الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / جذور وأصول الفكر الإيقاعحيوى (14) مقتطفات من كتاب:”حكمة المجانين” (1)

جذور وأصول الفكر الإيقاعحيوى (14) مقتطفات من كتاب:”حكمة المجانين” (1)

نشرة “الإنسان والتطور”

السبت: 1-7-20171-7-2017

السنة العاشرة

العدد:  3591    

 جذور وأصول الفكر الإيقاعحيوى (14)     

مقتطفات من كتاب:

 

“حكمة المجانين” (1)

مقدمة

أحمد الله سبحانه أن عدد من يتابعونى بجدّية هو قليل جدا، وهم بالنسبة لى فضل من الله وكرم منهم، كما أعلم أنهم لا يهتمون كثيرا بعمق التخصص ولا بتفاصيل البحث العلمى التقليدى بقدر ما يتابعون هذا الوعى العربى (لم أقل العقل العربى لأسباب يعرفها من يتابعنى من هؤلاء القلة الكرام) ، وهو يتجول حرا فى رحابهم،  نتعرف معه على النفس البشرية من واقع ثقافتنا، وبلغتنا، وهم على درجة من الثقة والطيبة والاهتمام لدرجة أنهم يسمحون لى بالتنقل من موضوع لموضوع، دون أن يعيقنى التزام نحو دارسين محددين ، أو متابعين راصدين.

مع اقتراب إتمام السنة العاشرة لصدور هذه النشرة استأذنت أن أختصرها، لأعطى مساحة أكبر من الوقت  لنشر “أعمالى الناقصة (رافضا مصطلح الأعمال الكاملة، فلا عمل يكتمل حتى بعد رحيل صاحبه)، وقد بدأت فعلا بمقتطفات من  كتاب لى كتبته منذ نصف قرن، بعنوان “عندما يتعرى الإنسان” وقد تصالحت معه وعرفت لماذا أحبه الناس برغم موقفى منه، لكنه لم يكن كتابا فى النقد، ولا حتى أعتبرته أبداعا بقصد الإبداع، وطبعا لم يكن كتابا علميا فى الأمراض النفسية لكننى تصالحت عليه وأنا أعيد طبعه هذه الطبعة الثالثة، وعرفت فائدته للناس ولماذا أحبوه هكذا، وفعلا لقى قبولا جديدا من أصدقاء النشرة (والموقع) .

ثم انتقلت إلى أعمالى النقدية وهى الأهم بالنسبة لفكرى الإيقاعحيوى التطورى، وبدأت فى الاقتطاف من كتابى “رباعيات ورباعيات” وهو نقد مقارن لرباعيات جاهين، ونجيب سرور والخيام.

 ثم انتقلت بعد ذلك إلى نقد بعض أعمال محفوظ بدءا بنقدى الباكر الذى ظهر فى كتاب “قراءات فى نجيب محفوظ” الذى ظهر سنة 1992، وكان المفروض أن أكمل، بعد نشر ست نشرات على مدى أسبوعين، لكننى حين راجعت بعد ذلك المقتطفات الجاهز الصالحة لدعم فكرى الإيقاعحيوى التطورى سواء فى هذا العمل الباكر، أو فى الكتاب التالى فى نقد محفوظ أيضا، وهو الكتاب بعنوان “دراسات نقدية فى نجيب محفوظ” (وهو تحت الطبع أيضا) وقد جمعت فيه ما نشرته حديثا (2011 – 2016) فى الدورية الحولية “فى نقد نجيب محفوظ” التى يصدرها المجلس الأعلى للثقافة، أقول حين نظرت إلى كل هذا وجدت أن المقتطفات من نقد محفوظ وحده قد تستغرق بضعة شهور فى المساحة التى خصصتها لذلك (ثلاثة أيام فى الاسبوع: السبت والأحد والإثنين) فاستشعرت أن هذا قد يفرض على هذه القلة الكريمة التى تتابعنى وجهة نظر نقدية من مصدر واحد، ربما لا يصبرون على رتابتها، كما اكتشفت أن النشرة كلها قد تنقلب إلى النقد الأدبى ومناقشته، ولا مانع عندى شخصيا ذلك لأن النقد الأدبى بالنسبة لى هو مدخل مهم وله أولوية قصوى، ذلك أننى اكتشفت أن أعمالى النقدية ربما تكون هى أساس فكرى فى الطبنفسى عموما، أكثر من الكتب العلمية التقليدية فى الطب النفسى، وقد ذكرت سابقا أن مصطلح “نقد النص البشرى” نبع من هذا المنطلق دون قصد معين.

  وبعد

دعونى  أستسمحكم مرة أخرى – ليست أخيرة طبعا –  أن أتنقل فى الاقتطاف من بين كل أعمالى – تحت الطبع حاليا – بحرية ، دون التزام بالانتهاء من عمل بعد الآخر، وخاصة وأنا أراجع – للطبع- أكثر من عمل فى نفس الوقت، وأجد فيها جميعا ما يدعم فكرى ويصلح للاقتطاف حتى أكاد أعجز أن أفاضل بينها فى الوقت الراهن.

 العامل المشترك بين كل ذلك هو أننى وأنا أراجع الأصول أكتشف أننى لم أقرأ هذه الأعمال بعد صدورها من عشرات السنين، ثم أكتشف أننى سجلت فيها ما لم أكن أحسب أنه خطر لى آنذاك وقت كتابتها، بل إن الأمر قد وصل إلى  اننى أقرأها وكأنى أقرأ لكاتب آخر أتعرف عليه من أول وجديد.

الكتاب الذى سوف أقتطف من اليوم هو كتاب غريب فى نوعه، فلا هو نقد، ولا هو قصة، ولا هو شعر بالفصحى أو بالعامية، ولا هو علم تقليدى، أما ماذا هو، فدوعنا نتعرف على ذلك مما يلى:

….. صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب بعنوان “حكمة المجانين”:  “طلقات من عيادة نفسية” (سنة1979) (1)، وكنت أود بذلك أن أرد بعض دينى لهؤلاء الأصدقاء الذين تعلمت منهم أغلب ما كان ينقصنى فعلا، حتى كدت أعتبر ممارستى مهنتى المصدر الأول لمعرفتى بالإنسان، ونفسى، وربى، والناس، وقد استقبل أغلب من أعرف هذا العمل باعتبار أننى سمعت هذه الأقوال حرفيا من هؤلاء الأساتذة رغما عنهم، وتصور الكثيرون أننى ناقل لأقوال أصدقائى المرضى كما هى، لذلك رأيت إطالة العنوان لأبين أن  الحكمة هى  بفضلهم حالة كونى مصاحبا متعلما منهم.

هذا وقد وصلنى ما تعلمته منهم فعلا، ولكن ليس بشكل مباشر طبعا، ولا حرفيا أبدا فأثبته فى هذا العمل الذى اعتبرته ضمن مهمتى الأساسية لتوصيل ما وصلنى إلى أصحابه، وهو ما رأيت  بعد ذلك بسنوات أن  كثيرا منه يمكن أن يوضع تحت عنوان “تعتعة” باعتبار أنها محاولة لتحريك الوعى الساكن المستسلم، وقد خطر لى أن اسمى هذا العمل فى الطبعة الجديدة باسم “تعتعة” لكننى وجدت أنه أكثر من مجرد “تعتعة” فهو طلقات فعلا، آمل أن ينطلق منها نور معرفة تفتح القلوب المغلقة، أو المستسلمة لما رانَ عليها، فأضفت إلى الاسم “طلقات من خبراتهم“، ثم عنوان فرعى آخر ذلك أننى انتبهت إلى أن الطلقات –إلا أن تكون ألعابا نارية-  لا تفتح القلوب بل قد تفزعها، فغيرت العنوان الفرعى إلى العنوان الحالى. “فتح أقفال القلوب”.

كما أننى قمت بتحديث وتصحيح عدد من العبارات ضد كل من نصحونى بألا أفعل، لكننى لم أستطع أن أعمل بنصيحتهم، شاعرا أن أعلان التغيير، حسب ما طرأ علىّ فى المراحل اللاحقة لصدور الطبعة الأولى، هو أمر أكثر أمانة ومسئولية.

وبعد

قبل أن أبدأ فى الاقتطاف من هذا المصدر الجديد سوف أكتفى اليوم بالتعريف بالكتاب من خلال بعض ما كتبت فى مقدمة الطبعة الأولى سنة 1979

* “….وأعود‏ ‏إليهم‏ (‏أصدقائى ‏المجانين‏) ‏ألتمس‏ ‏منهم‏ ‏العون‏ ‏والنصح‏ ‏فأجدهم‏ ‏وقد‏ ‏اكتفوا‏ ‏بنصب‏ ‏سيرك‏ ‏الرفض.. ‏وإطلاق‏ ‏صواريخهم‏ ‏العبثية.. ‏مثل‏ ‏الألعاب‏ ‏النارية.. ‏وقد‏ ‏أخفوا‏ ‏آلام‏ ‏وجودهم‏ ‏تحت‏ ‏أرض‏ ‏اليأس‏ ‏الساحق..”. ‏

* الجنون‏ ‏خبرة‏ ‏إنسانية‏ ‏شديدة‏ ‏الثراء‏ ‏شديدة‏ ‏الخطورة‏، ‏والرؤية‏ ‏التى ‏يراها‏ ‏المجنون‏ ‏على ‏ما‏ ‏تحمل‏ ‏من‏ ‏صدق‏ ‏وإثارة‏ ‏وتحدٍّ‏ ‏ليست‏ ‏شرف‏ ‏الوجود‏، ‏ولا‏ ‏هى ‏نهاية‏ ‏المطاف‏، ‏حيث‏ ‏إنها‏ – ‏وإن‏ ‏أعلنت‏ ‏جزءا‏ ‏من‏ ‏الحقيقة – ‏فإن‏ ‏ذلك‏ ‏صادر‏ ‏من‏ ‏مثل‏ ‏سيء‏ ‏لوجود‏ ‏مهزوم‏، ‏وفشل‏ ‏صريح..”.

* …وقد وقفت طويلا أمام القول السائر‏ “‏خذوا‏ ‏الحكمة‏ ‏من‏ ‏أفواه‏ ‏المجانين‏، فهو‏ ‏قول‏ ‏لم‏ ‏يشر‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏المجنون‏ ‏حكيم‏ ‏أبدا‏، وهو قول لا يعلى من ‏ ‏قدر‏ ‏الجنون‏ ‏ذاته‏، ‏وإنما‏ ‏هو يحملنا‏ ‏مسئولية‏ ‏ تمنعنا من ‏الاستهانة‏ ‏بما‏ ‏يقول‏ ‏المجنون‏، ‏فكأنه‏ ‏لا يدعم الجنون بقدر ما يحرص ‏على ‏الاستفادة‏ ‏من‏ “‏المعني‏” ‏الذى ‏يكمن‏ ‏وراءه.‏

* وإذا‏ ‏كان‏ ‏المجنون‏ ‏يقول‏ ‏أحيانا‏ “‏كلاما‏” ‏هو‏ ‏الصدق‏ ‏ذاته‏، ‏إلا‏ ‏أنه‏ ‏لايتحمل‏ ‏مسئولية‏ ‏صدقه‏ ‏هذا… ‏ولا‏ ‏هو‏ ‏يلتزم‏ ‏بتحقيقه‏، ‏كما‏ ‏أنه‏ ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏المجنون‏ ‏يعلن‏ ‏بتناثره‏ ‏الذى ‏يحتج‏ ‏به‏ ‏فشل‏ ‏الحياة‏ ‏العادية‏ ‏أو‏ ‏عجز‏ ‏التنويم‏ ‏الشائع‏ ‏الخادع‏، ‏فهو‏ ‏لايعطى ‏بديلا‏، ‏ولا‏ ‏مثلا‏ ‏يحتذى، ‏بل‏ ‏بالعكس‏ ‏إنه‏ ‏يشوه‏ ‏الصدق‏ ‏ويخيف‏ ‏من‏ ‏الحقيقة.‏

* و‏الطبيب‏ ‏النفسى حين ‏يرى ‏هذا‏ ‏التناقض‏ ‏الصارخ‏ ‏بين‏ ‏ما‏ ‏يخرج‏ ‏من‏ “‏أفواه‏ ‏المجانين‏” ‏من‏ ‏حكمة‏ ‏وصدق‏، ‏وبين‏ ‏ما‏ ‏يؤكده‏ ‏سلوكهم‏ ‏اليومى ‏العاجز‏ ‏من‏ ‏فشل‏ ‏وعبث‏، ‏مسئول‏ ‏بشكل‏ ‏ما‏ ‏عن‏ ‏القيام‏ ‏بترجمة‏ ‏هذه الإشارات المنذرة ‏إلى “‏معنى” ‏حكيم‏ ‏يفيد‏ ‏المجنون‏ ‏فى ‏تجربته‏ ‏المرعبة، (‏فى ‏إطار‏ ‏حدود‏ ‏مهنته‏ ‏الضيق‏) ‏ثم‏ قد ‏يفيد‏ ‏الناس‏: من‏ ‏خلال‏ ‏التزامه‏ ‏بوجود‏ ‏اجتماعى ‏أوسع‏، ‏ووجود‏ ‏إنسانى ‏أعمق‏. ‏

* وضد‏ ‏كل‏ ‏الحسابات‏، ‏خرج‏ ‏هذا‏ ‏الكلام‏ ‏إليكم‏ “‏هكذا‏”، ‏ولكم‏ ‏أن‏ ‏تقبلوه‏ ‏أو‏ ‏أن‏ ‏تلعنوه.. ‏هذه‏ ‏مسئوليتكم‏، ‏ولكن‏ ‏لى ‏أن‏ ‏أرجو‏ ‏ألا‏ ‏تحتقروه‏ ‏أو‏ ‏تستهينوا‏ ‏به‏ ‏لمجرد‏ ‏أنه‏ ‏أكبر‏ ‏من‏ ‏اللحظة‏ ‏أو‏ ‏أعنف‏ ‏من‏ ‏القدرة‏.

المقطم: 1976/3

وغدًا نكمل من هذا المصدر الجديد

1-  كتبت الأصل سنة 1976 بما فى ذلك المقدمة التى رحت أفسر فيها لماذا ألجأ إلى هذا التحايل بكل أسلوب وتشكيل يمكن أن يوصل رؤيتى إلى أصحابها، وقد طالت المقدمة لهذا السبب، وبعد مضى نحو أربعين عاما، وجدت أنه لا معنى لإعادة مبرراتى بكل هذه الإطالة فاكتفيت باقتطاف ما يناسب مرور الزمن والتحديث.

 

 

النشرة التالية 1النشرة السابقة 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *