اكتوبر1982- رسائل

رسائـل

1– مقدمة واعتذارات: للصديقان محمد عبد السلام، ومحمود حنفى

2– عن المنهج والمسار والعلم والفلسفة: د. ابراهيم أبو عوف

3– بريلود لا منطقى فى المسألة الأخلاقية: د. محمد السماحى

4– هل هذا الكون هو أفضل الأكوان الممكنة: م. هانى مسعود

5– جاد الرب يعاتب، وينذر: محمد جاد الرب

مقـدمة واعتـذارات

يحيى الرخاوى                        

نودع باب الحوار، أو نؤجله، حسب رأى القارئ، ولعلنا بذلك نؤكد رغبتنا وقدرتنا على التجديد والمراجعة وخاصة بعد أن تأكدت الميزة التى يحظى بها المحرر دون الضيف، فى أن له حق التعليق الأخير، كما أننا رغم اجتهادنا لعدم الحذف، واحترام كل ما رأى الضيف قوله، فأننا لم ننجح تماما فى أرضاء الجميع، وما كان هذا ممكنا ولا نعتقد أنه سيكون يوما كذلك، ولعل هذا التوقف يرضى صديقنا جاد الرب، وكأننا استجبنا لتهديده، فقط نود الا يسجل هذا الباب الجديد فى الشهر العقارى والا يحرمنا مشاركته فيه.

وسوف نبدأ تجربة جديدة غير ملزمة – كالعادة – وهى أن ننشر رسائل باكملها، ليست هى مثل المألوف السائد مما يسمى “بريد القراء”، وإنما هى فى واقع الأمر  آراء تكاد تكون متكاملة، تساهم فى تواصل مأمول، وإن بدا حتى الآن صعبا لدرجة تنذر بالاستحالة، فقد لاحظنا حتى الآن فى أبواب الحوار أنه نادرا ما قال أحد الأطراف – بما فى ذلك المحرر نفسه – “نعم: صحيح معك – يا محاورى – الحق” ثم يسكت ممتثلا فى انتظار معاناة التغيير ، هذا أمل قائم دائما حتى لو بدا مستحيلا.

وكل ما نرجوه ممن سيشترك فى هذا الباب من القراء أن تكون حجم الرسالة ما بين أربع صفحات وعشر، حسب الموضوع، ان أراد أن تنشر جميعها ، وكانت جديرة بذلك، وان كنا نرفض الالزام المطلق، فقد تصلنا رسالة من عشرين صفحة فنجد فيها اضاءة واضافة فننشرها جميعا، ولو على حساب غيرها، وهذا الرجاء سوف يعفينا من حذف أى جزء من أى رسالة، والرجاء الثانى هو أن يقبل من يرسل أى رسالة أن ننشر بعضها دون بقيتها إذا رأى المسئول عن التحرير أن هذا البعض قد حوى رأى المرسل بقدر كاف، أو أنه الجزء المختار الذى يكمل رسالة أخرى، أو الذى نأمل معه فى حوار أوسع حول موضوع بذاته، وعلى من يرفض هذا الشرط أن يحدد ذلك كتابة فى مستهل رسالته.

وسوف لا نفتعل الرد ولن نفعله فى آن، وقد ننشر الرسالة دون رد أصلا، أو مع تعليق موجز فى بضعة سطور أو بضع كلمات، أو برد مفصل إن لزم الأمر.

وقد سبق أن وعدنا القارئ وصديقنا المتحفز المتألم المحاول العنيد محمد عبد السلام بنشر تعليقه على قاموس المحاور مما أسماه “من الصائب والفشنك” أو “حوار المحاور” إلا أن الحوار انتهى دون اختيار كامل أو ترتيب مسبق، فليعذرنا إذا اعتذرنا، أما رسالته المطولة ردا على ردنا فى الحوار فهى تحت أمره يختصرها بالصورة التى تصلح معها للنشر، أو يكتب لنا من جديد، أويكتفى بالوقوف بعيدا ضميرا خارجيا لمحاولاتنا رغم القسوة والمبالغات والاختلاف . . . له أن يختار الأسلوب الذى لا يحرمنا منه بدءا من العدد القادم .

وتصلنا رسالة من الأديب الصادق محمود حنفى يعقب علينا عتابا قاسيا نشعر أن معه كل الحق فى بعضه وهو ما يختص بعدم استئذانه فى نشر ما اعتبره خاص رغم أننا راجعنا ما نشر فلم نجد فيه ما وصله، ومع ذلك فلا نملك إلا أن نعتذر، وله العتبى حتى يرضى، أما الأمر الذى يحتاج إلى نقاش مما ورد فى رسالته – والذى لن نتحدث فيه تقصيلا إلا بإذن مسبق منه – فهو تقييمه لرأى التحرير فى عمله الأخير – وهو تقييم حاد فى رفضه، ولعل محاولتنا مع ديستويفسكى فى هذا العدد تطمئنه إلى أن أحدا لم ينصب نفسه ناقدا، وإنما هى قراءة من حق أى قارئ، وما دام العمل منشورا فهو مقروء، وما دام ثمة فرصة مخلصة للقراءة بحروف مكتوبة سعيا إلى توسيع دائرة الحوار والافادة من الاختلاف، فهذا حق لا يمكن أن يحظر عليه، ولعله يصدقنى أن المسألة جد واحترام لا يحتمل أى سخف أو غيره مهما بلغ الاختلاف، وله الحق أن يصنفنا كما يشاء فى قاموس النقد الأدبى، ولكنا نستسمحه الا يرفض محاولاتنا ابتداء لمجرد افتقارنا لهذه اللافتة، فقد يجد فيها من الصدق ما يفيده ويفيدنا فنثرى جميعا، أما أن يقبلنا إذا رأيناه كما يحب ويرفضنا إذا عجزنا عن استيعاب ما أراد مما غاب عنا، فإن هذا سيحرمنا من حواره، ومن عطائه الذى نشعر إننا أحوج ما نكون لمثله.

أما الرسالة التالية التى ننشرها بنصها دون تعليق فهى رسالة الدكتور ابراهيم أبو عوف، ونعتذر لنشر ما فيها من بعض التقدير للمجلة او للتحرير ما عاهدنا أنفسنا على تجنب نشره، وكل ما أقوله فيما يخصنى بشأن تخصصى هو رجاء أن يقبل مراجعة شهادة ” شاهدين من أهله” (الطب النفسى) حتى لانقبل وصاية من غير ذى صفة حتى لو كان مختصا، وياليت نقد كل تخصص يأتى من أهله قبل غيرهم (وخاصة فى علم النفس . . أكرر، وخاصة فى علم النفس !!)، هنا سيساعدهم غير المتخصصين فى مأزقهم، وسيحترم محدود عطائهم ويصدقه، وستتقدم قافلة المعرفة بتضافر الجميع، وليس بتصورات حالمة فى كل ما لانعرف، معنا كل العذر، لكن العذر لا يغير الحقيقة، أما شكرنا له فهو بلا حدود كما لعله يعلم، ولا نملك إلا الاستمرار وانتظار اسهاماته “المباشرة” لامجرد التعليق الأمين الدقيق فى رسائل ترد على ما ينشر، وواضح أن عنده الكثير العظيم بإذن الله .

ثم يعزف لنا د. محمد السماحى بريلود على بشرف د. عادل مصطفى فى العدد السابق عن المسألة الأخلاقية أساسا، ونتركهما احتراما وشكرا يصفقان لبعضهما منتظرين الخير على أيديهما وعلى أيدى من يخالفهما من خلال استمرار المحاولة من أبعاد متعددة .

ثم تأتى رسالة م. هانى مسعود مختصرة رقيقة لاتحتاج إلى تعليق.

وأخيرا ننشر “مقتطفات” من ” رسائل” جاد الرب ونقبل تهديده وعتابه ووعيده فهو صاحب فضل دائما، وإن كان يبدو أنه لايدرى هو ذاته – تحديدا – أى فضل هو صاحبه، فهو يتصور أنه هو الذى اقترح فكرة انشاء الحزب  الوطنى الديمقراطى (وليته ما فعل) كما يتصور أنه صاحب فكرة الحوار لتكرارى أنه صاحب الفضل فيه، وليراجع سيادته العدد الأول والثانى ليتذكر كيف نشأت فكرة الحوار، دون انكار فضله حقيقة وفعلا، لأنى منذ اللحظة الأولى التى اجتهدت فى متابعة مئات الأوراق التى يرسلها إلى وأنا أحاول أن “ألضمها” فى بعضها، أو أن الضم بعضا منها فى بعض منى، فاكتشفت فكرة الحوار كمنقذ لى من مأزقى أن أتركها جميعا رغم ما فيها من نبض صادق اجتهدت قدر وسعى فى جمعه بجوار بعضه لعله يدفع فى أى اتجاه، أى اتجاه، ولم أعتبر أبدا هذا الصديق العنيد أنه “يهلوس للقراء” كما جاء فى الرسالة السابقة، رغم أنى رفضت أغلب – إن لم يكن كل اقتراحاته من أول ترانزستور “أدباء القرية” حتى  “القرد الجنوب” – ومازلت متمسكا به معتزا بصداقته ما قبل اجتهادنا، فإن انقطع انقطعنا .

واحمد الله أن باب الحوار قد أغلق – ربما للتحسينات – قبل أن يشكونا لبريستد أو طوب الأرض باعتبارنا من لصوص الأفكار والآثار.

تنويه واجب : وصلتنا رسالة طويلة من الأخ أحمد المدثر عيسى تعقيبا على قصة الأخ عبد الحميد الكاشف التى نشرت فى العدد السابق تحت عنوان “الوجه الماسح”. وقد فضلنا أن نرجئ نشرها كاملة فى العدد القادم على نشرها فى هذا العدد مختصرة مبتورة لضيق المساحة . وذلك لما تثيره من قضايا دقيقة تستحق وقفة متأنية.

عن المنهج والمسار والعلم والفلفسة

د. ابراهيم أبو عوف

المنيا فى مساء الخميس 9 / 9 / 1982

تحيه طيبه وبعد . . .

الشكر العميق لسيادتكم أولا وكذلك لأسرة تحرير مجلة “الإنسان والتطور” وذلك للتنوية الكريم وللحوار القدير الذى أدرتموه مع خطابى بحيث تحول من مجرد خطاب يعلق ويناقش إلى سيناريو حوارى حى ونابض وملئ بالتوثب الفكرى والكشف والاستبصار الرائع.

ومع ذلك  فان لى بضعة تعليقات على بعض نقط وردت فى الحوار يهمنى جدا أن أذكرها أمامكم دون حاجة إلى النشر وهى على النحو الآتى:

1-بالنسبة لملف البعد الرائع والمروع الممتد بين وجود الذات الإنسانية والله. أحب أن أؤكد لكم أن هذا الملف لم يغلق بعد عندى. .

بل هو لا يزال مفتوحا على آخره. بل ويتضخم يوما بعد يوم ومن خلال تجارب شخصية صميمة، ما بين الناس والفن والدين والعلم والفلسفة . . يعتنى الملف ويزداد عمقا واتساعا.

2-بالنسبة للعلم والمنهج العلمى :

(أ) إذا خالط العالم غرور أعمى فلن يبقى علم ولا معرفة ولا تطبيق عملى جاد.

(ب) ليس للعلم التجريبى قدرية ما إلا بمعناه المحدود أو الواسع ولا يمكن لأى من المنتسبين لمجال العلوم المعملية أن يفرض – لا على نفسه ولا على الآخرين – مثل هذه القدرية المستحيلة. إن جمهورية العلم المعملى لهى جمهورية ديمقراطية تماماً.

(ج) إن الخوف من اغتراب الإنسان فى العلم والتطبيق لهو الأحق بأن يبحث ويناقش دائماً.

3- بالنسبة لمشكلات الأيديولوجية : أنا معكم تماما . . فليراجع كل منا موقفه مع نفسه وأضيف، وأيضا مع غيره لو أمكن . . كى يزول القهر وأشكاله بالتدريج.

4- أقف بتحفظ وحذر . . . لا يخلان بما لدى من تقدير لكم – أمام القضايا الآتية كما وردت فى الحوار :

(أ) تقول الطب النفسى – عامة – هو حرفة امبيريقية أساسا . . . واسمح لى أستاذى أن أقول ربما كان ذلك مجرد طور من أطوار المعرفة فى مجال الطب النفسى . . . ولكنه لن يبقى مجرد حرفة امبريقية حتى النهاية . . لأنه يتحول فعلا إلى معرفة علمية دقيقة ومنظمة ومحققة .

(ب) هذه المعرفة العلمية الدقيقة، المنظمة والمحققة تحتاج إلى أساس نظرى وفى هذا فليتنافس، الأكفاء، المؤهلون والمدربون من العلماء والباحثين.

(ج) تقول سيادتك . . علم النفس (بوصفه الحالى والتاريخى) ليس أساس الطب النفسى عامة . نعم سيدى . . ولكنه بلاشك بعض الأساس وليس الأساس الوحيد أو حتى كل الأساس.

(د) تقول أيضا أستاذنا[أن منهج علم النفس . . . ليس تذبذبا بين التأمل الابداعى والتراكم الكمى للمعلومات، فإن المنهج الفينومينولوجى يشمل الاثنين معا، وهو ليس مرادفا – كما نعلم – لمنهج الاستبطان بحال من الأحوال. وتقول أستاذنا . . . والعلم الأمبريقى (والمنهج الفينومينولوجى والجشطالتى والوجودى. إلخ) . ليس “. . . وحسب”، فهو الأصل وهو المصب، فنحن ندخل المعمل لنخرج منه، لا لنستبدل بالحياة جدرانه، وسيظل العلم التجريبى العظيم مجرد شروح على متن (العلم الفينومينولوجى الأمبريقى)، فالحياة أساسا علم امبريقى، ومسيرتها أكثر تداخلا وأصعب تناولا من المعروف عن “متغيرات التجربة” لأنها جدلية خلاقة باستمرار، وكل هذا ليس سرا نخشى أن ” . . .  ينكشف” بل هو الأصل الذى يطلب العون من كل فرع بما فى ذلك وضوح التجربة وثبات نتائجها وتنقية اللغة واعادة تضمينها . . فى نموها الجدلى المتصاعد. انتهى

ولتسمح لى أن أعلن مسرتى إذ أجد من وراء ذلك كله – أو حتى لا تستاء من كلمة (وراء) أقول فى قلب ذلك كله – فلسفة أو لعله شروع فى اتخاذ موقف فلسفى . . . وهو أمر رائع وعظيم فى حد ذاته  . . لانه خطوة –  أو مخاطرة كما قد تحب – فى سبيل الانتقال من الغموض إلى الوضوح . . . ولكن ما أود أن أنبه إليه هو كون أن هذا الموقف الفلسفى لايمكن أن يتجمد . . حتى وان كان ينتقد العلم المعملى أو التجريبى – ولا يتخلى عنه – فلم لا ينتقد أيضا الفينومينولوجيا والجشطالت والوجودية . . . ولم يؤكد على النزعة الامبريقية ولم يفضل المنهج الفينومينولوجى . . أقصد لم لا يخضع ذلك كله للنقد الفلسفى . . الذى ربما أورى لنا أن (تيارات اللامعول فى القرن العشرين) لا تزال تدخل فى صميم نسيج أفكارنا ومواقفنا الفلسفية الحديثة والمعاصرة هنا فى مصر . . وان كنت لا أغمض عيناى عن ذكركم الدائم للجدل الخلاق . . . واشارتكم الدائمة للعملية الجلية . . الخ. وصدقنى اننى لا (أقدس) العلم أو المنهج العملى . . . بحيث أضعه فوق النقد . .  مهما كانت الانجازات التكنولوجية . .   أم مسألة الأصل والمصب . . (ربما تقصد المنبع والمصب) فلا تزال مفتوحة أمامى فلسفيا . .  أعانيها وأعايشها . . دون تعطيل خطر أو خوف زائد من المخاطرة . . وعند هذه النقطة بالذات لابد أن أعود إلى عبارات، الأستاذ نفسه – عباراته الموحية والملهمة  أيضا عندما تقول ( . .  ذكرنا ذلك فرحين باحتمال عودة الفلسفة – حقيقة لا شهادة – لتاخذ دورها المحورى فى تنظيم فكر أى عالم أو ممارس بغض النظر عن تخصصه . .  فأهلا) بل اسمح لى أن أقول لجهودكم النقية . . أيضا . . . أهلا ومرحبا . . . وخاصة إذا كنت بنفسى قد شغفت بتقصى . . . “التعادلية” و”الوجودية العربية” . . . لكل من توفيق الحكيم والأستاذ د. عبد الرحمن بدوى ثم “الجوانية” للأستاذ د. عثمان أمين و”التوماوية الأرسطية” للأستاذ د. يوسف كرم و”الوضعية التجريبية المنطقية” للدكتور زكى نجيب محمود . . وغيرها . . . وغيرها مثل “المادية الاسلامية” . . للدكتور خلاف، و”الشخصانية الاسلامية” للدكتور محمد عزيز الحبابى من المغرب . . . و”الظاهراتية” للدكتور زكريا ابراهيم بقطر . . الخ. وكلها مواقف فلسفية . . أو اتجاهات فلسفية . . . لم تستطع أن تعيش أو تبقى . . وبالتالى لم تستطع أن تحفر تيارا عميقا فى ثقافتنا المصرية والعربية . . رغم اجتهادنا وجدتها . . والأسباب كثيرة . . .وربما يأتى وقت اعادة الكتابة عنها وتقييمها من جديد. . وأكاد أرهص الآن بمعنى “التيار البنائى” فى النقد الأدبى “مجلة فصول . . .التى تسترعى انتباه سيادتكم” وكذلك التحليل السيميولوجى . . . وكلها اتجاهات أو بذور  اتجاهات فلسفية تحاول الظهور على مسرح ثقافتنا المصرية المعاصرة . . . إلى جانب الاتجاه الرئيسى لمحاولة سيادتكم الجادة والنقية إلى درجة عالية والتى تستحق كل اهتمام – ليس فقط من جهة المؤرخ والناقد الفلسفى – بل وأيضا من جهة المثقف العربى بوجه عام والمصرى بوجه خاص.

5- نعم لقد لاحظت كيف انكم تحاولون فتح باب الفن كطريق للمعرفة وأنى لأحمد لكم هذا تماما وأتشوق لأن أشارككم بجهد ربما متواضع فى نفس المحاولة المحمودة يوما ما ويسوؤنى أن يغمض نقاد الأدب عندنا . . ونقاد الشعر بالذات أعينهم عن رؤية ملامح نظريتكم أو لنقل فكرتكم عن (شعر لا شعر الطرب والصدح والصياح) . . . وخاصة أنكم تقدمون انتاجا شعريا جديدا وملفتا. . . وجريئا. . .

6- نعم أيضا لكل ملاحظة على لغة الحوار . . . ونعم أيضا لكل محاولة من أجل رفع لغة التواصل بيننا إلى المستوى الحضارى اللائق بنا . . .

ونعم فعلا لضرورة تطوير وتحديث اللغة لنصل بها إلى الآفاق العالية والأبعاد العميقة . . . دون التخلى عن البساطة والوضوح والدقة والجمال . . . أيمكن كل هذا ؟.

7- لا أستطيع أن أنهى خطابى هذا دون أن أشكر سيادتك أولا : على صبركم تجاه رفضنا للمفهوم الغائى ومحاولتكم للشرح والتوضيح جديرة بأستاذ ومعلم . . ومع ذلك يظل المفهوم الغائى فى الطبيعة بشتى تطوراتها ضعيفا وواهنا جدا. وثانياً على الشرح الممتاز لازالة اللبس تجاه مقال ( الوحدة والتعدد فى الكيان البشرى) ولكن ماذا لو اختصرنا عبارة الكيان البشرى الى مصطلح “الشخصية” ايزداد اللبس أم يزول !؟ أنا معك أنه موضوع يستحق المعالجة مرارا وتكرارا.

8- ان مناقشتى (للوحدة والتعدد فى  الكيان البشرى) كانت محدودة جدا ولكن أهم ما كنت أبتغيه إنما هو تقارب النتائج فى المقال مع النتائج التى يمكن استخلاصها من مقال (الموقف التجريدى والموقف العيانى عند جولدشتين) – لقد أردت أن أسترعى الانتباه إلى تقارن النتائج وتقاربها فقط.

9- إن هذا التقارن له معناه ومغزاه عندى ولن أكرر هنا ما سبق قوله فى الخطاب السابق.

10- إن ما قلته أنا تصحيحا للغرض الذى وضعه جولدشتين والذى تراه سيادتكم صحيحا من حيث المبدأ لم أهدف به إلى معارضة جولدشتين أو الاضافة إليه . وإنما هدفت إلى محاولة تعديل وجهة النظر – تطبيقا للمنج الفينومينولوجى!؟! – وبتعديل الفرض نفسه – وهو أمر يتفق مع المنطق العلمى أيضا . . !!! وتعديل الفرض العلمى . . . لا يعنى أنه صحيح حتى النهاية إذ لابد من تحقيقه بالاختبارات .

وإن كان هذا لايمنع مناقشته منطقيا قبل إجراء الاختبارات وبعدها.

وأزعم أنا أن الفرض بهذه الصورة التى ذكرتها يكاد يصلح لتفسير التغيرات التى تطرأ على كل من الشخص المصاب بتلف عضوى فى المخ والفصامى أيضا، تفسيرا (ملموما) إلى حد كبير – بل ويستوعب الصور العديدة اكلينيكيا للفصام، إلى جانب امكان قبول وجود (أسباب) عضوية ووظيفية للفصام . . . مع الأخذ فى الاعتبار أيضا – امكان وجود حتمية احتمالية بالنسبة لمشكلة ضعف اليقين تجاه أسباب الفصام واختلافها .

ولن يفوتنى طبعا هنا  أن أشكر لسيادتكم (تواضعكم) العلمى عندما تقول فى هذه النقطة بالذات أنك لا تملك إلا الاجتهاد فى الموضوع حقا انه اجتهاد الأستاذ المتمرس بالخبرة العملية الغنى بالواقع الاكلينيكى والتبحر فى الاطلاع . .  مما يضفى على المناقشة متعة عالية وسامية جدا.

وفى النهاية أعتذر لطول الخطاب وأتمنى إلا أكون أثقلت عليكم وآمل أن أرسل عن قريب مشاركى أو مشاركاتى راجيا لكم التوفيق وللمجلة والجمعية دوام النشاط.

مع صادق تحياتى واحترامى .

بريلود لا منطقى فى المسألة الأخلاقية[1]

د. محمد السماحى

(تعقيبا على بشرف د. عادل مصطفى المنطقى حول المشكلة الأخلاقية)

البشر الوحيد الذى أطربنى فى حياتى كان هو بشرفك المنطقى (فأنا لا احب السلم التركى الشرقى) ولذلك حرصت فى ردى أن يكون فى قالب البريلود. لقد هاجمت مشكلة كبيرة بجرأة كبيرة تذكرنى بشدة بجرأة أبناء حلقة فيينا التنويريين خاصة وأنك وجهت ادانتك أساسا الى اللغة على طريقتهم. انى معك فى أن مجتمعنا يعيش فى عصر هضم أخلاقى مزمن تجد معه الناس يحلمون بالشرق القديم والغرب الحديث معا ويدعون الى تحرير المرأة ويعوقونه فى الوقت نفسه ويتزوجونها غربية تجيد السباحة وترتدى على الموضة ولكن فى تقليد شرقى عذرى غير متسامح وهم كما يمنطقون المرغوب ولا يرغبون المنطقى على حسب تعبيرك فانهم يعشقون التناقض ويعمون عيونهم عن الاضداد والمذاجات ويقدمون العصور الوسطى ويحتقرونها ويقلدون دون وعى.

لكنى أختلف معك فى نقطتين:

أولهما: أن منشأ الأوهام الأخلاقية المثالية ليس اللبس اللغوى أساسا وما دور المفكرين الأخلاقيين فيه الا ثانوى.

اللبس يأتى فى الأخلاق من عوامل اجتماعية تاريخية أى من تفاعلات بشرية مع أحداث كبيرة كاختلاط الثقافات أو نشوب الحروب أو الخضوع لثقافة غازية وما يشبه ذلك. فى ظروف كهذه يصبح التراث سلاحا اجتماعيا يعمق هوية شعب مدافع عن ذاته يخاف غزوا من أى نوع حتى ولو كان غزوا حضاريا.. ما دام أجنبيا. كما تصبح أفعال التقليد والاقتباس والتحوير أفعالا طبيعية عندما تتواجه الثقافات والنتيجة أن طبق السلاطة الأخلاقية المعتاد يصبح أقل تنظيما وأكثر اختلاطا، ورغم ذلك ففى أعظم يوتوبيا أخلاقية لن تستغنى عن طبق السلاطة فى الأخلاق؟

وثانيهما: ان التدخل الفلسفى والمنطقى من أجل تصحيح مسار الأخلاق هو أمر  غير جائز لأن صفقة القيم التى يعقدها أفراد المجتمع فيما بينهم من أجل ضمان المصلحة العامة للجميع – وهو ما نسميه بالأخلاق – لا تقوم على أسس منطقية وستظل كذلك الى الأبد ينقصها الوضوح النظرى الذى لم تلتفت اليه فى غمرة انشغالها بوضوح المصلحة والفائدة العملية من أى قيمة أخلاقية يتفق عليها.

فكما لم يترك اسبينوزا أو كانط (وارجو الا يجعلك تكلف وعجب بعض مذهبه الأخلاقى تقلل من شأنه كفيلسوف علم عملاق) أى أثر على أخلاقيات مجتمعهما فان اخلاصك المنطقى سيكون له نفس المصير لأن أحدا لا يبحث عن الوضوح والاتساق وانما عن المبدأ الذى يحقق له رغبته ونفعه الخاص دون صدام مؤكد مع الآخرين من ذوى المصالح والرغبات المضادة

ان شعارا مثل “العمل شرف وواجب وحق” لم يأت من خطيب أجوف وانما من واقع يلمس أنه بلا عمل لن يكون هناك طعام ومساكن وملابس للجميع.

واذا جئنا لحل مقترح لأخلاقيات مجتمعنا التى لم تعد صالحة للتقدم الاجتماعى فأننى اقدر دور القلة المستنيرة الذى اشرت اليه ولكنى لا استبعد أبدا أن هذه القله سوف تلجأ حتما الى الاوامر والنواهى ولو بشكل مستتر فى غلاف تنويرى تربوى عصرى لأن مجال الأخلاق لن يخلو من اساليب اجتماعية تتفق مع طبيعته وتعتمد على ما يشبه التشريع والارشاد والتربية والتوجيه وكلها أشكال مختلفة من الوعظ والنهى لن تذهب فى جوهرها بعيدا عن تعاليم التوراة ووصاياها أو مبدأ كانط الأمر.

وفى نهاية فاننى أؤيدك فى خلو الأخلاق من أى محتوى معرفى ولذلك أتعجب لماذا تصر على تنقية لغتها ومدلولات ألفاظها بدقة منطقية بالغة؟

كل النشاطات الاجتماعية تحتاج الى ألفاظ “تكنيكية” خاصة بها .. فتماما كما يقال فى مجتمع المال والتجارة “التضخم – فتح الأسواق – العميل – الائتمان … الخ.” وفى مجتمع السياسة “الاسترخاء العسكرى – التوازن الاستراتيجى .. الخ.” ستظل هناك كلمات تقال فى الأخلاق لها نفس الغموض والخصوصية ولا تصلح للمعرفة مثل “الوجدان والضمير والشر والخير والاثم والرضا عن الذات ..الخ”

وبالمناسبة .. حول اعتراضك على استخداماتى لكلمة a priori – اثناء حوارك الأخير مع د. أبو عوف – بمعنى الفرض السابق على الاستنتاجات أقول:

بالمعنى الهيومى الكانطى: القبلى هو السابق على التجربة.

بالمعنى العام للكلمة والذى يستعمله المعاصرون السبقى أيضا هو الفرض المبدئى أو أى فكرة مبدئية سابقة على الاستنباط.

وحتى المعاجم الفلسفية لا تحدد استعمالا محددا للكلمة وكثيرون استعملوها بحرية لوصف أى تصور “أولانى”

سماحى

هل هذا الكون هو أفضل الأكوان الممكنة؟

م. هانى مسعود

لست أتصور أن هذه القضية لم تحل حتى الآن رغم قدمها. لا يزال هناك من يرى الكون منظما هادفا الى كماله الخاص (وتلك ميتافيزيقا).

ومن يراه فوضويا يبعث على الغربة مثل مفكرى عصرنا هذا. وهناك الآن من لديهم الجرأة على السخرية من العلم.

ولما سخر فولتير من تفاؤل لا يبنتز فى “كانديد” كان يسخر من أفكار الاغريق والمدرسين أيضا وان آمن هو نفسه بنظام آلى يحكم الكون. ثم زلزلت فيزياء الكم النظام الآلى كثيرا.

لماذا لم تحل القضية؟ هل هو خوفنا من الكون الغمض الموحش لأنه لو لم يكن مهذبا لما اخضعناه لسيطرة التكنولوجيا؟ ان كوننا غير مفهوم بعد أما أنه افضل أم أسوأ الأكوان فهذه مسألة جمالية أو هى سؤال أدبى!

ماذا أريد برستالتى هذه؟ ليس أكثر من اهداء عينة من وساوس قراء المجلات والكتب الثفافية التى كلما نشطها مقال هنا أو كتاب هناك خدرها من جديد عودة الكلام عن الدعم وكامب ديفيد.

مع تمنياتى للمجلة بالدوام حتى ولو استمر جاد الرب يهلوس للقراء.

جاد الرب يعاتب وينذر

السيد الأستاذ الدكتور

* لأننا لا نلتقى الا فى الخيال.. لهذا ينقصنا خلال الحوار بعض الألفاظ السوقية التى تنوب عنا لتعبر عن الحاجة فى بعض الأحيان الى أن ندق المائدة باليد كالفاشست أو نخبط رأسنا فى الحيط كضحاياهم..

* ولقد اضطررت هنا الى دق المائدة باليد ثم الى خبط رأسى فى الحيط فمعذرة.

الى أن قال:

وختاما أقول لكم أنتم اصدقائى لولا ثقافتكم المغرقة فى الأوروبية بحيث يملؤكم وهم الفكر لا النور الحقيقى..

اننى اقترح: حوار العقرب

عنوانا على ظهر الغلاف فاذا احتقرتم اقتراحى أرجوكم الاستغناء عن باب الحوار اصلا أو فتحركوا كاللصوص الذين سرقوا اقتراحى ووضعونى فى السجن..

ولست بهذا استعطف فالسارق لص وأنتم برفض (حوار العقرب) تتصرفون كسراق.. كلصوص..

أن (حوار العقرب) هو البداية هو التكعبية التى يلتقى تحتها المحاورون.

من رسالة قديمة:

يا حمير الأرض اتحدوا..

* هل رأى احدكم الحمار وهو يحاول أن يهرش ظهره؟!

ليس للحمار يدان كالانسان ولا يد واحدة كى يهرش بها فى ظهره فيضطر المسكين الى الانبطاح أرضا وظهره على الأرض ورجلاه الى السماء .. ثم يحاول وهو على هذا الوضع المقلوب أن يحك ظهره فى أديم هذه الأرض لعل وعسى ..

* وأنا بكل فخر أعلن اليوم أننى أنا هذا الحمار الكاتب .. بكل فخر يا سيدى الحمار القارئ..

محمد جاد الرب

امبراطور سطح الأرض

[1] -نود أن ننبه القارئ ابتداء ان وصف د. السماحى لهذا البريلود “باللامنطقية” لا يعنى خروجه “على” المنطق بل “عنه”. فإذا كان بشرف د. عادل مصطفى هو تناول منطقىLogical  للمشكلة الخلقية فإن بريلود د. السماحى تناول محايد يتجاوز المجال المنطقىallogical وليس تناولا معاديا للمنطق أو مفتقرا إليه illogical .

(التحرير)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *