ابريل1984-قصة قصيرة دم

قصة قصيرة

دم

ناهد عز العرب

أمسكت رأسها بين كفيها وضغطت عليه، رفعته لأعلى تريدها فرقة بينه وبين جسدها، لا يمكن أن يكون هناك اتصال بينهما، ذلك البطن الناعم المتكور هنا والنحيل هناك، الممشوق كله، لا يخصها، لا يربطه بهذا الراس الا عنقها، كان بينهما صلة رحم، وبمرور الأيام حلت بينهما غربة، آلمها الضغط، صرخت-  لم تصرخ من الألم – ولم ينفصل الرأس عن الجسد..، خبطت الحائط برأسها شجته، سال خيط رفيع من الدم، بين خيط الدم وخيط الرؤية رأت” أمها” كتلة من الشحوم والخرق متربعة على المقعد، استطاعت أحدى أذنيها أن تلتقط صوتها يدلى بخبرة السنين..” الدم الفاسد يفوق… هاتوا شوية ملح نرقيها”… كزت على اسنانها ازدادت رغبتها فى أن تفصل الجسد عن رأسها، شعرت بأنه جسد آخر متربع على مقعد وعليه خرق، وبين خيط الدم المنساب رأت هوجو وموليير وطه حسين وديستوفيسكى والعقاد وشوقى، و… و.. وو .. انسكبوا فوق بعضهم..! ارتاحت لذلك.. زاد ضغطها، تمنت لو تنزفهم جميعا، أفسدوها مثل هذا الدم الذى لم يعد بامكانه أن يتوافق مع باقى دمائها، حملوها الى عالمهم، سحروها.. بنت لها عالما مثل عالمهم، وبرفق حملت عالمها فى خجل وسدته يدى أديب كبير، وتناقله الجالسون ما بين ناقد وأديب، عجلى انتظرت الحكم، تبادلوا النظرات وهز الناقد الكبير رأسه عاقدا ما بين حاجبيه، وترنحت الحروف التى أعدها من قبل ليطلقها على كل عالم يحمل نون النسوة “هذا أدب نسائى”، وافقه الجالسون وتحسروا.. لمجرد أن من كتبته صدر عليها حكم اعدام بنون النسوة.. تمنت لو شجت رأس تلك النون… نظرت اليهم بدهشة.. حدثوها عن أشياء وأشياء.. عن المرأة، وعن العالم، وعن الرجل، وعن التجربة، وعن الأدب، وعن الحب،.. وعن… عن..، ولم ولم يحدثوها عن الصدق..، تمنت لو تعرف العالم الذى يقولون والذى يحمل أكثر من الرجل والمرأة..، تمنت لو تفهم،.. صرخت وازداد ضغطها، انساب خيط الدم بغزارة وسقط على يد ذلك الذى خطف منها ثدييها وهى عائدة لمنزلها..، ازداد ضغطها.. مازال الدم يتدفق، هذه المرة حمل معه رائحة ذلك الفحل العفن الذى التصق بها فى العربة متعللا بالزحام، وتداخلت رائحة عفنه صورة المنحط الذى حاول أن يتشمم مصدر عطرها….

ظنته فى البداية صاحب العمل الذى فضلها عن زميلاتها لأن (ديكولتيه) الفستان أوسع من المعتاد.. كادت تبصق فى وجه.. فى وجهيهما معا ضمت شفتيها استعداد للبصقة، اعترضتها شفتان مضمومنان مـأهبتان، ولكن لقبلة ولو فى الهواء…، وسرعان ما انفرجت عن ابتسامة ذكرتها بهذا الناقد الذى قال مقضيا” أنه أدب نسائى” يدور حول الرجل والمرأة،و علاقة حب.. بهيت..، تذكرت كيف انفرجت شفتا، كيف ضغط على آخر كلمتين.. رأت نفسها منغرزة بين أسنانه، وعينيه تمضغها، صرخت: كلكم تنكشفون حين تنطفئ أنوار السينما، والأتوبيس، وعلى المقاعد التى لا تفصل بينها حواجز وحين يهتز أمامكم ثدى، حين تخلو الشوارع من المارة أو تزدحم بهم، وحين تنسج نون النسون عالما جريئا.. تنكشفون.. حتى وأنتم تؤدون عباداتكم، وأنتم تتعاملون مع زوجاتكم وبناتكم، وحين تفكرون فى شريكة للحياة، وحين تملون زوجاتكم، وحين تتحدثون عن النساء… تنكشفون..، صرخت وازداد ضغطها..، فصلت راسها عن جسدها.. ألقت به لهم فى الطرقات، أخذت رأسها، وضعته أمامها، كانت واثقة من أنهما لن يلتحما الا بعد مسافات طويلة، كسرت قلمها.. وضعت سبابتها فى خيط الدم المنساب، كورت جزءا من دمها، وتناولت ورقة دورت عليها بقعة الدم.

الأحد 6 / 11 / 1983

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *