الرئيسية / مجلة الإنسان والتطور / عدد أكتوبر 1982 / اكتوبر1982- الغياب والكلمة

اكتوبر1982- الغياب والكلمة

رسائل

الغياب والكلمة

د. عادل مصطفى

(الى ص.ح.ص) 

منـذ فراقنـا

يسألنى لبلاب سورنا

عن البنان الغض والعصير

ويسأل الشعر عن الشعور

ويسأل التل الطرى عن

جنوننا

واحدى (ص)

أكتب اليك وأنت حاضر عتيد.. محتكم فى ايامى متمدد على أجفانى.. يلونك الغياب بالحلم ويشربك بالسر.

قسماتك نغمة مؤتلفة ينوع عليها الغياب.. يقولها بمفاتيح جديدة تضئ احتمالاتها وتكشف ثراءها.

شعرك الثمل ينبع من أصابعى ويهسهس فى أذنى… الولع ولعه غير أن الغياب يروض من طيشه ويفضض من ذهبه.

واحدى أجهل أن أسير بدونك فى دغل العالم.. المساء رابض وراء بابى…سيسألنى من أنت ومن أين جئت.. سيتهمنى فى سره المضيع.

واحدى لا أعرف كيف أبرح مكانى بدونك ولا كيف أجيب.

أصلى سعيرا سارتريا متلفا… أصلى فراغا فظا يحملق الى على غير معنى ويقلبنى بعيون الآخرين قعيدا هامدا.

فبحسبك.. ماكان يعوزنى نواك لأعرف أنك ثقلى وجاهى… وأنى بدونك بدد يهدرنى التيه ويذرونى الهوان.

وبحسبك ما كنت بحاجة الى فراقك لأعرف أنك وطنى وسكنى.. وأنى بدونك منفى تنفرنى الأبواب وتكسنى الأعتاب.

وماكنت بحاجة اليه لأعرف أنك ليلى ونهارى… وأن العالم بدونك همل يتكور ويرتمى فى سلة العبث واللاجدوى.

وما كنت بحاجة اليه لأعرف أنك مهدى ومهبطى… وأن عينيك تجئ بى كما تأتى الحرية بالقيمة.

فما كان أقسى وداعك وأظلمه وهو يسلمنى كيهوذا.

يدرى النجم ونجهل جلال اللحظة وخطرها.

وربما نتضاحك لنهذب الأسى ونروع الروع.

الطريق مقمر يغلبه شجاه على فضته.

الموسقيى ترسم ظلة الوداع

الدموع ثقلية كأعمدة المعبد

الأشياء تتلكأ تتأبى على سخرتها

كل تدون الوداع بلهجتها الخاصة

……………………….

أقعد قليلا.. ما كان أقصر تمددك جنبى على خصور الهنيهات…….

شخوصنا مغمسة مأخوذة

الصدق يطبعها على فلذة الليل

يخلدها كأنها نقوش ذاهلة

بقاع كاس كسروى

تبدت خمرته

وتأبدت سكرته

طرفتى(ص)

استمع الآن الى تسجيل لاحدى جلساتنا الأخيرة اذ أعيد على سمعك السيرانادا

 التى اصف فيها عناقنا أثر عودتك من سفرك الماضى:

ع:…….

أخلد لصدرى لا يرعك نحوله

مذ غاب صدرك عنه منذ زمان

الشوق لم ينقصه الا مثلما

نقصت حجوم الطير بالطيران

ص: محوله؟!! كذاب ملفق… فما راعنى يومها الا كثرتك وتوفرك.

ع: للقافية عذر… وللحال مقتضى.

ص: والسمنة أخت النحول

ع: زبنت الشوق

ص:كذبة أخرى

ع: أننا نكذب واقعيا… ونصدق فنيا

ص: بل تكذبون وتكذبون… والشعراء يتبعهم الغاوون.

طرفتى(ص)

كم كنت حريصا على احتجان طرافتك وظرفك. على أن ظرفك وطرافتك لا يعفيانك من المساءلة العقلية والمحاسبة المنطقية. فأنت تتهمنى بعدم الصدق. والصدق كما تعلم صفة للقضايا الاخبارية التى هى لفظية فى الغالب(وان طالب كاسيرر وسوزان بأن تفسح نظرية المعرفة مكانا لكل أنماط التعبير الرمزى أن شاءت هذه النظرية أن تكون شاملة كاملة)

قلت أن الصدق صفة للقضايا. فتوصف القضية بالصدق اذا كان ماتقرره مطابقا للوقائع التى يفترض أنها تصفها، وتوصف بالكذب اذا كان غير مطابق.

بيد أن هناك قطاعات عريضة من التعبير البشرى لا تتحدث عن وقائع موضوعية وبالتالى لا تحتمل الصدق والكذب بالمعنى الدارج. تلك هى الأحكام التقويمية وعبارات الأمر والتمنى وغيرها من الصيغ التى تضمر مشاعر ووجدانات ذاتية تند بطبعها عن التحقق الموضوعى.

ومنها ابياتى التى اهيب بك فيها ألا تستاء لما تركه الشوق على جسدى من آثار. أنها تقرير عن مواجد ذاتية وليست تقريرا طبيا يتضمن بنودا عن الوزن والضغط والنبض وسرعة الترسيب………… أنها رقعة فنية، تستعصى بطبعها على التحقق الموضوعى. غير أن هذا لا يحرمها من أن تتمتع بصدق من  صنف آخر، وحقيقة من نوع مختلف.

تلك هى” الحقيقة الفنية” فى مقابل” الحقيقة الواقعية”.

وهى حقيقة تتحدد بمدى جودة التعبير وتوفيقه فى نقل التجارب التى انبرى لنقلها ومعادلة المشاعر التى اطلع بمعادلتها. وقديما قال أرسطو:” اذا اسهمت الكذبة فى التأثير الجمالى للعمل فينبغى أن نقلبها”.

نعم.. حين يكون الأمر أمر تجارب وجدانية ومشاعر ذاتية يخف وزن الجزئيات الموضوعية بعض الشئ ويتضاءل شأنها. وهل كان لغلطة كيتس الواقعية خطر يذكر على سونتته ” عند القراءة الأولى لترجمة تشابمان لهوميروس ” التى يقول فيها:

” عندما شعرت بأنى اشبه بكورتيز القوى وهو يحدق الى المحيط الهادى بعيون النسر بينما كل رجاله يتطلع بعضهم الى بعض فى دهشة بالغة وهو واقف فى صمت فوق قمة جبل دارين”.

كورتيز مكتشف المحيط الهادى !!

خطأ جسيم اذا كان المقام مقام تاريخ بحرى. لكن سيان أن يكون المكتشف هو كورتيز او غيره داخل هذا” التكوين الفنى” أو هذه ” البنية الرمزية” المستقلة التى تتحدد مهمتها فى نقل أو معادلة شعور كيتس لحظة بهرته قراءة هومر بترجمة تشايمان الاليزابيثى للمرة الأولى. فسونتة كيتس ـ وهى من عيون الشعر الانجليزى ـ لم تكتب لتلقى علينا درسا فى التاريخ أو الجغرافيا، ولكن كتبت لتنقل لنا شعورا بمتعة التذوق ودهشة الفن.

هى” حقيقةلـ” truth-to – بلغة هوسبرز – أكثر منها ” حقيقة عن” truth-about.

وهى”فعل” action – لغة بروكس ـ اكثر منها “مقالا عن فعل “.

وهى صادقة اذا ما احترمنا انطواءها واكتفاءها الذاتى واستقلالها الجمالى، واتخذنا ولو الى حين اطارها الاشارى الخاص – كما علمنا جرين ـ ثم لجأنا بها الى معيار التطابقcorrespondence ـ مع الواقع النفسى لا الواقع العينى ـ وطبقناه فانطبق.

طرفتى (ص)

هذا ما الهمتنيه تعليقاتك التى تعابثنى الآن من أحد شرائطك.

كم كنت حريصا على احتجان طرافتك وظرفك. وكم اتهمتنى بتسجيل كلام عادى وليس فيك شئ عادى!! العادى يطل من كونك متطيبا مزدانا.. ثم يطفر رافلا مدلا.. موفور عميق السحر.

كم كنت تعجب لتجشمى حمل المسجل والأشرطة وأرطال البطاريات. وتسخر مما اصنع سخرية قوم نوح منه وهو يصنع الفلك.

اليوم يزهق سخرك فها هى ذى شرائطك تحملنى بعد أن حملتها.

على رشات طلها يجئ بى الصباح.

وعلى حرير موجها يذهب بى الوسن.

ربيعى(ص):

مازالت آلام الظهر تطرقنى على استحياء كزائرة المتنبى، وتطل برءوسها الصغيرة كلما منحها الليل الأمان، لقد حيرنى امرها وحير زملائى من الأطباء بحيث كثر فيها التأويل واختلف الأئمة.

وما يدرون أنها مزق من النور ولدت يوم قلبنى الجنون على تلالك الرغدة.

أنها ” أحبك” مستطيلة كمدات الليالى فى المواويل النيلية.

قلتها بلغتى اذ اللغة، وضربتها باوتارى اذ ذابت الأوتار.

موسمى (ص):

كنت أشرع فى كتابه مقال جديد قبيل كتابة هذا الخطاب، وما كدت أخطو سطرا أو بعض سطر حتى تعثرت بالحقيقة كسفينة تعثرت بالقاع.

تعثرت بالأحداث… بما يجرى هنا.. ومايجرى هناك. وبدأت أحس – ربما لأول مرة – ببؤس يتمشى بأوصالى… بؤس الهزيمة.. الهزيمة الحقيقية… ان نتعطب فى الصميم.. أن نتخوخ من الداخل.

ولأول مرة أشهد السؤال الحبيب “ماذا أكتب ؟” يحرن ويتوحش ويشهر لامه، ويصير”لماذا أكتب؟”.

نعم… لماذا نكتب لقوم استمرءوا الجمود واحترفوا الهزيمة. لماذا نحاور رهطا يعيشون كالجرذان فى صوامع السلف… يلوكون الأجوبة ويلفظون السؤال… يشربون الأسن ويتنفسون الرمال.

شفرتهم فاسدة لو علمت الأشياء فيها خيرا للبستها.

قيمهم ناشزة لو علمت نفوسهم فيها خيرا لأطاعتها.

 أجوبتهم جاهزة عاجزة لو علمت الدنيا فيها خيرا للانت لها وأوركت.

لا… أنهم” أسوياء “.. لبابهم صحراء… نخاعهم تخلف.

ومهما استنفرهم التطور خانهم قصورهم الذاتى inertia وحنوا لوضعهم الأصلىrestitution

ومن أعجب العجب أنهم كلما صدمهم الواقع ونكأتهم الهزائهم صاحوا: ذاك بما نسينا الارث وخنا السلف(!!!) فالى الوراء الى الوراء.

وفى غيابة التيه وحصر الهزيمة ترتع التبريرات وتكرم الأراجيف وتكثر الدعاوى القبليةapirori  التى لا تستند الى الواقع ولا تستقرئ الأحداث. فهى هلام طيع يمكنك أن تمطه فى أى اتجاه شئت أو شاءت غرائز نفسك المسكينة.

هكذا تتقوت سلفيتهم بالهزيمة وتتدعم بالانكسار…. فما يزالون فى حقة مفرغة من الانتكاس والردة.

ربيعى(ص):

لم تستوقفنى صاحبتك(س) حتى الآن ولم تحدثنى فى شئ.

فمن الواضح البين أنها تخجل منى… ومن الطريف الموجع أنى لا أعرفها حتى أحدثها، رغم أننا اصطحبناها ذات يوم. ولو كنت أعلم أهميتها لحفظتها أسرع مما تعلم آدم الأسماء.

من يدرى.. لعلها ترمقنى كل يوم فتعبرها عيونى عفوا فتستحى لا عراضى وتذهل لذهولى. وما تزال الرابطة بيننا عائمة غائمة… حائرة بين صحوة وسهوة.. سادرة بين خجلة وغفلة.

واحدتى (ص):

أفتكر بك كل يوم.

أحتفل بك كل ليلة.

الحلم بك يلون نومى ويقظنى… يمد قنطرة الخلاص بين جزيرتى وجزيرتك.. فأعلن أنى لم أنهزم بعد فى حصار الوجود.

أسمعك تتنهدين تحت النجوم… اسمعك تكبرين بين أخياتك من زهرات السوسن.. يذوب واقع شائك كالصوف.. روح فى قدمى تقودنى كتلك التى قادت شيلى من قبل الى شرفة حبيبته.

الى مدراج حبنا تقود ومتكآت اللقيا.

حيث تضوع النجوى وتكوكب الذكريات.

حيث تتزاحم الجمالات وتتواعد فوائت الطرف.

روح فى قدمى تقودنى.

أغشى خدور ذكرياتنا والليل ياقوتة نادرة أخبئها فى عيونى الضيقة عروفا بها ضنينا.

يدك الغائبة.. تعبث بسترتى… وتعدل لى ياقتى.

الغياب يرقتها وشعورى المثقل يرضعها ويمنحها حضورا كثيفا.

حبنا يتجول هناك… وقد تستخفه العافية فيهرول دامغا جلد الليل ناضحا عفوا وسماحا.

أحاديثنا تضج هناك… سألته: أما تزال مقيما بين صفائح الحقب تنز الآنات من سلتك قاصدا عتبة الخلد؟!.

وما كاد سؤالى ينسرب واذا بيمامة ليلية اللون تسف قربى ثم تغيب فى بطانة المكان.

عهــدنا………..

لقد قرأت رده.

وشــكرت مكتوبه.

كلمتك

عادل  مطصفى

طلعت حرب فى 26/8/1982

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *