الرئيسية / مجلة الإنسان والتطور / عدد ابريل 1985 / ابريل 1985- الحياة الهادئة أجمل

ابريل 1985- الحياة الهادئة أجمل

الحياة الهادئة أجمل

هالة جبر

– 1 –

أخيرا عدت لأمى.

بعد ساعة ونصف من الزحام والضجيج واختناق المرور، من المستحيل أن يحفظ أحد مواعيده فى هذه المدينة المكتظة. كان موعدى مع أمى أن أعود مبكرا من الكلية لأصحبها إلى وسط المدينة لشراء بعض الحاجات، ولكن مجرد التفكير فى هذا الآن يعد ضربا من الجنون.

وجدت أمى قد يئست من النزول اليوم فبدلت ملابسها وتهيات للنوم. جلست بجانبها على السرير أحكى لها عن يومى وعن الزحام الرهيب، وكانت هى تستمع إلى .. تضئ وجهها ابتسامتها الحبيبة. بعد فترة ذهبت هى تعد طعام الغذاء وذهبت أنا أبدل ملابسى..

تابعنا حديثنا حول مائدة الطعام ثم نمنا..

بعد شاى الساعة الخامسة جلسنا كل مشغول بعمله. بدأت أنا المذاكرة، وكانت أمى تقرأ شيئا، عندما دق جرس التليفون، وردت أمى.

– مساء النور . أهلا ، كيف حالك، وأخبار الكلية، عظيم ها هى.

ثم أشارت لى أن المكالمة لى .. أنه هو .. حبيبى. نهضت مسرعة، ودخلت بالتليفون إلى الحجرة المجاورة. كم أوحشنى. كان معى من بضع ساعات فقط. أصبح هو كل حياتى.. محررها. كل وقتى أقضيه أمامعه أو فى التفكير فيه.

أنهيت المكالمة على مضض لنعود إلى المذاكرة. قابلتنى بابتسامتها الحبيبة.

– ما الأخبار؟

حدثتها عن التطورات، وكانت هى مهتمة اهتماما غير عادى.

حدثتنى عن حبها وذكرياتها. وأمضينا قرابة الساعة بين كلامها وكلامى. وحبها وحبى، وعصرها وعصرى.

…     …       …

أفقت من نومى وبداخلى شعور غريب. جزء ما بداخلى بدأ يتململ – لا يهتم – أه تذكرت. لقد حلمت حلما عجيبا حقا. هلوسة لا أكثر. رأيت ثلاثة طيور تتنقل ما بين غناء وطيران ثم تراءى لى وجه أحدهم عن قرب فإذا به.. وجه أمى. وإذا بالأخرى تشبهنى. ولم اعرف الوجه الثالث. حلم عجيب حقا. لا يهم طالما أنه ليس بالكابوس.

أسرعت بالنهوض لأذهب إلى الكلية مبكرا.

– 2 –

مر اليوم بلا أحداث هامة. يوم عادى بين الكلية والبيت، ولكنى كنت أشعر بقلق غريب. لا أدرى لماذا؟

جلست أشرب كوب الشاى ببطء. أستمع إلى أم كلثوم وأفكر فى لا شئ، أحاول أن أهيئ نفسى للمذاكرة. إلى أن تذكرت فجأة..

– أه. لقد نسيت موعد الأستاذ. اليوم.. الأحد. كيف نسيت أن أذهب. أنه ميعادى المقدس. تخيلى يا أمى. أنا أنسى موعد الأستاذ. ترى ماذا يظن بى الآن؟ مستهترة؟ لقد أكد لى مرارا أنه طريق طويل وشاق،ن ولكنه أكيد للوصول إلى ما أريد. لقد قال لى مرارا أنه يخشى أن أمل انتظار الوقت المناسب لبدء التحدى، أو أن يتوه أملى وسط زحام الآمال الملموسة. لابد أن أذهب غدا لأعتذر له.

كانت أمى تنظر إلى نظرة لا تريحنى، ثم قالت:

– أنك تجهدين نفسك كثيرا. من غير المعقول أن تقضى كل هذا الوقت فى هذا الهراء. أنك قطعا لن تغيرى العالم. من الأفضل أن تنتهى إلى أشياء أخرى .. أكثر جدوى. لقد كنت مثلك هكذا .. خيالية إلى أقصى الحدود. كنت أريد أن أصلح الكون بتماثيلى الصغيرة. كنت أظن أننى أستطيع بفنى وإخلاصى وأفكارى المجسمة أن أهز شيئا غالبا فى الناس، لكن شيئا من هذا لم يحدث، وأيقنت فيما بعد أن الحياة الهادئة، بين شريك مخلص وأبناء، أجمل كثيرا من تلك الخرافات، هناك أشياء صغيرة فى الحياة يمكن ان تمنح السعادة. سعادة تعادل سعادة تحقيق الأحلام. فالسعادة هى ان تملئ حياة شخص عزيز هناء.

………………..

……………….

– 3 –

لم أذهب إلى الكلية اليوم. لن أتحمل يوما تقليديا آخر. بعد أن خرج أبى وأخوتى كل إلى عمله، بقيت أنا أساعد أمى فى أعمال المنزل.

كنت أرقب أمى طوال الوقت. أرقب وجهها وتعبيراته الرقيقة. أرقب التجاعيد التى بدأت تغزو عينيها الجميلتين. أرقب الشعر الأبيض الذى ظهر عند منابت شعرها. أرقب الجسد النحيل الذى ورثته عنها. كنت أرقبها فى هدوء غريب.

أفقت على صوتها:

  • سأذهب أنا الآن يا حبيبتى. هل تريدين منى شيئا؟

– لا … شكرا .. شكرا.

أنا الآن بمفردى. ولابد أن أضع حدا لتلك الحالة الغريبة وأواصل حياتى. لماذا أظن أنى سأصبح مثل أمى فى حياتها. أكرر مشوارها. وأتوقف عندما توقفت هى؟ صحيح أننى الآن أكرر حياتها حرفيا ولكن هذا لا يلزمنى أن أنتهى نهايتها أيضا.

يا إلهى .. كيف أستطيع أن أحيا حياة عادية .. أحلامها وطموحها لا تتجاوز حدود أسرتى الصغيرة وعالمى المادى؟ كيف تحصر كل حياتى فى حدود علاقة ثنائية جدا, فليكن، ولكن كيف ولها أن تستوعب وجودى كله.. أن تسع عالمى بأسره؟!

لن أستطيع أن  أصبح مثل أمى .. ماذا عساى لن أفعل؟

– 4 –

أفقت من نومى على أمل واهن فى الخلاص.

ترى ماذا أستطيع أن أفعل؟ إنى أرى نفسى وأنا أبعد عن طريقى يوما بعد يوم لأنضم إلى الطريق الأسلم.

ترى ماذا أفعل؟ وأنا أشعر باغترابى فى أحلامى، واغترابى فى حياتى على حد سواء. ترى ماذا أفعل؟ هل هذه حالة عابرة؟ هل أستطيع المضى فى طريقى دون أن أفرط فى حبى؟ ترى هل سأعود تماما كما كنت إذا أنا تخليت عن حبى؟ أم أنه موت نهائى؟ ترى هل أستطيع أن استمر فى طريقى إذا هو شجعنى على هذا؟

هذا هو الحل إذن. لم لا أحاول شرح أحلامى له؟ لم لا أجعله يساعدنى ويؤازرنى؟ لم أختار بين أعز شيئين لدى؟ لم لا أجمع بينهما؟

شعرت براحة جزئية بعد وصولى إلى هذا الحل. وقمت لأتناول إفطارى.

– ما هذا؟ أنت تعلمين جيدا إنى لا أحب هذا. ماذا آكل الآن.

رفعت صوتى لأول مرة على أمى، ولكنها تعلم إننى لا أحب هذا الأكل فلماذا تعده على الفطور؟ غضبت وذهبت لأرتدى ملابسى دون إفطار.

جاءت أمى ورائى تحاول تهدئتى ولكنى لم أسمع لها ونزلت لأقابله.

صدمنى برده البسيط.

ما هى المشكلة إذن إذا كان هو متفهما إلى هذا الحد. وإذا كان يسعده أن أحقق ما أريد. وإذا كان يريد أن يشاركنى حياتى كلها.

ولو أننى أشعر بالقلق . ولكن علها مجرد أوهام..

– 5 –

أعيش أجمل  أيام حياتى.

أقضى كل وقتى معه، لا أدرى كيف يمر الوقت ونحن معا: نذاكر معا. نخرج معا. نتحدث فى أى شئ.. المهم معا. وهو يشغل كل تفكيرى. أفكر فيه وكيف تحققت أحلامى. أفكر فى خلافاتنا الصغيرة وفى مستقبلنا سويا.

تلك هى السعادة الحقيقية. هذه هى الحقيقة التى توصل إليها كل الناس ولم تصلنى إلا الآن.

فحبيبى أنانى جدا، يريدنى له وحده، أفكر فيه وحده، وأعيش له وحده، يقول لى أنه يتمنى أن أحقق أحلامى، لكنه يشغلنى عنها بإصرار غريب. لا يطيق أن أفكر فى أشياء كثيرة. يكفى الوقت الذى تشغلنى المذاكرة فيه عنه. هكذا يقول. وأنا بدأت أعتاد هذا .. أعتاد الحياة به وله.

………………..

………………..

– 5 مكرر –

زفاف إليه اليوم. هكذا بسرعة. لا أكاد أصدق أن السعادة يمكن أن تتحقق كلها بهذه السهولة. اليوم ابدأ حياة جديدة. بطريقة جديدة. ترى هل أستطيع أن أسعده؟

– 6 –

أحاول أن أكون طبيعية قدر المستطاع، إلى أن أعتاد روتين هذه الحياة الجديدة. مسئوليات جديدة. ولكن هذا ليس بمشكلة. المشكلة أننى لا أطيق هذا الفراغ داخلى. فاليوم ينقضى بين أعمال المنزل وعملى, وعقلى أشغله دائما بحبيبى.. ماذا يجب أن يأكل اليوم؟ أين سنقضى الأجازة .. وأشياء من هذا القبيل.

سعيدة أنا جدا، عدا لحظة واحدة .. تتكرر كل يوم عندما أتهيأ للنوم وعدا يوم واحد – الأحد – أشعر فيه بقحط بداخلى.

حامل؟!. ستحل كل مشاكلى الآن – فراغى وقحطى – عساى أحقق شيئا بها، أجل. لابد أن تكون أنثى. ابنتى.

………………..

………………..

مضت شهور الحمل بين أحلامى لابنتى والإعداد لاستقبالها. وجاءت حبيبتى. بلبل. الآن، لن يصبح عندى وقت للتفكير فى الفراغ فهى معى دائما.

– 7 –

يا إلهى ماذا فعلت؟ كيف رضيت هذا المصير لنفسى؟ وكيف أرضاه لابنتى؟ كيف طاوعنى عقلى أن أقتل كل شئ مختلف بداخلى. أقتل أحلامى وأفكارى واحيا كالمنفى داخل نفسه؟ وكيف يطاوعنى قلبى أن ألقى بابنتى للحاية لتلقى نفس المصير؟ أعلمها أن تفكر.. أن تكون حرة، ثم تبنى آمالا لنفسها، وسرعان ما تقف عندما وقفت أنا. الاختيار .. ثم تتعذب كما تعذبت أنا، وكما سأتعذب دوما . كلا .. لن أتركها تلقى هذا المصير. لماذا تفكر من البداية؟ سأقتل حركتها من المهد. فلتعش كبقية الناس.. تبنى آمالا وطموحات واضحة، لأجنبها عذاب الموت بعد ذلك.

وكيف أطيق ابنة عادية؟ رأسى يكاد ينفجر. لا .. لن أفعل هذا بابنتى سأقتلها فعلا لأريحها من كل شئ.

وتنشر الصحف أخبارا ومقالات عن شابة فى غاية السعادة تقتل أولى بناتها.

****

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *