعب‏, ‏مطارد‏, ‏أو‏ ‏مصدر‏ ‏شلل‏ ‏مباعِد‏, أو احتواء ماحٍ، ‏سيقابل عادة بالإنكار حتى المحو والإعدام. حاضر‏ ‏فى ‏كليته‏، ‏فيمثل‏ ‏تحديا‏ ‏صعبا‏، ‏وهو‏ ‏ممكن‏، ‏ومختلف‏، ‏وضرورى ‏معا‏.‏

 

فى حالة العادية: تكون العلاقة بالآخر جاهزة، وتكيفية، وصفقاتية (إيجابا)، لكنها عادة لا تتجاوز ظاهر الصفقة (الجيدة منها والرديئة)، ويبدو الآخر ضروريا من حيث التعاون على الاستمرار ، وتبادل المصالح ، وتحقيق الاحتياجات، على مستوى التعامل والتكيف والاستمرار، فتكون بمثابة صفقة ناجحة مفيدة محدودة.

فى حالة الجنون: تصبح العلاقة بالآخر (الموضوع) إشكالا متعدد الجوانب، لكن يظل الجانب الغالب هو إفساد هذه العلاقة وإشلالها: إما بتشويهها أو بالانسحاب منها، أو بإلغاء المضوع بالتهامه تماما، أو الغوص فيه كلية، وتمثل أية محاولة لإحياء حتمية عمل علاقة حقيقية بالموضوع تهديدا مباشرا سرعان ما يوَاجَه بما تيسر مما سبق (تشويه أو انسحاب أو التهام أو غير ذلك)

فى حالة الإبداع: يحضر الموضوع بما هو ابتداء سواء داخليا أو خارجيا، وبالرغم من أنه يمثل واقعا صعبا بقدر ما هو موضوعى فعلا، فإنه يمثل المجال الحقيقى الذى يسمح بالجدل، ومن ثم بالولاف فالإبداع. الموضوع فى الإبداع هو مشاركٌ أصلىّ فى العملية، وفى نفس الوقت هو موضوعها ومثيرها فى آن.  الموضوعات الداخلية لا تقل حضورا موضوعيا عن الموضوعات الخارجية، وبالتالى هى ليست أقل ثراء أو أخفت صوتا فى الحفز إلى حركية الإبداع، وبصفة عامة فإن جدل موضوعات الداخل مع موضوعات الخارج فى وعى المبدع هى الثروة التى يتخلق منها الواقع الإبداعى، أو الموضوعات الجديدة.

 

  حالة‏ “‏العادية‏” حالة الجنون حالة‏ ‏الإبداع
الصورة باهتة، إذا ظهرت أصلا، وكثيرا ما تستعمل رمزا لغيرها. بصرية‏ (‏حسية‏ ‏عموما‏) ‏تنساب‏, ‏تغمر‏, ‏تقتحم‏, ‏مستقلة‏, ‏متغيرة‏, ‏مهزوزة متداخلة، أو راسخة مؤلفة‏.‏ بصرية‏ (‏حسية‏ ‏عموما‏) ‏قائمة‏ ‏بنفسها‏، ‏مخلقة‏ ‏لدلالات‏ ‏جديدة‏، ‏ملتحمة‏ ‏بالوجود‏ ‏الكلى ‏والحياة‏ ‏المفاهيمية‏ ‏القائمة‏ ‏فالمتجددة‏.‏

 

فى حالة العادية: يصعب حضور الصورة بذاتها دون اختصارها إلى رمز تدل عليه، فتظل باهتة بعيدة فى حالة تماس مع الوعى الظاهر لا أكثر

فى حالة الجنون: تأخذ الصورة حقها فى الاستقلال بذاتها ، والحضور لذاتها، ويختلف حضورها فى الوعى أو أمامه ، فهى قد تنساب أو تغمر، أو تقتحم مستقلة أو متداخلة، تظهر بذاتها سواء كأداة أولية للمعرفة، أو مُسقطة فى صورة هلوسات ‏حسية‏  ‏قائمة‏ ‏بنفسها‏، وقد تكون حاضرة بذاتها فى الداخل أو فى الخارج، عائمة طافية فوق الوعى، أو تكون راسخة مؤَلَّفة بخيال لاحق.

فى حالة الإبداع: تحضر الصورة ماثلة مجسدة متعددة الأبعاد، حتى لو رسمت بآليات التشكيل اللفظى الرمزى بالكلمات فى الشعر مثلا، أو بالمعادلات والأرقام والإشارات فى العلم وغيره، فهى صورة حاضرة،

تستطيع الصورة –هنا فى الإبداع- أن تقوم بدورها بذاتها فى مساحة أرحب وإلى بعد أعمق.

 

  حالة‏ “‏العادية‏” حالة الجنون حالة‏ ‏الإبداع
‏’‏المكد‏’[8] (‏المدرك‏ ‏الكلى ‏الداخلي‏)‏المعرفة الهشة غير ظاهر فى وعى الصحو، مكبوت، منتظـِر، فاعليته غير مباشرة وغير محددة. قد‏ ‏يحل‏ ‏في‏ ‏وعي‏ ‏الصحو‏, ‏مع‏ ‏العجز‏ ‏عن‏ ‏الظهور‏ ‏في‏ ‏السلوك‏ ‏الخارجي‏ ‏إلا‏ ‏معيقا‏, ‏مشوشا‏, ‏منافسا‏, ‏مخلخلا‏.‏ نشط‏ ‏فى ‏سعى ‏إلى ‏استعمال‏ ‏المستوى ‏المفاهيمى ‏للحصول‏ ‏على ‏مشروعية‏ ‏الحضور‏ ‏فى ‏السلوك‏ ‏الظاهري‏، ‏محور‏ ‏فى ‏تكامل‏ ‏تعبيرى ‏فى ‏النهاية‏.‏

 

فى حالة العادية لا تظهر فاعلية المعرفة الأولية – المكد- إلا فى الأحلام،  وبطريق غير مباشر فى بعض الممارسات الشعبية أو الدينية.

أما فى حالة الجنون فقد يحل المكد بما هو فى وعى الصحو الظاهر، وقد تحيط المعرفة الهشة بالمعرفة المفاهيمية، وقد تحل محلها، حتى تعجز الاثنتان عن القيام بأى وظيفة تكيفية أو تعبيرية . ويتجلى المكد جزئيا فى حالة ظهوره بما هوفى أعراض مختلفة مثل التفكير العهنى[9] ، والجدْلغةْ (رطان خاص مؤلف عشوائيا)[10].

فى حالة الإبداع تحضر المعرفة الغامضة الهشة بشكل أكثر سماحا، وفى نفس الوقت أكثر مسئولية، ويترتب على ذلك جدل ما بين هذه المعرفة وبين المعرفة المفاهيمية،  بما يسمح بتخليق ما يتيسر من تشكيل جديد. هذا وتختلف جرعة حضور المكد بما هو فى الإبداع حسب تصنيفات ومستوى الإبداع، لكن ظهور  المكد وحده لا يمثل إبداعا بحال من الأحوال.

 

  حالة‏ “‏العادية‏” حالة الجنون حالة‏ ‏الإبداع
الزمن تتبعى، مسلسل، خطى منتظم. منفصل‏ (‏عن‏ ‏الكلية‏/‏عن‏ ‏الذات‏/‏عن‏ ‏الواقع‏) ‏متجمد‏, ‏مكاني‏ (‏حيث‏ ‏لا‏ ‏مكان‏) ‏دائرى‏, ‏معاد‏.‏ محتوى ‏فى ‏محيط‏ ‏الوعي‏، ‏مرتع‏ ‏لحركة‏ ‏القصدية‏ ‏والتكثيف‏، ‏متحرك‏ ‏فى ‏إطار‏ ‏الذات‏ ‏الممتدة‏، ‏وليس‏ ‏بُعْدا‏ ‏خارجا‏ ‏عنها‏.‏

 

فى حالة العادية: يكون  الزمن خطيا تتبعيا منتظما رتيبا مرتبطا بما يحوى من أحداث، مميزا لها، حاضرا فى ظاهر الوعى عادة.

وفى حالة الجنون: يتحرر الزمن من التتابع، وقد ينفصل عن الحدث، وقد يلامسه تماسا أو يحيط به تداخلا، وهو ينسلخ عن واقع “الآن”، بقدر ما يتوقف دائرا حول نفسه، أو حول الحدث فى المكان تجميدا أو تزييفا ، “كنظام” “زمن ما”

وفى حالة الإبداع:  يصبح الزمن مجالا وبعدا هاما يواكب الحدث ويجادله ويتشكل معه وبه، كما يتراجع الزمن التتبعى حتى يسمح بتشكيلات مكانية تكاملية للزمن بشكل نشط ومتغير.

 

  حالة‏ “‏العادية‏” حالة الجنون حالة‏ ‏الإبداع
الواحدية‏’oneness‘‏ ظاهرية، تشير إلى إطار سطحى جامد محدد بغض النظر عن  محتواه. مفقودة‏ ‏أو‏ ‏مهزوزة‏ ‏أو‏ ‏ذائبة‏ ‏في‏ ‏كلٍّ‏ ‏مجهول‏ ‏بلا‏ ‏معالم‏.‏ حاضرة‏ ‏ضامـة‏ ‏مجاوزة‏ ‏فى ‏اطراد‏ ‏مفتوح

 

فى حالة العادية : الواحدية الظاهرة مؤكدة طاردة لما عداها ، إلا فى الحلم، فالفرد واحد طول الوقت، حتى لو تغير المزاج ، أو انقلبت الأفكار، فهو مزاج نفس هذا الواحد وأفكاره، لا أكثر ولا أقل.

فى حالة الجنون: (الفصام/التفسخ) تختفى الواحدية بدرجات مختلفة، وبآليات متنوعة، فهى إما مفقودة مفتـَقدَة نتيجة لتكافؤ التنافس بين المنظومات (حالات الذات) التى تريد أن تحتل الوعى الظاهر، وإما منزلقة متبادلة بشكل تذبذبى لا يجتمع فى واحد إلا لفترة قصيرة ، وإما هلامية غير متميزة، للآخرين ، وللشخص نفسه فى كثير من الأحيان.

فى حالة الإبداع: تكون الواحدية حاضرة فى تخلّق نشط، فالفرد حالة كونه مبدعا يكون هو، بقدر ما يكون “مشروع هو”، وبالتالى يقبل تعددا ضاما لكنه لا يتنازل عن جُماع ذاته القادر على احتواء هذا التعدد “فى واحد” فى حركية جدلية طول الوقت (طول وقت حالة الإبداع).

  حالة‏ “‏العادية‏” حالة الجنون حالة‏ ‏الإبداع
“حدود‏ ‏الذات[11] محددة بظاهر السلوك وصورة الذات البادية للشخص أو للأخرين أو لهما معا. باهتة‏، ‏أو‏ ‏متقطعة‏، ‏أو‏ ‏متغيرة‏ ‏أو‏ ‏مختفية مرنة‏، ‏مسامية‏، قوية فى آن ‏تتخلق‏ ‏متنامية‏ ‏من‏ ‏الداخل‏ ‏والخارج‏ ‏معا‏.‏

 

تتحقق الواحدية بقدر ما تتحدد حدود الذات،

فى حالة العادية تكون حدود الذات متماسكة صلبة تحيط أساسا بمنظومة الوعى الظاهر الذى يحيطها ويمثلها فى آن واحد، وتقع محتويات وتشكيلات مستويات الوعى الأخرى بعيدا عنها، لكن فى متناولها بطرق مختلفة.

فى حالة الجنون تبهت حدود الذات الواحدة (الظاهرة أو أى ذات) ، حتى تكاد تختفى، وقد تكون مسامّية، أو ممزقة، أو شفافة ، بحسب نوع الجنون، وقد يكون ذلك نتيجة للعجز عن تحديد ذات غالبة فى وقت بذاته، غالبة لدرجة استبعاد ما عداها، وقد يكون ذلك أيضا نتيجة لتذبذب القيادة تذبذبا سريعا حتى لا نعود نعرف عن أى حدود لأى ذات نتكلم.

فى حالة الإبداع تتداخل حدود الذات مع الموضوع (الداخلى أو الخارجى) لا بمعنى الامحاء ، وإنما من خلال الجدل الخلاق، وهذا يدفعنا إلى مراجعة مقولة “الواقع الإبداعى” الذى هو أكثر واقعية من كل من “الواقع الخارجى” “والواقع الداخلى معا”، فهو واقع حاضر يتخلق وبالنسبة لحدود الذات فإنها إذ تصبح جزءا من الواقع الإبداعى المتخلق تبدو وكأنها أقرب تحديدا، فى حين أنها أقدر احتواء وحضورا وحوارا وجدلا بما يميز المبدع وهو يتماهى مع إبداعه من جهة، وقد يتخلق بها من جهة أخرى (أنظر بعد الملحق الثانى: علاقة المبدع بإبداعه).

خلاصة القول أن حدود الذات فى الإبداع شديدة التحديد، بقدر ما هى مسامية بالغة المرونة، نشطة التخلّق،  قوية أيضا بحركيته وليس بصلابتها.

 

  حالة‏ “‏العادية‏” حالة الجنون حالة‏ ‏الإبداع
الاستمرارية موجودة ما تعلقت بهدف ظاهر. قصيرة‏، ‏لاهثة‏، ‏متدفقة‏ ‏فى ‏تقطع‏ ‏دائرى ‏أو‏ ‏عشوائي مغلق. متواصلة‏، ‏متنامية‏، ‏مجاوزة‏ ‏للفرد‏، ‏مفتوحة‏ ‏النهاية‏.‏

 

المقصود بالاستمرارية  بعد آخر لتحديد المستوى الغالب المسئول عن القيادة لفترة تكفى لتحقيق ولو هدف متوسط،

هذا البعد مكمل لحدود الذات طوليا إن صح التعبير

فى حالة العادية: تكون الاستمرارية كافية لتحقيق أهداف قريبة متلاحقة مرتبة عادة، حتى لو لم يكن ترتيبا مسبقا.

فى حالة الجنون: تتذبذب الاستمرارية بقدر ما تنتقل القيادة من منظومة وعى إلى آخر، ومن هدف عابر مؤقت إلى آخر، وأيضا قد تتوقف بقدر تَلاَحُق تغير الأهداف المتوسطة، ناهيك عن البعيدة أو النهائية، حتى يختفى الهدف (الأهداف) ويصل الأمر إلى أن تنعدم فاعليتها وجاذبيتها، فتنقلب الاستمرارية  دائرية مغلقة، أو مكررة فى المحل، أو متذبذبة متعارضة، أو غامضة هلامية مشلولة، فهو العدم.

فى حالة الإبداع: تمثل الاستمرارية أساسا هاما فى الحفاظ على الاتجاه، وهذا المتغير له علاقة بالإرادة المتوجِّهة المتفاعلة تأليفا حول الفكرة المحورية  بشكل ما، علما وتذكرة بأن ذلك يتم فى مستوى غير محدد، وغير معلن ظاهرا بالضرورة.

 

[1] – Mental state: Cognitive Neuroscience

[2] – Structural analysis (Transactional Analysis) Eric. Berne

[3] – Acting out

[4] – Information processing

[5] – Amorphous cognition

[6] – Cosensuality

[7] – مفهوم (أو فرض) العين الداخلية Internal Eye، وضعه سيمز  Sims ليعبر به عن آلية رؤية الداخل مباشرة ، بعيدا عن الاستبطان المعقلن، وقد طور الكاتب هذا المفهوم لشرح عديد من محاولات تنظيره سواء فى تفسير حركة العين السريعة فى الأحلام (نوم الريم REM sleep) أو فى تفسير الصور الداخلية حتى الهلاوس التى أسماها الهلاوس البصيرية Insightful hallucinations

[8] – Endocept أنظر المتن.

[9] – Wooly thinking

[10] – Neologism

[11] – Self boundaries

الملحق الثانى: مقارنة بين أنواع الإبداع

الملحق الثانى: مقارنة بين أنواع الإبداع

الملحق الثانى

مقارنة  بين أنواع الإبداع

أولا : الجدول الإجمالى:

 

  الإبداع الفائق الإبداع البديل الإبداع الناقص (المجهض) الإبداع المبطل (اللاإبداع =المحيط=المجمد)
العلاقة‏ ‏بالجنون فى ‏علاقة‏ ‏جدلية‏ ‏حركية‏ ‏نقيضية‏ ‏مواجهة‏ ‏ومحتوية سلب‏ ‏للجنون‏ ‏وعكسه خلط‏ ‏تناثرى ‏بين‏ ‏بؤر‏ ‏الإبداع‏ ‏وشظايا‏ ‏الجنون تسوية‏ ‏مجمدة‏ ‏تبطل‏ ‏الاثنين‏ ‏معا
نوع‏ ‏التماسك مرن‏ ‏فى ‏قوة‏، ‏مسامىَ ‏فى ‏تماسك‏ ‏مفتوح‏ ‏النهايات‏ ‏فى ‏تضافر‏، ‏متعدد‏ ‏المستويات‏ ‏فى ‏تواصل‏ ‏ متماسك‏، ‏محكم‏، ‏محدد‏ ‏المعالم‏.‏ متنافر‏، ‏إلا‏ ‏فى ‏داخل‏ ‏بؤرة‏ (‏أو‏ ‏بؤر‏) ‏جزئية‏ ‏محدودة، متباعدة  شديد‏ ‏التمسك‏ ‏بثبات‏ ‏الحال‏ (‏دون‏ ‏إضافة إبداع‏ حقيقى)‏ 
جماليات يخلق‏ ‏الجمال‏ ‏بالكشف‏ ‏عن‏ ‏علاقات‏ ‏جديدة‏، ‏قد‏ ‏تكون‏ ‏صادمة‏ ‏بداية‏، ‏لكنها‏ ‘‏هارمونية‏’ ‏على ‏مستوى ‏أعلي رائق‏ ‏الجمال‏، ‏يؤكد‏ ‏التناسق‏ ‏التناسبى ‏القائم‏، ‏ويعمقه‏، ‏ويحدده يجمع‏ ‏بين‏ ‏بؤر‏ ‏جمالية‏ ‏فى ‏ذاتها‏ ‏وبين‏ ‏قبح‏ ‏متناثر‏، ‏ثم‏ ‏يعلن‏ ‏قبح‏ ‏التناثر‏ ‏الكلي باهت‏ ‏الوجود‏، ‏مدعى ‏الجمال‏ ‏بقبح‏ ‏متجمد‏ (‏أو‏ ‏مستغن‏ ‏عن‏ ‏قيمة‏ ‏الجمال‏ ‏أصلا‏)‏
مستويات‏ ‏المعرفة أكثر‏ ‏من‏ ‏تيار‏ ‏معرفى (‏مفاهيمي‏، ‏بدائي‏، ‏صوري‏، ‏مكاني‏، ‏كلي‏) ‏فى ‏تضافر‏ ‏يمنع‏ ‏فصل‏ ‏أى ‏تيار‏ ‏بذاته‏ ‏لذاته المستوى ‏المفاهيمى ‏للمعرفة‏ ‏يقوم‏ ‏بالواجب‏ ‏طوال‏ ‏الوقت‏، ‏ويترجم‏ ‏إليه‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏عداه‏ (‏غالبا‏)‏ تيارات‏ ‏متجاورة‏ (‏قص‏ ‏ولصق‏) ‏قد‏ ‏تترابط‏ ‏فى ‏وحدات‏ ‏منفصلة‏ (‏جزر‏ ‏متباعدة‏ ‏بلا‏ ‏تواصل‏)‏ يسود‏ ‏التيار‏ ‏المفاهيمى ‏مفرغا‏ ‏من‏ ‏مضمونه‏، ‏عادة‏، ‏لفرط‏ ‏رتابة‏ ‏الإعادة‏.‏ 
اللغة  مفتوحة‏، ‏مرنة‏، ‏متجددة‏، ‏كائن‏ ‏حي‏، ‏ينمو‏ ‏باحتواء‏ ‏القديم‏، ‏لا‏ ‏بديلا‏ ‏عنه‏ (‏عن‏ ‏القديم‏)‏ قوية‏، ‏ضابطة‏ ‏رابطة‏، ‏واصفة‏، ‏ملتزمة‏ ‏ملزمة‏.‏ مفككة‏، ‏تائهة‏، ‏ناقصة‏، ‏مدعية‏، (‏مع‏ ‏احتمال‏ ‏وجود‏ ‏بعض‏ ‏التراكيب‏ ‏الواعدة‏ ‏مستقلة‏)‏ عادية‏، ‏هامشية‏، ‏عابرة‏، ‏مستعملة‏ ‏لغير‏ ‏ما‏ ‏هى ‏له‏.‏ 
الأثر‏ ‏على ‏المبدع ‏ ‏يعرف المبدع‏ ‏جديدا‏ عن نفسه ‏من‏ ‏خلال‏ ‏ما‏ ‏يفاجأ‏ ‏هو‏ ‏به‏، ‏يتغير‏ ‏بإبداعه‏ ‏فتتمدد‏ ‏ذاته‏، ‏يلين‏ ‏وتتفتح‏ ‏مسامه‏ ‏لاختلاف‏ ‏أرحب‏، ‏يتطور‏ ‏فى ‏نفسه‏ ‏وفى ‏إنتاجه‏ ‏ ‏ ‏يؤكد‏ ‏ما‏ ‏يكاد‏ ‏يعرفه‏ ‏سابقا‏، ‏لا‏ ‏يتغير‏ ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏يصقل‏ ‏ما‏ ‏هو‏، ‏يزداد‏ ‏تمسكا‏ ‏بمعتقده‏، ‏يتقن‏ ‏فى ‏الموضع‏ ‏نفسه عادة ما يشوش‏ ‏ما‏ ‏يعرفه‏ ‏بما‏ ‏يتصور‏ ‏أنه‏ ‏يعرفه‏، ‏لا‏ ‏يتغير‏ ‏وإن‏ ‏تذبذب‏ ‏خارجه‏، ‏قد يتنازل ظاهرا‏، مع‏ ‏فرط‏ ‏تعصب‏ ‏داخلى، ‏يتشوش‏ ‏ويغتر، وقد يتغير نادرا‏.‏ لا‏ ‏وجود‏ ‏لإبداع‏ حقيقى ‏فلا‏ ‏تغير‏ ‏أصلا‏، ‏يزداد‏ ‏تعصبا‏ ‏وجمودا‏ ‏كلما‏ ‏تحرك‏.، ‏يتجمد‏ ‏إبداعه‏ ‏الحقيقي‏، ‏يبهت‏ ‏أكثر‏ ‏ويعلو‏ ‏صوته‏.‏ 
الأثر‏ ‏على ‏الإبداع‏ ‏اللاحق تطور‏ ‏معرفي‏، ‏وتغير‏ ‏نوعي‏، ‏ليس‏ ‏مطردا‏ ‏بالضرورة‏.‏ تكرار‏ ‏جيد‏، ‏قد‏ ‏يكشف‏ ‏أبعادا‏ ‏أكثر‏ ‏للمستوى ‏نفسه تكرار نافر، وإن كان يحمل احتمال الجدل مع الصبر والوعى والجهد، من خلال النقد والحوار إن وجدا. ليس‏ ‏ثمة‏ ‏إبداع‏ ‏سابق‏ ‏أو‏ ‏لاحق‏ (‏إلا‏ ‏فى ‏دورات‏ ‏حيوية‏ ‏تسحق‏ ‏آثارها‏ ‏عادة‏ ‏بفرط‏ ‏التجمد‏).‏
العلاقة‏ ‏بالنمو‏ ‏الشخصى هو‏ ‏الصورة‏ ‏المعلنة‏ ‏له‏، ‏بعد‏ ‏اكتساب‏ ‏صاحبه‏ ‏الوعي‏، ‏يدفعه‏ ‏ويتلقى ‏منه‏، ‏وقد‏ ‏يستغنى ‏عنه‏، ‏بحسب‏ ‏اطراد‏ ‏جرعة‏ ‏استيعاب‏ ‏النبض‏ ‏الحيوى ‏للتغير‏ ‏الفردى (‏فالنوعي‏) ‏وضبطها‏. ‏ مؤشر‏ ‏لمساره‏ ‏أحيانا‏، ‏ومعطل‏ ‏له‏ (‏بوصفه‏ ‏بديلا‏ ‏عن إبداع ذاته، نموها) مجهض‏ ‏لنمو المبدع‏ (‏وللإبداع‏ ‏الفائق‏ ‏بوصفه‏ ‏ممثلا‏ ‏له‏ ‏فى ‏الوعى (‏المسجل‏)،ولكنه‏ ‏قد‏ ‏يكون‏ ‏خطوة‏ ‏واعدة‏ (‏لا‏ ‏جدوى ‏منها‏ ‏فى ‏حد‏ ‏ذاتها‏ لو لم تكتمل).‏ مجمد‏ ‏له‏، ‏لكن‏ ‏يبدو‏ ‏أنه‏ ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏إيقافه‏، ‏فهو‏ ‏حادث‏ ‏فى ‏النوم‏ ‏من‏ ‏ورائه‏، ‏وقد‏ ‏يظهر‏ ‏فى ‏أجيال‏ ‏بعده‏.‏ 
تبادله‏ ‏مع‏ ‏حالة‏ ‏الجنون احتمال‏ ‏نادر‏، ‏يقل‏ ‏باضطراد‏ ‏مع‏ ‏اضطراد‏ ‏الإبداع‏ ‏ونمو‏ ‏الذات‏.‏ احتمال‏ ‏أقل‏ ‏ندرة‏، ‏خصوصا‏ ‏إذا‏ ‏توقف‏ ‏الإبداع‏، ‏فهو‏ ‏وارد‏، ‏هو‏ ‏أو‏ ‏ما‏ ‏يكافئه‏ ‏وهو‏ ‏نفيه‏ احتمال‏ ‏واقع‏، ‏لكنه‏ ‏عادة‏ ‏لا‏ ‏يتمادى ‏فى ‏صورته‏ ‏السلوكية‏ ‏الصريحة‏، ‏لأن بعضاً منه هو‏‏ ‏جنون‏ ‏صريح‏ (‏بذاته‏)‏  (‏وهو‏ ‏فرض‏ ‏نظري‏) ‏لأن‏ ‏الإبداع‏ ‏هنا‏ ‏غير‏ ‏ظاهر‏ ‏أصلا‏، ‏فأى ‏تبادل‏ ‏نزعم؟‏
تبادله‏ ‏مع‏ ‏أنواع‏ ‏الابداع‏ ‏الأخرى وارد‏ ‏أحيانا‏ (‏بما‏ ‏يفسر‏ ‏اختلاف‏ ‏مستويات‏ ‏الإبداع‏ ‏عند‏ ‏مبدع‏ ‏متميز‏; ‏محفوظ‏، ‏مثلا‏)‏  نادر‏ ‏عادة‏ (‏بما‏ ‏يفسر‏ ‏رفض‏ ‏أغلب‏ ‏المبدعين‏ ‏على ‏هذا‏ ‏المستوى ‏لأى ‏إبداع‏ ‏فائق‏ ‏أو‏ ‏ناقص‏ (‏العقاد‏ ‏مثلا‏)‏ نادر‏ ‏غالبا‏ (‏إلا‏ ‏إذا‏ ‏تطور‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏قد‏ ‏يعد‏ ‏به‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏المراجعة‏، ‏والنقد‏. ‏وفى ‏هذه‏ ‏الحالة‏ ‏هو‏ ‏تطور‏ ‏فإحلال‏ – ‏لا‏ ‏تبادل‏)‏ الابداع‏ ‏الظاهر‏ ‏غير‏ ‏مطروح‏ ‏أصلا‏ ‏حتى ‏نقول‏ ‏بتبادل‏)‏ 
دور النقد التلقى المحاور، والإبداع الموازى. التقويم المحكم، والتحريك (إن أمكن) الصبر، وتحمل الغموض، واللم، والوعد، والإشارة إلى خطوة تالية.. إلخ (ليس ثمة إبداع أصلا، ليستأهل النقد.
المقابل التدهورى (المرضى) الجنون المتناثر (الفصام، بخاصة التفسخى) الجنون البديل (مثل: الاكتئاب الهوس – حالات البارانويا…) بعض الحالات البينية النشطة، والمختلطة حالات اضطراب الشخصية، من النوع النمطى بصفة خاصة، وبعض العصاب المزمن.
المقابل الحيوى:أ-المستوى الليلنهارى  نبضات الحلم المتكاملة (تفكك – تعزيز – إعادة تنسيق..)