الرئيسية / الأعمال الأدبية / كتب أدبية / كتاب الترحال الثانى: الموت والحنين

كتاب الترحال الثانى: الموت والحنين

  • الأهداء والمقدمة
  • قبل الفصل الأول:سفرٌ آخر
  • الفصل الأول:الموت: ذلك الشعر الآخر
  • الفصل الثانى:ويا ليتنى أستطيب العمى
  • الفصل الثالث:الجَمَالُ تتجدّدُ طزاجته
  • الفصل الرابع:ممََـرُّ حانَةٍ فى عطفةٍ مجهولةٍ بلا هُويةْ
  • الفصل الخامس:أوراق قديمة وأوراق مبعثرة
  • الفصل السادس:مسافر رغم أنفه
  • الفصل السابع: الصلح خير
  • الفصل الثامن:هذا يتوقف على ماذا؟
  • الفصل التاسع:مفتاح الخزانة فى كومة

تَـرحـالات

يحيى الرخـاوى

الترحـال الثـانى

المـوت و الحنين

لماذا الأعمال المتكاملة؟

عجزتْ أداة واحدة أن تستوعب “القول الثقيل ” الذى ألقى علىّ. حملتُهُ. من خلال الجدل الحى بين ذاتى ومرضاى ودنياىَ، فلجأتُ إلى كل ما أتيح لى من أنغام وأشكال.

لم أكتب إلا مسودات، لذلك كنت  أنوى أن يكون العنوان “الأعمال الناقصة” وخاصة أن ترجمة Collected    Works أو  Collected Papers هى “مجموعة أعمال” أو “مجموعة أوراق” فلان، الأمر الذى لا  ينبغى أن يسمى كذلك أو ينشر بهذا الاسم، إلا بعد أن يكف صاحبها عن العطاء، أو عن الحياة.

 ثم قبل ذلك وبعد ذلك: هل يكتمل شئ أبدا؟

وحين آن أوان الحسم، قررت أن تخرج كل المحاولات كما وصلتْ إليه، ولتكتمل بعدُ أو تتكامل مع غيرها. فكان هذا العنوان “الأعمال المتكاملة”  أملا فى أن يكون  جمّاع المحاولة هو “توجُّهٌ ضام،  حولَ محورٍ ما”.

يحيى الرخاوى

*******

 (رَحَل) عن المكان ـ رحلاً ، ورحِيلاً، وتَرْحالا،  ورِحلةً: سار ومضى.

وفى الحديث: “لتكُـفَّنَّ عن شتمه أو لأَرْحَلَنّك بسيفى”.

(رَحّلـَةُ): جعله يرحل.

وفى الحديث: “عند اقتراب الساعة تخرج نارٌ من قمـر عـَدنَ تُرحِّل الناس”.

(ارْتـَحـَلَ): رَحَلَ. وارتحل البعيرَ: جعل عليه الرَّحـْلَ. و ـ ركبه.

و ـ وارتحل فلانٌ فلاناً: علا ظهره .

وفى الحديث “أن النبى (ص) سجد فركبه الحـَسـَنُ فأبطأ فى سجوده، فلما فرغ سئل عنه فقال: إن ابنى ارتحلنى فكرهت أن أعْجِلَه”.

(الراحلة): من الإبل: الصالح للأسفار والأحمال.

وفى الحديث : “تجدون الناس بعدى كإبل مائةٍ ليس فيها راحلة”.

… ويقال: مشت رواحله: شابَ وضعُف.

(الرُّحـْلة): ما يرتحل إليه، يقال: الكعبة رُحْلة المسلمين، وأنتم رُحْلتى.

(الرَّحـُول): كثير الارتحال.

(الرَّحـِيل): الارتحال. و الرحيل القوىٌّ على الارتحال والسير.

(الَمرْحـَلـَة): المسافة يقطعها السائر…. بين المنزلين.

(المعجم الوسيط)

“…، رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت ،

الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف”.

(قرآن كريم)

وفى الاستعمال المصرى:

  “آصبر على جارك السوّ يا يرحل ياتجيله مصيبة تاخده”.

والترحيلة: هى تشغيل مجموعة من الفلاحين بعيدا عن بلدتهم الأصلية

بأجور زهيدة، وبلا مأوى مستقل فى العادة.

وعمال التراحيل: فئة من الفلاحين اعتادوا العمل أساسا فى الترحيلة.

و” الحاجة اترحّلت من مكانها”، أى انتقلت إلى موضع آخر، حسن أو سىء.

إهـداء الترحال الثانى

إلى الصديقين الراحلين،  الذيْــن لم أصادقْهما أبدا:

أ.د.السعيد الرازقى، أ.د. حلمى نمّـر

مقدمة الترحال الثانى

لم تنته الرحلة الأصلية مع الأولاد إلى الناس على الطريق. وهى ممتدة فى هذا الترحال الثانى. لكن ما بين وقت الرحلة، وبين ما جدّ أثناء كتابتها حدثت أشياء، وتحدث أشياء،  كان لا يمكن إلا رصدها، فلم تعد المسألة تقع بين أدب الرحلات وأدب السيرة الذاتية.  تجاوز، هذا العمل  هذا وذاك إلى ما أسميته “أدب المكاشفة”، وهو ليس مرادفا بالضرورة لأدب الاعتراف.

يتبيّن لى مع نمو هذا العمل أن أدب المكاشفة – إن صحّت التسمية-  هو نوع من السيرة الذاتية “الآنيّة”. ذلك أنه بدا لى أنه لا معنى للحديث عن الماضى باعتباره مضى، أما الماضى الحاَضر فينا الآن فهو الأصدق والأهم.

أنا لا أومن بالتاريخ مصدرا للمعلومات، لكنه قد يصلح إشارات جيّدة لما تـَبـَقـّى فينا من حضور فاعل، أو خامل.

إن ما تجلّى لى من خلال مثيرات السفر فى بلاد الله لخلق الله، من ذكريات وتداعيات ومواجهات، ليس له معنى ولا مبرر لحكيه إلا إذا كان مُطِـلقا لما يمكن أن يتكشف لى، فأبوح به مما وصلنى من طبقات الوعى المتاح.

سفر  آخر فرض نفسه على بداية هذا الترحال الثانى، فغاص بى إلى طبقات أعمق، لم يخل منها الجزء الأول، لكن للرحيل بلا عودة شأن آخر.

 فقد رحل عنا والد ابنتىّ اللتين رافقتانا “فى الجزء الأول :مايسة السعيد، ومنى السعيد. هو المرحوم الأستاذ الدكتور السعيد الرازقى. حدث هذا وأنا لم أنته من كتابة رحلتنا الأساسية فتداخلت مواكبتى له فى سفر آخر، مع مواكبتى صحبة بنتينا وبقية أولادى وزوجتى رفقاء السفر الأول، ثم عجِلَ هو إليه دونى.

ثـم  وأنا أراجع التجربة (البروفة) الأخيرة رحل  عزيز آخر، قلّب عندى أكثر معانى الرحيل الآخر، هو د. حلمى نمر.

أما الحنين الذى ألقى بظلاله على معظم هذا الترحال، فهو يتمثل فى الإلحاح المعاِود للاستجابة لجذب الركن الصغير القصىّ الواعد، هو حنين قد يعنى التمهيد للرحيل الآخر، أو هو الذى يلوّح بوعدٍ بالولادة الجديدة.

 أكتشف فى هذا الترحال الثانى، وبالذات من خلال الحنين إلى “الركن”  الذى ألحّ بشكل متكرر، أكتشف سر ما يسمى “برنامج الذهاب والعودة”، جوهر حركية الوجود.

فحاولت أن أكاشفكم بما كان. قدر المستطاع.

   قبل الفصل الأول

سفرٌ آخر

 جعلت أسألها محتجا، وكأنى أسأل نفسى، أو ربى، بصوت مسموع:

يا ست نعيمة، إشمعنى.. سعيد؟

فتفاجئنى- بإيمان المصريين البسطاء – برد شديد الدلالة:

و”اشمعنى غيرُه”؟

……….

ثم أصبح يختلط مع الدهشة نوع من الخجل اليقظ الطيب، فعلا:

إشمعنى غيره؟  واشمعنى غيرى؟

(15 ديسمبر 1985)

……حتى المذكَّرة الصغيرة التى سجلتُ فيها (بعد وصولى) التواريخ، وبضع كلمات عن كل يوم، هذه المذكرة غابت، وكأنها تعمدت الغياب، بعد أن علمت تغير المزاج، وصعوبة العودة، ولم يعد ثمَّ وقت للبحث عن شئ يبدو وكأنه لم تعد له أهمية فى الواقع. فالوقت غير الوقت، والإيقاع غير الإيقاع، وإن كان الالتزام واحدا، والورطة أشد.

كنت أنوى أن أسافر معهم  هذا الصيف (1985) فى رحلة قصيرة أثبـّت فيها ماجرى، أو أختبره. ولكننى عزفتُ حسما، وقبل أن يحدث ماحدث؛ ذلك أنى خفت أن أشّوه موقفى من السفر بالوقوع فى استدراج الاعتياد الترفيهى السخيف، كما خفت على الأولاد أن ينسوا حين تستدرجنا العادة، تحت وهم أملٍ فى فائدة مرجوة من  مواصلة التعرى فى مواجهة حضارة (ثقافة) أخرى، وناس أُخـَر، وعادات أخرى، وإيقاع آخر. أقول: إننى خفت منى، وعليهم، خفت من تسحب العادة، فالرفاهية، فالنسيان، فالاغتراب، فالعزلة عن الناس، ثم تصورُ الحق الخاص من الموقع الفوقى الأخص. خفت حتى أننى لم أستطع أن أستجيب إلى رغبتهم ورغبتى، على الرغم من الإلحاح،

أنا-حتى الآن- شديد اليقظة لألاعيب التبرير التى يبرر بها أمثالى مثل هذه الأسفار، سواء تحت دعوى “الحق فى الراحة” (قال “ماذا”؟)، بعد طول عناء!!. أم تحت دعوى (منظرة) المؤتمرات العلمية (السياحية الدعائية الاجتماعية) !! إلخ، وأخيرا تحت دعوى: فرصة “للحوار” الحضارى. (!!) -فقلت: “لا”، لا سفر الآن، على الأقل حتى أنهى كتابة (معايشة) ما كان فى الرحلة السابقة بما أنا فيه الآن، ثم نرى.

فجأة، حدث ماحدث،

فوجدت نفسى فى الخارج هذا الصيف، (صيف 85)، لكن الصحبة غير الصحبة، والسبب غير السبب، فى بلد غير البلد،

فرض سفرٌ آخر نفسه علىّ مع صديق رحـَلَ متعجّلا،

…….بدأت الأحداث المفاجأة فى يوليو 1985، وكنت بمحض الصدفة قد انتهيت مبكرا من كتابة الفصل السابق من هذه الرحلة (الفصل الأخير من الترحال الأول) فحمدت الله أنه  قد نفذ بالكاد من تحمل وطأة ما حل بى، منذ أن حدث ما حدث. حمدت الله أننى لم أضطر، وقتئذ  وأنا فى تلك الحال، إلى الالتزام بالإمساك بالقلم، أحركه كطن من الرصاص، أو أمسكه وقد تلبست أصابعى وعقلى ووجدانى جميعا بقفازات من الجبس الأسود.

لكن يبدو  أننى  استطعت أن أتسحب من ورائى؛ لأعاود حركة القلم، بدءا من القيام بالتزاماتى الراتبة منتهيا إلى التقاطات إشراقات البعث ، على الرغم من دوام نفس  الأحوال .

 فما هذه الأحوال؟

لى صديق أصيب بمرض نذل خفى، فوجدتُ نفسى بجواره جدا، مثل زمان. ثم تطورت  الأمور بسرعة أكبر، فوجدت نفسى مسافرا بجواره أكثر؛ حيث تصورنا – هو وأنـا – أن ثمة رؤية علمية طبية فى الخارج أدق، وأن ثمة فرصة علاجية أنجع.

 سافرنا فجأة، هو، و.. أنا.

 سافرتُ وأنا أشعر بعكس كل ما تعودت أن ألقى به السفر، هو يستند على جذعه دونى، بجهد جهيد، بل يكاد يطيـّب خاطرى ويطمئننى، وليس العكس، فهو  (أيضا) لم يستطع أن ينسى موقفه الأبوى المزمن الذى تلبّسه مُنذ كان طفلا، وهو لم يكن أبدا طفلا، و”أنا” أسير بجواره أتصور أنى أسانده، أو أسنده، فلا أفعل شيئا إلا أن يعتصرنى الألم بجواره، عاجزا، خائبا، لا أجرؤ على إعلان رفض المرض والعجز، ولا على قبولهما، فأكتشف خداعى لنفسى بعد طول ادعاء. فكم تصورت أنى أهيئ نفسى طول الوقت للنهاية الطبيعية لدورة حياة الفرد البشرى، وقد كان هذا هو حديثـنا المفضل معا فى وقت غير الوقت، حين كنا بعيدين عن المواجهة الصريحة لما نتحدّث عنه: “النهاية”.

حين وقعت  الفأس فى الرأس: واجهْنا الاختبار الحقيقى، فإذا بنا نفاجأ بأننا نستغرب ما ليس غريبا، ليس غريبا بحكم مهنتنا، وليس غريبا بحكم ما نزعم من حكمة وبصيرة!!، فأية غرابة فى المرض ونحن أطباء؟ وأية غرابة فى العجز ونحن بشر؟ بل أية غرابة فى الموت نفسه ونحن أحياء = كيانات بيولوجية محدودة العمر مهما طال؟. هل نحن غير الناس؟

نكتشف كم أن هذا الوهم كامنٌ داخل داخلنا دون أن ندرى: نحن – فعلا – نعتقد “أننا غير الناس”. أية خدعة!! أى كذب.

 ضبطت نفسى متلبسا بذلك حين عدت مكسورا من هذه الرحلة بعد أن تبيّن ما تبين، وجعلت أسأل “حكيمة” صديقة، تعرف صديقى هذا، وكم أنه كريم طيب خدُوم عالم. طبيب حاذق رحيم … إلخ، جعلت أسألها محتجا، وكأنى أسأل نفسى، أو ربى، بصوت مسموع، “يا ست نعيمة، إشمعنى.. سعيد؟!، فتفاجئنى بإيمان المصريين البسطاء برد شديد الدلالة: و”اشمعنى غيرُه”؟!، فأفقت ُفجأة، ثم طويلا، وكلما عاودتنى الجملة دهشت لها وكأنى أسمعها طازجة تقال بصوت واضح لأول مرة. فأدهش من جديد، ثم أصبح يختلط مع الدهشة نوع من الخجل اليقظ الطيب، فعلا: إشمعنى غيره،  واشمعنى غيرى؟

 كلما قلـُقلـت ساخطا، أو حزنتُ مغيظا تذكرتكِ يا ست نعيمة وشكرتك وأنا أردد: “واشمعنى غيره”؟ لماذ  نتصور، نحن الأطباء، أو أى “نحن”: أن لنا قوانين خاصة، وأمراضا خاصة، وعلاجات خاصة؟ ماذا فينا يستثنينا؟

كانت هذه حالى، لكنها لم تكن هى حال صديقى تماما، فهو أرق صبرا، وأعمق إيمانا، لكنه بشر طيب، وطبيب أستاذ، وأستاذ قدير، وتخصُّصه يكاد يكون فى نفس ما أصابه، مما لم نكن نعرف “تحديدا” قبيل السفر، وإن كنت ـ للأسف ـ كنت أعرف عن طبيعة ما أصابه أكثر منه.

صديقى هذا هو والد ابنتّى اللتين صاحبتانا فى الرحلة التى أكتبها الآن عن “الناس والطريق”، وقد كان حاضرا معنا طول الرحلة بشكل ما. حيث كنا نتذكره، ونسترشد بحكمته، ونرفض فرط تعقله، وندعوا له، ونتوعده، أنــا وابنته الصغرى”منى”، حين كنت أجرى بجوارها (فقد كنا ـ نحن الاثنين ـ نفضل الجرى على السير ما أتيحت الفرصة…). كانت هذه الصغيرة تذّكرنى أنها حين تعود، ستجعل والدها يغيـّر كثيرا مما “هو فيه”، فأقول فى نفسى: “بل مما اضطـُـر أن يكونه”، وأتساءل: أية فرصة فارقة بيننا وبين أولادنا؟ ولا أقبل أن أتصور أنهم (أولادنا) أحسن منا. قد يكونون أوفر حظا، لكنهم أقل ألما شريفا؛.

يبدو لى أن الألم- بجرعة مناسبة- هو حق لـلبشر مثل الدعة سواء بسواء، لكن يبدو أيضا أن نصيبنا- صديقى وأنا- من الألم والنسيان والإهمال كان أكبر من حقنا. وقد كنت أعلم ذلك وأخفيه طول الوقت، فكنت حين أنطلق، أو حين أصور للجميع أنى منطلق، كنت أفعل ذلك “إلا قليلا”، أو… (ولا تقل لأحد) … إلا كثيرا. نعم، يتسحبُ بعيدا عنى ذلك الفرح الطفلى بسرعة وكأنه يتوارى خجلا أمام ذلك الجزء الغائص فى جوف وجودى، ذلك الجزء الحزين القابع وراء كل شىء، هذا الحزن المتربص يظل يجذبنى ضد كل فرحة، وحين تصورت أنى تغلبتُ عليه، أو على الأقل روّضته، عاد يلاحقنى، أو يتبعنى خلف كل انطلاق، وكل فرح، وكل ضحكة. فهو لم ينسنى أبدا، فلم أنسـَهُ مرغـما، بل إنى أصاحبه حتى الائتناس.

 أسأل صديقى هذا وقد عضنا الألم وعصرنا العجز، فرحنا نقطر مرارة على الرغم من ظاهر الابتسام. أسأله، فيجيبنى بحكمته المفرطة التى استسلم لها طول عمره (كارها إياها… دون أن يدرى). يقول لى ونحن نسير ببطء يعلن ثقل همومنا على سيقاننا، وهو يميل بأحد كتفيه ميلا خفيفا إلى ناحية (عادة أعرفها عنه من قديم، وليست بسبب ما أصابه مؤخراً، عادة  أميزه بها من بين الآلاف وهو قادم من بعيد) يقول، وقد حفّت بنا المرارة من كل جانب:

 “.. كنت أتحدث مع شقيقتى الكبرى، ونحن نبحث فى داخلنا عن ضحكة، أو آثار ضحكة، كتلك التى نراها على وجوه  أولادنا. فقالت شقيقتى أو قلت لها: يبدو أنه لا فائدة، فمن لم يضحك صغيرا، لا يعرف كيف يضحك، كبيرا، لقد راحت علينا… ولن نستطيع أن نفعلها مهما حاولنا..”

رحلتى مع صديقى سفر آخر، كما أن الموت شعٌر آخر .

هذا ما تعلمته  من أدونيس فى رثاء عبد الصبور.

لست واثقا إن كنت أستطيع أن أكتب هذا السفر كله أو بعضه  بالطلاقة نفسها.

من البديهى أننى لن أكتب على الموجة ذاتها التى كتبت بها تَرْحالى الأول.

 هل يا ترى  أستطيع أن أواصل الترحال إلى داخلى ـ خارجى، وأنا محمّل بكل هذا بعد ما كان ذلك كذلك؟.

حاولتُ أن أُظهر كيف قالت لنا حرافيش نجيب محفوظ أن وهم  الخلود هو أكذب كذبة، وأن روعة الوعى بالموت هو دفع الحياة  (نشرت هذه الدراسة فى مجلة فصول، ثم فى كتاب لى نشرته لى هيئة الكتاب عن بعض قراءاتى فى أدب محفوظ) كانت الفروض تقول:

” إن ملحمة الحرفيش  تريد أن تؤكد ماهية دورات الموت والبعث،”

” إن وهم الخلود بمعنى البقاء ثابتا فى المحل، أو مكررا فى الفعل، هو عين السلب الساكن ، وهذا هو الخليق باسم الموت.”

“إن الوعى بالموت هو الذى يعطى للحياة زخمها ويحافظ على دوراتها،  واستمرارها”.

ثم عشت هذه التجربة : عشت فى صحبة الموت يمشى على أرجل. عايشت الموت خارجى وداخلى، كما عايشت الوعد بالبعث وأنا أغوص فى محاولة الكشف عن معنى هذا الحنين الملحّ إلى ركَنٍ قصىّ. لعل وعسى.

الفصل الأول

(الفصل السابع: من الترحالات الثلاثة)

الموت: ذلك  الشعر الآخر

 

يختل مجرى العمر والأمل،

(لماذا ياصديقى؟؟)

دائرةٌ ملتاثة:

(عَجـّـلتَ بالنهاية؟)

تقضمُ فى المجهول والمعلوم أنيابُ الظلام الجائعة،

(هل ضقتَ ذرعا باللجاج والجشع؟)

ثارت أجنة الخلايا تصطرع“.

تعملقتْ فطرتك الأبيةْ

لم ترعَ عهداً، لا، ولمّا تنتظر

لــمْ نـقوَ بعدُ ياصديقى

(فيم العجالة والسام؟)

تقفز خلف الحدِّ، بعد العدِّ، تقتحمْ

ترجع نحو عشها اليمامةْ.

الأربعاء: 29 يناير 1986

 الساعة الخامسة وعشر دقائق (صباحا)

استأذنَ صديقى، والد إبنَتَـى رفيقتى رحلتنا هذه،

 استأذنَ أن يكمل رحلته وحده، بعد صراع، وعناد، وآلام، ورؤى، وحوارٍ أغلبه صامت، وكل هذا لا أستطيع ـ الآن ـ إهماله أو نسيانه أو إزاحته كما لا أجد عندى الشجاعة أو الأمانة لحكاية كل تفاصيله التى استغرقت أكثر من سبعة أشهر… جَمَعْنا فيها ـ هو وأنا ـ خلاصة عمرنا قولا وتذكرة، ثم عهدا، ورؤية.

منذ سافرتُ معه، ورجعنا كما سافرنا، وأكثر عجزاً، ونحن نجترّ أيامنا بهدوء شائك، هو: تعتصره الآلام، وأنا: يخيفنى العجز، حتى قرَّرَ، هكذا رأيت رحيله، فذهب دون إبطاء، ويبدو أن هذه لم تكن رؤيتى وحدى، فحين كتب شقيقه نعيه فى الأهرام حضَرَتـْـهُ آية كريمة صدّر بها النعى تفيد ما ذهبتُ إليه من تسارع صديقى للقاء ربه، صدّر النعى بالآية تقول: “وعجِلتُ إليكَ ربى لترضى”،

 رحل صديقى عجِلا إليه، رحل وتركنى وأنـا أعيش معه/فيه/به، بتقمص يحتد فيه وعيى فيهزنى حتى النخاع. أخطو بجواره مرتحلا إلى ما لم أحسب، مختبـِرا ـ من جديد ـ ما كنت أتصور أنى عرفته ظهرا لبطن، ألا وهو ما كنت أسميه ـ مثل الناس ـ “الموت”، فاذا بى لا أعرف منه، أو عنه إلا أقل القليل.

حين رحل صديقى، وما رحل، وجدت نفسى أحاول أن أواصل بدونه، بعيدا عنه، بالرغم منه، لكنى رحت أكتشف أنى أفتعل الأشياء افتعالا، وكأنى أزيح من على صدرى ثقلاً لابد أن أخـْترقه وأنا أتكلم ، وأنا أكتب، حتى وأنا أفهم، أزيحه بعيدا بما أستطيع، ولا أستطيع. أخذت أواجه اختبارا صعبا، حتى كدت أتوقف عن كتابة هذا العمل المنطلق. اضطرنى قلمى أن أعرج إلى هذا السَّـفر الآخر لأخصص هذا الفصل لرحلتى مع صديقى هذا، على الرغم من أننى كنت أفضل أن تأتى قرب نهاية العمل، استسلمت للقلم فاستسلم لى، ما دام الأصل فى هذه الكتابة هو حضورى مع القلم، لاحكايتى عن الحَدَث، فليُقُدْنى حيث شاء.

بدون تلكؤ أمسكت بالقلم حتى لا أتراجع، وللقارئ العتبى، أليس عذرا مقبولا أن أتقدم إلى رحاب وعيه بأقل قدر من التزييف والصناعة؟

هو “الموت”، الرحلة الأخيرة، والحقيقة الأولى، أو الوحيدة.

 كنت أردد دائما، ومن قبل هذه المحنة، أردد معه، ولنفسى، أنه كان من الجائز ألا أولد أصلا، ولكنى متى ولدت  فليس ثم احتمال ألا أموت…، ومع ذلك، فإن الجارى يكاد يعلن غير ذلك، إذ يبدو أن “حقيقة الموت” حقيقة نقولها،.. لا نعيشها، ولا نعايشها، اذ لانتعلم منها… بدليل أننا لا نتغير بها، وبعد أن رحل صاحبى، ونحن فى بؤرة الموعظة والإفاقة (هكذا بدا لى) قلت لصديق آخر، بمثابة تلميذى وإبنى أ.د. رفعت محفوظ، وهو حكيم صعيدى نقى، قلت له “لو أن واحدا بالمائة من حقيقة هذه الحقيقة بقى معنا.. لكفى،. ” فرد التلميذ/أستاذى/ “رفعت” ردا صعبا “، قال:… بل واحد فى الألف”

واحد فى المائة، أو واحد فى الألف مـِـنْ ماذا؟

وأجيب: من “هذا”.

السبت 25 يناير 1986

قال لى صديقى على وشك الرحيل وأنا جالس بجوار سريره، قال لى هامسا وكان قد اعتدل إلا قليلا، قال: “… لا أحد يفهم، قل لهم “كفى، دعهم يدركون” ـ وكأنى رددت عليه أن “حاضر” أو ماشابه، فقد كان يكفى أن نقول بلا كلمات، فنتفاهم، ولم يكن جديدا علىّ أو عليه هذا النوع من الحديث الصامت الذى بدأناه منذ عرف أحدنا الآخر فى عز الشباب، إن كان لشبابنا عز كما يعرفه الناس، كان دائما يذكـّر نفسه أمامى ـ فيذكّرٌنى ـ أنه أخذ أكثر مما حلم، وأنه كسب أكثر مما تصور، وأنه ترفّه أكثر مما يحتمـل، وأنه أمّـن ذويه بالمسكن والدخل المعقول بقدر ما ينبغى، وأنه علَّم طلبتهَ كل ما تعلم، وأضاف إلى علمه ما استطاع أن يبدع، لم يحبس حرفا، ولم يرُد طالبا، ولم يقمع فكرا، ولم يعِق منطلِقا، فهو تاركٌ حتما ما يفخر به أى عابر سبيل هذه الحياة المحدودة بطبيعتها، فلماذا الاستزادة من الأيام؟

ثم يستطرد على لسانى “إنه تارك وراءه ماهو أهم، تارك موقفا من هذه الحياة: من قرشها، وبحثها، وناسها، وأخلاقها… وهو موقف جدير بأن يهدى وينير. كلام واضح وصريح، وحقيقى، يعلم الله، إلا أنه كلام، والكلام فى هذه المواقف يبدو جميلا وصحيحا ومقنعا، لكنه كلام.

كيف يكفى الكلام وصاحبنا ـ الموت ـ يزحف فى غير صمت ولامسالمة. ليته يزحف خفيا خبيثا ثم ينقض، لكنّه يجر صاحبى سحلا على حشية من رماح مشرعة طول الوقت، كان الألم أصعب من كل أمر، من كل صبر، من كل حكمة، من كل موت.

ذات مرة من المرات الأخيرة، كان يعيد صديقى علىّ هذا الحديث، وكان مضطجعا على السرير فى الحجرة المشتركة فى فندق “هوليداى إن” على بعد خطوات من المستشفى (ماس جنرال) فى بوسطن، قال مثل ذلك الكلام الحكيم، وهو يهيئ نفسه للرحيل راضيا مرضيا، فأصدّقه ـ كالعادة ـ علّنى أصدق نفسى، قبل أن ينتهى من كلامه هجم عليه الألم الوقح، فتكاد تدمع عيناه فى صمت قابضا على وجهه فى صبر، فأشيح بوجهى عبر النافذة حتى لا يرى ما يتهمنى به “أنى خرع”، وأرجح أنه يشفق علىّ من تألمى لألمه، وليس يلومنى على خراعتى. اضطرب من واقع فشلى فى أن أعينه كما ينبغى، وماذا ينبغى؟ ماذا يمكن أن أفعل؟ هل أحاول تهوين ما لا يهون؟ هل أتصنع التماسك بجوار من يحق له أن يضعف وهو ليس بضعيف؟ هل أستطيع أن أقسّـم جرعة الألم فيما بيننا؟ ولا أجد إلا الصمت المحاوِر… فيصمت بدوره شاكرا. كأن الاعتراف بحجم العجز، مع استمرار صدق المحاولة، كان هو غاية المطلوب فى تلك اللحظة المكثفة.

فى صمتنا الناطق: نُراجع ـ كلانا ـ مقولته السابقة ونحن نتساءل: “الحسابات صادقة ودقيقة، والحمدُ حقيقى، والرسالة اكتملت، أو كادت، فلماذا الجزع؟”

يبدو أن ثمة فرقا بين أن تتحدث عن الموت “من حيث المبدأ” وأن تعيشه من حيث الواقع المتمثل، فرق بين أن تتكلم عن الموت، وبين أن تموت. إن ثم علما الآن اسمه “علم الموت” يفرق بين “الموت”Death و “أن تموت”، Dying.، هل رأيت التقدم؟ ؟ يا فرحتى !

أتصور أننا – صديقى هذا وأنا – حين كنا نتحدث عن الموت كنا نتحدث عن “مفهوم”، عن “إسم”، عن “صفة”، أما “نحن” “الآن” فنحن فى مواجهة “فعل” الموت، حال الموت (حالة كونه: يموت!) يبدو أن فعل الموت هذا هو هو، سواء فاجأنا من خلف ظهورنا، أم تقدم إلينا مواجهة بكل وقاحة و علانية، بكل ثقته وثقله، ونحن فى قمة الاستعداد لملاقاته، وأنظر فى عينى صديقى فأرى بجوار الحكمة والتسليم والرضا والصدق، أرى… الحياة تطل بحرص عنيد ليس مثله شىء، وكأنها تذكرنا بزيف هذه الحكمة المدّعاة.

 أتذكر ونحن فى  فى مطار جون فوستر كنيدى (نيويورك)  وهو لا يكاد يقدِرُ أن يخطو خارج سلم الطائرة، ونحن نحاول أن نلحق بطائرة “باناميركان: بانام” إلى بوسطن حتى لا نغير المطار ـ وهو فى هذه الحال من الوهن والألم… أتذكّره يقول لى  ـ منكرا ـ بفضل دفع الحياة الآمـِـل: “والله يايَحيى ماعندى حاجة” وكان الوحيد الذى ينطق اسمى صحيحا بفتح الياء الأولى، كذلك كان ينطق لفظ “جَدى” بفتح الجيم”جَدى”، وكان شديد التعلق بهذا الجد الذى حفّظه القرآن تلاوة وفهما والتزاما وهو بعدُ طفلا، فبـكـّر فى حكمته، إذ ساهم فى سرقة طفولته، كان يحكى لى كل ذلك ليبرر كيف أنه” “كهل بالقوة”، “وكهل بالضرورة”، وأتعجب لمحاولته إنكار كل ماعنده من آلام، بل ومن حقائق مرضه التى ظهرت فى التصويرالمقطعى قبل السفر، ينكرهذا وذاك حتى على نفسه، إن استطاع، ثم راح يتمادى قائلا “ياخجلك من الأمريكان حين يثبتون لك أن كل هذا ليس إلا اضطرابا نفسيا، وأنك عجزت عن تشخيصه فضلا عن تطببيى، فتواجه خيبتك مرتين”. أبتسم متمنيا هذه الخيبة كما لم أتمنّ شيئا من قبل. وإن كنت قد رفضت تماما أن أتصور ـ منذ البداية ـ أن صدىقى هذا ـ كما أعرفه ـ يمكن أن يبالغ فى آلامه (نفسيا؟!)،

صديقى هذا صاحبَ الألم النفسى والجسدى من أقدم القدم، منذ كان هو وأخته يمرّضان أمهما، وهو بعد صبيا وهى بعد غـَضـَّة لم تتفتح، وأمهما تمضى الليلة تلو الليلة تلهث جالسة بلا نوم من عجز القلب أن يدفع الدم من الرئتين، لا.. ليس هذا هو الرجل الذى يمكن أن يتأوه إلا إذا ضغط المرض على (أو انقض يلتهم) نسيج عصب حسى بكل القحة والتحدى، حمدت الله على تصوره خيبتى، وابتهلتُ راجيا: “من يدرى، لعلّها نفسية!!”؟ لكنى كنت أدرى، وهو ـ فى الأغلب ـ كان يدرى ويريد ألا يدرى،

أقول إنه رغم الحكمة والحمد والرضا والتسليم، كانت قفزات الحياة وطموحاتها تطل من عينيه مزيحة كابوس الموت الجاثم لبضع ثوان أو بضع دقائق، وحين أخذ المسكن الفعال لأول مرة، عادت إليه شهيته، وحدة تعليقاته، وحسم قراراته، وبعض ضحكه،

فى مستشفى ماس جنرال فى بوسطن تظهر نتيجة تحليل العينة فى اليوم التالى لوصولنا ونتيقن أن المسألة أخطر من كل حساب، فالعدو الخبيث قد انتشر، ليس إلى الكبد فحسب، بل إلى غدّة ليمفاوية فى الرقبة، هى التى أخذ منها الجراح العينة. كانت النتيجة من الحسم بحيث أثنت الأستاذ الدكتور الجراح الأمريكى المسئول عن أن يبحث عن أصل هذا الورم المفترس، لكن غبائى الدفاعى الناكر أصرّ على أن يسأله عن معنى ذلك، فراح الطبيب الجراح الحكيم يمط شفتيه فى يأس مهذّب وهو يرد على طلبى المزيد من التقصى أنه “وما الفائدة؟”

 وأحاول أن أخفى بعض الحقيقة عن صديقى، فيحاول أن يصدقنى علّنى أصدق نفسى، لكن الحوار الصامت الصريح كان يجرى بيننا من وراءنا، حتى أعلننى فجأة، كأنه ينفخ فى نفير نوبة الانصراف أنه:

 “أزفت الآزفة”

قلت له “: أكمل يارجل”

قال فى تلكؤ مقصود: “ليس لها من دون الله كاشفة”.

قلت: “الحمد الله أن عندنا صمام أمن نتنفس من خلاله بعد أن يغلق الطب والعلم حساباتهما، فالله سبحانه وتعالى قادر أن يكشف عنا الضر بفضله.

 فيشير برأسه، كأنه يوافق، ولايرد.

وحين أختلى بنفسى تلاحقنى آية “أزفت الآزفة” فى تصعيد مدو (“أزفت الآزفة”) حتى تملأ الحجرة، فالفندق، فالمدينة، فالأرض، فالكون جميعا، فأكاد أجرى فى كل اتجاه، وهى تلاحقنى:(أزفت الآزفة..”أزفت الآزفة”، “أزفت الآزفة”. “أزفت الآزفة”..،) وحين لا أستطيع الهرب وهى تحيط بى من كل ناحية يهيج بىَ الشعر قبل أوانه، ألم أقل لكم أن الشعر مهرب مشروع، ولا أملك إلا أن أكتب بعض رثائه وهو بعدُ بجوارى، ولا أتورع أن أقرأه له، مسوّدة فجة، ـ كانت علاقتنا تسمح بهذا العمق وأكثر. يقول لى مشجعا وهو مازال يبتسم. “إنها ستكون سابقة مميزة لرحيلى حين أساهم فى نقد رثائى وأنا “ما زلت حيا”.، قرأت له:

“يختل مجرى العمر والأمل،

(لماذا ياصديقى؟)

دائرةٌ ملتاثةْ

(عجـّـلت بالنهاية؟)

تقضمُ فى المجهولِ والمعلومِ أنيابُ الظلام الجائعةْ،

(هل ضقتَ ذرعا باللجاج والجشع؟)

ثارت أجنة الخلايا تصطرع”.

فتدمع عيناه،

 ولا أستطيع أن أكمل القراءة بعد أن غاب صوتى،

 لكنه يصر أن أواصل، فأواصل:

تعملقتْ فطرتك الأبيةْ

لم ترعَ عهدا، لا، ولمّا تنتظر

لم نـقوَ بعدُ ياصديقى

(فيم العجالة والسام؟)

تقفز خلف الحد، بعد العد، تقتحمْ

ترجع نحو عشها اليمامةْ.

لا أجرؤ أن أنظر فى شعرى المسودة هذا ثانية أبدا، حتى أنى نسيته تماما إلى أن عثرت عليه بالصدفة وأنا أبحث عن الفصل الضائع (الرابع/العاشر أنظر بعد). أتذكر أُُنسى الحاج ومعركته مع فكرة السرطان والإشعاع النووى، فأرتعد من فكرة خالدة سعيد وهى تجسد رعب “الحاج” من هذا الزحف المفترس، ما أشد عجز الإنسان ووحدته، حتى جسده يسلمه ويخونه، الجسد يخون، نعم هذه خيانة، وخيانة نذلة، من سمح له أن يأخذ القيادة؟ من سمح للخلايا أن تجن؟ من سمح للحدود أن تنهار؟ خيانة!!، ولكن من يخون من؟ من يخون ماذا؟ ماذا يخون من؟ آه. (لماذا لم يستطع سعد اللله ونوس أن يصرع هذا الوغد المفترس ؟ خاطرلاحق أثناء المراجعة).

هو الموت يتقدّم بخطى واثقة، وإن كنت لا أعرف تحديدا كيف، ومن أين سيقطع شريان الحياة فى نهابة النهاية، ودعوت الله أن يلطف بنا فلا يثقل جسده، ولا يهين صورته، ولا يختبرنا وأهله بما لا نقدر عليه، وعلى الرغم من لطف ربنا وعفوه، فقد مرّت الخطى ثقيلة، والحسرة غائرة، والوعى شائكا، كما كان العجز أمام المرض الزاحف والألم الضاغط مخجِـلا طوال هذه الشهور السبعة، وحتى هذا الأسبوع المريع.

قبل هذا الأسبوع الأخير كان صديقى قد تماسك بعناد محبى الحياة ممن يواصلون العطاء والتجلد فى كل حال، فاستطاع أن يذهب إلى عيادته: يشخص الداء، ويصف الدواء، ويتقبل الود والدعاء من مرضاه المعترفين بفضله، وحين مررت عليه فى العيادة أدعم خطوته تلك بلقاء وحديث بعيدا عن تمديد السرير وعجز القربة الساخنة: جعل يتعجب ـ حامدا ـ من موقفه الطبى المعالِج، وهو لا يجد سبيلا إلى علاج نفسه، وأحاول أن أنتقل بالحديث بعيدا عن مواجهة العجز:

رحنا نتذكر تلك الليلة التى قضيناها فى بيت صديق لنا فى “نيوارك” (وهى بلدة بجوار نيويورك، لكنها ليست هى رغم تقارب الاسم كما يبدو)، حيث كان صديقنا هذا يعيش وحده بعد أن هجرته زوجته الإيطالية الأصل مصطحِـبة ولديه، ذلك أنه حين تكون فى أمريكا، إفعل كما الأمريكان، فما بالك وقد أصبح مضيفنا أمريكيا بالتجنس والتعود، إذن فقد فعلها بالأمريكانى وأكثر، فراح صديقنا المتأمرك د. عاطف غندر، يدفع ثمن مزاعم الحرية والغربة والرفاهية: انفصالا أسريا، فطلاقا موقوفا حتى يتفقا على قسمة شقاء العمر وعرق الغربة بينه وبين هذه المرأة (زوجته) التى يبغضها كما لم أره يبغض مخلوقا من قبل، كنت أعتبره لا يستطيع أن يبغض أصلا، يبغضها هكذا على الرغم من أنها أم ولديه الذين يقيمان معها ـ كل هذا وضحكتُه لا زالت تجلجل ـ كما اعتدناها من ثلاثين عاما فى منزل نواب المنيل فى قصر العينى، مازالت تجلجل فى منزله الخالى حتى من الأمل.

كان زميلنا هذا د. عاطف غندر قد أبلغ اثنين من زملائنا المصريين (المتأمركين أيضا) بوجودنا وبسبب وجودنا كذلك. اتفقنا أن نلتقى جميعا عنده ذلك اليوم، فحضرا من أطراف القارة لنعيش ليلة من ليالى منزل النواب (58/1959). نعيشها سرقة من وراء الموت الزاحف، ونحن محاطون بأجواء الألم المروَّض مؤقتا بالمسكنات والذكريات.

السبت 3/8/1985

كنا خمسة، صديقى المريض السعيد الرازقى والمضيف د. عاطف غندر، وزميلنا القادم من شيكاغو حاملا معه كل ريح “ساقية أبو شعرة”(موطنه الأصلى!) د. أحمد رشيد، ثم د. محمود شعلان أخصائى الباثولوجيا الإكلينيكية. على ما أذكر،وزميل رابع (لم يكن من زملاء بيت النواب)، كان قد حيل بينه وبين مواصلة الدراسة معنا عاما بعام. حين مُنح أجازة إجبارية (إخوانية) فى معتقل ناصرى لمدة عشر سنوات خرج بعدها يعدو إلى أى مكان فى العالم إلا مصر، حتى صار أمريكيا رغم أنفه، لكنه أمريكى معمم دون عمامة، وهو ما زال إخوانيا (ربما رغم أنفه كذلك)، وكان مازال لا ينادى أيَّا مِنّا الا بـ “يا مولانا”.

رحت أطيل الحديث عن تلك الليلة عّلنىّ أنسيه فراغ عيادته بعد أن كانت تعج بالمرضى، فهم لم يعلموا بعودته بعد، ويقول لى هل لاحظتَ أن أحدا من زملائنا هؤلاء ـ فى أمريكا ـ لم يتغير على الرغم من عشرات السنين، وأقول له إنهم لابد يقولون عنا مثل ذلك.

ويذكـّرنى حين كنّا فى نيوارك كيف راح احمد رشيد، صديقنا “الجلدى الجراح (جراحة الجلد أصبحت تخصصا حديثا!!) يحكى لنا ذكرياته فى قريته التى تعيش معه فى أمريكا، وكيف أن هذه الذكريات ظهرت نابضة، وكأنها جاءت معنا من مصر ليعيشها صاحبنا من جديد، ذكريات أثار بعضها أننا جلسنا معا فى تلك الليلة، فى بيت مضيفنا عاطف غندر، نأكل على الأرض، نغمس من طبق واحد، فجعل يحكى لنا أحمد منطلقا بلهجته ذات الرائحة الريفية الأصيلة التى لم تتغير، وكأنه لم يغادر قريته إلى المركز فضلا عن القاهرة، فأمريكا، يحكى بتصوير دقيق حتى كدنا نرى حكايته ماثلة أمامنا.

حكى أحمد رشيد ونحن جلوس على الأرض أنه ذات يوم وهو بعد طالب ثانوى، حين كان فى ساقية أبو شعره، وقد اجتمع (مثلما نحن مفترشين الأرض) مع أولاد عم له حول طبلية محدودة المحتوى، راح ابن عمه الأكبر ينهر أخاه هامسا أنه “ماتحـفّش يادسوقى”، ربما إكراما للضيف الذى هو صديقنا، أو توفيرا للطعام حتى يكفى الجميع، لكنّ أخاه ولا هو هنا، فيكرر الأخ الأكبر مغيظا أكثر: “ماتحـفّش يادسوقى”، ودسوقى يمضى فى مهمته بجد أكبر، فيهيج ابن العم الناصح المجامِل، ويهجم على البيض المقلى مشمرا ساعده ممسكا بلقمة طرية تكاد تزيد عن نصف رغيف حالفا أنه “طب علىّ الطلاق لانا حافف”، وتستعـر المنافسة بين دسوقى وإبن العم، أما ثالثهم ـ صديقنا أبو تيريك ـ فقد راح فى الرجلين ضحية هذه المنافسة التى لم يـُـدْعَ للاشتراك فيها، فلم يلحق شيئا مما فى الطبق.

كان أحمد رشيد يحكى لنا الحكاية وكأنه يعيشها الآن بكل تفاصيلها، ياه!! هو أحمد رشيد، مازال هو هو، رغم الزوجة الأمريكية والإبن الطفل “تيريك”، اسمه طارق لكن زوجته الأمريكية لا تسستطيع أن تنطقه إلا هكذا، فحذا حذوها وإلا ارتبك الطفل الذى لايعرف جملة عربية واحدة، وحين قلت له: إذا كان هو مازال هكذا كما هو، فلماذا لا ينزل مصر على مدد متقاربة، فيأخذ جرعات منشطة من هذا الوجدان الأعمق؟ فيضحك احمد ويجيب حاكيا أنه :

حين نزل فى المرة الأخيرة (منذ عدة سنوات) نزل فى بيته، بيت أمه، فى ساقية أبو شعرة (عادى)، وكان قد حضر بجواز السفر الأمريكى، فإذا به يعلم أن عليه أن يبلغ السلطات ، أى رئيس النقطة فى القرية !! (أو شيئا من هذا القبيل) أنه ينزل عند أمه، أو إن شئت الدقة: كان على أمه أن تبلغ السلطات بواقعة “إيواء أجنبى”، ويستمر فى الضحك مشيرا إلى نفسه “… أنا؟ على قبة فرننا؟ أجنبى؟؟!” ويسوى الأمور مع السلطات حتى لا تنزعج أمه، ويظل يحكى ويحكى وكأنه يريد أن يتأكد أنه مازال قادرا على كل هذه الطلاقة بالعربية، أو كأنه يفرغ مخزونا طال حبسه وراء أسوار لغة أخرى، ورموز أخرى (“يا”)…. (“يا”)… بتثقيل الياء وميل الألف قليلا!!)، وأسأله: “وهل تحلم يا أحمد  بالعربية؟، أم بالأنجليزية؟” فيسكت للمفاجأة، ثم لا يجيب، كأنه يدفعنى بعيدا حتى لا أعرّى نومه فى غربته.

يتدخل زميلنا “الاخوانى” شارحا: كيف أن الأنسان منا مهما طالت غربته “يامولانا” فهو معجون بماء النيل من تراب مصر، و (لهذا) فهو يطلب أن نبحث له عن عروس مصرية، وزميلنا الأخوانى فى سننا، (أوائل العقد السادس) ـ ونكتشف أنه لم يتزوج بعد، وما أن يعلننا برغبته فى أن نبحث له عن عروس حتى يضحك الزميلان المتأمركان، فندهش أنا وصديقى السعيد، ونتبين بالسؤال أن “مولانا” هذا لا يقابل مصريا يعرفه فى أمريكا، أو قادما من مصر، إلا ويمارس معه هواية أن يوظفه له خاطبة خاصة، ويا ويل من يأخذ المسألة جدا، لأن “مولانا” هذا لا يتعدى مرحلة نية الخطوبة أبدا، وهو لم يذهب حتى لمشاهدة أية عروس رشحت له، وكأنه لم يستطع بعد أن يزيل آثار العدوان الناصرى على وجدانه، وانتمائه، وأمانه، وآماله، فتقطعت حباله مع الوطن إلا من زيارة (تخفف عبء ضرائبه بادعاء المشاركة فى مؤتمر أو إلقاء محاضرة). كما تقطعت حباله مع أسرته الأصلية الأولى إلا من مساعدات مادية رمزية يرسلها بين الحين والحين، وأيضا تقطعت حباله قبل أن تبدأ مع أسرة مزعومة ينشئها فى خياله بمشاريع الخطوبة المجهضة، ومع كل الضحك والتذكرة بهروبه المتكرر، فقد أصر أن يعطينى عنوان أخيه فى القاهرة، فضلا عن تليفونه شخصيا فى أمريكا، لأتصل به فور عثورى على العروس، وكأنها فرصة ستسنح لتختفى، فأضحك بدورى بعد أن عرفت اللعبة المكررة، ويضحك سعيد وهو فى قمة معاناته ملء تاريخنا معا.

بدا  لى حينذاك كأن هذا اللقاء قد مسح المرض وأوقف زحفه، فضلا عن تخفيف الألم أو محوه، وأتمنى أن يتوقف الزمن عند هذه اللحظة، وألا نسافر، وألا نعيد الفحص، وألا نعالج، وألا نفكر، وألا نسأل، أتمنى أن نظل فى هذه اللحظة تحت تأثير المسكن الكميائى والذكرياتى معا حتى يأذن الله فى أمرنا جميعا، معاً.

ونتذكّر كيف تطرق الحديث تلك الليلة إلى أحوال زملائنا فى أمريكا، وأنكش أحمد رشيد أن يحكى لنا بطريقته عن نظام العيادات الجماعية التى يشارك فيها، وكيف قلب الأمريكان كل شئ إلى “أعمال” تجارية Business فيقول إن مصر هى أسبق فى شطارة رجال الأعمال بلا منافس.

 ويحكى لنا أحمد وكأنه ما زال فى ساقيه أبو شعـرة مهارة أول رجل أعمال أعجب به فى مصر، وتعلّم منه ما نفعه فى أمريكا. حيث الشطارة فى أمريكا هى رأس المال الحقيقى. يحكى أحمد:

هو بائعٌ طاهٍ عند حاتى الحسين، كان يتحايل بذكائه وحسن تسويقه أن يبيع الزبون (صاحبنا) ما يجعله لا يُرجع له باقيا من البريزة، فمحل “كل كبدة ومخ زين، واقرا الفاتحة للحسين” كان يبيع سندوتش الكبدة بستة قروش، ولكن رجل الأعمال الحسينى يظل يستدرج صاحبنا يغريه بإضافة بعض البطاطس المقلية، والحلويات السمينة، ثم حبة الطماطم هذه بالثوم والشطة التى تفتح نفسه وتستاهل فمه، المهم ألا يرد مليما من البريزة الصحيحة.

وأنبـّه أحمد معابثا أنى كنت أسأله عن رجل الأعمال الذى يدير عيادتهم الجماعية بالقرب من شيكاغو فإذا بنا فى سيدنا الحسين، فيضحك حتى يستلقى، فتهتز سلسلة ذهبية حول رقبته وهى تتدلى بشكل ظاهر من قميصه المفتوح حتى تلامس أثر جرح عملية القلب التى أجريت له منذ بضع سنوات، وأقول له إنى لا أستطيع أن أتصوره ـ وهو الرائق البال، السهل المعاشرة، المتجلى الضحكة ـ وقد أصيب بانسداد فى شرايين القلب (ذبحة صدرية!) لدرجة تستدعى هذه العملية، والا فماذا أبقى لأمثالنا من المهمومين المكتومين الحائرين، فيوافقنى ناظرا إلى صدره ضاحكا مخاطبا قلبه قائلا: “كسفتـِنـِـى الله يخيبك”، ويحكى لنا:

 إن المسألة لم تكن إنسدادا معـلنا، وآلاما وأعراضا مثل خلق الله المذبوحين صدريا، وإنما الأمر قد اكتُـشف بالمصادفة أثناء الكشف الروتينى، ذلك أنه بصفته شريكا فى العيادة الجماعية التى كنا فتحنا الحديث عنها، قد اعتبروه ـ شخصيا ـ جزءًا من رأسمال المؤسسة، وبالتالى عليه أن يتبع نظاما دقيقا للفحص الدورى حتى لو لم يشكُ من شئ، عليه أن يجرى الفحوصات المفروضة مثل أى اختبار لأى جهاز سوف يستعملونه فى العيادة الشاملة، كما أن عليه أن يجرى العمليات الجراحية المناسبة إذا لزم الأمر ليدخل إلى الشركة مضمونٌ عمره الافتراضى وكفاءته حتى لا يتعطّل العمل إذا ماحدث شئ كذا أو كذا، وأشعر ـ ويوافقنى ـ أنهم قد أجروا له هذه العملية من باب أن “الاحتياط واجب”، وأكاد أتصور أنهم قد جددوه، مثلما نغير الإطار الداخلى فى إحدى عجلات السيارة قبل أن ينفجر، مادام قد كاد يـُستهلك حتى لاينفجر فى مكان غير مناسب، فيوافقنى على كل ذلك، وعلى الرغم مما يبدو فى كل هذا الإحتياط من تقدم علمى وطبى، فإنى شعرت بأن المسألة كلها هى من باب “حسابات الجدوى” لصالح المؤسسة التى يعمل بها أولا وقبل كل شئ، وأن عمليات “الصيانة الآدمية” هذه لا تختلف بحال عن عمليات الصيانة لأى جهاز فى نفس المؤسسة، وأكاد أرفض ذلك وكأنى أفضل الموت وسط ود دافئ على أن أصبح هكذا مجرد جزء من آلة كبيرة يحافظون على حياتى لأن ذلك أرخص من وفاتى، التى ستضطرهم إلى شراء آلة طبية بشرية جديدة تملأ الفراغ الذى سأتركه، وأكاد أضبط نفسى متلبسا بهذه الشاعرية البدائية، وأنا أرفض أن يعتنوا بى كمصدر ربح للمؤسسة أساسا، أو تماما، كأنى أفضّل أن أموت بالصدفة على أن يصلحونى دوريا، أو يجددون ما هو معرّض للتلف فىّ قبل الاستعمال، قبل أن أتمادى فى الادعاء حتى أكاد أصدق نفسى ألتفت بإطلالة سريعة فألمح هذا الوغد الزاحف المتربص يطل من عمق عيون صديقى المترنح من الآلام، ألمحه يمتد وسط الضحكة العريضة، فأرفع كلتا يدى معتذرا مستسلما، وكأنى أعلن قبولى أن أكون ـ ويكون ـ قطعة غيار بشرية، نُصان كما تصان الآلة “لعل وعسى”. ترى هل يمنع ذلك من أن يزحف الموت إلينا وغداً يتلمظ؟ همست لنفسى بلا معنى مرة أخرى : لعل وعسى؟! أىُّ لعل وأىُّ عسى؟ إن مرض صدىقى لا ينفع معه احتياط ولا صيانة ولا “لعل”،ولا “عسى”، فالخلايا المغيرة ملتهمة متقدمة لا يوقفها ولا الشديد القوى، لم يكن بالإمكان عمل أى شئ فى أى وقت كان، قالها صديقى منذ عام وبعض عام حين اكتشف تلك الدائرة الغريبة قابعة فى أيسر كبده، اكتشفها بالموجات الصوتية بمحض الصدفة وهو يبحث عن احتمال حصوة ناحية الكلية اليمنى!!، وحينذاك وضع المسألة برمتها فى جملة مفيدة، ظلت للأسف هى الحقيقة الأولى والأخيرة فى كل ما جرى بعد ذلك، قالها بشجاعة الفرسان، وحكمة المؤمنين :

“هذا مكان خطير وتلك علامة دالة، فإن كانت المسألة حميدة فلا داعى للتدخل، وإن كانت غير ذلك فلا فائدة من التدخل”. وأكاد أسمع الخيام يصفه دون غيره:

 فاذا ساقى المنايا أوجبا:

 شربةً غصّت ومرّت مطمعا،

فأحسُ جلدا خمرة الموت الزؤام.

ومع ذلك: ما أن عاوده الألم عقب العيد الصغير الأخير، ثم تبين ما تبين، حتى عدنا نهتاج ونقول ونعيد فى ما لا يفيد، وأنه “لو كان كذا..لكان كيت” كلام فارغ فى فارغ، وتثبت الأيام أن رؤية صديقى الأولى هى الأدق، والأشجع، وأنه بقراره البسيط الشجاع ذلك، قد سرق من الزمن عاما وبعض عام، تهيأ فيه للرحيل، كما أحسن الوداع، لكن الضعف البشرى ينفخ فى العناد أمام عدو متفوق فى العدة والسرعة ووسائل الإبادة، ولا نتعلم من العجز، ولا نتعلم من الموت إلا قليلا، وحتى هذا القليل لا نطمئن إلى مدة بقائه فى وعينا، بما يسمح بتحرير سلوكنا، بما يتضمن هذه الحقيقة الراسخة البسيطة:

“الموت “حتم القدر”.. ونسيانه فى كل لحظة هو حتم البشر.

أفيق لأجد نفسى ما زلتُ جالسا فى عيادة صديقى الخالية فى شارع قصرالعينى، لكن الممرض يدخل معلنا حضور كشف، فأبتسم منصرفا، فيبتسم صديقى فاهما، (أنه: “ولو”، لنضحك على أنفسنا قليلا).

 أنزل على السلام المظلمة مفضلا ألا أنتظر المصعد.

السلالم قذرة. العمارة حديثة شارع قصر العينى.

 أطل علىّ فجأة وأنا نازل، وسط الظلمة والقذارة والرائحة القبيحة، كلٌّ من وجه ريجان الأمريكانى العارى من كل شئ، وكل تعبير، وكل نبض، وحتى كل تمثيل، ثم ماركوس الفلبينى تدفعه زوجته الجميلة فوق كرسى هزاز ملطخ بنزْف وروث، أى والله،  أهلوس أنا  مثل مرضاى!!!

هؤلاء الناس (ريجان وماركوس وأشباههما) ألم يبلغهم نبأ ماهو الموت، مع أنهم ميتون الآن أو بعد باكر، فإن كان بلغهم، فلماذا هذا؟ وإن كان لم يبلغهم، فكيف؟

أسئلة طفلية، وبديهيات ردودها جاهزة والعظة فيها شكلها حسن لكن يبدو أنها ـ من كثرة تكرارها على منابر المساجد والكنائس وفى محفوظات المدارس والدعايات الانتخابية قد أصبحت ديكورات للحياة الدنيا، وليست الوسيلة الأولى لتغيير الحياة كلها وتطوير الوجود،

أى قانون تطورى جديد يحكمنا الآن؟ “البقاء لمن؟”: للأقوى (ذريا)، للأنفع (يهوديا)، للأسبق (استغلالا)؟ البقاء لمن؟ وهاهم: ريجان، وماركوس، وشارون، وديفاليرا يعيشون “جدا”، فى حين أن الموت يقترب من صديقى دون سائر الناس،

أضبط نفسى متلبسا بالنظر فى البديهيات القديمة، مثل طفل يتعرف على الدنيا الماثلة بعيون متجددة، نفس الآفة القديمة. يعاودنى هذا التسأول المزعج:”لماذا يعيشون؟” بالنسبة لأولاد الخنازير  هؤلاء يبدو السؤال معقولا، إلا أنى أذكر أنى عشت نفس التساؤل فى ظروف أخرى، غريبة ومرفوضة.

ذلك أنه مر على حين من الدهر، فى فترة غرور الفتوة وتصور احتمال تحقق الحلم، كنت فيها أسأل نفسى هذا السؤال عن الناس العاديين ممن لا أرى لحياتهم معنى أفهمه أنا بحساباتى الواضحة (التطورية والعياذ بالله!!) وكأنى موكل بدراسة جدوى استمرارهم لصالح أفكارى (هل تذكر راسكولينوف فى الجريمة والعقاب؟)

 وكان لى صاحب آنذاك (طبيب نفسى أيضا) ينبهر لما أقول، رغم أنه يرفضه فى البداية، ويناقشنى فىه بحماس شديد، لكنّه اذا اختلى إلى نفسه صدَّقنى، فراحت أفكارى تتردد فى وعيه بلا إستئذان، فيذهب يتساءل بدوره: لماذا يعيش هذا؟ ولماذا لا يموت ذاك؟ وتزداد المصيبة حين يطلق السؤال عشوائيا فيصيب صدفة أحد أقربائه من الوادعين فى الحياة ممن يبدو عليهم أنهم أقـفـلـوا حساباتهم مبكرين، فأخذوا يدورون فى محلهم فى رتابة مستسلمة، واذا بصاحبى “المقتنع” هذا يراهم بمنظار أفكارى فيكتشف أنهم “مستمرون بلا داع”، وكان يعود إلىّ ثــائـرا علىّ، لاعنا يوم عرفنى ويوم سمع منى، ويوم صدّقنى، فأعتذر له مؤكدا أن تسأولاتى هذه لا تعنى الرغبة فى التخلص من هؤلاء الذين حسبَهم “زيادة عدد”، ولكنها مجرد تساؤلات خائبة، تعلن عجزى عن فهم قوانين الحياة الأعمق، بدليل ـ مثلا ـ أنى لا أدرك فائدة دولة النمل المهـولة، ولا أعرف أسرار عالم القنافذ، وإن كنت كثيرا ما أشعر بالزهو أنى أنتمى إلى نفس الوجود الحيوى الذى ينتمى إليه الفيل والدرفيل وحمام الزاجل والنورس، لماذا؟ لست أدرى، إذن فهى تساؤلات عجز تطلع منى بصوت مسموع، لكنها أبدا ليست مواقف رفض أو تبريرات قتل.

قد حدث أن ضبطت نفسى متلبسا وقد انطلق منى هذا السؤال يدور حول مغزى حياة “من لا يتطور”!!، كان السؤال يحوم حول خالتى، هى أمى الثانية، أو الأولى، حملتنى ـ على كتفها ـ وهْنا على وهن، وقد عاشت وحيدة بلا ولد ولا زوج بعد أن طُلقت وأنا فى الرابعة عشر، ولم تقبل أن تواصل حياتها معنا فى بيت أمى على الرغم من أن أمى هى شقيقتها الوحيدة، ذلك أنه “يادارى ياستر عارى يا منيّمانى للضحى العالى”، وقد تعلمتُ منها فى مسألة الحياة والموت ـ فى كِبَرى ـ أضعاف ما تعلمت أى شئ من أى أحد فى صغرى. كانت علاقتها بأشيائها ـ مع عدم وجود هدف مقنع ـ غاية فى الدلالة:

كان من بين أشيائها التى انتقلت إلى بيتنا مؤقتا بعد طلاقها “بوريه” (أو “بوفيه”، والفرق ليس واضحا عندى)، وكان موضوعا فى “طرقة” ضيقة أثناء إقامتها  لبضعة شهور عندنا فى مصر الجديدة بعد طلاقها، وكان وجهها يتغير غاضبا إذا لمسنا هذا البوريه أثناء مرونا، وكأننا بلمسه سننتقص منه شيئا، وكانت تغطيه بملاءة قديمة نظيفة تتصور أنها تحمى البوريه من تأثير مستطيل الشمس الصغير الذى يصله مترددا قادما من شباك مواجه، ثم تظل تحرك الملاءة مع حركة مستطيل الشمس طول النهار، وكأنها تخشى عليه أن تصيبه ضربة شمس. كنت أحيانا أرجّح أنها ربما تستعد لبداية جديدة مع زوج جديد، وأن هذا هو رأس مالها، ولكن السنين مرت بعد ذلك بالعشرات، ولم يتحقق شئ من هذا، ولا أنا لاحظته حتى فى خيالها، وهى لم تتغير إلى غير هذا، بل ازدادت تعلقا “بالأشياء” حتى نهاية النهاية، وكنت أتساءل فى كل مرة أزورها: لماذا؟ وحتى متى؟ وحين شغـلتنى الدنيا عنها فتباعدت زياراتى لها إلى كل عدة شهور، ظلت هى مستمرة كما هى، وحيدة عنيدة، تعيش صلبة فى دائرة واضحة المعالم بالنسبة لها، أما بالنسبة لى، فكانت دائرة غامضة مثيرة للتساؤل القبيح، كانت حياة مشكوك فى جدواها ومعناها، أحيانا أسمح بإعلان هذا القبح لنفسى، وأحيانا أضبطه متلبسا وراء باب وعيى الظاهر، بدت لى حياة بلا مبرر:، فلا صاحب، ولا ولد، ولا هدف من الأهداف التى حسبتُ أنها مبررات الحياة (فلا تطور!!) . كانت لا تحب أكثر من أغنيه أحلام “ياعطارين”، كما كانت تعلق فى حجرة الاستقبال التى تعتنى بها وكأنها فى انتظار رئيس الديوان، كانت تعلق فرخا كبير من الورق لست أدرى من الذى كتب لها  عليه البيتين الشهيرين “سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبرى، وأصبر حتى يأذن الله فى أمرى، وأصبرحتى يعلم الصبر أننى، صبرت على شئ أمر من الصبر” مع أنها لم تكن تقرأ أو تكتب. كانت أحيانا تطلب منى أن أقرأ لها المكتوب، وكأنها لم تسمعه من قبل، فأفعل، فتهز رأسها ولا تبكى، أنا لم أرها تبكى أبدا، كنت أسترق السمع لما يشبه العديد تردده وهى تعطى وابور الجاز نفسا قائلة:

“أهمّ ما اقدْر اهم أكنى جمل تقل علىّ الحمل”،

ثم تواصل فيما يشبه الغناء

“وانْ حمّلونى حمْل الجمال الحمْر، الحمل أشيله بس الكلام المُرْ

وانْ حمّلونى حمْل الجْمال البيض، الحمل أشيله، بس الكلام يكيدْ”.

 لم أستطع أن استوعب لـِمَ كل هذا الصبر والاصرار والتحدى، لمِنْ، لماذا؟ إلى متى. ما أغبانى، ما كان أغبانى. ما أغبانى! أنا مالى؟

وحين كنت أزورها بعد غيبة، كانت تستقبلنى بنفس البشاشة والسماح، وكل ما تقوله من لوم ٍمحب أنه “إخص عليك” فأتصور أنها تعاتبنى على تقصيرى، لكنها تسارع وتكمل:  “ما جبتهُمش ليه؟” فأعلم أن هذا “الإخص” يعود على عدم إصطحابى لأولادى وليس على تأخرى عنها، فأخجل خجلا لا ينفع، وأتبيّن الفرق بين كرم سماحها، وبين نذالة نسيانى، وأتساءل لماذا لا يتآكل إلا الوقت المخصص لصلة الرحم، وهى لا تنفك تدعو لى بالسلامة حتى مع الهجر اذ تهمس لنفسها بصوت أسمعه “قساوتهم ولا خلو بيوتهم”، على الرغم من ذلك كنت أضبط نفسى وأنا أجلس معها، أو  وأنا أتابعها وهى تتحرك بصعوبة مستندة الى عصا معوجة قديمة قد أثبتت فى أسفلها قطعة من الكاوتشوك البالى، تتحرك وثدياها المتضخمان جدا (طول عمرها) قد تدليا يخبطان فى بعضهما البعض حتى يخيل إلىّ أنهما قد يثنيان جذعها للأمام حتى يعوقا السير أكثر، كنت أتساءل بالرغم منى (ويا لخسة التساؤل): “لماذا تعيش خالتى هذه بحسابات “التطور؟” ولماذا تبدو وكأنها تحمل رسالة عظيمة معقدة هادفة وأنا لا أعرف عن رسالتها تلك شيئا، لكنى كنت أرجّح فى النهاية أنها رسالة كأعظم ماتكون رسائل الوجود، رسالة تضمّنها كل بريزة تخبئها فى طيات ثوبها، وكل وعاء طبيخ متناهى الصغر تطبخ فيه ما يكفى حاجة شخص واحد، حتى أنى حين كنت آكل منه كنت أتصور أنى عدت طفلا ألعب لعبة البيوت مثل زمان، وكلما ازدادت علاقة خالتى بالحياة توثقا، زاد تساؤلى الخسيس هذا إلحاحا، وأحيانا أجد لتساؤلى إجابات رائعة: مثل أنها “ربما تعيش لتدعو لى أنا وأولادى”، فأضبط نفسى صاحب مصلحة ذاتية فى كل شىء، حتى فى استمرار حياتها.

يا ذا العيب. أنتبه بقوّة إلى خطورة مثل هذا التفكير البدائى الذى يبدو أنه متغلغل فى تركيبنا الحيوى منذ كانت الحياة تتخلص بمنطق عشوائى من كل ضعيف أوعاجز أوعالة. ترى ماذا فعلنا بهذا التركيب القديم، هل يكفى أن ننكره ونتمادى فى التظاهر بعكسه؟ أم أن ثم سبيل آخر لتحمّل مسئولية تطورنا بشرا بالاعتراف به  ثم احتوائه. وأخفف من غلوائى فى محاولة البحث عن غاية ـ أعرفها ـ من كل حركة وسكنة وشخص.

 كم كنت أدور حول نفسى معاقا بهذا المستوى من النفكيـر، قال ماذا؟ “التطورى!!” كنت فى غرور الفتوة لا أستطيع كبح جماح هذا الفكر ناسيا عجزى أمام معرفة غاية أبسط الحيوات، فماذا عن غاية طائر البومة، أو حية الكوبرا، أو دودة البلهارسيا، أو فيروس الايدز؟ وكم حمدت الله أن حب خالتى لى، ودعائها لنا لا يتأثر بهذه البلاهة الفكرية التى تدور حول معنى حياتها “التطورى”، والأهم من كل هذا أننى كنت ـ ومازلت أحب خالتى هذه ربما أكثر من أى شخص آخر.

أذكر أن والدى نفسه كان أحيانا ـ حتى فى شيخوخته ـ يتساءل مثلى، حول هذه المسائل وإن كان تساؤله كان ينعكس على نفسه أكثر مما يصيب غيره، فكان أحيانا يجاذبنى الحديث حتى نصل إلى أن يسألنى:  “وأنا.. لماذا أعيش بعد الآن؟ ـ وحين أدعو له بطول العمر يعاكسنى مداعبا أنه “يحق لك، إذ أن كله مكسب، ألستُ “خوليا” زراعيا لكم بدون أجر؟” ـ ولكن ما أن يقترب الموت من أبى حقيقة وفعلا حتى يتشبث بالحياة كما لم أر مثل ذلك من قبل.

حين حَجَبَتْ مضاعفات مرض السكر مناظر الدنيا عن عينيه، ثم حجب التهاب الأذن الوسطى المزدوج أصواتها عن أذنيه، رحت ألازمه فى محنة عجزٍ تغلغلت آثارها فى كيانى حتى النخاع، ثم تصورتُ أنها تضاءلت مع مرور السنين، لكنى ضبطت نفس المشاعر تعود بحجمها وأنا بجوار صديقى الراحل، فى رحلتنا هذه،

جعلت أواكب صديقى نفس مواكبتى لوالدى معايشا العجز والخيبة أمام قهر المرض فى الحالين، لكن والدى كان قد حبسه عجز الحواس عن التواصل مع العالم، مع تمام صحته البدنية فيما عدا ذلك، أما صاحبى فهو تحت وطأة غول ورمٍ زاحف ملتهم، ويكثف المحنة فى الحالين أن كلا منهما ظل ذهنه متوقدا متسائلا، حاضرا، عابدا، شاكرا، على الرغم من العجز الطبى والألم الزاحف، والسجن الحسى جميعا.

أذكر بعد انقطاع المواصلات مع العالم عند والدى بفقد سمعه وبصره أنه حبس صوته عن الكلام ظنا منه أنه ما دام لايرانا ولايسمعنا، فنحن كذلك، لكن ذهنه يعمل بنفس الدقة والحدة، فراح يتفاهم معى بالكتابة بسبابته، وأحيانا بمؤخرة قلم، على بطن يدى، فأشفقُ أن أذكـّـره أنه ما زال يستطيع أن يتكلم، فأرد عليه، بدورى، كتابة على بطن يده، حتى كدنا نتفاهم رويدا رويدا باللمس.

ثم أُجريت له عملية تزيح الصديد المتجمد فى أذنه الوسطى، فعادت إليه حدة سمعه فجأة بعد العملية، فراح يتكلم  وهو يكاد يطير فرحا حتى أنه لم ينم طول الليل، وظل يحكى لنا، أنا وأخى أحمد (أكبرنا)  الحكاية تلو الحكاية، ويتندر على رجل كان بمثابة عمٍّ له،  كان يبيت ذات ليلة  بجوار “الحلـزونة” ليحرس البهائم بالتناوب مع عامل أصغر، وحين سمعا صوت “شخشخة” بين عيدان الأذرة، راح العامل الأصغر يسأل “سامع ياحاجّعْـلى” (حاج على)، فينكر عم والدى فى إصرار، ويؤكد أنه لم يسمع شيئا من أصله، لكن “الخشخشة” تعود، فيكرر العامل السؤال، ويكرر الحاجّعْـلى الإنكار، حتى يفيض بالسائل الغيظ فيصيح “.. ما تقوم تشوف فيه إيه ياحاجّعْـلى، ولامش راجل” ـ ويبدو أنه فى جوف الليل يمكن لـلواحد أن يتحلى بشجاعة من نوع خاص، شجاعة إعلان الخوف مثلا، إذ ثار الحاجّعْلى مدافعا عن حقه فى الخوف والدفء معا، فراح يعلنها بصراحة، أنه: “مرة ابن مرة، ولا إنى إتحرك من تحت الدفية، واللى فْ قرنك انفضه يابن بهانة”. ولا أتبين ما مناسبة أن يحكى لنا والدى هذه الحكاية بالذات فى تلك الليلة بالذات، ولكنى أضحك معه، ويضحك أخى الأكبر الذى كان يشاركنى صحبة والدى تلك الليلة، نضحك، كما لم نضحك أبدا. كانت هذه الحكاية آخر ما حكى والدى ، ما دلالة ذلك يا ترى؟ أرجح الآن أنه لما سمع أصواتنا بعد طول حبسها عنه وراء حاجز الصديد المتجمّد قفزت الى ذاكرته حكايات الأصوات، بدءا بالخشخشة بين أعواد الأذرة، أو لعله بحكايته تلك كان يبرر شجاعة الاعتراف بالعجز، ولا ننام ثلاثتنا من الفرحة منتظرين الغيار الأول بعد العملية كما وعد الجراح.

 كنت قد علمتُ بوصفى طبيبا  أن ثم تمزقا قد حدث أثناء العملية، تمزقا فى غشاء الأم الجافية المحيطة بالمخ، وأن ثمة كمّادة قد حُـشرت فيه حتى لايتسرب السائل النخاعى المحيط بالمخ، وأنّ قرار رفع هذه الكمادة متروك للجراح الكبير الأستاذ الدكتورعلى المفتى الحاذق المشهور، بعد أن يطمئن إلى التئام التمزق، أو حسب ما يرى، وقد رأى الجراح فى الصباح ابتهاج والدى لاستعادة سمعه، وتعجب حين انبرى والدى يناقشه فى السياسة. والدى كان يعلم علاقه د. على المفتى الطيبة بعبد الناصر، وعلاقة المرحوم أخيه أنور المفتى من قبله، ويواصل د. على الحوار فرحا بنجاح العملية معجبا ببداهة والدى وحجّتـه، مستبشرا خيرا بالحوار السياسى مع والدى رغم اختلافهما (!!)، ثم يجرى الغيار فى حجرة العمليات وما أن تـُزال الكمّادة حتى ينسكب السائل النخاعى فجأة بما لم يتوقع أحد، فيغفو والدى، فينام، فيغيب، ولا يصحوا أبدا.

يمر اليوم فالليلة، فاليوم والليلة وأنا بجواره أتصور فى كل لحظة أن الجرح سيلتئم، وأن السائل النخاعى سوف يتجمع من جديد، وأن صوته سيعود يحكى لنا الحكاية، تلو الحكاىة، كما بدا فى تلك الليلة الأخيرة، كنت وأخى ليلتها مثل طفلين يجلسان بجوار أبيهما يسمعهما حدوتة المساء، يسمعانها بشغف متجدد ولو كانت نفس الحدوتة، علما بأن أبى لم يحك لنا أطفالا حواديت أصلا، لكنه كان كثير الحكى لنوادره مع زملائه المدرسين فى المدرسة وخاصة إذا زين النادرة بشعر مرتَجل.

مازلت أذكر هجاء زميله الشاعر لزميل آخر معمم علّـق على معاهدة استقلال مصر سنة 6391 بأنها (مصر) ليست أهلا للاستقلال بعد، فقال زميل والدى الشاعر فى ذلك الشيخ الساخط على الاستقلال هجاء ما زلت أذكره بحروفه، قال:

خرِف الشيخ فَضَلاَّ     رام يعلو فتدلَّى

ماله وهو ابن مصر     ساءه أن تستقلا

مـــن لرجلى بقفاهُ      إنه يصلـح نعـلا

ويـُعجب أبى بالصورة الصارخة فى البيت الأخير، وأستنطقه ـ فى غيبوبته ـ أن يكمل لنا ما بدأ، ولكن شخيره ينتظم أكثر، فأنظر بتركيز خاص إلى موضع التمزق عله يختشى ويلتحم، فإذا بى ألاحظ شفتى أبى تتحركان برتابة وهو فى غيبوبة تتفاقم، لكن شفتاه تتحركان كما كان حين يستغرق فى عبادته، وقراءة ورده.

كنت أعلم من علمى الطبى أن القشرة المخية قد توقفت عن العمل بعد هذا الارتجاج وسكب السائل النخاعى فجأة، الا أنى كدت أميـّز ألفاظا معينة من بين شفتيه رجحت أنها “وامتازوا اليوم أيها المجرمون” فأتيقن من أن ما يمر بشفتيه الآن هى سورة يس، يتلوها بجذع مخه ليس إلا، والمحاليل المعلقة تساقط نقاطها نقطة نقطة كأنها المسبحة تنظِم ورده اليومى، وأجد نفسى وحيدا معه فأدعوا الله ألا يفعلها وأنا بجواره وحدى هكذا، لماذا؟ لست أدرى.

 أرجّح بعد مدة أنى ربما قد خِفت شعورا بالذنب نتيجة لعجزى!!، أو أن يتقمصنى لحظة انصرافِه دون اختيارى، أو أنى كنت خائفا من مواجهة صائدٍ ماهر مجهول يتربص بنا ولا أريد أن أعرف عنه أكثر من نتاج قنصه (الموت).

حقق الله رجائى. فى صباح اليوم الثالث، جاء أ.د. عبد المنعم حسب الله يتابع إفراز الكلى، وبينما هو ينظر إلى كمية البول المتجمعة أسفل السرير ليطمئننى، كنت أنا أنظر الى حركة نفس والدى.  وفجأة أقول له:”لكنّ نَفَسَه”، فيرفع أ.د. عبد المنعم رأسه ويعتدل بسرعة، يمسك بيد والدى، تتحسس أصابعه نبضه، ينظر لى بطيبة حقيقية.  “البقية فى حياتك”.

 أية بقية؟ بقية ماذا؟ 

أتذكر كل ذلك وأنا أجلس بجوار صديقى فى غيبوبته، أنظر فى نفسى فأجدنى أكبر سِنا، وأكثر خبرة، وأعرف مصيرا، ولكنى أيضا أكثر طفولة، وأخيـَب تساؤلا، وأبهر اندهاشا، وأعنف رفضا، أتساءل: لماذا لا يستجيب الـله لدعائى لصديقى؟ ولدعاء ابنتيه وزوجته؟ ولدعاء مرضاه؟ ولدعاء راعية الغنم العجوز التى تعمل فى بيته محتمية به من نفسها والناس، وهى لا تعدو أن تكون  قطعة من الفطرة لم تتشكل؟ لماذا؟

فإذا كان الله سبحانه لا يستجيب لكل هذا الدعاء فكيف نحسِبها إذن؟

ما هى المعادلة التى قد تحل لنا اللغز فيـما بعد مدى رؤيتنا؟

لماذ يطلب منا أن ندعوه، أستغفر الله، لماذا لا نعرف تلك الحسابات حتى نسلك الطريق الصحيح إلى اليقين، واذا كان والدى قد أنهى مهمته فسَتَرَنَا، وزوّجنا، وقام ليلهُ، وقرأ وِردهُ، وحكى حكايته، ودعى ربـَّهُ، ثم مضى، وإذا كانت خالتى قد عاشت بلا ولد ولا هدف (ظاهر لى)، ثم راحت بهدوء كما تمنت تماما، فلماذا يذهب صاحبى “هذا” الآن “هكذا” وهو فى قمة عطائه، وبداية جنيه لعائد تعبه ولشقائه، وهو فى تمام نضجه، وشدة حاجة الناس لعلمهْ؟

 لماذا الآن؟ ولماذا هكذا؟

وأضبط نفسى وقد مـُلئت بــ “لماذات” كثيرة، ولا أعرف لمن أوجه التساؤل: للموت؟ أم لخالق الموت والحياة؟ بل إنى ذات مرة ضبطت نفسى وأنا أوجهه لصديقى  الراقد فى غيبوبة الموت،  وكأنى أعاتبه لأنه يتركنا فيقسو علينا ـ هكذا ـ بذهابه، وأتذكر رثاء كتبته فى صلاح عبد الصبور، وقد التقيت به صدفة قبيل وفاته بساعات فى برنامج عن مسلسل “أديب” طه حسين، قلت أعاتبه.

“.. وحين تقسو إذ تموت وحدَك، تفرّقتْ قوافلُ الكلام،

 ماعاد يجمعها حداؤك الحزين”،

هل حقا أن حزننا على فراقهم هو احتجاج على انسحابهم؟

هل حقا نحن نتمنى ـ كما نزعم أحيانا مولولين ـ أن نغادرها معهم؟

وفى الحالين: أليست هى الاعتمادية عليهم هى التى تهوّل لنا ما سينقصنا بعدهم؟

وما ذنبهم هم يستمرون من أجلنا إذا كانوا رضوا أن يتوقفوا ها هنا؟

ولكن هل هم رضوا حقا؟

 ثم إنى أحسب أنها ليست كذلك بالضبط، فهناك جانب يقول: إننا نعاتب ونحتج ونهم بالرحيل معهم رغبة فى أن نستمر معا بغض النظر عن “من” يعتمد على “من”، أما سؤال “لماذا؟” فيبدو أنه أصيل فى علاقتنا بالرحيل الأخير، نقوله فيما يشبه الفلسفة أو التفلسف، ونقوله فيما يؤدى الى مزيد من التسليم للايمان بالغيب، ويقوله عامة الناس بغير التفكير فى هذا وذاك.

حين كنا أطباء مقيمين فى منزل نواب المنيل (59/1960) (صديقى وأنا ومضيفنا عاطف غندر فى أمريكا وآخرين)، كان المنزل يقع بالقرب من المشرحة، (مشرحة قصر العينى الشهيرة!! أقيمت مكانها ومكان منزل النواب هذا  كلية طب الأسنان الجديدة) . كنا نستيقظ على نداء منغم “ودا كان ليه؟ ودا كان ليه؟”  ثم يعلو النداء تدريجيا حتى يطغى على أرضية العويل والنحيب والصوات، نفس التساؤل “لماذا؟ لماذا؟” رحنا فى البداية نتشاءم  من النواح وخاصة أيام الامتحانات، حيث كنا نتطير من هذا العديد هكذا على الصباح. خاصة أيام امتحانات الدبلوم، ثم أخذنا نعتاده، ثم نستأنس به، ثم نستعمله فى مداعباتنا موجهين الإشارة والمحتوى إلى غير أصله، “ودا كان ليه: هذا السؤال الصعب فى غير المقرر”، “ودا كان ليه: ذاك الممتحِن السمِج المتحيز”.. ودا كان ليه: لـلزميل الذى أحب ولم ينل الوصال (اللى حب ولا طالش) وهكذا رحنا نألف الموت وأهازيجه حتى نسينا مغزى السؤال، وحتى المشاعر المواكبة لأهازيج الموت وعديده لم تعد تؤثر فينا، وربما كان لمهنتنا دور فى هذا التعود (أو التبلد) ومع ذلك فما أن نواجه الموت شخصيا حتى يبدوا لنا حدثا جديدا ليس كمثله شىء

 وهل أفعل أنا الآن مع صديقى حين أتساءل “لماذا؟”، هل أفعل أكثر من نسوة المشرحة وهم يردون “، دا كان ليه، ودا كان ليه؟”.

وأكتشف أن خطابى إلى صلاح جاهين حين عملها هكذا، كان كله عتابا ورفضا لموته، أكثر منه حزناً لفقده. كان عديدا لائما، رحت أقول له:”

يا صلاح، كان لسه؟

ماقدرتش تشرب شفطة كمان من ألم الوحده

ياصلاح مش بدرى؟

طب حتّه، طب حبّه، طب لأّه…..

كدهه؟ آه يانى.

طب روحْ.

لأ لأّه، ماتروحشى.

إزاى؟

ماعرفشى.

علاقتى بالموت والموتى ليست جديدة علىّ، كذلك حوارى معهم، فقد انتقل والدى بنا من منزلنا الكبير ذى الثلاثة أدوار فى داير الناحية فى قريتنا الى حديقة فى أطرافها أو بعد أطرافها تقابل المقابر مباشرة، فكنا لاندخل ولا نخرج الا ونحن نمر على “السابقين” الصامتين دون أن نتذكر أننا “نحن اللاحقون”،

ظلت هذه المقابر تمثل عندى مصدرا للتخويف من الأرواح حتى أصبحت مصدرا للحصول على عظام للدراسة عليها حين لزم ذلك فى السنتين الأولى والثانية فى كلية الطب، وكم أمسكت بجمجمة قريبٍ لى (لا بد أنه قريبى بشكل أو بآخر.. اليست جمجمة من بلدنا؟) أحاورها، وألومها على صمتها، وأحاول أن أكتشف سرها، وما يقال بشأنها، ثم أنسى كل ذلك لأحفظ ماذا يمر فى الثقوب المرصوصة بقاعها من أعصاب وأوعية “لزوم الاستعداد للامتحان”.. وتضيع معالم الموت تماما ولا تبقى إلا ثقوب وخطوط لزوم النجاح فى علم التشريح.

 كيف ننسى الموت؟

بالتعود فقط؟، و هل نحن نتذكره أصلا؟

 نتذكره بمعنى أن نربط حقيقته (أم الحقائق جمعيا)، بالفعل اليومى؟ نربطها بطعم الحياة؟ بنوع العلاقات؟ بإعادة الحسابات؟ بالتغير الواجب؟ هذه وحدها هى “الذكرى التى تنفع المؤمنين”، فلابد من إيمان، ولابد من نفع إن كان لـلذكرى أن تصبح فعلا يوميا لا اجترارا، ولا احتجاجا، ولا سخطا، وهنا فقط (حين تصبح الذكرى فعلا) يمكن أن يكون هذا النوع من الذكرى اختيارا: “فمن شاء َ ذكره”.

أقف طويلا عند الآية السابقة مباشرة، وعند “كلا” بالذات “كلا إنها تذكرة” وأصر أن الضمير المتصل فى “ذكره” يعود على الموت وليس على التنزيل (القرآن الكريم) كما جاء فى بعض التفاسير، ثم أنظر فى “من شاء”، وأكتشف أننا حتى نشاء: لابد أن نستطيع، أو أن نتوهم أننا نستطيع، ولكن كيف نستطيع مع استمرار المسيرة هكذا بنفس الزحمة وملاحقة التفاصيل، لهذا فنحن لا نشاء إلا أن يشاء (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) وهو لا يشاء بالنيابة عنا، بل إن وعينا باتجاهنا إليه ـ حقا وصدقا ـ لابد أن يغير من حسابات هذه الدنيا، إذ يبطئ من دورة اللهاث، كما يحسن توجيه عائد العمل، فهى مشيئتنا فى النهاية إذ تتضفر مع مشيئته، فلا اتكال، ولا غفلة، ولكنها حسابات إيمانية أخرى لو أنها تنعكس على فعلنا اليومى.

يبدو أننا الآن نعيش حياة أخرى، نحن بشر آخرون، “لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر” فمتى نشاء أن يشاء لنا فنشاء؟ لا أحسب أن هذا ممكن فى خضم حياتنا الغربية المستوردة هذه، والمغلفة بقشرة دينية اغترابية تجعل من تذكرنا للموت تبريرا للغم، أو ديكورا يقوم بتركيبه خطباء الترهيب والترغيب، يبدو أننا قد اكتسبنا قدرا من مسلمات الوعى يمكن أن يلغى أى “تذكرة” حقيقية”، يحدث ذلك تحت كل الظروف، حتى ونحن نحاول أن نعمق التذكر بحضور عيانى.

فعلتْ ذلك خالتى مرة معى دون قصد، أرتنى علاقتها بالموت محسوبة مجسّدة، استقبلتنى ذلك اليوم ووجهها أكثر إشراقا وبشاشة عن كل مرة، ولم تذهب البشاشة حين اكتشفتْ ـ كالعادة ـ أنى لم أصطحب الأولاد، فعلمتُ أن ثمة ما يـُفرحها ويشغـلها عن توجيه “الإخص عليك” المعتادة، وفعلا.. أخذتْ بيدى وهى تتكئ جزئيا على ساعدى وتقول “تعالَ أطمئنك على خالتك” فقد حلمتُ، أنك مشغول بى،منشغل علىّ، وكانت تعامل أحلامها مثلما تتعامل مع حقائق حياتها، سواء حلمت فعلا أم نسجت الحلم بعد استيقاظها دون أن تدرى، فأدخلتنى إلى الصيوان الذى لا يُـفتح إلا فى المناسبات، وأرتنى لفة لم أعرف ما بها وماذا تعنى لأول وهلة، وجعلتْ تفكها وترينى: قماشا ثمينا، ومنشفة، وصابونة، وزجاجة رائحة ولفة قطن. .و..و..، “ما هذا ياخالتى”؟ كفَنِى ياحبيبى والحمد الله، لم أترك شيئا إلا جهزته، حتى أجر المغسِّلة وضعته فى ثنايا ثوب الكفن ـ أنظر، حتى لا أكلف أحدا شيئا”. فـينـقبض قلبى غما فى حين أن وجهها يزداد إشراقا، فأتعجب: هل أنا الذى أتصور أنى أعرف كل “هذا” يكون تفاعلى “هكذا”، وهى الحريصة على كل أشياء الحياة بلا هدف أو رؤية (بحساباتى التطورية الخائبة!!) يكون هذا هو موقفها؟ أهذا هو إيمان العجائز؟ يارب، خابت حساباتى، ويبدو أنها كانت خائبة دوما، لك العتبى حتى ترضى “فمن شاء ذكره”.

كيف أذكره أكثر من هذا وأنا جالس أراقب الصراع الجارى بينه وبين الحياة، ونَـفَسُ صاحبى يتردد بلا انقطاع ضد كل توقع وحساب.

كنت قد أوقفتُ أية محاولة غبية تجرى لإطالة ما لا يطول من عمر صديقى، رفضت الانسياق وراء عواطف خائبة (تبدو طيبة عادة!) رافضا اللعب بجسد غال ضد إرادته الحرة، أو ضد نصيحة العلماء الأطباء، الذين هم كذلك، فمنذ أن كنا فى بوسطن قال لى المتخصص فى العلاج الكيميائى لهذا المرض ” لو أنى مكانه ما أخذت إلا المسكنات، “منذ ذلك الحين وأنا أعتبر أن أى تدخل عاطفى، لمجرد تخفيف الشعور بالذنب ـ ذنبنا نحن ـ هو إهانة لا يبررها علم أو خلق، لذلك قررتُ، ومنذ البداية، ألا أفعل له إلا ما يطلب هو، وهو الطبيب الحاذق، وقد رضىَ أن يأخذ علاجا كيميائيا المرة تلو المرة، على أساس أننى أخفيت عنه ـ أو هكذا تصورت ـ تفاصيل التفاصيل، أو على أساس أنه فوق كل ذى علم عليم، أو على أساس أن يتـدرج الأمر حتى تتحمل عائلته ما سيحدث. . نعم. . ولكن. .. للمحاولات الخائبة حدودا، وحين توقفنا عن امتهان الجسد، تجسد العجز أكثر فأكثر، وتبينتُ الفرق بين خبرتى هنا، وخبرتى مع والدى حيث كنت أواصل تعليق المحاليل له أملا فى رتق التمزق فى غشاء المخ ليتجمع السائل النخاعى من جديد، ثم من يدرى، أما هنا. . وقد انتشرَ ما انتشر، وانسد ما انسد، والتهم ما التهم. . فالحمد لله رب العالمين.

وحين يكون الانتظار هو كل الفعل الممكن. . تكون الحوقلة (لا حول ولا قوة إلا بالله) هى الذكرالواجب.

ويصاحبنى فى داخل حجرة ” الانتظار ” صديق لكلينا،اسمه  أحمد الدواخلى، ليس طبيبا والحمد لله: هو رجل فحل الإيمان، أبيض القلب، حاضر الوجدان، غامر الوعى، رقيق الحضور، أتعلم منه فى كل مقابلة شيئا جديدا، شيئا أرجو ألا أنساه، هذا ” إن شئت أن أذكره ” وكان هذا الرجل الأبيض دائم الدعاء والتلاوة، لا يفتأ يكرر مخاطبا المحتضِر: “اللهم سهل أمرك يا السعيد، اللهم طمئن قلبك ياالسعيد، اللهم هدئ سرك يا السعيد ” ثم يكرر الدعاء مرة أخرى دون ذكر اسم صديقى، فأحس أنه يوجهه لى، فأستعد، وكأنى أنا الراحل.

 فجأة أسمع الدواخلى يرد على سعيد وهو فى غيبوبته أنه “. . حاضر “، وأنا الطبيب الذى أعلم أن قشرة مخ صاحبى المودّع للحياة قد سبقت وسافرت إلى الجانب الاخر منذ أغفى بلا صحوة، وأنه لم يبق نشِطا معانِدا إلا جذع المخ ضابط إيقاع الحياة التنفسية والقلب، لكننى أستمع لحوار الرجل الأبيض ـ الدواخلى ـ مع الصديق المعاند ـ السعيد ـ فأكاد أصدقه وأتذكر ما سمعته من والدى وهو يتلو الورد فى غيبوبته، كأنه كان هو أيضا يتكلم هناك بإيقاع الحياة لا برموز قشرة المخ، هذا إن صدق أنى سمعته حقيقة وفعلا، ولكن ها هو صديقنا الأبيض يرد ثانية “حاضر يا ” ” ياخويا” ثم يوصيه أن “يطمئن” ثم يقسم عليه، ثم يتجه إلى ربه “لبيك اللهم لبيك” لبيك لا شريك لك لبيك”، ثم إنه” لا إله إلا الله حقا وصدقا” ويعود يواصل حواره معه، ثم ينفجر باكيا دون استئذان أو إنذار، فيخاف أن يسمعنا أهل البيت وكنا قد حـُـلنا بينهم وبين التواجد فى الحجرة ـ إلا قليلا ـ طوال هذه الأيام الصعبة، فيكف صاحبى الأبيض عن البكاء فجأة ناظرا إلىّ بغضب وكأنى أنا الذى بكيت بصوت مرتفع، وكأنه ينهانى أن أفسد جو الدعاء بهذا النحيب المزعج للأهل، ألا يكفيهم ما عانوا ويعانون بما لا يمكن وصفه؟ فأتلقى غضبه الصامت حتى يسكت، وكأنى أنا الذى رضخت فسكت.

هو الموت، ذلك الشعر الآخر، (هكذا أسماه أدونيس فى رثاء صلاح عبد الصبور)، نخلق منه ما لا ندرى إذ يخلق فينا ما لم نحتسب، أحياء كما نعلم، وراحلين كما نتصور، لكن كل هذا لا يجيب على التساؤل الملح الذى عاد كما هو وكأنى لم أحاول الإجابة عليه آلاف المرات “لماذا هو بالذات؟ الآن بالذات؟ هكذا بالذات؟” وأحاول أن أعدو ـ حقيقة ـ هربا من ملاحقة ما سبق أن لحقنى بلا طائل، فأعجز.

أرتد طفلا أنظر فى ظهر غلاف الكراسة “كنظام وزارة المعارف العمومية” أم ست مليمات ذات الورق الأسود الذى “يشف” وغلافهما الخلفى القبيح قد قسم إلى مثلثين أحدهما يحتوى جدول الضرب الصغير، والآخر جدول الضرب الكبير، وأتذكر كيف أنى كنت أتصالح مع جدول الضرب الصغير رويداحتى وصلت الى 5 X5 فيزداد أملى أن أصل يوما ـ وان طال الزمن ـ إلى 12X12 ..  وهذا ليس على الله ببعيد، ألم يقدرنى أن أحفظ هجاء كلمتى تمساحcrocodile   وجميل beautiful وكل منهما مكون من تسع حروف بالتمام، لكنى أبدا لم أحلم أن أقترب من جدول الضرب الكبير بدءا من13X13حيث تزدحم الأرقام وتتقارب حتى تسود صفحة الغلاف وهى بلا لون أصلا، كنت أتصور أنه يستحيل أن يحفظ هذا الجدول إنسان مهما بلغ من ذكاء، حتى والدى، حتى الناظر نفسه، حتى الملك فاروق.

تختفى الصورة لتعود إلىّ الآن فأكتشف أن ثمة جدول ضرب أكبر فأكبر إلى ما لا نعرف، وأن إجابة تلك الأسئلة الملاحقة البادئة معظمها بـ”لماذا؟” لابد أن تقع فى مكان ما فى وسط محيط جدول الضرب الأعظم بلا حدود، وأفهم لم كان الايمان بالغيب ركيزة أساسية فى دينى، وأنه (الايمان بالغيب) هو قمة المعرفة، لأنه حركة متصلة تتجاوز دائرة المعارف المتاحة إلى ما بعدها، فلا نكتفى غرورا، ولا نستسلم غباء، ولا نتواكل عماء، وأجد نفسى انطلاقا من هذا الموقع ـ أقبل التحدى، فأروح أرد على كل الـ “لماذات” التى لاحقتنى مخرجة لسانها لى طول الوقت، أرد عليها من جنسها إيمانا بهذا الغيب: جوهر كل معرفة حقيقية:

س: لماذ  سعيد؟

جـ: ولماذا غيره؟ (رد الست نعيمة، حكيمتنا الحكيمة).

س: لماذا الآن؟

جـ: ولماذا بعد؟

س: لماذا هكذا؟

جـ: ولماذا غير ذا؟

وهكذا انتصرتُ أخيرا، فالحمد لله، عالم “الغيب” والشهادة. وهو الحكيم الخبير.

وأدعو الله ألا أكون موجودا لحظتها، وكأنى لا أريد أن ألحق هذه اللحظة بلحظة وداع والدى، فقد شعرت فى خبرتى الأخيرة هذه أنه (والدى) قد عاد فاستيقظ بداخلى بحضور ثقيل، منذ انفردتُ بصديقى هذا فى غيبوبته.

ولكن هل يا ترى كان صديقى هذا والدى، أم أنى كنت والده؟، أم أننا كنا نتبادل الوالدية فى اتفاق سرى صامت؟

 لعل كل الاجابات صحيحة ـ ولعل هذا هو ما دعانى أن أكرر لزوجتى (وابنتيه ذات مرة قبل وبعد وفاته) أنه لم يكن صديقى، فربما كنت أعنى أن ما بيننا كان شيئا أعمق من الصداقة أو متجاوزا الصداقة، أو هو شئ أهم من الصداقة، أو ربما أنا لا أفهم أصلا فى الصداقة مثلما لا أفهم فى الحب إياه، هل من معالم الصداقة ـ مثلا ـ تبادل الوالدية سرّا؟

 لم يكن سعيد صديقى بالمعنى السائد عند عامة الناس، فهو لم يشترك معى فى عادة، أو يواكبنى فى نشاط، أو يحرص على قراءة مجلة أُصدرها، أو يتمتع معى بصحبة لصيقة صريحة طويلة، (اللهم إلا فى “بيت نواب” المنيل فى قصر العينى، مثله مثل غيره من النواب)، كما أنى لم أستطع أن أعرّى نفسى أمامه “تماما” كما أفعل مع آخرين أقل قربا إلىّ منه (وكل هذا عندى هو من مقومات الصداقة)، فما هى طبيعة علاقتنا؟ فأرجح أن أهم ما كان يميز علاقتنا هو ذلك القدر الهائل من “الإلتزام والسماح” معا، كان يجمعنا موقف موحّد تجاه الاغتراب فى حياتنا عامة، وحياتنا العلمية الجامعية خاصة، كما كان كل منا يسمح للآخر أن يتحرك بعيدا عنه فيما يعتقد ويعتنق.

نعم، لم يكن صديقى بالمعنى الشائع.

 فتتهمنى زوجتى ـ كالعادة ـ أن “هذا”بديهى، وأنها تصدّقنى دون خلق الله الذين لا يفسرون كل ما قمت به نحوه ونحو أسرته الا بما هو “صداقة” كما يألفونها ـ تصّدق أننى لم أقم إلا ببعض ما ينبغى مما تفرضه بداهات الحياة ـ ، وتواصل اتهامها ـ أو تقريرها ـ لى معلنة أنه ليس لى أصدقاء أصلا: لا هو، ولا غيره، وتتحدانى أن أذكر لها اسم واحد فقط أستطيع أن أطلق عليه هذه الصفة، فأمتلئ غيظا، وأهم بالرد متصورا أنى سأستدعى ألف إسم وإسم، وفورا ـ لعلها تخجل وتعتذر، ولكن إسما واحدا لا يأتينى، يا خبر!!!، ما هذه الشروط التى تهجم على هذه الكلمة ـ صداقة ـ تحيط بها من كل جانب حتى لا أقدر أن أستعملها؟ ماذا أريد من الناس قبل أن أسمح لهم أن يحلوا فى مضمون هذا اللفظ “صداقة”؟ ثم ما هذا الذى أكرره طوال هذا الفصل وغيره؟ جاء صديقى قال، صديقى. راح صديقى، ثم رحل صديقى؟ حين تختبرنى زوجتى هكذا فجأة، لا أستطيع أن أذكر اسما واحدا من الألف ألف إسم الذين تخيلتهم جماعة لكننى عجزت أن أسلخ منهم فردا بذاته.

يبدو أن زوجتى لم تكن تنتظر إجابة، ولكنها أيضا لا تـُظهر شماته (على الرغم من أنى أحاول أن أتصور شماتتها بالرغم منها) ـ وأواصل العناد:

 “بل لى أصدقاء وأنت تعلمين” على، وأحمد، وهدى، وهالة، ووليد، وهبة، وكل الأطفال، ثم سعيد وعوض وجمال ورمضان وعادل وعبد العزيز وكل الفلاحين (أنظر الترحال الثالث إن شئت)، وقبل أن أواصل ذكر أسماء مرضاى تبتسم زوجتى فى صبر وتود لو أنها لا ترد، لكنها تلمَح تحفزى، فأواصل أنا:

إن هذه صداقة حقيقية، وحين كنت ألاعب “على” الورق أمس الأول، لم أكن أتنازل، لم أكن والدا يلاعب ولده، أو جدا يلاعب حفيده، بل كانت مباراة “ند لند” فتضطر زوجتى للرد:

 “إنك؛ تصادق الناس ولا تسمح لهم أن يصادقوك، تصادق المجموع لا الأفراد، تصادق الجزء الذى تختار من كل واحد، ولا تصادق الشخص على بعضه. وكل من ذكرتَ هم من الأطفال والفلاحين والمرضى (لم أكن قد ذكرت المرضى لكنّها ضمّتهم بيقين) هم فى موقع الأضعف منك، فلا خوف عليك ولا هم يعلمون”.

 وحين نصل الى هذه التعرية أرتب للانسحاب المنظم، فلا فائدة من الكلام اذا ما أطلت “الحقيقة” هكذا إلى هذا المدى، رحت أعيد تقييم  صداقتى لمرضاى خاصة . هل يسرى عليها مبدأ  الأقوى مع الأضعف؟

 أهكذا ؟

ولكن (بينى وبين نفسى) لا أقر النتيجة  أبدا، أنا أصدقائى بلا حصر، بلا حصر، لذلك لم أستطع أن أختار من بينهم اسما محددا، أختار من؟ أم من؟

لا أصدق نفسى تماما، ولا أصدق زوجتى تماما.

سعيد الرازقي، صديقى أم والدى أم إبنى، ها هو يحتضر، لكنى أصمم على ألا أكون فى موضع الإبن داخل حجرة “الإنتظار” لحظة الوداع، لا. .لا، لا أريد أن يلبسنى  من جديد أباء جدد أحملهم بعد أن يرحلوا لأكمل مسيرتهم لا مسيرتى. يكفينى كل من ارتدى من أثواب والدية قديمة من كل شكل ولون.

يستجيب الله لى، فما أن أنصرف لغير هدف الساعة الخامسة الا خمس دقائق، يوم الأربعاء الموافق 29/1/1986، لأرجع بعد نصف ساعة بالتمام، فأجده قد استأذن فى سلام آمن، وتتفرق الطرق، هو يمضى فى رحابه تعالى بلا تفاصيل ظاهرة، وأنا حيث أنا كما ترون.

وأذكر الآن حين كنت أسَرّى عنه فى دعابـة مغامرة كان يتصف بها حوارنا الصريح فى كثير من الأحيان، أذكر أننى قلت له:

 “إسمع، كن شهما كما اتفقنا ولا تنسنا حين تذهب إلى الجانب الآخر “بالسلامة”، كن شهما وأخطرنى أولا بأول ماذا الحكاية، حتى أستعد بطريقة صحيحة، إن أمكن” فيبتسم طالبا منى أن أخفض صوتى حتى لا يسمعنا أهل البيت،  ويعدنى ـ وهو ينتزع ضحكة حقيقية سرعان ما يجهضها الألم ـ أنه سيفعل ما يقدر عليه ما استطاع إلى ذلك  سبيلا، ويسترد آثار ضحكته بطيبة رائقة.

استأذَنَ فى سلام،

وتبدأ مراسم الوداع، وأتعلم، وأتعلم، وأتعلم،

يجتمع البسطاء معا هناك بفضل وصيته.

كان قد أوصى بشجاعة فريدة ألا يُـتعب أحدا بنقله مئات الكيلومترات إلى بلده فارسكور، لمجرد التظاهر والتقاليد، فأوْصى زوجتى أن  تسمح له أن يدفن فى مدافن أسرتها  هنا “بمقابر الإمام” بجوار المقطم ، وكأنه أراد بذلك ألا يكبدنا مشقة السفر إلى بلده الأصلى حتى يدفن بجوار أمه. كان يحمل هّمـنا حتى بعد موته، هو ليس له مقابر فى القاهرة وقد طلب من زوجتى أن يدفن فى مقابر أسرتها فى الإمام الشافعى، وفرحت أنا لأنه سوف يذهب بجوار حماىَ الذى أحببته حبا صامتا عميقا، وهكذا يتجمع هناك فى نفس المقبرة معاً: حماىَ الأمى الوديع، وإبنة أخى التى رحلت بعد ساعات من قدومها، وصديقى هذا.

ثلاثة نماذج تمثّل عندى توحّدا مُهّما:

 البداية التى لم تتلوث،

 والبساطة التى لم تتشوه،

والشجاعة التى لم تغـتـرِب.

 وكأنَهم لم يجتمعوا “هناك” تحت الثرى، بل استقروا هنا فى أنقى مساحة داخل داخل وجدانى.

ثم تمضى المراسم بكل ما لها وما عليها، وأتعلم ـ من جديد ـ كيف أننا ونحن فى بؤرة الحقيقة، لا نتكلم إلا عن زيف الزيف، وأدرك بيقين متجدد أن هذا الزيف فى الحفل الجنائزى وسرادق العزاء هو من أعظم رحمته تعالى بعباده الضعفاء: هو أهل الرحمة، وأهل المغفرة.

وهكذا، “طارت” فى وداعة البسطاء، وترن فى أذنى بهدوء نابض، ومعان متجددة:

“حمامة بيضا، طارت يا نينه،

ما خدها البلبل، وطار وياها،

 قصده يا نينه، يعرف لغاها”.

ياه !! يا للوعى الشعبى وهو  يعيش لحظات الخلق والعدم بعمق لا يعرفه غيره.

كنت أجلس مع ابنتيه مايسه ومنى قبل الوداع الأخير ببضعة أيام أصارحهما بكل شئ لم تكونا قد أُبلغتاه من قبل،وجعلت بداية حديثى عن رحلتنا هذه التى أكتبها هنا.

 قلت لهما إنى أتصور أن الله سبحانه أراد أن يقربهما منى وبالعكس. ليطمئن والدهما قبل رحيله، وأنهما ـ من خلال رحلتنا هذه ـ قد أصبحتا صديقتين بمعنى يختلف عن علاقتى بوالدهما، وأنى تعجبت لموافقة والدهما ان يصطحبانا، حيث كنت أتصور أنه أكثر تحفظا، وتخوفا، وامتلاكا، فإذا بى اكتشف فيه مؤمنا آمنا، وشجاعا، ومبدعا أبدا، حتى فى تربية بنتيه الوحيدتين، فكان السماح، وكانت الصحبة فكانت الرحلة كما وصفتُ وأكثر، وكان من أهم مكاسبى منها أن اتسعت دائرة صداقاتى برغم رأى زوجتى فى ذلك، فقد تعرفت على رفاق الرحلة أكثر فأكثر، ومن بينهم بنتاى هاتين وهما همزة الوصل الذى أستطيع أن أتكئ عليها وأنا أعبر الآن الى الجانب الأخر، فأروح أجذب الخيط من جديد الى مواصلة معايشة ما كان “لنا” “معا” “هناك”، وكيف كان ما كان أثناء تلك الرحلة التى لم تنته بعد.

(يبدو أنها لا تنتهى)

الخميس 6 سبتمبر 1984

كانت فرصة فى ما بقى لنا من أيام فى باريس أن نفترق أكثر لنلتقى أقرب، فاستطعنا من خلال ذلك أن نضبط جرعة “الصحبة” و “الاستقلال” معا، كنت وزوجتى فى فندق الجوبلان (نجمتان بالتمام) لكن الحمام النظيف والتلفزيون الملون يزينانها بما لا حصر له من نجوم، وكان الأولاد فى فندق “الإقامة السعيدة “Belle Sejour (!!)  بنجمة واحدة وكلب كبير ورائحة خاصة ـ كما ذكرت ـ فجعلت دائرتانا تتحركان اقترابا وبعدا فى حرية نسبية، و حين استطعت أن أتحرك داخل دائرتى الخاصة رحت أوقظ باريس فى كيانى بهدوء متنام، لأعود أنبض بريحها كما عشتها، ثم كما حملتها معى منذ كان ما كان، حملتها معى إلى مصر، والطائف، واليونان أو البحرين، وحجرة نومى، ودهب، وأنطاكية، وحربيات، وبلودان،

أنا لا أتحدث عن باريس البلد بقدر ما أتحدث عن باريس الناس، ثم إنهم ليسوا ناس باريس بقدر ما هم “الناس فى باريس” بمعنى أنهم ليسوا فرنسيين من عاشرتهم آنذاك، لكنهم كل العالم، حتى أنى تصورت أن باريس هذه، لا بل “تلك” (68/69) هى “دوار الدنيا” بأسرها.

 كنت أنتظر نزول زوجتى فى مدخل الفندق حين انتبهت أنه قدجلس بجوارى هندى وهندية (لم يكن هناك جوارٌ أصلا، فالمدخل شديد الضيق يكاد لا يسع أحدا)، ولم تكن السيدة جميلة جدا، كانت جميلة فقط أو أقل قليلا، ولم يكن جسدها رشيقا، لكن السارى الذى كانت تلبسه بدا لى أجمل ما فيها، ولم أكن أعلم أنه، مع شموله لكل القوام حتى جزء من الرأس، يمكن أن يكشف عن مساحة لابأس بها من لحم البطن حول الوسط، على الرغم من برودة الجو، ولم أنتبه، لأول وهله، أنه لحم بشرى!!، خلقة ربنا، كما لم يجذبنى إليه أية فتنه صغرت أم كبرت، بل لعل العكس قد حدث، فقد كان، بلا مؤاخذة، مترهلا إلا قليلا، ومع ذلك فقد تذكرت الثوب السودانى الشفاف الرائع الذى ترتديه نساء السودان، وقلت: فهو الرمز والوطن وليست الحشمة والطقوس، ولو كان الحجاب تطور عندنا حتى يعنى ذلك، أو مثل ذلك لكان له وضع آخر، أما بحالته الراهنة وتنوعاته (على “الموضة”) فهو ـ فى الأغلب ـ لإبداء الزينة وليس لإخفائها فى كثير من الأحوال، ثم إنى لاحظت فى ممارستى التى تطّلع على الأقئدة أنه (الحجاب) كثيرا ما يعمل لإعفاء من ترتديه من الغوص فى جوهر دينها بالاكتفاء بالرضا عن ظاهر شكلها،

 حاولت أن أنظّر قليلا حول مسألة الحجاب هذه، حيث رحت أبحث له عن وظائف إيجابية مثل أن تستعملها الواحدة منهن للتصالح مع الجسد والجنس معا، وذلك بأن تعفى الواحدة منهن نفسها من استعمال جلدها وظاهر جسدها حجابا دفاعيا (باردامتبلدا من خلال حيل دفاعية كابتة)، وكأنها إذ تغطى جسدها بهذا الغطاء الحسّى الحقيقى، إنما تسمح بتلقائية حيويتها أن تنطلق داخل الغطاء، كما أنها قد تساعد نفسها على تذكر أن جسدها هذا هو جسدها، وليس “محل وجودها المختار” تسكن فيه بالصدفه، ويستعمله زوجها من الظاهر، أو لعلّه ـ كما ذكرت ـ ثورة نسائية تحدد الهوية فى مقابل هجمة التغريب، وكلام آخر كثير من هذا القبيل، تحققت من صحته أحيانا، وفشلت أحيانا أكثر، المهم أنى لم أستطع أن أقارن السارى الهندى إلا بالثوب السودانى ثم بالملاءة اللف عندنا، تلك الملاءة التى انقرضت والتى كتب فيها الدكتور صلاح مخيمرنظرية علمية هى بمثابة قصيدة جنس من أجمل ما يكون، كتبها وهو فاقد البصر يصف الملاءة وهى تمثل التحدى الأنثوى الرائع الذى يفرض على المرأة الرشاقة والليونة والنشاط فى آن، كما كتب عن اللغة التى تتحدث بها الملاءة وهى تلف، وتنزلق وتتحرك، وتُخفى لتـُظهر.

تصورت لو أن سيدات المجتمع عندنا بدأن بارتداء الملاءة رسميا (لا فى حفل جلابية “بارتى”) لتطـلـّـب ذلك منهن جهدا جميلا خليق أن يميزهن أنوثةً وجنساً وحضورا خاصّا، لكنهن يستسهلن التقليد والديكورات الزائفة والزائلة.

 ننطلق إلى “باريس الناس”كما أعرفها بما تحوى من هنود وسنغاليين وبرتغاليين وإيطاليين ومن أمريكا الجنوبية، وأمريكا فقط، وأيضا بما تحوى من فرنسيين. العرب أغلبهم من شمال إفريقيا. تصوّرت دائما أن الموْطن الأصلى للباريسيين هو مقاهى وأرصفة باريس وحدائقها، وأركانها، وأن المنازل تزار أحيانا قبيـل النوم، مقاهى اعتبرتُها بمثابة مصاطب الدوار فى بلدنا، بل والمصاطب أمام الدور أيضا، فالمقهى فى باريس يدعوك وأنت سائر أن “تتفضل”، ويكررها مرارا(كأنك تمر أمام مصطبة كريم من بلدنا) حتى تتفضل، فأتفضل بعد أن تنصرف زوجتى إلى هوايتها حسب موعدها مع الأولاد.

 أقبع فى ركنى المفضل فى مقهى “الجوبلان” حيث أمامى صفين من مقاعد الزبائن، دون زبائن، إلا قليلا، ثم الواجهة الزجاجية، التى لا تحجب عنى المارة فى الخارج، وحين استقر فى موقعى أبدا رحلة المقارنة بحثا عن الفروق، قافزا عبر الهوة الحضارية للأمام وللخلف على حد سواء، ويبدو أن مهنتى الطبية النفسية قد سهلت على لعبة التقمص بما يسمح لى أن أضع قدمىّ فى حذاء كائن من كان (كما يقول الإنجليز)، فأحاول أن أدخل إلى أبعد مسافة ممكنه فى عمق وجودهم ثم فى نوع وجودنا،علنى أخرج بما هو أكثر من الفرجة، وأعمق من الحكم، لكنى لا أنجح فى كثير من الأحوال، ويتجدد أمامى ـ مثلا ـ منظرا رأيته مئات المرات، وسمعت عنه قبل أن أراه عشرات المرات ـ وكتبت عنه أحيانا ـ وهو منظر الفتى والفتاة وهما يتلامسان ويتلاثمان ويتقابّـلان (من تبادل القبل، لذلك وضعت شدّة على الياء!) ويتحاضنان، إلى آخر ما هو كذلك، ونحن لم نألف مثل ذلك، ولا بعض ذلك،، وقد تعودت ـ كما سبق أن أشرت ـ أنى حين لا أفهم شيئا لا أبادر برفضه، وانما أصبـر عليه لعلى آتينى بخبر ولو بغير يقين.

حين نزلت باريس أول مرة جعلت أنظر الى نفس هذا المنظر مندهشا ثم منتظرا، ثم متسائلا، أما الدهشة فهى لعدم الألفة، وأما الانتظار فهو ترقب لما سيوصل اليه “هذا الذى” .أما التساؤل فكان عما يحدث، وما لم يحدث، وكيف يبدأون هكذا، ويستغرقون هكذا، ثم يتوقفون رغم تصورى استحالة التوقف هكذا.

كان خط المترو الذى أركبه من ميدان الإتوال حتى مستشفى سانت آن اسمه “ناسيون ـ إتوال”، وفيه، وعلى رصيفه عـلِمتُ ما لم أكن أعلم، وهو ما زال يشغلنى. كنت أتصور أن لحظة انفصال الجسدين بقدوم المترو أو توقفه هى لحظة البتر إلى نصفين مثل تهديد سيدنا سليمان للمتنازعتين على الطفل، لكن الذى كان  يحدث أنه لا بتر ولا يحزنون، بل انسلات مثل الشعرة من العجين.قلت فى ذلك:

قبّلها. عبثت بالشعر أناملُهُ،

 رفعت عينيها فى لهفةْ،، شبّتْ تلتقط الرَّشفةْ،

أطراف أصابعها تبتهل الرِّىْ

….فصلَ السياف الجسدين الجذع.

ذهب الولد إلى “الناسيون” يغنى

والبنت الزهرة ركبت مترو الإتوال

وتكوّرت الغصّة

……..

ونزعتُ السكينَ بلا نزفٍ ظاهرْ.

رغم مرارة سم الحسرة

فى الأغلب كانت حسرتى أنا، لا حسرة أى منهما، أنا لم أتخذ موقف الرفض المتشنج من ذلك أبدا، لكننى لم أفهم. رحت أتذكر لعبة الحمام فوق أسطح بلدنا، وحركات الذكر أمام الأنثى، ودغدغته لرقبتها أو تحت جناحها، ودورانه حول نفسه ثم حولها، ثم طيرانها دون أن يطأها، أو طيرانها وعزوفه عن متابعتها حالا، أو عودته واختفائها، وقلت: إن الإنسان أصله حمامة أيضا، فلماذ ا ألحقنا داروين بالسمك دون الطيور، وإذا كنا ننعت “الجنس” القح “بالحيوانية”، فخليق بنا أن ننعت الـلثم، اللمس “بالحمامية” وإذا كان بنا شئ تلقائى يرفض الحيوانية (لست أدرى لماذا هكذا دون تمييز) فإنى لا أعتقد أن فينا ما يرفض الحمامية (أو اليمامية: أرق، أرق) هكذا دون تحفظ.

 تحضرنى دروسى السرية فى الجنس من المدرسة الحيوانية فى القرية، وكان أول من نبهنى إلى معنى ودور معايشة هذه الطبيعة الحيوانية مباشرة فيمن يعايشونها من أطفال وشباب هناك هو استاذنا عباس العقاد فى ترجمته لحياة واحد لا أذكره، وحين راجعتُ مقولته فى نفسى وتاريخى تبينت فعلا كم كانت مدرسة القرية الجنسية الحيوانية شاسعة المعارف، متعددة الوسائل، ولولا إشارة العقاد تلك، ما تجرأت على تذكرها وذكرها، فضلا عن وصفها الآن، فماذا يـُخجل فى ذِكْر مصدر تعلمنا الجنس من خالقه مباشرة فى كل زوجين اثنين.

ما زلت أذكر نشاط ديكنا الزاهى وهو ينفض ريشه وقد نجح فى الإسهام فى الحفاظ على نوعه، وفحولة ذكر البط و “أمّا فاطمة” تُخضع له أنثاه حتى “يكسّرها” (لاحظ التعبير) وأنا ألاحظ اللقاء باستطلاع ومتعة، وألاحظ أكثر شعور هذه العجوز الطيبة وهى تقوم بالمهمة بكفاءة وطيبة أم حانية، ثم كبش القطيع المدلل من كل النعاج بلا استثناء، والمسيطـِرٌ على الذكر الأضعف الناشىء: استعدادا لتولى المهمة بعد إحالة الأكبر إلى المعاش، ثم حمارنا الأزرق العجوز الذى يمنع أى حمار آخر، مهما بلغ شبابه أو جماله أو تناهت فتوته، يمنعه أن يعتّب الحظيرة طوال فترة “طلب” الأتان الركوبة الغندورة الخاصة بوالدى، ثم نشاط ثورنا “الطلوقة” مصدر رزق العلاّف الخاص، (و أتصور أنه ما أعظم الذكر حين يؤجر على مهمته ليقبض صاحبه)، وفى المدينة لم تغب عن بصرى متابعات أقل، مثل تلك المظاهرات خلف كلبة أضاءت اللون الأخضر، ولكن الريف شئ آخر فيا خيبة (أو سوء حظ) الذين يتعلمون الجنس من كتاب “مبادئ الأحياء ” المقرر، أو من روايات الوالدين الكاذبة، والآن من الأطباق الفضائية المقززة، والشاذة.

الجنس الحيوانى الوحيد الذى أذكر أنى رفضته، حتى الجزع والخوف والقرف معا، كان ذلك المنظر الذى قلب بطنى وشاكَ وجدانى بين قط وقطة على سور نافذتنا فى مصر الجديدة، تيقظت من نومى تلك الليلة، على عواء باك كنحيب المتوجع الوحيد، فاكتشفتُ ما يجرى، ولم أجد فى ما أرى ما ألِفْتُ فى ريفنا النقى، فليس يبدو “على القط الذكر” أى زهو أو علو أو امتلاء، وليس يبدو “عليها” أى استمتاع أو استقبال أو استرخاء، بل قسوة وإغارة فى مقابل خنوع فى ضياع (هذا هو استقبالى آنذاك) فرفضتُ ولم أستطع أن أقرن ذلك بالحوار الجنسى الذى عايشتُه فى بلدنا.

أعود إلى موقعى فى الجوبلان، أتابع بلبلا ووليفته (بعد تحية اسمهان) ـ فأقول لنفسى: ليكن أصل الإنسان حمامة أو يمامة، ولكنه أصبح إنسانا، فلماذا العلانية؟ فيرد: ولماذا السرية، فأقول: اذا كان زوج الحمام يمارس نشاطه هكذا كجزء من طبيعة التمهيد والإعداد، فان ما أرى هنا لا يبدو أنه تمهيد أو إعداد لـشىء، بل هو ينتهى كما بدأ، ويا خيبة التقمص المجهَض، وأكاد لا أصدق: وأسكت،  لكن الشعر لا يسكت حيث خيل الى أنى رأيت فيما جرى هذا الصباح فى قهوة الجوبلان شيئاً جديدا غير الذى أدهشنى من قبل:

هو جالس يحتسى قهوته مع “أهـلـّـة” الخبز الخاص “الكرواسون” فتدخل هى عليه.

“هى” سريعة الخطى حمراء الحضور،

 التفتتْ. وتلاثما، جلستْ.. فتحسَّسَا، شاركتْ.. فتهامسا، ابتعدتْ. فتمايلا… الخ، وأنا أفرح بهما وأشفق “علينا”، و أفهم القليل، وأرفض القليل، وأؤجل الكثير، وتزداد وحدتى بمعنى خاص أعرفه.

 هذه المنطقة أحوم حولها من قديم، لا أعرف تفاصيل لغتها، ولا دورة حياتها، ولا تداعيات مسارها، لذلك أظل ألف بلا انقطاع مع اللحن الصادح حول الكراسى. وحين يتوقف اللحن أو تحين الفرصة، لا أسرع بانتقاء كرسى مثل الآخرين، بل أقف مكانى بعيدا فى انتظار أن تدور الموسيقى ثانية لأعاود الـلف حول الدائرة دون أن أدخلها أبدا، وقد رضيت بهذا الدور من باب الوعى بما هو أنا، فى حدود ما أعرف، وكانت هذه الدرجة من الوعى لا تمنعنى من المشاركة والحوار والتساؤل دون أن أغامر بأكثر من ذلك، فلا أنا المتفرج المتعالى، ولا أنا المنسحب الذى يصدر أحكامه على الآخرين من فرط عجزه، ولا أنا الأعمى المتغافل، أو لعلى بعض من كل هذا، لكنى مع كل هذا مشارك متسامح.

ثم إنى رحت أكتشف من بعد آخر أنه ربما يكون هذا التلامس، والتلاثم…الخ. ربما يكون تباعدا أخطر، ذلك أنى أتعجب كيف أن الشائع عن هؤلاء البشر الأكثر تحضرا (!!!) أنهم أكثرحرية، فيبدو لى أن حرية الترك هى شرط حرية الإقدام، بل إننى أتصور أن مسئولية الحرية هى أكبر من تحمّلهم، تحملنا، اكتشفت ذلك وأنا أتساءل لم أنهيت قصيدة الجبلان بهذا البيت “أفرِج عن الضحايا تنتحر” . أضبط نفسى حاكما على ما يجرى من بُــعد آخر حين استقبل ما يجرى وكأنه “طقوس نظام”، وليس “مسئولية حوار”، وأن هؤلاء الناس هم ضحايا هذا النظام بشكل ما، وحين ضحكوا عليهم بهذا القدر من الحرية المشبوهة دار كل منهم حول نفسه لا أكثر، فما أضيق المساحة، يلتقى الواحد منهم بصاحب أو صاحبة، دون أن يلتقى ثم ينصرف دون أن يمتلئ وعيه بحضورٍ جديد، قلت وكأنى أكمل القصيدة الأولى . الإثارة واحدة ، والعجب يزداد، لكن الحكم أصبح أشد قسوة:

ـ 1 ـ

تميل فى دلال، أو غباءٍ، أو عبثْ

(كأنّهاً تصدّقً(

يلثمُها،

تقضم رأس الجُـمـلهْ

يبدو كمن فَهِم:

يحتدمْ

يُخلخِلُ الهواءَ،

تضطرمْ

تنداح من بؤرتها الدوائرْ

يكثّف اللهبْ

ـ 2 ـ

يزقزق العصفورُ يحتضرْ

الوحدة العنيدةْ،

الجوع والحرمان والشَّبَقْ

تـُؤَجَّل القضيهْ

تُـوَزع الغنائم

اللعبةُ الكراسى

ـ 3 ـ

تفور رغوة الكؤوس والرؤوسِ والرُّؤىَ

تهدهدُ الكلابَ والشجرْ

ـ 4 ـ

تَحَدّدَ الميقاتُ والمحلَّفون والشهودْ

َتَملْمَلَ القَفَصْ

ـ 5 ـ

أفرِجْ عن الضّحَاَياَ..،

 تنتحر ْ.

أهكذا؟ بعد كل ادعاء التسامح والفهم، يعرّينى شِعرى الخائب ، فيضعنى فى موقف حكم فوقى، فأشك فى ادعائى القبول بالاختلاف، 

الأرجح  أننى مخطئ فى الحالين.

الخميس 6 سبتمبر 1984 (ما زلنا)

التقينا حول الظهر فى ميدان الأوبرا بعد الاطمئنان على حجز العودة بالطائرة من جنيف للأولاد (هكذا قرروا)، جلسنا على رصيف قهوة السلام “Le Pais” التاريخية بروادها من الساسة المصريين خاصة، والشمس قد تسلطت على صلعتى فحركت ذكريات المشى من المونمارتر حيث كنت أسكن، إلى جنوب باريس حيث أعمل، أو أدرس، مارا بميدان الأوبرا (أين أوبرانا القديمة فى مصر؟) وثمة محل على الناصية المقابلة يبيع المجوهرات المزيفة التى تحتاج إلى خبير ومجهر لكشف تزييفها (فلماذا الأصلية؟) وكنت قد حضرت إليهم متأخرا قليلا بعد أن استغرقتنى قهوة جوبلان حيث هاج بى الشعر دون إستئذان، فأجد مصطفى ممسكا بنسختين من صورة لهم فى جلستهم وقد اكفهر تماما حيث خدعه أحدهم، أو هو قد خـُدع له، حين فهم منه أن ثمن الصورة فرنكان وثمانين سنتيما deux quatre vint (وفى الفرنسية لا ينطقون حرف العطف”و”) فوافق ابنى فرحا باعتبار أنها أرخص حتى من التصوير العادى  (فرنكان وثمانون سنتميا)، وبعد التصوير يكتشف أن الصورة الواحدة بأربعين فرنكا، وأن البائع كان يقصد أن “الاثنين بثمانين” أى أنه توجد سكتة بين لفظى اثنين، وثمانيين!! ويدفع ابنى النقود وهو يغلى ويلعن حروف الجر والعطف وعدم ظهور “الفاصلة” فى الكلام، وكان هذا بداية يوم المقالب والنصب الخوجاتى:

ذلك أنى حين تركتهم لساعة وبضع ساعة حسب ميعاد سابق مع د. حلمى شاهين وهو ينزل فى فندق قريب (سان جيمس) بشارع ريفولى، ذهبت وأنا مشغول بمهمة ثقيلة تتعلق بمستقبل مصطفى، مهمة لا أحبها، ولا أتحمس لها، وان كنت مضطرا للقيام بها بكل التزام التكيف وضد كل المقاومة الداخلية، فجعلت أكلّم نفسى وأنا أشوح بيدى كالعادة حين يحتد ما يشغلنى “ضدى”، ويبدو أن منظرى هذا قد جذب انتباه أحدهم من ركاب العربات الفخمة (كانتB.M.W على ما أذكر ـ تحمل أرقاما أجنبية)، وحين توقفتُ فى الاشارة اقترب منى راكب العربة ـ وهو بالداخل لم ينزل ـ وقال لى بلهجة ليست باريسية ولا فرنسية أنه: يا مسيو، ولم أتصور أنه ينادى علىّ، ثم حسبت أنه يسألنى عن عنوان ما، لكنه جعل يحكى “.. أنا رجل من إيطاليا وقد نفذت نقودى وأريد أن أرجع بلدى، وقد كنت قد أحضرت بعض الأغراض لصديق لى ها هنا، لكنى لم أجده، ويبدو أنك غريب، وطيب، فقد تنفعك هذه الصناعات الإيطالية، المتواضعة الثمن، فقد أدخلتها بدون جمارك…الخ،  لم ألتقط كل ما قاله لكنى فهمت مجمل المُراد، وأنا بى ما بى، وقبل أن أرد معتذرا فتحت الإشارة فحمدت الله إذ اضطرت صاحب السيارة أن يمضى، ونسيت لتوى كل ما كان، لكن ما أن عبرت التقاطع ومضيت بضع خطوات حتى وجدته فى سيارته الفخمة ينتظرنى، وقد أوقف العربة وخذ عندك “يا مسيو… يا مسيو”، وقبل أن يعيد ما قال قررت ـ لست أدرى كيف ـ أن أسهل طريقة للتخلص منه هو أن أستجيب له تماما، وحالا، مع أنى لم أستبعد احتمال النصب، فأعطانى سترتين من الشمواه فى كيس أو ما شابه، فأعطيته ما أراد من فرنكات، فانصرف وجعلت أنظر للكيس المجهول المحتوى الذى أحمله فى يدى وأنا فى طريقى لمقابلة د. حلمى شاهين وتمنيت أن ألقى به بعيدا، وقبل أن أفعل، لاحظت أن العربة قد توقفت من جديد، يا نهاراً لـن يمر، و “يا مسيو يا مسيو..” وقبل أن ألقى فى وجهه كل شىء، أو أشتمه بالعربى كما ينبغى، بادرنى: أنت رجل طيب من مصر، وأنا أحب مصر، خذ هذه أيضا هدية بدون مقابل، وناولنى سترة ثالثة من نفس النوع!! فتأكدت أولا أنه نصاب، ثم رجحت أن النصبة طلعت واسعة حبتين حين استجبتُ فدفعت كل الثمن الذى طلبه فورا دون مساومة، ثم تعجبت أنه أشفق علىّ لدرجة أنه عاد يصلح بعض ما اقترف، فأهدانى السترة الثالثة، حتى يبارك الله له فى سرقته، وحين وصلت إلى هذا الاستنتاج ابتسمت بالرغم منى، هذا نصّاب طيب فعلا.

وتذكرت ما سمعته عن قريب لى كان “يقتل” بالأجر، وحين جاءته امرأة فقيرة، ليس لها رجال، لتستأجره فى مهمة اضطرارية، ترفق بحالها وأقسم بالطلاق أن يقوم لها بالمهمة “جدعنه” وأن يقتل خصمها لوجه الله (!!).

أديتُ مهمتى الثقيلة فى الفندق الفخم مع الأستاذ الدكتور حلمى شاهين واعتذرت عن زوجتى بحجة اختلقتها، اعتذرت عن دعوة من زوجته الفاضلة لزوجتى الكامنة، على غداء أو عشاء، فزوجتى لا تحب هذا المجتمع، ولم تُحضر الملابس التى…، وهى لا تتقن لغة أخرى، فلماذا؟ ولم أستطع أن أعتذر عن نفسى أنا أيضا لأن الوليمة كان سيحضرها شخص قد يساعدنى فى مهمتى الثقيلة الخاصة بابنى، ثم إنها دعوة لغداء عمل يتعلق بالتعاون الطبى المصرى فيما يسمى بـ “السِّديم” وانتهى اللقاء بالموافقة.

قفلت راجعا الى زملاء الرحلة الجالسين على مقهى السلام فى ميدان الأوبرا، وأنا أحاول أن أدارى خجلى، لكنهم يتبينون ما أحمل، فأحكى لهم بإيجاز شديد وأريهم محتوى الكيس: ثلاث سترات من نفس النوع، بنفس المقاس، وبعد فترة كتمان ينفجرون ضاحكين، فتأكدتُ مما جرى، والألعن ـ أو الأرحم ـ أن المقاس لم يكن مقاسى أصلا، وشربتُها بأكملها..، بسيطة؟ ويحكى لى مصطفى ما غرم فى حكاية التصوير، فأضحك بدورى، واحدة بواحدة.

انصرفنا معا حتى أبواب مبانى محلات اللافييت المتعددة المتجاورة على الجانب الآخر من ميدان الأوبرا، وتفرقنا على أن نلتقى، فاتجهت الى قسم ملابس الرياضة، حيث أنى طالع فى المقدر جديدا، لكنى أكتشف أنها أغلى بكثير من الملابس العادية، إذ يبدو ان “بدعة الجرى” الحديثة، والنشاط البدنى الهوائى Aerobics،  قد أصبحت من مميزات الطبقة القادرة (كادوا يحتكرون كل شئ يا عالم!! حتى الرياضة والصحة الجسمية!!) ولم أشتر شيئا طبعا، ثم تجمعنا على الناصية،  وبدأ فصل النصْب الثالث:

يتقدم شاب أنيق رشيق له رأس متناسق مستدير، ووجه أحمر فى صحة “خواجاتية” يكاد الدم يطفح منه، وله شعر أصفر ذهبى جدا!! خواجه ابن خواجه وأمه  خوجايه 100%، كلّمنا بلهجة إنجليزية سليمة، ليس بها أية لكنة فرنسية، وعرض علينا بعد أن عرّفنا أنه انجليزى ـ أن نصرف منه الدولارات بسعر أكبر (أظن ثلاثين أو أربعين فرنكا أعلى من السعر الرسمى، لكل مائة دولار)، شككنا فيه من باب الحيطة، قالت منى يحيى ابنتى: فلنحاول، ولنكتف بمائة دولار واحدة لا غير حتى اذا نصب علينا تكون الخسارة محتملة، ولم أفهم لمَ نقدم على المحاولة ما دمنا على هذه الحالة من الشك فى الرجل، علما بأن فرق السعر ليس كبيرا، ولكن ماذا تفعل فى النصاحة المصرية؟ قلنا نجرب ونفتح أعيننا جميعا:

ذهب صاحبنا وأحضر المبلغ ممسكا به فى يده يحاول أن يخفيه (قال يعنى) و قبل أن أناوله الورقة أم مائة دولار (لاحِظ درجة الحرص منى) ناوَلنى المبلغ وطلب منى بإلحاح أن أعده حتى أطمئن (منتهى الأمانة) فعددت واكتشفت (ويا للحذق!) أنه ناقص ثلاثين فرنكا، فتأسّف (جدا) وانطلق بخطى سريعة يُحضر بقية المبلغ، وأنا مازلت ممسكا بالمائة دولار، ثم عاد وأخذ يتلفت حولنا منبـّها أن نحذر أن يرانا البوليس، (يا ولد!!) هل فعلنا كل ذلك من أجل ثلاثين فرنكا فرقاً؟ لكنها المغامرة والشطارة. أخذ منى الأوراق ذات الفئات الكبيرة ليعد الأوراق جميعها معا، وراح يعد: واحد اثنين ثلاثة…ثمانية، وقال: تمام؟ قلت: تمام، فركنها واتجه الى الفكة (وهى التى كانت ناقصة) وعدها فلم تعد ناقصة بعد أن أحضر الثلاثين فرنكا (يا سلام على الدقة!!) وهنا اطمأن قلبى أننا أخيرا نجحنا ألا ينصب علينا أحد (اللهم إلا اذا كانت الأوراق مزورة) ـ فناولتُـه المائة دولار، فانصرف بخطى سريعة وأنا ممسك بالأوراق الصغيرة (العشرات) الأخيرة فرحا بدقتى وحرصى، ألم أكتشف نقص الثلاثين فرنكا وأُصر على إعادة العد؟ وكانت “منى يحيى” تراقب الجارى زيادة فى الحيطة والحذر، وإذا بها فى نفس ثانية انصرافه تسألنى بغته: أين الأوراق ذات الفئة الكبيرة (فئة المائة فرنك)؟ فدهشت للسؤال.. فهى معى بداهة، وجعلت أبحث فى جيوبى فلم أجد شيئا، وهنا ـ فقط ـ فقست اللعبة الذكية، فتلفتنا جميعا وكان صاحبنا ـ الخواجة الإنجليزى إبن الخوجاية ـ فص ملح وذاب، ونتبين أنه بعد أن عد الأوراق الكبيرة احتفظ بها فى يده، وأنا أظن أنها معى ثم أخفاها بمهارة خاصة موهِما إياى أنها معى جاذبا انتباهى أولا: إلى التأكد من إكمال الأوراق الصغيرة التى كانت ناقصة، وثانيا: ألهانى بالتركيز على تجنب احتمال مداهمة البوليس.

 ألا يستأهل هذا المحتال الرائع الإعجاب بالذمة؟،

لكن ابنتى لم تكن قد نسيت ضياع الألف دولار ” فى “نيس”، ولم أكن بدورى قد نسيت نصب  الإيطالى الطيب بائع السترات الثلاث منذ ساعة.و ها هو النصاب الانجليزى الحاذق يكملها، أهى عصبة أمم للنصب والاحتيال يا بلاد الحضارة السعيدة؟ وهكذا استبدلنا بمائة دولار مائة فرنك كاملى العدد (يا حلاوة!!)، ماذا جرى لأهل الحضارة يا خلق هوه؟ أهذا هو الانجليزى الذى كنا نضرب به المثل “معاملة انجليزى”،.. “مواعيد إنجليزى”.. فإذا به “نصب إنجليزى”.. “خطف إنجليزى”.

 وتكررت حكاية رفض ابنتى منى يحيى أخذ العَوَض (المائة دولار كانت من رصيدها هى) مع أنى المسئول، فتوصلنا الى حل وسط، ورجعنا مكسورى الخاطر من آثار تلاحق المقالب، نضحك مرة، ونخجل مرة، على أرضية من الغيظ فى كل حال.

بدا لنا أننا نستحق تعويضا ما، وقد كان، وعزمتهم على وجبة متواضعة فى المطعم الصينى الرخيص أسفل الفندق، نفترق بعدها لنلتقى فى المساء الى السينما.

الخميس 6 سبتمبر 1984 (مازلنا)

للذهاب إلى السينما فى بلاد بره طعم خاص بالنسبة لمواطن عادى مثلى ليس سينمائّى الطبع، ولا هو مثقف التكوين. لم أنجح أبدا أن أكون مثقفا عاما، أو مثقفاً سينمائيا، حتى بعد أن استدرجنى بعض طلبتى وأصدقائى الأصغر إلى الاشتراك فى “نادى السينما” فى مصر فى منتصف السبعينات، فتمتعت مثلهم ببعض الأفلام الحرة، لكنى وجدت نفسى أتفرج على مجتمع “نادى السينما” أكثر من فرجتى على السينما، ورويدا رويدا أحسست أنى فى غير مكانى، ذلك أنى شعرت أن هذا المجتمع المثقف جدا، اليسارى كلاما، المتيقن استقرارا، الساخر دائما، هو مجتمع بديل بشكل أو بأخر، بديل عن حزب سياسى، أو بديل عن إنتاج مغامر، أو بديل عن خبرة مبدعة، وشعرت أن فيلما واحدا تبلغنى رسالته مثل “إبنة ريان” أو الفيلم الايرانى “الغريب والضباب” (وقد كتبت عنهما نقدافى السبعبنات نشرا فى الأهرام و”نشرة نادى السينما” على التوالى) هو ما أحتاجه بدلا من ملاحقة وعيى هكذا بما يحب مجتمع نادى السنما أن يتباهى بتكرار الحديث فيه أسبوعا بعد أسبوع ليثبت أنه يفهم أكثر من الناس الأى كلام.

أحيانا بعد فيلم جيّد، أعنى مخترِق، أو بعد آية من القرآن الكريم مشرقة، أحتاج أن أقفل مسام وعيى حتى أعيش هذا أو ذاك بحق كلٍّ، وأتعجّب لمن يفتح المصحف المرتل طول الليل والنهار مع أن كل آية هى قول ثقيل .

يا عبء من تُحمّله أمانتها، ويا خيبة من يحرم نفسه منها بتهميشها بغيرها.

فى السفر الوضع يختلف، وفى باريس أعتبِر أن السينما تكمل تعريتى.

ما زال فيلمَىْ “آخر تانجو فى باريس”، “وكل هذه الموسيقى الجاز” اللذان شاهدتهما منذ بضعة سنوات فى باريس يدوران معى.

 أذكر أن آخر تانجو فى باريس أزعجنى تماما، لا أعرف لماذا، أظن أن صيحة البطلة (لا أعرف اسمها) فى مارلون براندو بعد كل ما حدث، صيحتها فى آخر لقطة فى الفيلم وهى تقول له “ما اسمك (كان الفيلم مدبلجا بالفرنسية) هى التى ظلت تتردد أصداؤها حولى، لم يكن فيلما جنسيا بالمعنى الفج لكنه كان مزعجا، وأحسب أن هذا يعنى أنه جيّد، فى هذا الفيلم يظهر الجنس كجزء لا يتجزأ من واقع يصعب التربيط بين أجزائه إذا ما انفصمتَ عن مجراه العام،  ولو لحظة انتباه إلى تفصيلة واحدة، وصلتنى الرسالة كما لو كان الفيلم يريد أن يعـرّى مثل هذه العلاقة بشكل أو بآخر فى هذا النظام الغربى المغترب، وتصورت أنه يستحيل أن تتعرى مثل هذه العلاقة بهذه المباشرة بغير هذا الفن “هكذا: وإن كنت لم أستطع أن أخفى على نفسى امتعاضى حتى الغثيان أحياناً، لكنّه فن حقيقى. أثّر الفيلم فىّ ، حرّك عندى إشكالة الذاتوية ، وأوهام الحرية بشكل صارخ، حتى صحت :

بعتم للأطفال العزَّل وهم الحرية

وهمو سمكٌ قد ترك الماء بحسن النية

وتقلب فوق الرمل الساخن.

فاحت رائحة شواء

عبثت إصبع زانٍ فى أوتار العانة

وانغمس السيف الخشبى، داخل كهف الكلمة

فانطلقت حشرجة الأغنية الثكلى

“ليس بجوف الناس عصارةْ ،

أغلقت الخمارة.. “

لست أرى إلى أى المستويات أنا  – شخصيا – إلى أقرب، هجوم شعرى وقسوته (رغم تواضع قيمته)، أم  إلى ادعائى السماح والتعلم من الاختلاف ؟ ماذا أفعل؟

 الإبداع يقول، ويثير ويراجع، وكلما كان أكثر صراحةً وإزعاجا، كان أكثر اختراقا.

أتذكر فزِعا تلك البدعة الخطيرة الذى دخلت حياتنا الثقافية تحت عنوان “تجنب ما يخدش الحياء” لدرجة سمحنا معها بقص كل لفظ صريح أو موقف محدد فيه جنس إنسانى دال، تحت عنوان “ما يخدش الحياء”، وقد تجسد هذا التشويه مؤخرا فى قضية ألف ليلة التى انتهت والحمد لله لصالح الثقافة والحقيقة والفن والتراث، لكن القص والجبن ما زالا عاريان يلطخان وجه دواوين شعرية أصيلة مثل ديوان أبى نواس أو بشار بن برد أو عبد الحميد الديب، فاذا أضفنا إلى ذلك ألعاب الرقابة الأحدث، عرفنا أين نحن، وان كنا قد لا نعرف ـ بهذه الصورة ـ “إلى أين”، فالأرجح أننا نسير بظهورنا.

إن هذا النوع من: الأخلاق بالإغماض، والأخلاق بالحذف، والأخلاق بالادعاء، والأخلاق التى تستعمل من الظاهر، كلها تدل على ضعف المواجهة، وعتمة الوعى، والجبن أمام الحقيقة. أنا لست من أنصار الحرية المطلقة، كما أنى لست من مشجعى الإثارة العنيفة للتجارة بالغرائز، وإذا كنت قد أفهم ـ بصعوبة وفى حدود ـ دور الرقابة على الأفلام والتليفزيون مثلا، لأنها مادة مفروضة لجمهور مستسلم، فإنى لا أفهم معنى التدخل فى التراث الأصيل المنشور فى كتب بالحذف الجبان، فهل نحن أكثر أدبا وتدينا وحياء من المسلمين فى القرن الثالث الهجرى مثلا؟

 لابد أن أعترف أنه اذا كانت مواكبة ومشاهدة الجنس عند سائر مخلوقات الله قد سمحت لنموى الجنسى أن يتحرك فى رحاب الطبيعة، فإن قراءة التراث الجنسى كان يغذى خيالى بما ينبغى.

مازلت أذكر كيف حصلت على نسخة من كتاب “رجوع الشيخ إلى صباه” وأنا فى مرحلة الثقافة العامة (الرابعة الثانوى/ 15سنة) فرحت أنقله نسْخا باليد، وأفرض شروطى حتى على إخوتى الأكبر مقابل أن يستعيروه منى، ثم اختفى الكتاب المنسوخ بفعل فاعل،، لعله أبى، (دون أن يذكر حرفا لى، أو لإخوتى، إن كان هو) ورغم أنه كتاب موضوع أصلا للإثارة الجنسية، الا أن طريقة كتابته وصور المبالغة فيه أدت وظيفتها فى استكمال ما لم تتحه لى الطبيعة الحيوانية.

 رحنا نبحث عن فيلم مناسب، واكتشفت أن الأفلام التى هى ممنوعة لديهم، انما تمنع لمن هو أقل من 31 سنة، وتصورت أنهم قد يسمحون عندنا بالأفلام الصريحة والشجاعة بعد بلوغنا المائة، لضمان اننا حينذاك سنكتفى بالفرجة مثل أم جرير أو أم الفرزدق. كان ولداهما يتهاجيان بوصف أمٍّ كل منهما كيف حالها حين أصبحت عجوزا.

ما يزعجنى فى موقفنا هذا أكثر فأكثر، أن القهر والحجر والمنع يأتى من الأصغر، فى حين أن السماح يصدر ممن هو أكبر، وكان المتصور أن يكون الجارى هو العكس، وهذا لا يعنى كما يدعى البعض أن الأصغر منا قد أصبح أكثر تدينا والتزاما، وانما قد يعنى أن الأصغر صار أكثر خوفا وعماء، وأن الأكبر مازال أكثر مرونه وموضوعية، وهذه ظاهرة منذرة، لأنها تشير الى أن الشباب قد أصبح شيوخا، فاضطر الشيوخ أن يحافظوا على شباب الأمة بمزيد من المرونة والحركة والسماح فى مواجهة هؤلاء الخائفين المتجمدين وراء كذبهم على أنفسهم.

 أتصور أن المسئول أساسا عن ضيق الأفق وعتمة الوعى وعلو الصوت الأجوف هو الحكم الشمولى بوجهيه الناصرى والساداتى، وأنه لا بديل لاستعادة شباب الأمة فكرا ومواجهة وإبداعا إلا بالحوار الحقيقى وإنهاء كل ما هو جيش، أو تهديد بجيش، سواء كان جيش يوليو أم جيش أكتوبر أم الجيش الأحمر أم جيش الخلاص الدينى الاغترابى أم الجيش دون جيش.

 وندخل فيلم أكاديمية البوليس، ونضحك بما يفرّج عنا آثار مقالب النصب. أحب أن يكون التافه  تافها جدا، إسماعيل يس فى الجيش/ فى البحرية. ما أعظم تفاهة ذلك.

وفى طريق عودتنا نتواعد أن يكون باكر (الأحد) هو يوم حر تماما، ثم بعد ذلك نتفق، فقد كنت محتاجا إلى بعض الانفراد بنفسى لأتنفس ببطء، وأرى…

(استطراد أثناء الكتابة. القاهرة فى: الخميس 13/2/1986)

مرت على ابنتى صباحا بعد أن كنت قد ألغيت سفرا مصلحيا إلى بلدتى الأصلية فى ريفنا الذى لم يعد ريفاً، ألغيت سفرى هذا محتجا على نفسى رافضا أن أُستدرَجَ حتى فى أىام العطَل، فأستعملُنى “هكذا”طول الوقت لصالح من لم يعودوا فى حاجة إلىّ.

قالت ابنتى هذه ـ تستأذننى ـ أنها ذاهبة إلى بور سعيد، فقرفت كالعادة، فأنا أكره هذه الرحلة البورسعيدية مهما حسبوا اقتصادياتها، ودرسوا جدواها، وأنا لم أذهب إلى بورسعيد ـ كما ذكرتِ ـ منذ أربع وعشرين سنة (1962)، كنت أعمل طبيبا ممارسا فى شركة للبترول، وذهبت هناك لاقوم بكشف دورى أو ما شابه، وأذكر أنى لم أنشئ علاقة معها،أبدا،  ثم حدث الاحتلال فانقبضتُ، ثم الجلاء الجزئى، فرفضتُ، وقلت لا يضحكون علىّ أولاد الكلب هؤلاء فيوهمونى بالجلاء وهم على مرمى البصر، ثم جلوا عن سيناء كلها، فلم يعد لى حجة، لكنى لم أستطع الذهاب مع أسرتى أبدا، كنت أراها أراها ثقبا فى اقتصاد بلدى، يتمتع فيه بالإعفاء ذوو الحيثية والتصريحات الخاصة، وبالتهريب ذوو الذكاء والطرق الخاصة، قلت لا، لكنها “لا” خائبة لا تعود إلا على شخصى، أما بقية أسرتى ـ على الرغم من أنهم مازالوا ضمن مسئوليتى ـ فلم أستطع أن أتدخل فى حركتهم، فأصبحتُ رغما عنى مساهما فيما أكره.

المهم ان ابنتى ستسافر، وأنى سأوافق، ويتكررالمضض، والحمد لله على كل حال،

وبديهى أن أمها ـ على الأقل ـ ستسافر معها، فهذه هى هوايتها المفضلة، لكن ابنتى فاجأتنى أنها ستسافر وحدها، أو مع بنت طيبة تساعدنا فى أمر بيتنا، فتعجبت ولم أعلن رفضى صراحة لكنّها التقطته، فعرضتْ علىّ أن أسافر معها، وهى تعلم ردى فرحت ألتمس عذرا جديدا ثانويا، فادعيت ُ أنى موافق على اصطحابها لو أنها غيرت الرداء الذى ترتديه، وأنا واثق أنها لن تفعل، ولن تصدق، فأنا أعلم عناد أولادى جميعا. وإذا بى أجدها تعود إلى بعد خمس دقائق وقد فعلتها، غيرت الرداء كما طلبتٌ، فوقعتُ فى الفخ، ولم أملك التراجع، ورطنى حذق مناورتى.

وهكذا وجدت نفسى، ـ فى بور سعيد بعد ربع قرن من المقاطعة،  وذلك بسبب زلة لسان خرجت منى لست أدرى متى. كنت مشغولا وأنا أرد!!!!

دخلنا إلى بورسعيد بسهولة استغربتها، لم يكن واضحا عندى أن الخروج غير الدخول، وكنت أحسب أن ما أسمع من قصص هى تجرى على”الحدود” ذهابا وجيئة طول الوقت، وما أن سرنا بضعة أمتار داخل الحدود حتى انقبض قلبى وجعلت أسأل المارة ـ مداعبا ابنتى ـ عن الطريق إلى القاهرة، بدلا من سؤالى عن وسط البلد فى بورسعيد ـ فحذّرتنى إبنتى وكأنها تصدق رغبتى فى العودة الفورية من أن الخروج قد يستغرق ساعة أو أكثر حتى لو أثبتنا لهم أننا دخلنا من خمس دقائق، حتى لو استدرت فى نفس لحظة دخولى.

سألت عن مخبأ أختبئ فيه بعيدا عن السوق والتسويق حتى تنتهى ابنتى ورفيقتها من انتهاك حرمة اقتصادنا، فقالت لى أنها سمعت أنه يوجد على البحر ما هو “هلتون” قلت علىّ به فأى هلتون عندى يمثل لى مكانا مناسبا حيث تطيب لى القراءة والكتابة (وكنت قد أحضرت معى كالعادة خمسة كتب ورزمةورق وسبعة أقلام!!!) ـ ولكنى قبل أن أنسحب قلت “أجاملها”، وأشترى شىئا، أى شىء، فدخلتُ معها محل أربطة عنق، وتشاجرت مع البائعة المحجبة فى نصف دقيقة، (دون سبب فى الأغلب) وانصرفت دون أن أشترى شيئا، ثم اشتريتُ حزاما قبيحا من على الرصيف، أخزى به عين السفرية (ولم يكن مقاسى، وكأن للأحزمة مقاسات ـ لم يكن ينقصه طبعا إلا ثقب إضافى) ومضيت على قدمى وحدى نحو الشاطئ أسأل عن هذا الهلتون الذى سمعتْ به ابنتى، وكأنى سائح كاره متورط، حتى وصلت، فاذا بهذا الهلتون ليس فندقا وانما سوقا تجارية تتربص بى شخصيا،، فتماديت فى السؤال حتى أشفقَ على شاب صغير وقال: تقصد هيلتون ايتاب، وقلت: نعم ـ أى شىء، وطبعا كنت أتصور أنه لا يوجد شئ اسمه هيلتون ايتاب، إما هيلتون وإما ايتاب.

فى مقهى الفندق (ايتاب) وجدتنى أجلس فى مكان شديد الجمال، وليس معى جنس مخلوق، إذ لابد ان جميع زوار بورسعيد فى حالة شراء مزمنة، فجلست محتميا بوحدتى وجمال المكان، وأخرجت أوراقى وكتبى وأقلامى، وقلت لهم ( لأوراقى، كتابى، أقلامى): يختارنى من يشاء منكم.

لم يكن قد مضى على وداع سعيد  سوى أسبوعين، واذا بالهدوء والجمال يُحضرانه ماثلا أمامى  يودع الحياة ببطء راسخ،  لم أفهم ما هى علاقة الموت بالجمال، ولم أستطع أن أتبين من الذى يعاند، الموت زاحفا أم الحياة تستغيث،  تحدثت قبلا عن علاقة الشعر بالسفر، لم أكن أعرف أن الشعر يعرض خدماته حين تفرض نفسها ما نسميها تناقضات، وهى ليست كذلك، لا يوجد تناقض بين الموت والحياة، بين الموت والجمال، كيف ؟ لا أعرف، لكننى لم أجد أى مبرر للاستغراب ناهيك عن الرفض.

السفر الذى يعرّى ويحاور يقارب أطراف ما نسميه تناقضا، يحرك دوائر الحياة نحو بعضها وهو يحرّك الناس نحو بعضهم البعض ليتعارفوا،

 يهيج الشعر دون استئذان، بغض النظر عن مستواه من مثلى، لم أكن أتصور أنه حتى هذا السفر إلى بور سعيد، كالمقبوض علىّ رهن  التحقيق،  يمكن أن يصاحبه هذا التحريك الخاص الذى يجمع الصور إلى بعضها يحاول أن يصنع منها لحنا ما.

كنت أحسب أنى خاصمت الشعر الى غير عودة، بعد أن أكدوا لى أنى طرقت بابه عن طريق الخطأ، وبغير داع، أنا لا أكتب شعرا. الأدوات تفرض نفسها كل فيما يخصصه، ليس لهذه الصور اسم آخر، المكاشفة!! ابتسم صديقى وهو يجز على أسنانه ليخفى عنى الألم، دمعتْ عيناى ، تذكرتُ نقده لرثائه ونحن فى مستشفى ماس جنرال فى بوسطن، لم أكن أقرأ عليه شعرى أبدا، لم يكن يحب إلا الشعر العمودى .بورسعيد، لم أزرها ثانية حتى الآن (أكتوبر2000).أسميتها :”حتى إذا بلغت التراقى”.

ـ 1 ـ

وصاحبى.

يقولُها، يعيدُها، يصارعُ الألمْ.

بلهاء ترعى فى سرابِ الخلـدِ تُفرزُ العدمْ.

ـ 2 ـ

وصاحبى

يلهثُ خلفَ الموتِ، قَبْل الموتِ، جاء الموتُ،

يسكبُ الحياَةَ قطرةً فقطرهْ،

فتطفحُ البثورُ فوقَ صفحة الكلامْ

أقلِّـب الديوان بَحْثاً عن قصيدةٍ مُهْترئهْ

وصاحبى: يروِّضُ الهواءَ،

ينتظمْ.

ـ 3 ـ

مَرْحى انطلاَقةَ التَّحَررِ

مَرْحَى استدارةَ الزَمنْ

[العارُ ياسيدتى الكريمة،

العارُ ألاّ تختفى الأبدانُ.

 أجسادُنا تكبّل الإلهامَ،

تبررُ العفنْ ]

ـ 4 ـ

يُجمّد الجليدُ ذرّاتِ المناوبهْ

لم يبقَ إلاّ ما تبقّى.

ياصاحبى:

لا تطفئ الشموعَ قَبْل الرَّجْفةَِ المسافَِرةْ.

-5-

الآن؟

ليس الآن،  حتّى الآن،

 قبل الآن،

يا نبضها:

 حقيقة الرَّانِ المكثَّفِ فوق قلب الخائبين العزَّلِ.

ـ 6 ـ

يشهقُ فى رتابةْ.

سرٌ توارى فى لحَِاء الشْوكَةِ المزدهرهْ

يحنو عليها ـ تنطلقْ،

يزفِـرُهَا

يطلّ من ورائها الوعدُ الذى لمّآ يعِدْ.

تراقصَ الضياءُ فى  تسابق التتابعِ،

 تُسلِّمُ الَعلَمْ

-7-

..لا سَهْلَ إلا ما جعلتَ منه سهلاَ.

[ شيخٌ إذا ما لبس الدِّرْعَ حَرَنْ،

سهلٌ لمنْ سَاَهلَ، حزْنْ للحزِنْ]

 هل يا تـُـرى تَسَـلـَّمَ القيادةْ؟

هل يا تُرى قد أصبحا فى واحدٍ،

إن قال: كُـنْ، يكنْ؟

ـ 8 ـ

دائرةٌ حائرةٌ،

تقولُ؟ لا تقولُ؟ تَعْتَِملْ

[لم أبدُ يوما، لاَ،  ولمّا أستَتِـرْ]

يا بيضةَ الحَجَرْ

لا تَفْقِسِى الكآبهْ

ـ 9 ـ

يعاودُ الشهيقَ، والزفيرُ يرتقبْ

ليست كتابةٌ كما الحسابْ

فالقولُ: للأحلامِ، لِلْجُنُونِ، للسَّرابِ، للعبثْ.

القول: للعذراءِ، باحتْ؟ لم تَبُحْ.

لا، ليس سرّا أننا لمّا نكن أبدا سوى ما لم نكُـنْهُ.

-10-

ماءٌ تَزَمْزَمَ، يقصفُ القَلمْ:

لبّيكَ، مرسِل اللواقحْ،

لبّيكَ، ينزلُ المطرْ،

لبّيكَ، وعىُ الناسِ يزدهرْ

 لبّيكَ، ريحُك الذرات والتخلّق الضفيرهْ

لبّيكَ، عادتْ نحو عُشِّهاَ اليمامهْ،

لبّيكَ، أفلتَتْ من قبضةِ العَدَمْ.

ـ 11 ـ

إيقاعها انتظمْ.

الحمدُ للَّذهاب للمجيِء للدوائرِ النغمْ

تَسَّّـاقطُ المشاعلْ

تحشرجَتْ فى سَـمّ خيطٍ أفرزتهُ دورة المشانقِ

يشحذُ سنَّ شوكةِ المحاوَلهْ

خيّبتُ ظنّ الموتِ،

لم أستترْ

 لم أمْحُ نبَْضَ الحُلَمِ.

سارعتُ أنفخُ المقولةَ القديمةْ،

دارتْ تئنُّ

ترَّددَ الصَّدَى.

ـ 12 ـ

هذا، ولمّا كان يوُمُها بلا غدِ،

وريحُها بلا اتجّاَهْ،

مزّقتُ ثوبَ الشِّعْرِ،

 تراجعتْ قصيدةٌ وليدةٌ، وأسبلتْ جفونَها

 فى وَعْدِها القتيلْ

ـ 13 ـ

 فى كلِّ وِجهةٍ نبى.

أجاءها المخاض عند جذع نخلة.

يعاِودُ الشهيقُ، يُشهد الزهورَ والحقبْ:

{“ما مضّنِى سوى الزَّفير ينتحبْ،

ما هدَّ ظهرى غيرُ طوْطَم الَبكَمْ.}

ـ 14 ـ

غَافَلَنَا َ بلا ودَاعْ

أَرْخَى سُدُولَـهَا.

نظر إلىّ سعيدٌ معاتبا، لكنّه لم يتخل عن ابتسامته، على الرغم من هجمة الألم. لم أعرف ماذا اقترفتُ  حتى يعاتبنى، لكننى تأكدت من أن عنده حق، أهْمَلَ القصيدة تماما. لم يطلب منى أن أقرأها عليه مثلما فعل فى بوسطن حين رثيته حيا. هل مات؟  أنا أيضا لم أجرؤ أن أقرأها بعد أن انتهيتُ منها، لم أعُدْ لها إلا الآن (أكتوبر 2000).

ألتفت حولى فاذا بالمكان نصف ممتلئ فقد قاربت الساعة الثانية، ألمح على مائدة بعيدة، يسمح لى وضعها أن أرى متحلقيها دون أن يرونى، ألمح زملاء بالكلية ورؤساء بالجامعة من كبار القوم جاؤوا يتناولون غداء ويتبادلون كلاما، فأجدنى رافضا تماما، رافضا ماذا؟ لم أحدد.

أنقل بصرى بينهم وبين القصيدة. أقيس المسافة فأجد أنه يستحيل…، يستحيل، يستحيل ماذا؟ يستحيل والسلام.

أنظر للقصيدة وأقول لها: اخترتِ وقت وموقع ولادتك قبل أن يحضروا، وإلا فما كان لك  أن ترى النور أبدا. بحثت عن ابتسامة سعيد، لم أجدها، لم أجده. هل مات؟

 قبل انصرافهم، يلمحنى أقرب واحد منهم، شخص مهم جدا، (ش.م.ج.) شمجىُّ ، يأتى للسلام، و يصمم أن يواعدنى لأغادر معهم المدينة ليمررونى من الجمرك دون رسوم. رسوم ؟ رسوم ماذا؟ هل يأخذون رسوما على كتابة الشعر؟

تلكزنى القصيدة فى وعيى.

تدور أمامى دائرة قبيحة بين التهرب من الضرائب، والشطارة فى الجمارك، ثم إعلانات بأسمائهم فى قوائم تسديد ديون مصر..!!! وقوائم بترشيحات الحزب الوطنى.

أتعجب كيف يكون الموت بكل هذا الحضور، وكيف نتبادل المواعظ فى المآتم، لكننا نبدأ النسيان ونحن نقبـّـل بعضنا البعض مع انصرافنا من السرادق، أو قبل ذلك بقليل.

تحضر ابنتى محملة بأقل القليل، ربما خوفا منى، ونمر من الجمرك فيما يقل عن نصف ساعة فتفرح ابنتى بسلامتها حيث كانت تتصور أننا لو تأخرنا أكثر فقد أقتلها  ـ جاءت سليمة.

أشعر ان السفر هو السفر، وأسأل نفسى:

إذن لمَ لا أكمل هذه الترحالات بالحديث عن تجوالى فى ربوع بلدنا ؟

فهمت أدونيس وهو يقول فى رحيل صلاح عبد الصبور:

“الموت ! ذلك الشعر الآخر !!

أردد مكملا :

“ذلك الترحال الآخر”.

هل الشعر إلا ترحال؟

 

الفصل الثانى

(الفصل الثامن: من الترحالات الثلاثة)

ويا ليتنى أستطيب العمى !

 

وأخْجَلُ أَنْ تستبينَ الأمورُ فُأُضْبَطُ فى حُضْنِها، الغانية .

فأزعم أنّى انتبهتٌ، استعدتُ، استبقتُ ، استبنتُ، ..

(إلى آخرِهْ!!)

ويرقُصُ رقّاصُها فى عنادٍ، فتنبشُ لحْدَ الفقيدِ العزيزِ ، تُسَرّب منه خيوطَ الكَفَنْ .

أخبِّئها فى قوافى المراثى لأُغْـمــِدَ سَيْفَ دنوّ الأجَلْ .

……

فياليته ظلَّ طى المحالِ ،

وياليتَها أخطأتْها النبالُ ،

وياليتنى أستطيب العمى.

الخميس 5/6/1986 (يوم الكتابة)

البين عملنى جمل واندار عمل جمّال

ولوى خزامى وشيـّلنى تقيل الاحمال

أنا قلت يا بين والّله الحمل ما ينشال

لم  أفهم – من قبل –  كيف أن الفراق (البين)، أو الهجر،  يمكن أن يصبح هو القائد الآمر (الجمّال)، ولا أنا كنت أتصور كيف يمكن أن أسلم له قيادى (جملا) مخزوما محملا بما لا أطيق، ولكنى رأيت ذلك رأى العين،

أكتب هذا الفصل، وقد بعدت الرحلة عنى عامين بالتمام، فَقُربت منى عمرا كاملا. فى “هذا اليوم” تحركت ذكريات قديمة مريرة وغائرة، فهزت ذلك السكون الزاحف على السطح: همودا ويأسا.

ذلك أنه لما طال الأمد، وجثم الموت، بدا لى أن أعظم حكمة يمكن أن أكمل بها أيامى هى أن أكف عن الحركة تماما: عن الكتابة، عن الحماس، عن الأمل، وعن الإصرار، وعن الحوار. خيل إلىَّ أنى بذلك أعيش الموت، وفرق بين أن تعيش الموت، وأن تموت، وأن تقرر الموت، قلت أعيش الموت، كما فرضته على رؤيته “فى” صديقى الراحل… ثم “فى” صلاح جاهين، ليس حزنا عليهم كما يحب الناس أن يتصوروا اختزالا للمشاعر، ولكنى قررت أنى أحق الناس أن أمضى بقية حياتى متفرجا ساكنا، وكأنى انتقلتُ إلى هناك مع “وقف التنفيذ”، فبدلا من أن أفرض بنفسى قَدَرًا غير مضمون مثل فعلة صلاح جاهين الرصينة، قلت أجرب قدرا ساكنا أراقب به ـ متفرجا ـ عبث هذه الأيام المفاجئة، ثم أرى:

ذلك أننى ما كدت أودع صديقى فى الفصل السابق حتى فعلها صلاح بمنتهى الشجاعة (وربما منتهى النذالة!!) . أنا لا أْعرف صلاح “معرفة” تسمح لى بأن أتحدث عنه وكأنه صديق، وإن كنت قد قابلته بضع مرات فإن ذلك كان يبعدنى عنه أكثر فأكثر، (بقدر ما كان يقربنى منه بعدى الجسدى عنه)، لكنه حين رحل (ولا أقول مات) ـ عمّق فىّ معايشتى لخبرة الموت، وكأنهما ـ صديقى فصلاح ـ قد أطلقا من داخلى إلى أعماقى تلك الصرخة المكتومة، المُفيقة الخاذلة، المتحدية الخبيثة، فتحرك المارد المتربص زاحفا، ساحبا وجودى إلى بؤرة السكون.

تحضرنى  بقية الموال فتصل بى إلى ذروة الإفاقة :

قال: رِق الخطى ياجمل وامشى على مهلك.

دا كل عقدة لها عند الكريم حلال.

ليكن: أتسحب معه ـ مخزوما ـ إلى بؤرة الدوائر، حاضر: أرقّق الخطى، وأمشى على مهل، لعلى أرى أكثر وأنا فى جوف السكون، فيخيل إلىّ أننى همدت بلا اتجاه، ولا تيه ولاحركة، حتى الرفض الذى كان دائما “فعلا”. وجدته أنه قد قبع فى عمق اللافعل، بدا لى أن بعض من حولى قد لاحظ ما طرأ علىّ فتركونى وشأنى مقدرين منتظرين، يذكر لى إبنى الأكبر أنه قد أجل مفاتحتى فى أمر ما “حتى أفيق من موت صلاح جاهين” فتعجبت كيف أبدو “هكذا” أمامهم كتابا مفتوحا. حاولت أن أخفى نفسى فى مزاح، أو نقاش، أو عمل، بلا جدوى، وتصوّر ابنى أنه إنما فقد “عمه” صلاح، وما هو بعمه، وما صلاح بأخى، بل الأرجح أنه إبن لى رغم حكمته ورائع أعماقه، ثم إنى لم أرعب أبدا من الموت، ولا أنا رافض له أبداً. هذا الموت ـ موت صلاح بعد صديقى ـ لم يهمد حركتى إلا ظاهريا، فقد تحركت فى داخلى يقظة ساكنة، منسحبة، لكنها مليئة بزخمٍ ما،

هذا الحزن الهادر فى الداخل هو ثروتى طول عمرى،

 فما لهم لا يرون ما وراء مظهر السكون؟

خجلت من هذا التعرى الفاضح، وكأن حزنى لم يعد ملكى، مع أنهم لم يحيطوا به كما هو، فرُحت أتسحب أمامهم لأمارس شكلا آخر من الحياة، لعله أقرب إلى ما يفعلون، لكنه بالنسبة لى، أبعد ما يكون عمّا أعرفه من معانى “الحياة/ الحركة/ التحدى/ التجاوز” إلا أننى اكتشفت أن ذلك التسحب المشارك ساعدنى أن أعاود الاختباء لأتستر على ما استيقظ فى أعماقى من موتٍ حى، فأخذت أطيل الجلوس “معهم” (أولادى) أمام التليفزيون الذى لا أحب فيه إلا ألوانه وبعض قديمه، ثم بعض الجديد ذا الرائحة القديمة، كما رحت أحل الفوازير وأتابع مغامرات “ماندو” و”وردشان”، وكأس العالم: حتى استطعت أن أقارن بنجاح نسبى بين مارادونا (الأرجنتين) وعزيز بو درباله (المغرب) وأنا لا أعرف فى الكرة “الليبرو” من “القشاش”، ثم عدت أستجيب للإدلاء بأحاديث صحفية من النوع الفاتر المُعاد بعد أن كنت قد قررت أن أتجنب مثل هذا النوع من الأحاديث “تحصيل الحاصل” ـ وكأنى أعدت بكل هذا النشاط القهرى تحريك ظاهرى لمجرد أن أدارى به صمتى الزاحف، فراح كل ذلك يصب فى “مركز السكون” فأزداد انسحابا منتظرا أمرا ما.

 رويدا رويدا أكتشف أن هذه النقطة المركز ليست إلا بؤرة دوامة بالغة النشاط. هى لا تبدو ساكنة إلا لأنها تدور بسرعة أكثر من أن تُلاحـَـظ، ثم هى تبتـلع ـ فى صمتها الدائرى ـ كل ما يصل إليها من أحداث، وآمال، وخطط، ـ فتحتوى المستقبل كله حتى لو بدا بلا حراك.

 هل رحلتَ يا صلاح ياجاهين فى لحظة شُحذ فيها وعيك حتى أدركت استحالة السكون واستحالة الوعى بهذه الحركة معا، فاستسلمت للزحف السرى الجاذب إلى عمق بؤرة الدوامة، لتتركنا ـ ياصلاح – فاغرى الأفواه، لا نكاد نشعر بكثبان الرمال المتحركة تحت أقدامنا؟ أنا على يقين ـ دون دليل محدد ـ من أنك لم تكتف بالاستجابة لنداء ليس من صنعك أنت، فما بلغنى ـ هكذا ـ منك وعنك أنك لم تودعنا مستسلما، بل متحديا مصمما، مخرجا لنا لسانك، حيث أقدمت شجاعا تحسم مصيرك بعد أن عجزت عن تلقى زخم إبداعك كله بما هُوَ، أتقمصك يا صلاح فأزعم أنك رفضت أن تموت بفعل الملل ـ بعد طول الصبر (الصبر طيب ـ صبرأيوب شفاه، بس الأكادة مات بفعل الملل)، كما رفضتَ إلا أن تحاول بنفسك رغم كل محاولاتك الرائعة السابقة. قررتَ هذا الاختيار لمّا نسيناك ـ شخصا ـ فى زحمة انبهارنا بنتاجك. فلم تجد عشا يحتويك بعد كل تحليقة من تحليقاتك، فاختفيت فى طيات السماء مثل طائر النورس الجميل بلا عشوش، ولا رفيق (طيور جميلة بس من غير وشوش،  قلوب بتخفق إنما وحدها) .

هل كنت يا صلاح تجيب  ـ بما فعلت ـ  عن سؤالك إن كانت الحياة “كده كلها فى الفاشوش”؟ لا أوافق.

“طيب”!! فأين ـ حلاوة الشقشقة، رائحة نسيم الصباح، رقة السماح، دغدغة الفجر، همس الورود: ألست أنت الذى كنت تصارع مصيرك هذا بضده، فاتحا دائما باب الغد الحامل لألف ألف احتمال، ثم لم ترجح ـ فى النهاية ـ يابو صلاح إلا “هذا” الإحتمال بالذات، فى هذه اللحظة بالذات، فأستقبله أنا، “هكذا”!!

فكتبت أعاتبك يا أخى فسامحنى.

هكذا ألقانى رحيل صلاح ـ بعد صديقى سعيد ـ إلى ما تصورته سكون الحكمة، فإذا به دوامة الإنسحاب، وإذا بدوامة الانسحاب هى هى مركز الانطلاق. لم أدرك هذا التضمين الخفى إلا حين اضطررت لكتابة هذا الفصل تحت قهرالوعد والقصور الذاتى فأتذكر كاريكاتير صلاح جاهين اليومى الملـزم، فربما هو الذى حافظ عليه لنا طول هذه الفترة ـ حافظ عليه ما طال عمره رغما عنه من يدرى؟،

أمسك القلم لأواصل كتابة الرحلة، أو لأستجيب إلى تسجيل هذه السيرة الذاتية الضاغطة، أو لأحاول المكاشفة من خلال تلك المواجهة المتحدية.

مع دورات الليل والنهار  تتسرب الحقائق من وعينا فلا يبقى منها إلا ما نقدر على استيعاب بعض أطرافه مما يدفعنا إلى الاستمرار بشكل ما.

ومع دورات الليل والنهار يعود إلينا ما يمكن أن يقترب منا لنعيشه أقدر. هذا ما كان. بعد هذه الإجازة الإضطرارية بعيدا عن القلم، والأمل، والحوار، والحركة،

بعد هذا الرضا بالتصنم أمام حقيقة الموت راح يدب فى “وجودى” انبعاث آخر، فنشطت حركة ما فى إتجاه ما، حركة لم أشعر أنها تمت إلى الحياة بصلة مباشرة، فهى لا تعـِدُ بنقله، ولا تلوّح باختيار، وأتبين احتمال أنها تكرار لنص قديم،

لعلّ من أكبر نعم الله علينا أن سمح لعظة الموت التى نتذكرها بالكاد كلما فقدنا عزيزا، جعلها تتسرب بنعومة واثقة،

عثرت أثناء بحثى عن الفصل الرابع فى هذا الترحال (أنظربعد) على ما جعلنى أضبط نفسى متلبسا بهذا التسرب العظيم .

وأزعم أنَّ القناعَ القديمَ تساقطَ حتَّى استبان المدارُ، يبشّرُ بالمسْتحيلِ:

إِذَنْ؟

 وتسرى المهارُبَ تْنحَتُ درباً خفيًّا  بجوْف الأمل ْ،

 فأخْشَى افْتضاحَ الكمائِنَِ  نسف الجسور، وإغراقَ مَرْكبِ عَوْدَتَنا صَاغرينَ ، فَأُمْسكُها، تَتسَحّبُ بين الشُّقُوقَ، وحَوْلَ الأَصَابع، َتمْحُو التَّضَارِيسَ بين ثَنَاياَ الكلامِ، تُخَدّر موضعَ لدْغَ الحَقَائقْ ، تَسْحَقُ وَعْىََ الزُّهَور ِ، ولحَنَ السَّناِبلِ.

مَنْ؟

لماذا الدوائرُ رنُّ الطَِّنينِ ، حَِفيفُ المذنّبِ ، يجرى ، بنفسِ المسارِ لنفس المصير، بلاَ مُستِـَقرْ ؟

 لماذا نبيُع الْهُنَا الآن بخساً بما  قد يلوحُ ، وليس يلوحُ ، فنجَتُّر دَوْما  ُفتَاتَ الزَّمَْن ؟

لماذا الوُلُوجُ ؟الخُروجُ ؟ الدُّوار؟ لماذا  اللِّماذا؟ ؟

فَمَاذَا؟

وأخْجَلُ أَنْ تستبينَ الأمورُ فُأُضْبَطُ فى حُضْنِها

الغانية .

فأزعم أنّى انتبهتٌ، استعدتُ، استبقتُ ، استبنتُ، ..

(إلى آخره!!)

ويرقُصُ رقّاصُها فى عنادٍ، فتنبشُ لحْدَ الفقيدِ العزيزِ ، تُسَرّب منه خيوطَ الكَفَنْ .

أخبِّئها فى قوافى المراثى لأُغْمِدَ سَيْفَ دنوّ الأجَلْ .

فياليته ظلَّ طى المحالِ ،

وياليتَها أخطأتْها النبالُ ،

 وياليتنى أستطيب العمى

فهمت من شعرى أن الرثاء ، حتى الرثاء ، هو محاولة أن نخبّئ عن أنفسنا حقيقة الموت (أخبِّئها فى قوافى المراثى لأُغْمِدَ سَيْفَ دنوّ الأجَلْ).

خبّأتُ حقيقة الموت عنى، طنبلت عنها، (كلمة عربى جميلة عثرت عليها مؤخرا) فلاحت لى إمكانية العودة.

عدت إلى القلم حاملا عشقى للحياة، ،

خجِلا من سبق إعلان مغازلتى للموت،

 راضيا بأى درجة من الغفـلة تسمح لى بالاستمرار.

(وياليتنى أستطيب العمَى)

أى غفلة هذه، وأى عمى يمكن أن أستطيبه والنتيجة أمامى تتحدانى لتصادُف عودتى للكتابة فى نفس هذا اليوم الحزين، 5 يونيو، حزيران الكلب. كنت أحسب أننى تخلصت من مرارته بما تحرك بى مع نصر أكتوبر من استعادة توازنى حتى الفخر والزهو بما هو أنا، نعم، مع نصر أكتوبر: بما صاحبه وسبقه ولحقه من عودة احتمالات الكرامة، ونسائم الحرية. لكن يبدو أن المرارة كانت قد تجمدت فى نخاع وجودى، منتهزة فرصة أننى على ألفة جاهزة بكل ما هو مؤلم، ربما لأبرر به وخز الرؤية ونزف الوحدة، أبدا… ذلك شئ آخر لا يبرره تكوينى المستهدف للألم والمرارة، شئ  يعاودنى مع كل عام بهذه المناسبة التعيسة: خمسة زفت، يعود ليلبسنى بلزوجته الحارقة، منذ أن اقتحم كيانى داهسا كرامتى، ساحقا وجودى.

 فى ذلك اليوم تحديدا أو فى تلك الليلة (7 يونيو 67) استبنت ما كان، ـ نعم هو هو نفس الشعور ما زال يعاودنى: يجثم على أنفاسى، هو نفس الغول يحتوينى من كل جانب بملمسه الرخو الحارق، وتشوهات سطحه الغائرة المعقدة مثل جوف حبة عين جمل عطنة. أنا لا أعلم تحديدا ما هو طعم منقوع الحنظل، ولا مذاق ماء النار، ولا رائحة نتن الجيفة داخل القبر، ولا كثافة لسع الزنابير الهائجة معا بعد هدم عشها مباشرة، ولا بشاعة التهام أسراب الجراد للأخضر الممتد، ولكننى أكاد أعرف أنه لو اختلط كل هذا بكل ذاك لما عبـّر عن عشر معشار ما اقتحَم وعيى ذالك اليوم حتى طمس معالمى داخل الكتلة من الخِزى المرير، والمهانة المفضوحة.

 فى ذاك اليوم تعرى أمامى “والدى” الذى لم أخترْه، تعرى غبيا مغرورا وهو يتشدق بزعم تحمل مسئولية لا يعرف أبعادها ولا آثارها على واحد مثلى ـ فما بالك بالأرقّ حسا والأصغر سنا، والأكثر ثقة فى عنفوانه وحمايته، أحسست يومها ـ ولا مؤاخذة ـ أنى طفل أدفن رأسى بين ساقى والدٍ ضخم يرتدى جلبابا بلون النيلة، أدفن رأسى بين ساقيه احتماء به من مجهول، فإذا به يضغط على رأسى الصغير حتى يفقأ عينى دون أن أتصور إلا أنه يحمينى حتى من الرؤية، فأزداد غوصا بين ساقيه، فرحا بمزيد من الحماية، لكنى أكتشف أنه إذ أمسكنى هكذا مكّن منى أسفل أوساخ المشردين من الصبية الأوباش، يعرون مؤخرتى، فيعبثون بها تحت سمعه وبصره، و أزداد تمسكا به ودفسا لرأسى بين فخديه، ومع زيادة عارى وخجلى وعجزى أكاد أسمعه وهو يعلن عزمه على أنه سوف يغادر الميدان، (ويتركنى هكذا)، محنىّ الظهر، عارى المؤخرة، وأن هذه “هى مسئوليته”، عما كان!! فأرعب: طفل أعمى، مجروح الكرامة، فاقد الوعى، مطموس البصيرة، مشلول الحركة،، يتركنى أبى ـ مهما كان ـ هكذا؟ ساحبا ساقيه المرتعشين دون أن يشعر بالتفاف ذراعى القصيرين حولهما، فأزداد التصاقا بمخبئى الوحيد، حتى لو أدى ذلك إلى أن يتمادى الصبية الأوباش فى العبث بمؤخرتى، بإذنه، أو بعجزه. ياساتر،

أى ذكريات وأى عار، وأى قلب للأمور، والناس والتاريخ يحاسبون القادة مثل حسابات التجار، كم خسر وكم كسب، وماذا خسر وماذا كسب، مع أن الحساب الحقيقى ينبغى أن يتضمن أخطاء تجـُب كل ماعداها من إنجازات، كما قد يتضمن إنجازات تجب كل ماعداها من أخطاء، فإن لم يوجد هذا أو ذاك، فدع الحساب يتم بالقطعة، واحدة واحدة، وأكتشف أنى لـن أسامحه أبدا على هذا الموقف، ولا أعفى نفسى بالاعتذار بطفولتى، أو باستسلامى لأبوته، فأنا الذى غرستُ رأسى بين طيات ثوبه بلون النيلة، وأنا الذى فقأت عينى بالاعتماد عليه، وأنا الذى أطلت فى أجَله بتشبثى بساقيه، ومن فرط حدة عودة هذه المشاعر فى كل مرة، هكذا هى، أشعر أحيانا أنه حتى لو ذاب كلى وتلاشى جسدى فلن يزول طعم الحنظل هذا مع زوالى.

 زاد من مرارة طعن هذا العدوان ـ عدوان أبى المفروض علىّ المقتِحمِ لو جودى- أنى سافرت سفرتى الأولى إلى باريس عام 1968 لأفاجأ بصور موشى ديان “البطل” وهى ملصقة على جدران باريس تعلن عن فيلمٍ ما، بطولة القرصان الأعور، وكلما أطل على وجهه بضخامته امتدت يدى إلى مؤخرتى أحاول أن أخفيها عن الأعين، فيصيبنى الغثيان.

حين أعود إلى باريس، أتابع عيونى وهى تبحث أول ما تبحث عن صور القرصان الأعور قاهر الآباش، وكأنها ستظل تطل علىّ فى عيون الخواجات بقية عمرى، أمد يدى  أتأكد من وضع سترتى تستر عريى. أتابع عيون أولادى فلا أجدها تفعل مثلى، وأتساءل عن موقف هذا الجيل الذى لم يتذوق أصلا أمل الحرية، كما لم يتجرع بعد ذلك كأس الهزيمة بعد الخدعة، ولا أعلن لهم عن طبيعة ما أبحث عنه، ولا عن عمق سخطى على والدى الكاذب أو المخدوع (= سواء)، فلا هم سوف يدركون، ولا هذا مجاله.

أملتُ أن تكون رحلتى إلى باريس ذلك العام بداية تصالح مع جانب آخر من موقف غير شخصى. يخيل إلى أنى أعتبر رحلتى إلى باريس بالذات فرصة متجددة لإعادة النظر، لأنها كانت كذلك فى تلك السنة المزدحمة بكل هذه التغيرات (68/69)

7سبتمبر 1984(عدنا لأيام السفر)

كنا قد اتفقنا على أن يكون اليوم هو يومٌ حُر، يفعل فيه من يشاء ما يشاء، فانطلق الأولاد مع أمهم، وبقيت أتمتع بحريتى المزعومة، وإذا بى أكتشف أن هذا الزعم بالحرية الانسحابية، هو ـ أيضا ـ من ضمن الخداعات الأساسية التى تلوح بها “الوحدة”. أغلب من يعرفوننى، أو قل يعاشروننى يتصورون ـ فيما يشبه الاتهام ـ أنى عاشق للوحدة، مفضل لها عن أى صحبة مهما أبديت غير ذلك. أكاد أصدق ما يروْن، فكم أتصور أنى أريد أن “أكِنّ” بعض الوقت، أو طول الوقت، فيبدو ذلك وكأنى أفضّل أن أكون “وحدى”، وما هو كذلك تماما، ذلك أنه حين يقفل الواحد منا أبواب مُثيرات الخارج فهو لا يعيش وحدته أو عزلته، بل هو يفتح الأبواب فى ذات اللحظة لساكنى الداخل، يتحركون ليؤنسوه، ويؤنسهم، فأىن الوحدة.

 تركنى الأولاد مع زحام الداخل وظاهر الوحدة فما كدت أستشعر نفسى معى، حتى تبينت أنى لست كذلك، فاليوم هو الجمعة، وأنا حريص دائما على صلاة الجمعة فى جامع باريس بالذات مثلما كنت أفعل منذ خمسة عشر عاما، حيث كنت أذهب بانتظام باحثا عن ملامح إسلامٍ لم يعد له ملامح، مكررا محاولاتى ـ بوعى فاتر ـ لتوطيد أواصر الانتماء إلى أهل دينى. ورغم الإحباط المتكرر فإنى مازلت أصرعلى “بعثِ ما”، يؤكد لى حقى فى التمسك بفطرتى ـ دينى الحنيف، أفعل ذلك رغم إصرارهم على غير ذلك، الخيار المطروح هو إما أن أتبع تفسيرهم المقولب المتجمد، وإما أن أجمح سائبا شاطحا مغرورا، وأنا أبداً: لا أستطيع لا هذا ولا ذاك.

 ثم تذكرت أن اليوم هو أيضا موعد “غداء العمل” أو “دعوة التعارف” مع الجانب الفرنسى ـ تلك المناسبة التى دعانى للمشاركة فيها الأستاذ محمد حلمى شاهين وهو الذى زرته أمس الأول فى فندقه بشارع ريفولى ـ فطردتُ عنى أى أمل فى استراحة منفردة، وقلت يبدو أن هذا اليوم ليس يومى ولاهو “يوم حر” ولا يحزنون.

أديت صلاة الجمعة فى جامع باريس بنفس الطريقة، وبنفس الدوافع، وبنفس الاحتجاج لما أصاب جوهر ما أُنزل على نبينا الأمى، فقلب نبض إيماننا الى هذه الرتابة المملة، التى تـُــلقَى فى خطب الجمعة فى تـكرار منفر. كان صوت الخطيب يأتينى ممدودا وكأنه ينطق اللغة العربية بلهجة فرنسيةِ أهل الجنوب الغربى فى مقاطعات “الباسك”. أنا لم أفهم أبدا سببا لكل هذا “الزعيق” الذى يلجأ اليه هؤلاء الخطباء، ولم أفهم أيضا سر هذا التمايل فى غير نشوه، فلا زعيقهم يوقظ الوعى، ولا حتى يخدّره، ولا تنغيمهم يطرب السامع أو يشجيه، فماذا لو تكلموا مثل سائر البشر: أبسط، وأوضح، وأقرب، وأسهل، مهتدين طول الوقت بثقة اليقين لا بعـلو النبرة، وبوضوح الفطرة لا بتهييج النعرة، وقد تيقنت من قديم أن الحاجز الذى بينى وبين خطيب جامع باريس ليس مرده فقط إلى اللهجة المطاطة وصعوبة المتابعة، وإنما هو يرجع أساسا الى قِدَم المحتوى واغتراب الرسالة التى يريد توصيلها، إن كان يريد توصيل شئ أصلا، كنت أجد نفس الحاجز فى مساجدنا فى بلدنا رغم وضوح اللغة وسطوع البيان (أحيانا)، حتى أنى رحت أفضل أخيرا أن أحرم نفسى من ثواب حضور الخطبة فى مقابل ألا تصرفنى الخطبة عن علاقتى البسيطة والمباشرة بفطرتى التى فطرنى الله عليها، وحاجتى الملحة إلى مجاورة الناس البسطاء من أهل دينى فى صف واحد بحثا عن توجه واحد، وباستثناء فترة الاخوان المسلمين فى صدر شبابى حيث كان بعض خطباء الجماعة ينجح فى أن يربط بين ما هو ديننا، وما هو فعلنا، وما هو يومنا، وما هو انتماؤنا السياسى وجهادنا الوطنى (مثل سعيد رمضان أو محمد الغزالى…الخ) باستثناء هذه الفترة أنا لم أتصالح مع أغلب خطباء الجمعة ممن يستهينون بفطرتنا وذكائنا جميعا، وفى تصورى أنه لم يبق من الخطب الدينية إلا خطابة رسمية مأجورة أو خائفة أو تافهة، ثم على الجانب الآخر: خطابة عمياء مندفعة متعصبة مهيّجة، وأنا لم يعد انتمائى الأوسع يطيق الأولى فلست فى مدرسة للتربية الفكرية ، كما لم يعد وعيى المُسامح يحتمل الثانية، حيث أنى على يقين يرجح أنى لو لم أولد مسلما لعجزت أن أكون مسلما بسبب هؤلاء. مازالت هذه العبادة الأسبوعية تمثل لى أملا فى مشاركة، وحرصا على جماعة، وإصرارا على فطرة نقية مهما طُمست بفعل الخوف أو التعصب، يتأكد ذلك أكثر فأكثر وأنا فى الغربة. لم أجد أبدا ما أريد، لكن الأمل لا ينقطع.

ثم أنتقل من الاغتراب فى مسجد باريس الى الغربة فى وليمة عـِلية القوم من الفرنسيين فى مطعم فى الحى السادس عشر على ما أذكر (زمالك باريس!)، وكان علىّ أن أمر بالفندق الذى ينزل فيه الأستاذ الدكتور حلمى شاهين الذى تفضل بدعوتى الى ما دُعى اليه، وجدته فى انتظارى فى بهو الفندق الفخم، ثم تهبط زوجته الفاضلة لتلحق بنا، والاثنان يتكلمان الفرنسية معا كأهـلها ـ وربما أحسن! ـ يتكلمانها معا فى غير وجود فرنسيين، أما أنا فقد رحت أشاركهما الإيماء والرد بالعربية كلما فهمت شيئا، ويتركنا الأستاذ الدكتور الشيخ ليتكلم هاتفيا، ثم ينبه رجل الاستقبال إلى مكاننا حيث ننتظر، فظللنا “نتجاذب أطراف الحديث”، ولأول مرة أفهم هذا التعبير فهما جميلا مناسبا، فنحن، فى مثل هذه المقابلات الفخمة والمحسوبة، لا نتحدث، لا نغوص إلى وسط الحديث ولا نلامس بدنه، ولكننا ـ بالكاد ـ نتجاذب أطرافه، يا حلاوة!! هكذا يكون التعامل الرقيق، الراقى، المتحضر، والحر، ولكن المأزق عندى، أنى آخذ المسألة جدا معظم الوقت، وأتصور أن “الحديث” لكى يكون حديثا، لا ينفع أن نكتفى بلمس أطرافه، الحديث فعلٌ مقتحِم، الحديث معنى فحل، الحديث…،

أطرد هذه الخواطر بعد أن كدت أقترب منها معـلنا بعضها، فيلتقط مضيفى رائحة ما عرجتُ إليه دون تفصيل، فيترفق بى، ويمتدح بعض ما ينـشر لى أحيانا فى الصحف المصرية، وهو أقل الأمور دلالة على ما هو أنا، فأحمد الله أن ثمة شيئا يقدمنى إليه متجاوزا الأطراف، فأنتهز الفرصة بفضل تفضله الدمث لأكسر حدة بَكَمِى الذى يبهتنى حين أواجه بالمحتوى والطريقة التى يمضون بها أوقات الانتظار هذه.

يدخل علينا فى بهو استقبال الفندق وجيه من الوجهاء، ويسأل فى لطف عن الأستاذ الدكتور، ويقول فى همس مسموع (كأنه يلمس هو الآخر طرف الحديث حتى دون أن يجذبه) أن السيارة تنتظرنا فى الخارج، وينصرف متقهقرا فى رقصة بالية متسقة، فأخذت أتتبع خطواته الرشيقة وهو يتسحب مائلا، ثم ينطلق بعوده السمهرى (أى والله: السمهرى!!) إلى الخارج، فيتمهل السيد الأستاذ الدكتورحلمى شاهين، وتستأذن زوجته لتأتى بمعطفها (أو ما شابه) ثم تعود ليصحبانى إلى الخارج، وأنا أتمنى أن يجدّ ما يحول دون استمرار كل هذا، وأتوجس حرجا أكبر فى المجتمع الفرنسى الذى ينتظرنى، فإذا كنت لا أقدر على متابعة لغة مضيفىّ الفرنسية، وهما المصريان لحما ودما، فماذا سأفعل مع عـِلية القوم من الفرنجة وأنا المدعو بصفتى أمثـّل ـ كما ذكر لى الداعى ـ جانبا من الهيئة الطبية المصرية؟ فدعوت بالستر وأقدمتُ أكثر، وما أن لَمَحَنا “السمهرى” حتى اسمَهَـرّ أكثر، ثم انطلق يفتح باب السيارة للسيدة، ثم للسيد بجوارها، ثم لى بجواره، وجعلت أتأمل هذا “الوجيه” الوسيم، مثل نجم سينمائى أبهى من محمود يس ومصطفى فهمى (الآن) ومن كمال الشناوى وأنور وجدى (زمان) ـ كيف يكون هذا الوجيه مجرد “شوفير”؟ (فمثل هذا الفتى لا يصح أن يقال له “سائق” فضلا عن “سواق” فلزم التعريب) ـ ثم إننا ذهبنا إلى المطعم الفخم، فقابلنا واحدا باشا جدا لكنّه أىضا يقوم بخدمتنا، فى الأغلب،  بدا لى أنه إما رئيس الوزراء أو عميد الأطباء أو ـ على الأقل ـ رئيس مجلس إدارة المطعم، فأخذت عيناى تدوران فى المكان تبحث عن مطعم مثل المطاعم فأعجز أن أجد موائد أو كراسى تطمئننى، فليس إلا صالة رحبة، وأركان جميلة، ويتقدمنا هذا “الرئيس الجليل” ليعرج بنا إلى جناح على ناحية، فنجد فى استقبالنا بعض علية القوم من الداعين، فأبلع ريقى، وأتقدم معهم الى حجرة خالية تماما إلا من منضدة عريضة عليها دوارق وزجاجات مخلتف ألوان ما بها، وكئوس، والجميع وقوف فى غاية الأناقة، والمدنية، والفرنسية، ومثل ذلك، ولا أحد منهم يبحث بناظريه عن مقعد أو منضدة مثلما أفعل، قلت لنفسى ـ مكررا ـ سوف تنتهى على خير حتما، مادامت عقارب الثوانى لا تكف عن الدوران فلكل شئ نهاية. وبدا المضيفون (الأكثر عددا من الضيوف) بالاحتفاء والتحية، و “ماذا تشرب”، و “أيها تفضل”، وأُسقط فى يدى، ولكن السيدة الفاضلة حرم أستاذنا الدكتور، طلبت عصير طماطم، فأنقذتنى اذ تبعتها حرفيا حذوك الكأس بالكأس، وجعلت أرشف العصير ببطء مجتهدا وأنا أتمتم بما لا أميز، وأرفع حاجبىّ، وأحنى هامتى، وأردد ـ كما سبق أن أشرت ـ الى أنه “نعم”، “مؤكد”، “موافق”، “لا يا شيخ؟” وهى كلمات تصلح لكل المواقف، ويمشى بها الحال، وخاصة إذا نُطقت بلهجة باريسية حذقتُها من أيام حرج زمان ـ لكن الموقف يتأزم حين أفاجآ بسؤال محدد، يحتاج الى إجابة محددة، ولاتنفع فى ذلك إيماءة بلا أو نعم، فأنطلق باللغة “الانجلو فرنسية” خالطا الألفاظ وتصاريف الأفعال كيفما اتفق، وأتعجب حين يفهمنى سامعى بالرغم منى، فلعله يقرأ تعبير الوجه، أو على الأقل يرجح حسن نيتى ويقدر إخلاصى فى المحاولة، وتمر الفقرة، لكن تطول الوقفة، وتـُملأ الكئوس من جديد حتى تصورت أننا سنتغذى عصير طماطم صرف.

بينما أنا أدعو الله أن تمر المسألة على خير، إذا بى أشعر بدوخة أو ما شابه، وكأن الأرض التى أقف عليها ترتفع بى إلى أعلى، فرعبت ثم ظننت بعقلى وتوازنى الظنون، ثم رجحت أن عصير الطماطم هذا لم يكن “بريئا”، تماما، فرغم طعمه الطماطمى إلا أنه من المحتمل أن يكون ذلك من الألعاب الكحولية المستحدثة، فجعلت أنظر الى السيدة الفاضلة شريكتى فى الطماطم فوجدتها ـ كما وجدت الجميع!! ـ يرتفعون معى إلى أعلى، قلت “حصل” أخيرا، ولم أجرؤ أن أسأل، أو أمسك بأى شىء، أو أى أحد، وجعلت أنظر إلى السقف خوفا من ارتطامنا به ونحن نرتفع، فاذا بالمسافة بيننا وبينه لا تضيق أصلا، ثم خيل إلى أن الحجرة تتسع من أحد جوانبها فتظهر فجأة مائدة مستديرة وحولها مقاعد وفوقها أطباق، الله!!َ الله!! أهى المعجزة؟ أم السكر البيّن؟ وأخيرا، وبضربة إفاقة لطيفة أدركتُ ما حدث: فقد كنا حتى تلك اللحظة فى حجرة التعارف وقوفا مع كئوس “فتح الشهية” (من قال لهم أن شهيتنا كانت مغلقة؟) وهذه الحجرة يفصلها عن حجرة المائدة المخصصة للضيوف المتميزين ـ أمثالنا ـ حائط متحرك، ينزل إلى تحت بفعل زرٍّ ما، فى مكان ما، (توموتيكى) يفعلها بلا ضجيج ولا إنذار، وبنزوله المتسحب هذا نشعر بدورنا أننا نرتفع إلى أعلى فى الاتجاه المعاكس، يا حلاوة، مثل زمان، فلا أنا فقدت اتزانى، ولا عصير الطماطم كان منكرا خفيا. عادت لى نفس الصورة التى ذكرتها سالفا فى محطة سكك حديد طنطا حين كنا نتصور أن القطار الذى نركبه يسير الى الخلف ثم نكتشف بعد لحظات أننا مازلنا وقوفا كما نحن.

يلتف الجميع حول المائدة المستديرة، ويجئ ترتيبى بجوار عميد كلية طب جامعة فى ضواحى باريس، أذكر أن اسمه د. بورتوس (جان لوى)، ويبدو أن منظم الجلوس قد تعمد ذلك لأنى اكتشفت أن جارى هذا قد ولد وتربى فى ـ شبرا مصر ـ حتى ما يقارب الثانوية العامة، ثم لحقه أمر الله وأمر عبد الناصر ورجوع الأمور الى نصابها، أو الحق إلى أصحابه، أو الحذر من الغرباء، المهم أنه رجع إلى حيث ينبغى: إلى بلده، لكنه أبدا لم ينس، ولا يريد أن ينسى، وهو يعتبر نفسه مصريا بكل معنى الكلمة، وقد خفف ذلك عنى كثيرا، وإن كنت عجزت عن مشاركته انطلاقاته المرحة، على الرغم من كلامه بالإنجليزية معظم الوقت، وبالمصرية البلدية القح حين يميل علىّ يعلق على حديث لا يعجبه قائلا:”فوّت دى” أو يصدر حكما على مصير “مشروع طبى فرنسى مشترك”: بأنه سيتعثر فى الـ “معـلشّات”، ولا أشعر أنه ينتقدنا بقدر ما هو يصف نفسه كمصرى أصيل يحذق موقع “معلشى” فى وجودنا الإيجابى والسلبى على حد سواء، وهو مصرى إبن بلد يخلّق لغته الجديدة وهو يستعمل “معلش” بصيغة الجمع.(الـ “معلشات”).

حين حضر “البكوات” الذين يقومون بخدمتنا وإعداد المائدة أسقط فى يدى، فقررت ـ إيثارا للسلامة ـ أن آخذ نفس القدر من نفس النوع الذى يأخذه جارى بالضبط، حيث أنى رجحت أن هذا هو السبيل الأسلم تجنبا لأى مخاطر غير محسوبة، لكننى فشلت أن أضبط سرعة تناولى الطعام مع سرعة تناوله نفس الكمية، ثم إنه يكتفى بعينات فى حجم الريال القديم، فأفعل مثله مضطرا، ولكن ما أن توضع العينة فى طبقى حتى تختفى بقدرة قادر، بحكم العادة، فى حين تظل قابعة فى طبق جارى، تتناقص عن أطرافها بدلال متمنع، فأخجل من طبقى الفارغ وأمتلئ غيظا من عجزى عن تنفيذ قرارى السابق بالاقتداء بجارى حذوك القطمة بالقطعة، ولكن ما يملؤنى حرجا أن يتقدم “البك” النادل ليرفع طبقى الفارغ دونهم، ثم يفضحنى بأن يحضر طبقا فارغا آخر مع أن الأول كان نظيفا بلا شائبة وحياة النعمة، فأظل أنتظر انتهاءهم وهم لا ينتهون، إذ يبدو أن غداء العمل هذا هو أصلا للمناقشة وحل المشاكل المعلقة، وليس لما أفعل هكذا “كالمسروع” الذى يخشى أن يخطف منابه آخر إن لم يسارع هو بالتهامه، فأُرجع ذلك إلى عدم الأمان، الذى كنا نستشعره أطفالا من احتمال عدم كفاية الأكل لينال كل الحضور “مناباتهم”.

أذكر ـ ربما تفسيرا لما أنا فيه ـ أن توزيع منابات اللحم بواسطة أمى كان كثيرا ما يتم بطريقة عشوائية دون تخطيط يضمن عدالة التوزيع ووصول الدعم إلى أصحابه، فنحن سبعة أفراد، والفرخة  أربعة أرباع (لا خمسة ولا أكثر)، وأمى كانت دائما تغيب عنها هذه الحسبة حتى لو ذكّرها بها أحدنا، وبالتالى فلا ينال أرباع الفرخة إلا الأربعة الأوائل ـ ووالدى فوق الرؤوس. غير نصيبه المخفى وحده (بعد، أو قبل الأكل الجماعى، مما لا نعرف، ولكننا نستنتج)، وحين تدرك أمى أن ما تبقى من الفرخة لم يعد يكفى مَن تبقى من المتحلقين حول الطبلية، تبدأ فى توزيع الأجنحة، أو منطقة الوسط مما لا يجدى، فتعود إلى الأربعة الأوائل (باستثناء أبى طبعا) بنية أن تنتقص منهم، فالشاطر يكون قد التهم منابه قبل هذه المراجعة، ولا تتعلم أمى أبدا من تكرار هذه القسمة الضيزى، ولا ينفع التنافس على اختيار الجلوس جنبها لأننا لا نعلم من أى جهة ستبدأ.

جعلتُ أتذكر كل هذا وأنا أثنى نفسى عن العجلة فى تناول ما يلقى بطبقى، وكان أغْيَظُ ما يغيظنى أن يعتذر “قدوتى” عن طبقٍ ما، يبدو لى شهيا، فأحذو حذوه، وأعتذر مثله، رغم أننى لم أقل أننى سأقلّده فى الامتناع، وإنما فى الاختيار، لكن يبدو أننى رجحت أن “السلامة أولا”، وأجدنى أبلع ريقى كلما مرّ طبق نِفسى فيه، لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه،

ويغيظنى أكثر ألا أتبين هذا الذى آكلـُه، أهو “كفتة” لحم مفروم، أم هو تشكيلة خضار معجون، أم هو “بهريز” سمك مطبوخ فى شرائح، فكلها مختلطة ببعضها بشكل فنى مُحكم،

ثم هذه الأشياء الصفراء والحمراء التى يمكن أن توضع أو لا توضع على الأطعمة، ناهيك عن يأسى أصلا من احتمال معرفة اسم أى مما ينتقل الى معدتى من “روائع الدسم” ـ (قياسا على برنامج: روائع النغم).

ينتقل الحديث من مشاكل بناء قصر العينى إلى زحمة القاهرة، إلى وحدة أشكال الجنون على الرغم من اختلاف الحضارات واللغات، المجانين كانوا أنجح فى التشابه العالمى، رائحةً، “وتناثراً، ووداً، ووداعة، مِـن هؤلاء العقلاء الذين يقتلون بعضهم البعض تحت زعم الدعاوى الإنسانية والحضارية،

ينتقل الحديث من فيلم وداعا بونابرت، إلى داليدا وشبرا والإسكندرية.

ويمضى الغداء على خير.

 فى طريق عودتنا يشكرنى الاستاذ الدكتور حلمى شاهين أنى “شرفت مصر خير تشريف، وأنى رفعتُ رأسه أمامهم”.

يا سبحان الله، أنا؟ كيف؟ ماذا قلت ؟ ماذافعلت؟ وأنظر فى وجهه فأنا أعرف كيف تنتقل عدوى المجاملة إلينا من هؤلاء  الخواجات “الكمّل”، فيخيّل إلىّ أنه جاد فى تعليقه، بل إن زوجته الفاضلة تضيف مثل ذلك، جبرَ الله خاطركُما، ” يا بركة العجز”.

فى طريق عودتى أضحك من دهشتى وانبهارى بما لا أعرف متذكرا انبهار الشيخ عبد الرحيم الكفيف، مقرئ ليالى رمضان فى بيتنا فى بلدنا. حين كان يسهّينا قبل السحور فيقوم يتمسح فى الحائط المصيصى الأملس، ويهمس لنفسه مُهَمْهِمًا أنه ” يا سيدى فهد الرجال، دا مدهوك بسمن صافى”. ثم يكاد يترنم بما يعلن بهجته باكتشافه، كان الشيخ عبد الرحيم، عكس الشيخ اسماعيل البرعى زميله السهران، فنانا يحذق العزف بالسلامية، ويستدرجه والدى ذات مرة إلى الحمام ليريه مفاجأة لا يستطيع مجرد تخيلها حين تهبط عليه مياه “الدش” من أعلى وكأنها معجزة المطر الصناعى، وكان الشيخ عبد الرحيم بعد أن تخلص من مخاوفه وحذره وقد خرج سالما المرة تلو المرة من تحت المطر دون أن يغرق، كان يعتبر أنه أصبح حقا مكتسبا أن يحظى بهذا الدش البارد الذى يخرج منه منتعشا فى ليالى الصيف، ويقسم أن قراءة “ربع” بعد هذا الدش يساوى ختم خاتمة بحالها.

وأرجح أنى،مثل الشيخ عبد الرحيم ، سوف أعتاد على ما يبهرنى من، مثل هذه الدعوة، لكنى أشك أنى يمكننى أن أحتفظ بالنشوة نفسها مثلما فعل الشيخ عبد الرحيم.

 ثبت لى صحة ذلك حين عدت إلى بلدى فدعانى أحد الزملاء من علية القوم (قومنا نحن هذه المرة) لأكون الضيف المتحدث فى غداء اللقاء الشهرى لأحد نوادى الليونز (الروتارى) ـ وكان ذلك فى مطعم بفندق هيلتون النيل، وكان المجتمعون ذكوراً دون الإناث فعلمت أن هذامن أول تقاليد هذه النوادى، ثم بدأت الطقوس بعزف السلام الوطنى، ثم أخبار النشاط، ثم الحديث على الطعام، وعرضت بعض آرائى مما حسبت أنها مناسبة، فاذا بى أكتشف من أسئلتهم ـ وعلى الرغم من احترامهم الضمنى لموقفى الفكرى (وهو سبب دعوتى) أكتشف أن أسئلتهم (فى الأغلب) ليست كذلك (ليست مناسبة)، وأقول فى نفسى: ها أنذا، نفس الشخص الذى خاف من الحائط المتحرك فى باريس، والذى حرص على تقليد جاره خوفا من السهو والخطأ، والذى تقمص الشيخ عبد الرحيم لاصقا خده بالجدار الأملس، هو أنا ضيف الشرف الذى يسألونى فأجيب، وعلى الرغم من حسن التقدير وسلاسة اللغة، ودفء الاستقبال، فقد شعرت أن الروتارى “هذا” ليس مكانى، وبدون الهجوم على ما يجرى فى هذه النوادى فإنى لم أفهم حقيقة جدواها، رغم أننى لم أشك فى طبيعة محركيها.

عدت إلى فندقنا وأنا محمل بالتساؤل: إذا لم يكن هذا، وذاك، هما مكانى، فأين مكانى؟، ألست أستاذا جامعيا، اجتماعيا!، طبيبا، كاتبا، عالما،… الخ، أليس هذا، وذاك، من مستلزمات ما هو ظاهر وجودى؟ فلماذا هذا الاستغراب، والحرج، والتجنب، والغرابة؟.. أفبعد كل هذه الممارسات الاجتماعية، وهذا النجاح المعلن، أجدنى فى نفس موقفى شديد العزوف عن كل ذلك، لم أحذقْه يوما، ولم أحبّه أبدا، ولا أعرف سبيلى إليه، ولم أفهم طبيعته، أو وظيفته، كل ذلك رغم اعترافى الأكيد أنه ضرورة اجتماعية فيها كثير من الخير والفرص، لكن أبدا، ويلح على تصورٌ أنه لابد أن ثمة مجتمعات أخرى، رقيقة أيضا، وعميقة أصلا، وبسيطة جدا، وأتصور أن ثم مجتمع اشتراكى،أو إيمانى، أو فطرى، أو تلقائى، يصلح لأمثالى دون أن يضغطوا على أنفسهم كل هذا الضغط.

 حاولت طوال خمس عشرة سنة مضت أن أحقق هذا “الفرض” تحقيقا عمليا على أرض الواقع، حتى  تصورت أنى نجحت، فاختلط مرضاى بتلاميذى بأسرتى بعمالى بشكل طيب ومباشر، ثم بدأت المضاعفات، لكننى أصررت على التحوير لا التراجع، وما زلت أمارس نشاطا “اجتماعيا” فى بعض هذه المجتمعات البديلة بعد تحويرها قليلا قليلا، لكنى أشعر أن هذا التحوير سوف ينتهى، خصوصا بعد رحيلى، حتى يعود الحوار إلى ما هو : “تجاذب أطراف الحديث” و”الأطعمة بغير اسم” و”الحوائط المتحركة” و “السائق السمهرى” ـ ويصبح كل ما فعلت مجرد ذكرى محاولة فاشلة، وأزداد اقتناعا أن أى إصلاح أو إبداع ثورى شامل معرّض لأن يسرق من داخله أو أن ينتكس. إلى ميوعة طفلية، أو كذبة نقيضية، مالم ينتشر ويتدرج ويتأصل ويواكب الفطرة معظم الوقت.

رجعت  إلى فندقى النظيف الجميل المتواضع، شاعرا بالخلاص، فعادت إلىّ رغبتى فى أن أنتهز فرصة غياب الأولاد لأعاود محاولة أن “أكـنّ” حتى أستتر فى أُنس نفسى، وقد كانت هدأة طيبة حدث فيها فض اشتباك بين أكثر من موقع، ثم عادوا، ثم انفصلنا بعد أن انضمت زوجتى لى، فصحبتها واعدا بمفاجأة، وقد أضمرت أن أعوضها بعض حرمان تلك الأيام، واكتشفت أنى مازلت جائعا، فأنا لم أتناول شيئا فى حقيقة الأمر من غداء ذلك اليوم العصيب.

 فى الشانزلزييه، مطعم بدورين، كم وقفنا أمامه ـ قديماسنة 1969 ـ نشاهد قائمة الطعام دون أن نجرؤ على الدخول، وها نحن قادرون على أن نفعلها من حُرِّ مالنا بعد خمسة عشر عاما، ولا أجد فى نفسى وأنا فى المطعم الفخم أية فرحة خاصة بقدرتى المالية، ولا أتذكر توجعا خاصا من زعم حرمان كنت فيه، إذ يبدو أن المسألة تتعلق بضبط جرعة الرغبة مع جرعة القُدرة، (واللى مامعاهوش ما يلزموش) مع تواصل إعادة التناسب كلما أمكن ذلك.

السبت 8 سبتمبر 1984

مازلنا فى حالة من الاستقلال سمحتْ لزوجتى ولى، أن نقوم هذا الصباح بجولة خاصة، بدءا بالمرور بالمنزل الذى كنت أسكن فى إحدى حجراته فى الحى الثامن عشر، بالقرب من ميدان كليشى وحى البيجال، فى شارع كولانكور، وهو بداية جولتى القديمة إلى المونمارتر حيث أبدأ، بعد صعود مناسب، بالانحراف يمينا بعد ناصية بيتى بكثير (هكذا أعتبره حتى الآن . وعدت الأولاد أن نزوره غدا) ثم هات يا صعود، فيما هو أضيق وأضيق، سيرا على الأقدام، فرحا بالحجارة القديمة، وآثار الرطوبة، وبعض الخضرة، والأبواب الخشبية الصغيرة، وأشعر أن زمنا وادعا يغلف كل ذلك دون قفزات شائهة تحرم هذا الحى من تاريخه تحت أى عنوان. زوجتى تستسلم لجولتى هذه التى اعتادتها كلما زرنا باريس، حتى أنها بدت لها مثل طقوس المزارات الخاصة، نفس المسار، ونفس الانحناءات، بنفس الترتيب، حتى نصل من الطريق الخلفى إلى تجمع رسامى الشارع والمقهى من الفنانين وأدعياء الفن على حد سواء، هناك على حواف كنيسة الساكركير، فأكرر ما قمت به وعشتــه عشرات المرات وكأنى أفعله لأول مرة، وأشترى الكروت الصغيرة التى تصور ذلك الطفل الذى “يطرطر” فى غير حياء مخرجا لسانه، أو تلك الطفلة التى تتواعد مع صديقها الطفل وقد رفع الهواء “جونلتها”بشكل محسوب جميل، فأجلس جلستى المستعيدة لما كان، المستكشفة لما قد يكون قد استجد، فأتصور ـ ربما خطأ ـ أن ثمة إصابة أصابت المكان كما أصابت الزمان، حتى كاد يفقد أصالته، أو تلقائيته، أو وظيفته، لى على الأقل، وأشك فى تقديرى إذ أرجح أن تعلقى بالقديم يحرمنى من قبول التغيير ويشككنى فى الحركة إلى أعلى. أنا لا أشك فى الحركة إلى “أعلى” لكنى أبحث عن الحركة إلى “أعمق” فأكاد أجزم أن المكان قد أصابه “انفتاح ما”، ليس انفتاحا على مزيد من الفن والإبداع، لكنه انفتاح “بوتيكى” الطبع، لعله “تأمْـرَكَ” (صار أمريكيا) أو تهـوَّدَ (صار يهوديا) أو تَـهَـنـْدَسَ (نسبة الى مدينة المهندسين عندنا)، لأنه شتان بين مكان قديم، اعتاده فنان فقير، ترك نفسه تجرى مثل ماء نهر صغير بلا غاية مسبقة، فإذا بالخضرة تنمو حوله من فائض دفقه، فيرعاها مزارعٌ عجوز، ويبتاع بعض ثمارها عابر سبيل ـ فقير أيضا، شتان بين هذه الصورة التى هى عندى “المونمارتر”، وبين المكان الذى وجدته هذه المرة وكأن تاجرا قد اشتراه بالجدَكْ، فوظف فيه صبيان الفن ترسم لك صورة بعشرة فرنك، وتقرأ الفاتحة للشيخة “ساكركير”، ولست أدرى لماذا أعزو كل تغيير من هذا النوع إلى جريمة اللاحضارة الأمريكية. الدنيا تشقلبت: الأصيل يتأمرك، فى حين أن الأمريكان يتمسحون، ويقلدون الأصالة.

 ما زلت أذكر قرية جرينوتش فى نيويورك، وهى تحاول أن تكون نسخة زائفة من الحى اللاتينى أو المونمارتر أو البيجال أو منها جميعا، فاذا بها مستنقع للشذوذ الجنسى والبدع المزخرفة، وحين زرتها قبل ذلك بعام فرِحتُ بكل ما هو “موالدى” فيها من مأكولات فجة، وألعاب صارخة، وزفة بدائية، وطبل وزمر وتهريج وبدع، ولكن النظرة الثانية جعلتنى أهرش رأسى وأتساءل: هل هؤلاء الناس منطلقون من داخلهم أم أنهم هائصون من خارجهم لا أكثر، فى النظرة الثالثة هرشت جسدى حيث أدركت زيف التقليد.

أرجح ـ أن الامريكى حين يعجز عن إتقان التقليد يدفعه الغيظ الى إتلاف الأصل، فباريس الزجاجية وناطحات السحاب ليست هى باريس التى أعرفها، وحتى المونمارتر هنا ليس  هو ما ألفتُه قديما، هو يكاد يتنكر لى بقدرما أتنكر له، نفس الشعور يصيبنى وأنا أشاهد ناطحات سحاب القاهرة المُـتَـنَـوْرِكَـةْ. (نسبة الى نيويورك).

نفس الأسى أتذكره حين زرت مؤخرا قهوة الفيشاوى، فاذا بى أبحث عن فيشاوى الخمسينيات، فلا أجدها، إذ أفتقد الشيخ محمود الضرير القصير وهو ينادى “أنا بابيع الأدب” كما أفتقد شلل الشباب، وشباب الشيوخ وهم يتبارون فى الشعر والضحك والقافية والمؤانسة، دون عدوان أو بذاءة: تهتف ثلة على اليمين أنه “أبو شنب فضّهْ، تفِّـيتْ على شنَـبُهْ، قام الشنَبْ صدّى” فيرد الجانب الآخر، وثلته تردد وراءه “أنا البابور إسود غطيسْ، إللى يقابلنى يروح فطيسْ” ـ لكن الآن، ثمة شئ آخر، كأنه ظل باهت لذكرى مشوهة، ويبلغ قمة التشويه، حين تقلد الفنادق ذات الخمس نجوم الأحياء الشعبية، فيكون الناتج ذلك المسخ الكاريكاتيرى لحى السكرية “البلاستيك” فى فندق السلام هاييتى بمصر الجديدة مثلا وحى بين القصرين فى فندق رمادا الهرم (تقريبا) يسرقون القديم، فيُفرغون منه رائحته ونبضه وروحه. (الكلام عن سنة 1986 ـ أمور كثيرة تغيرت الآن حتى الأسماء تغيّرت، والتقليد المشوّه مستمر- يوليو 2000).

أنا لا أحب أن أتمادى فى تكرار هذه اللهجة التى تشعرنى أنى لست إلا عجوز خائب عاجز عن استيعاب الجديد، ليس عنده إلا أن يعيب ويعاند ويشوه ويحكم ويمتعض، ذلك أننى على يقين من أن القديم لا يعود ولا ينبغى أن يعود، لكنى على جهل عظيم بما يمكن أن يحل محله مما هو أفضل منه.

سيحدثْ.

 ونلف حول الساكركير دون دخولها، فكم دخلتها، وشاركت فى طقوسها، فى كل مرة أشعر وكأنى أزف السيدة العذراء إلى السماء، اعتدنا أن ندور حول الساكركير لنهبط متدرج سلالمها العريض الجميل نازلين متجهين لـ “وكالة البلح” الباريسية، أقابل عشرات السنغاليين الذين يبيعون الطبلة والرق ونموذج الأفيال الصغيرة من العاج، ويذكروننى بالفتى النحيل الأسمر الذى قابلناه فى “ثيو” شمال “كان”، وأعرف أنهم يمارسون هذه التجارة بشكل مخالف للقانون، ورجال الشرطة الفرنسيون على مرمى البصر، ولكن يبدو أن ثمة اتفاقا غير مكتوب “يسمح لهم” بذلك فى حدودٍ ما، وأقول لنفسى: ياسبحان الله: لو أننا حسبنا القوانين الحقيقية التى تتحكم فى معاملات وسلوك البشر لوجدناها أبعد ما يكون عما يجرى فى أقسام البوليس وساحات المحاكم، وربما أهم، وأنفع،

أواصل نزول الدرج مع زوجتى، وأعجب لعدم الازدحام رغم تدفق الآلاف، وأقارن بين نظافة المكان النسبية وبين فضلات البشر وبقايا كل شئ حول الهرم الأكبر، وأبتلع غصتى بصعوبة، ونجلس ـ كما اعتدنا ـ على “دكة” جانبية فى منتصف طريق الهبوط بعد أن تبينا أن أغلب محلات “الوكالة” قد أغلقت أبوابها، فاليوم هو السبت، والأجازة أصبحت يومين فى الأسبوع فى كثير من المواقع، على الرغم من أن المحلات العملاقة فى المدن العملاقة قد عمدت إلى بدعة العمل طول الاسبوع ـ والذى لا يشترى يتفرج!! فأوقن من تواصل التهام المحلات الأكبر للأصغر مثل سمك المحيطات، وآسف على احتمال اختفاء وكالة بلح باريس، فكم حفظتْ ماء وجهى إذ باركت فى فرنكاتى القليلة حتى استطاعت أن توفى بهدايا المنتظرين “كل حى باسمه”.

 نواصل النزول بعد الوكالة آسفين فى اتجاه البيجال مخترقين الشوارع الخلفية، لكننا نتوه قليلا أو كثيرا، أعرف أن المسافة لا تزيد عن عشر دقائق سيرا، لكننا نسير منذ نصف ساعة، فنجد أنفسنا ـ فجأة نسبيا ـ فى منطقة: شديدة الزحام، شديدة الغوغائية، شديدة التشويش، بادية “العروبة” وأتبين فيما بعد أنها منطقة “باربيـس روششو”، ونجدأنفسنا كأننا قد انتقلنا فجأة إلى زنقة الستات بالاسكندرية أو حوارى الموسكى، وأحكم زر جيوب سروالى، وأنظر إلى وجه زوجتى فأجد عليه الرضا بالمفاجأة، وتنفتح شهيتها للفرجة، والفصال، وتتذكر عشرات من أسماء الأقارب والمجاملين (السابقين بالفضل والدائنين) من المنتظرين والمنتظرات، من الكبار والأولاد والبنات،”… وهذا لهذه وذلك لتلك، أما هذه فهى لابنة فلانة، وتلك لا تليق إلا على ابن علانة، وأخيرا سأرّد جميل ترتانة، وكله سلف ودين…”، فأستسلم استسلام العالَم الثالث للبنك الدولى، وأفتح الاعتمادات لشراء ما لا أريد لمن لا أعرف، ولا أنكر أننى أحترم هذه العادات، ولا أطيقها، فى نفس الوقت، وتتأمل زوجتى المشتريات وأتأمل أنا الناس، وأتعجب للإغارة العربية التى احتلت هذا المكان بالجملة، وكأنها نوع من انتقام الذين اتَّبَعوا من الذين اتُّبعِوا، وأضع يدى على قلبى من احتمالات المواجهة بين اليمينية العنصرية الجديدة على فرنسا وبين هؤلاء المستعمرين العرب، ربك يستر ـ ثم تنتهى الأزمة الشرائية على خير يسمح بأن أطمئن إلى عدم تكرارها، ولكن من يدرى؟ فأمضى محملا بأكياس ورقية وغير ورقية مقتنعا ـ رغم أنفى ـ أنى وفرت بذلك الشئ الفلانى.

ما أن أصل إلى الطريق الممتد بطوله من ميدان كليشى (حيث كنت أسكن قريبا منه جدا) إلى البيجال وبعده حتى أدعو زوجتى الى “وليمة” قارعة الطريق ، التى اعتدناها أيام الحرمان، لكنّها اختيارية هذه المّرة، الجلسة على دكة الحديقة، والمفرش أوراق  إحدى الصحف، أذهب لـشراء ما تيسر من البقال والفرن، والشواية القريبة ـ وحين أعود إلى زوجتى المنتظرة فى الحديقة، أجدها ممتقعة الوجه غاضبة منى أو علىّ، وقد تعودت أن أكون “مسقط” غضبها حتى لو لم أكن “مصدره”، فأسأل، فتزوم صامتة، ثم أسأل وأنا أتلفت حولى فألمح بعض الجزائريين بالكاسكيت أو البيريه المميزين بالوجوه السمراء المعروقة، والجسم النحيل، فأسأل زوجتى:! هل هم؟ فتجيبنى، أن “نعم”،ثم تكمل دون كلام: ما دمتَ تعرف فلماذا تركتنى؟ كدت أصرخ فيهم لولا أن لمحت غيرهم مثلهم فى كل مكان”، وأحاول أن أفهمها أنه ليس فى الأمر خطر حقيقى، وأنها مجرد تماحيك معتادة، فتكاد تبكى وهى تذكر بعض الألفاظ التى رجحت أنها بذيئة نظرا لاختلاف اللهجة، لكنها استنتجت ذلك من حركات الوجه واليدين، وأبلع ريقى بصعوبة وأكف عن محاولة التخفيف عنها، وأتألم لها كما أتألم لهم.

فى هذا الحى بالذات يقوم الجزائريون بأعمال القوادين والفتوات لأن أغلب رواد هذه الأماكن هم من مواطنيهم الذين يعيشون فى باريس دون زوجاتهم،  فلابد لبائعات الهوى من حامٍ من جنس الزبون، حيث لا يفل الحديد الا الحديد، فلا يستطيع “زبون” جزائرى  أن يتملص من دفع أجرة الاستمتاع باللحم الفرنسى الأبيض، ولا من الإطالة بدون مقابل، ولا من الإيذاء إذا تمادى فى تشويه النشوة ـ وتنتهى الأزمة على خير.

فى المساء نجتمع مع أولادنا ثانية، لندخل فيلماً سيئاً، أذكر أن اسمه سلاما Slama، وهو اسم الفتاة المراهقة فى الفيلم، أو اسم قطعة الموسيقى التى يعزفونها، لا أذكر، لكنى قرفت حتى قرب القئ من امتهان كل ما هو قديم، وكل ما هو كهل، وكل ما هو تقاليد طيبة، وكل ما هو محترم، وكأن الفيلم يدعو بكل وقاحة الى حرية “قلة الأدب” و “نذالة الأبناء” والأحفاد لا أكثر، وقد شعرت بأن مثل هذه الأفلام هى أخطر وأقسى وأدنى من كل الافلام العارية والجنسية، وأعترف أننا أخطأنا الاختيار، ولكنى أفرح باكتشاف “الغث” و “التافه” و “الضار” فى بلاد الحضارة السعيدة، ففى كل بضاعة ما هو طيب وما هو خبيث، وأقول إن الهبوط وارد على سلم الصعود، وبدونه على حد سواء.

الأحد 9 سبتمبر 1984

اليوم يوم جماعى، وقد قررنا أن نبدأ بغابة بولونيا وننتهى فى حديقة اللوكسمبورج، وكان قد أوحشنى حوار الصغار، ومفاجآت الاختلاف، وجولات الاستطلاع.

لغابة بولونيا فى وجدانى موضع هام، فهى أرحب وأرخص مكان كان يمكن لمثلى فى وحدته وفقره “آنذاك” (1969) أن يجلس، ويقرأ، ويتأمل ويكتب، ثم لا يدفع شيئا، ولا يكلم أحدا، فيمضى اليوم بطوله لا يكلفه إلا ثمن رغيف (باجيت) وزجاجة عصير، والمراكب تجرى على سطح البحيرة تعيد إلىَّ ذكريات فلوكات زفتى، وجولات التجديف حول جزيرة المنيل قبل التخرج ومع زملاء منزل النواب، وربما لأنى لا أعرف العوم فإن التجديف قد ربطنى بالماء الهادئ ربطا سبق أن أشرت إليه.

 أضيف هنا أننا حين كنا طلبة فى الجامعة  فى مصر (حوالى سنة 1953 تحديدا) كنا نؤجر مركبا متواضعا من مرسى بجوار كوبرى قصر النيل لمدة يوم كامل، ونقوم بالتجديف حتى حلوان، وذات مرة لم نرجع  من حلوان إلا بعد منتصف الليل، حتى انخلع قلب  صاحب المركب وقد نزل يبحث عنا فى وسط النيل.

 وما بين محطة مترو بورت دوفين وبين غابة بولونيا مسافة تسمح لى بالعدو أنا وابنتى النشطة منى السعيد، فنعدو سويا، وأتركها تستكشف بنفسها لقطات من الداخل إلى الخارج وبالعكس، وتلهث هى قبل أن أفعل، فأغيظها بأنها عجوز، فتذكرنى بأنى اعتدت ذلك أكثر منها معظم الأيام، وقد كنت قد أشرت إلى هذه العادة (القبيحة) ـ عادة الجرى ـ المنتشرة حديثا فى طول أوربا وعرض أمريكا بشكل بلغ حد الوباء بعد أن صارت بدعة لها كتبها المنشورة، وأبحاثها المنظمة، وتجارتها المرتبطة بالدعاية (للأحذية وملابس الرياضة)، وبالدعاية المضادة ضدها التى ثارت حين هددت هذه الرياضة سوق الأدوية وتدخين السجائر.

رفضتُ هذه الممارسة ابتداء بمعناها الغربى، ذلك أنى كنت ألاحظ أنها رياضة فردية، تذكرنى باستمناء رياضة كمال الأجسام أمام المرآة، وما أكاد أنظر فى وجه العدّاء ـ صغر أم كبر ـ حتى أشعر بتكثيف الوحدة وشقاء العناد وعشق الجسد جميعا، فأقول لنفسى إن هؤلاء الناس قد تفرقت بهم السبل، وأن الأولى أن يعملوا عملا جسديا ـ لا يدويا ـ حتى يتصببوا عرقا بدلا من هذا الاستمناء المضحك، ويؤكد لى ذلك ظاهرة موازية وهى ظاهرة المستمع المشّاء Walkman، أعنى حامل جهاز التسجيل (أو المذياع) ذى السماعات أطول الوقت، فتجد الشاب أو الرجل أو الفتاة من هؤلاء، وقد وضع السماعات على أذنيه وراح فى غيبوبته الذاتوية يسير بين الناس ذاهلا، لا يسمعهم، ويكاد يتصور أنهم لا يسمعونه، وقلت فى نفسى عندهم حق، فماذا يمكن أن يسمعوا من البشر مثلهم مما لا يقال أصلا؟ ما هكذا يكون الرد على العزلة المفروضة بعزلة اختيارية، وما هكذا نحل مسألة تقطيع أوصال احتمالات الحوار الإنسانى، أقول إنى استقبلت “العدو المنفرد” من نفس المنطلق.

ولكنى حين عودتى إلى وطنى، وكنت قد قرأت كتابا عن “جذل العدو”  Joy of Running قررت أن أدخل التجربة من باب أحبه وهو علاقته بالتطور، فقد ذكرهذا الكتاب أن التاريخ الحيوى للإنسان (للأحياء!!) يؤكد أن أجداده لم يكفوا عن العدو خلال 300.000 (ثلاثة ملايين) سنة، وأن الإنسان  لم يقم على ساقيه واقفا ماشيا تماما الا منذ نشأة أول حديقة (000ر7 سنة) وبالتالى فالعدو ـ بين أشياء أخرى ـ يربطنا بماضينا (هكذا يقول الكتاب)، وبما أننى  أحب أن أجرب ما أرفض، حتى أتعرف عليه بحق، فقد بدأت أعدو وحدى حتى لا يسخر منى من يشاهد انقطاع أنفاسى بعد عشر أمتار، بدأت على طريق سقارة السياحى وأخذت أزيد المسافة تدريجيا حتى نجحت أن أعدو من كوبرى أبو صير حتى انحناءة  طريق أهرام سقارة وبالعكس (حوالى عشرة كيلومترات) دون توقف عدة أيام فى الأسبوع، وكان ذلك بعد الفجر حتى لا يضحك منى الفلاحون وسائقو الكارو، وما  كان يطمئننى  إلى عكس ذلك هو أننى أعدو فى منطقة سياحية، اعتاد فلاحوها أن يشاهدوا بعض الخواجات المهفوفين يفعلون من البدع ما يشاءون.

اكتشفت رويدا رويدا، من واقع الممارسة، أن داخل هذا النشاط ما يتخطى الاهتمام بالجسد، أو بتحسين الدورة الدموية، كما اكتشفت أنه بقدر ما يمكن أن يكون مثل هذا النشاط اغترابا واستمناءا جسديا، (كما تصورت فى الخارج)  قد يكون إبداعا وتفجرا فكريا. فى الحالة الأولى قد تزداد وأنت تعدو وحدة واغترابا، وفى الثانية قد تنبض إحساسا واقترابا، وعرفت أن الفروق المحتملة لا تكمن  فى نوع النشاط نفسه، وإنما فى طبيعة التوجه الباعث إليه، ومدى السماح المتضمن فيه، ومعنى التناغم المحتمل إلى ما بعده،

 اخترقت من خلال هذا النشاط المتكامل طبقات من وعيى لم أكن أحلم باكتشافها وأنا فى كامل يقظتى فى الوضع جالسا على مكتب، وحين كنت أستحم فى عرقى وأنا أجرى، كنت أشعر باقترابى أكثر فأكثر من ربى وكونى.

ثم خطر ببالى ـ بعد صعوبة معينة مع مريضة لم تستجب للأساليب العلاجية التقليدية ـ أن هذا النشاط قد يفيدها، وقد كان. كانت مصابة بهوس دورى يجعلها تسلك سلوكا جنسيا بلا كف أصلا كل عام بضعة أسابيع، ولم نرد أن نكتمها فقط بالمهدئات بل تحايلنا على أن نقلب هذا النشاط إلى بسط بالجرى وسطنا ومعها، وبالتالى أن نحتوى هذا البسط الدورى فيما يبنى، وليس فى النكوص الخطر، وقد نجحت المحاولة وهى الآن زوجة فاضلة نسمع عنها أخبارا طيبة بين الحين والحين.

ثم جربت ذلك بعد ذلك فى مرضى آخرين.  فأنجز الجرى ما وعد فى كثير من الحالات، فكان هذا بداية الممارسة المنتظمة لعلاج  “الجرى فى جماعة”، وهو نشاط غير الجرى المنفرد تماما ، ثم تطور الأمر إلى تكامل نشاطات جماعية معا أثناء الجرى حين يتناوَبَ الصمت (الجماعى) مع الرقص (الهرولة)، مع التسبيح، مع الحمد، المهم فى كل ذلك أنى تعلمت كيف أحذَرُ من الجرى التنافسى، الجرى للسباق، الجرى للتفوق، الجرى الاستمنائى، فكل هذه قيم فاسدة امتلأت بها حياتهم بشكل لايبرر التقليد لكننا يمكن أن نستوعب ما يفعلون لضيف إليه ما يحييه ويناسبنا.

تأكدت من هذه المحاولات ما تعلمته من غيرها : إن الحكم على شئ دون تجربته هو حكم ناقص، كما أن تعميم الحكم خطر أى خطر، وحين بدأت موجة الدعاية المضادة ضد هذا النشاط بالمبالغة فى ذكر مضاعفاته، تصورت أن الدافع إليها هو شركات الكحول والسجائر والأدوية (فالجرى يقلل استهلاك كل هذا) وحين ذكرت ذلك الاحتمال لابنى الأكبر (وهو يعدو معى أحيانا) قال لى،إن جرْينا ليس مثل جريهم، فمثلا هم لا يتمايلون حمداً لله معاً مثلما نفعل مع مرضانا ومع أنفسنا أثناء الجرى،فالجرى المتناغم والتكاملى هو نقيض الجرى المتحوصل الذاتوى.

نكتشف ونحن فى غابة بولوينا، أنا ومنى السعيد، أننا وصلنا بسرعة الى بحيرة الغابة، فنلتفت وراءنا فلا نعثر على بقية المجموعة على أثر، فنستدير ونواصل الجرى إليهم غير عابئين بالرذاذ الذى بدأ يتساقط، غير خائفين من الوابل المحتمل انهماره فى أى لحظة ـ ونصحبهم إلى البحيرة، ونستأجر المراكب مع بعض دهشة المسئول عن التأجير، ولا ينزل غيرنا تحت هذا المطر إلى التجديف بالبحيرة، فنشعر أننا امتلكناها دون غيرنا مما سمح لنا أن نغنى، ونكبـّر، ونحمد، ونهلل، فما زلنا فى أىام العيد، ثم نتقاذف المياه بسن المجاديف وكأن المطر المستمر لا يكفينا، فنضيف إليها مياه صفق المجاديف لسطح البحيرة، وتذكرنى حركة المجاديف بطبيعة التواصل بين شقى الحركة، بين الكمون والبسط، بين القبض والانفراج، بين الذات والناس، بين الهمس والحديث الصارخ.

نخرج من رحم الماء إلى إحاطة  الشجر، ومازال المطر يذكّرنا بحدة: أين نحن، وكيف، وأطرد من ذاكرتى ـ الآن وأنا أكتب ـ ذلك اليوم الرطب القائظ الذى مكثنا فيه ممددين كأصنام من العجين المتخثر بجوار البحيرة ذاتها فى العام المنصرم حيث تصادف وجودنا هناك تحت وطأة موجة حر رطب يسمح لك بأن تقطع فيه “الهواء” إلى قطع مجسدة بسكين حاد.

وفى طريق عودتنا مررنا بالشانزلزييه ثانية، فاستوقفنا موكب غريب يسير فيه أناس أغلبهم من متوسطى السن الأقرب إلى الكهولة وقد ارتدى بعضهم الملابس المدنية وعليها وشاحٌ ما، فى حين ارتدى عدد أقل بعض الملابس العسكرية، ويتقدمهم لفيف من شرطة رسمية ويتقدم الجمع فرقة موسيقية بسيطة، تبدو رسمية أيضا، وقد اصطف الناس على الجانبين يتفرجون، وبعضهم يصفق فى حدود، ثم يتراجع، والأغلبية تسير غير مهتمة، ويظل الركب يسير وظهره إلى قوس النصر حتى وصل  منتصف الطريق إلى الكونكورد، فسألتُ أحد المارة، فعرّفنى أن هذا هو يوم الاحتفال بذكرى انتصار معركة “كذا” (لست أذكر ماذا) وأن هؤلاء بعض من اشترك فى هذه المعركة أو من ينوب عنهم من أقاربهم، فتعجبت من هذا الحفل الشعبى البسيط والتلقائى، والجميل، وتصورت أن مغزاه أرقى من أى حشد رسمى محاط بزفّة من  النفاق الإعلامى،شعرت أنه موكب تاريخى متواضع طيب، أكثر من كونه موكبا حماسيا عسكريا مفروضا، فتعاطفت مع كل ذلك.

قلبت كالعادة فى أوراق بلدى، فلم أتبين ما يقابله حديثا، ولم أتذكر أى احتفال وطنى تلقائى إلا الاحتفال بذكرى سعد التى كان يقيمها شباب الوفد زمان فى دوار عائلتنا بالبلدة، وكنا ـ رغم انتمائنا حينذاك للاخوان ـ نشارك فيه تلقائيا بحماس مسامح، ويستمر الموكب جاذبا أفكارى وأقدامى جميعا، فأواكبه دون تردد حتى أذوب فى حشده، وحين يتحلق الركب بعد الوقوف تلتقط الصور ويتجمع السواح ثم يتفرق الجمع تدريجيا، وهنا ـ هنا فقط، أفيق لصحبتى، فأكتشف كل أولادى حولى،  لكننى أفتقد زوجتى وأسأل عنها، فأتبين أنها تاهت منا فعلا، فننتظر طويلا بلا طائل.

زوجتى حين تكون معى تعتمد على ذاكرتى وحافظتى وحدسى المكانىِ طول الوقت، فى حين أنها حين تكون وحدها تعرف كل شى، بلا دليل، وأرجّح أن هذه الاعتمادية هى نوع من العدوان السلبى رضينا به كلانا دفعا لما هو أسوأ، لكنها اليوم تاهت بحق، وليس معها نقود، ولا حتى العنوان، فنـتفرق أنا والأولاد فرقا للبحث، ونتفق على مكان محدد للقاء مهما طال البحث. أرجح، وأدور، وأتصور، وأحسب، وأعود، وأضيق بجهدى، وباعتماديتها، ولا فائدة. أشعر بوخز فى جنبى كأنى انتبهت إلى ما لا ينبغى أن أنتبه اليه، فأبلع ريقى، وأواصل البحث. تمضى ساعة وبضع ساعة، ثم تعثر عليها إحدى بناتى. تعثر عليها فى نفس الاتجاه الذى كنت مكلفا بالبحث ـ شخصيا ـ فيه، ولا أحاول أن أبحث عن تفسير ذلك، وخاصة بعد أن تجزم زوجتى، وهى فى أشد حالات الألم (متهمة إياى دون غيرى طبعا: بالإهمال والترك والنسيان) تجزم أنها لم تغادر مكانها ولا خطوة واحدة منذ تركناها، إذ يبدو أننا انسقنا وراء ركب الاحتفال دون تفكير، وقد تصورنا أنها تمضى مثلنا مع الركب دون إخطار سابق، خاصة وأنها تحب المواكب بكل أشكالها. لا أترك لنفسى العنان أتأمل علاقتى بزوجتى من خلال ما عرّته هذه الحادثة، وحين أتذكر ما قيل عن علاقة سقراط بزوجته أو تولستوى بزوجته، وما لم يـُقل عن علاقة ابن سينا بزوجاته أو عن برناردشو بـ”لا زوجاته”. حين أتذكر كل ذلك أتساءل: هل هذا الذى وصَلَََنَا، والذى لم يصلنا، من معلومات عن هذه الزيجات والزوجات، هل هو حقيقة ما كان؟ هل هذه السير (الذاتية وغير الذاتية) المزعومة قد أنصفت هؤلاء الزوجات البسيطات فى محنة معايشة غرور هؤلاء المبدعين ووحدتهم (دون ادعاء أنّى منهم)؟ هل سمع أحد لآرائهن الحقيقية وما لحقهن من ظلم وتجاوز ومامارسْن من صبر وتحمل؟

لو كان الناس يحتملون، لقلت، وربما قالت، فى هذا الشأن ما ينبغى أن يقال، فثمة أمور لا يعرفها عنى مخلوق فى هذه الدنيا إلا هى، وثمة آراء ومعتقدات لا تخطر على بال أحد عنى لكنها على علم واضح بها، تـقبلها فى صمت مسامِح، حتى لو لم تقتنع بها أو بمثلها، وثمة احترام لشطحاتٍ ليس لها أى مبرر، ولا تستأهل أى إحترام، ولا تُحتمل تحت أى عنوان، لكنها تتركها تمر، ومع ذلك فهأنذا “أنساها” هكذا ببساطة وسط الزحام. لا أعتذر لها حتى لا أضاعف المأزق، وحين أعلم من أولادى لاحقا  أنها حين ضاعت قررت ألا تغادر موقعها ولو تأخرنا عليها طول الليل. لا أستطيع أن أتخيل ماذا حرّك هذا القرار بداخلها من مخاوف وذكريات وضياع، وماذا أثار من احتجاج وعدوان، وكيف ربطت بينه وبين صفاقة الجزائريين الذين آذوها قرب البيجال ـ فأحاول أن  أخفف عن نفسى وطأة خطيئتى شارحا لنفسى أسباب انسحابى وراء الركب. يبدو أنى اعتمدت على أولادى وهم اعتمدوا علىّ، فنسيت نفسى وانسقت أمام انجذابى إلى الشارع والحدَث.

أنا شديد الضعف أمام الشارع، أتعلم منه كما ذكرت ـ أكثر مما أتعلم من حديث المرشدين السياحين وتواريخ الآثار وصخب المسارح، أتعلم من وقفة المتسكعين، ومعاملة البائع، ولهاث العدائين، وموزعى الإعلانات الصغيرة من أصحاب العقائد الجديدة والشاذة، ومن مجددى الأديان القديمة حتى أنى رجحت مثلا، من هذه الاعلانات المتكررة الملاحقة فى شوارع نيويورك، أن ثمة محاولة أمريكية يهودية ترمى الى تهويد المسيح، إذ يبدو أن اليهود لم يكتفوا بادعاء تبرئتهم من دم المسيح ولكنهم تمادوا إلى تهويده فعلا، حتى شككت من فرط إلحاحهم باعلانات الشارع هذه، شككت فى معلوماتى التاريخية، قلت لعلهـما دين واحد، ولعل المسيح ما جاء إلا ليذكرنا بالدين اليهودى، أفلا يجتمع العهد القديم مع العهد الجديد فى كتاب واحد؟ ألا توصف تلك الحضارة الوافدة باسم الحضارة اليهودية المسيحية؟ فإن صح ذلك كله أو بعضه فإن علينا أن ننظر بعين الاعتبار لوجهة النظر التى تنظر لـلمسألة الصهيونية باعتبارها الوجه المعاصر للحروب الصليبية، التى هى بدورها ليست صراعا بين أديان سماوية تكمل بعضها بعضا بقدر ما هى تنافس للتفوق والتعصب والسيطرة من الجانبين لا أكثر ولا أقل،

لعل إصرار دعاة “الشارع” من اليهود النيويوركيين خاصة، وغيرهم، على تهويد المسيح يتطلب بالضرورة اعتبار اسرائيل واجهة هذه الحضارة الواحدة، أى أن إسرائيل هى الفيلق المتقدم نيابة عن الحضارة المسيحية اليهودية للإغارة على أى احتمال آخر، حتى لو كان الأفضل، ومن هذا يصبح ترشيد وإبداع الحركة الإسلامية الأحدث هى الرد الطبيعى على مناورة شديدة التعقيد مترامية الحلقات، ولا يصح أن نعتبر عائد مثل هذا الإبداع الاسلامى، إنْ صدَقَ وأبدع، خاصا بالمسلمين، لأنه سوف يكون محاولة للاسهام فى إنقاذ البشر لا تمييز المسلمين يا خبر!! إذن فالصهيونية بكل تجلياتها المسحية والأمريكية ليست إلا ردّة لمسيرة الانسان إذ تغفل بقية أديان العالم و”لا أديانه”كذلك.و هل يملك كل فريق ـ ولو مؤقتا- إلا الرد عليهم بالمثل؟

ما شأن ترك زوجتى إهمالا ونسيانا بكل هذا، هل تركتُها لأحل مشكلة اسرائيل أو الإغارة الصليبية المحتملة، أم أنه الاستغراق فى الشارع على حساب الصاحب الآخر،

زوجتى ـ كالعادة ـ تعذرنى فى النهاية،، وهذا عبء جديد فى ذاته، وأنا لا أعرف لكل ذلك حلا.

قلت لنفسى: إن أفضل اعتذار لها هو أن أدعوها إلى ما تحب، وقد كان، فانفصلنا عن الأولاد واتجهنا الى الحى اللاتينى فى صمت، وتركنا أقدامنا تسوقنا هنا وهناك، فقابلنا فى أحد الشوارع الجانبية تلك الحلقة المتكررة من الموالدية الخوجات المتجولين، يقومون بالألعاب السحرية كالحواة ويرددون بعض الأغانى الغجرية وغير الغجرية، هذا غير بعض ألعاب الحظ، والتهريج. “قرّب، قرّب، قرّب قبل ما يلعب، شربة الخواجة سيمون أحسن من عصير الأفيون”أو كما قال، وهات يا موسيقى، ونفخ بالنار، وقفز بداخلها، ومفاجآت عجيبة وأخبار غريبة، كل ذلك “أحسن من السرقة والنصب وكافة شىءء يغضب العم سام”، هذه التجمعات بالذات هى المجال الأكبر للسرقة والنشل والذى منه الأمور التى يتولى تحديثها العم سام شخصيا فى كل المحافل الدولية.

أنا لا أفهم بوضوح أين أضع هذا النشاط الشوارعى البدائى فى إطار الحضارة الباريسية (الغربية) وكيف أقيسه بمقاييس التقدم والتكنولوجيا،وأقول لنفسى راضيا موافقا: هذا تهريج طيب، واحتمال نصب وارد، وبالقياس أنظر فى التهريج الأكبر الذى يقوم به القادة المتقدمين وهم يعرضون ألعاب التكنولوجيا الحديثة على العالم الثالث بنفس الطريقة، وكأنها الحضارة التى لا قبلها ولا بعدها فأضبط نفسى متلبسا برفضٍ عميق لهذه الخدعة المتمحكة فى ادعاء التقدم. لا أرفض هذه الحضارة، لا أحد يستطيع أن يرفض الحضارة ، أنا أرفض سوء استعمال أدواتها فى غير ما وعدت به. أرفض سيركُ المال والسياسة والكذب والشطارة.

أحاول أن أذكّر نفسى أننى ضيف عليهم، وأننى منبهر بهم، وأننى دائم المقارنة بين إيجابياتهم وسلبياتنا، وأننى أتعلّم منهم الكثير. لا أريد أن ينطبق علىّ موّال يقول: “والله ان كسيت الخسيس حرير من الهندى، ياكل فى خيرك وعند الناس يِــدِم فيك”،

أكاد أقتنع أننى ما دمت أنهل من عطائهم فلا بد ألا أذم فيهم.

حين أقتنع بما لا يقنعنى، يثور علىّ داخلى إما بالتوقف والعرقلة، وإما بالحركة والمغامرة، وإما بالشعر الذى لا أنتمى إليه، أثار هذا كله عندى هيجة سياسية قفزت منى شعرا لدرجة السباب هذا “بعضه” :

” إفتح عينكْ، أقدِمْ تلعبْ.

فالحظ اليوم لأولاد الأفعى،

من وُلدو من لدْغة عقربٌ.

……

يا تجارالكمات الخاوية المهجورة.

أفيونُ السعدِ دعارةْ.

……

 فتدحرجتْ الكرة الأثقل فى غير الخانةْ.

خرج لسان السعد الوعدْ، يتدلّى،

 من جوف العذراء المومس.

لم تطل وقفتنا ،انجذبنا- زوجتى وأنا – إلى موقع نحبه : تقاطع سان جرمان بسان ميشيل، وتهدينا أقدامنا إلى مطعم يابانى. زوجتى تحب كل ما هو شرق أقصى، (ويبدو أن ابننا مصطفى قد ورث هذا الميل دون مورث! انظر الترحّال الثالث إن شئت) وهذا المطعم اليابانى أدق وأرق وأغلى من المطعم الصينى المتواضع تحت الفندق. قلت: لعلها ـ بذلك ـ تغفر لى سهوى وغفلتى عنها فى الشانزلزييه، لكن مثل هذا “الترك” يحرك فى الداخل ما لا يزول.

حكت لى مريضة صديقة أنها حين كانت فى الثالثة دخل أفراد الأسرة المسكن وأغلقوا الباب دونها، فظنت أنهم استغنوا عنها إلى الأبد، ونفس المريضة تحركت عندها هذه الذكرى حين  كانت فى الرابعة ، دخل أهلها شركة بيع المصنوعات  وتركوها وحدها فى العربة فظنت أنهم لن يعودوا أبدا،

حضرنى كل هذا بعد العَمْلة الخائبة التى اقترفناها فى حق هذه السيدة زوجتى ـ وكيف يمكن أن تمحو وجبة يابانية مثل ذلك.

 وقلت أيضا: ليست الأمور كما أتصوّر.

 الاثنين 10 سبتمبر 1984

لم نتمكن أمس من زيارة حديقة اللوكسمبورج ـ فحاولنا اليوم أن نوفق بين زيارة المونمارتر وزيارتها، وكنت قد تحدثت مع السيدة كومباليزييه التى كنت أسكن عندها فى مهمتى العلمية، وحددت معها موعدا لزيارتها مع أسرتى لتحيتها، فاستقبلتنا أحر استقبال وأطيبه. كنت لم أرها منذ ذلك التاريخ البعيد. فوجئت بكهولة متعجلة لم أضعها فى حسابى، وسألتها عن “بيبر” إبنها المعاق (شلل أطفال قديم جسيم) فأخبرتنى أنه تخّرج، واستقل فى منزله فى “الفرساى” وكانت ابنتها قد تركت المنزل منذ حللتُ أنا محلها فى حجرتها فى تلك السنة، ولم أجرؤ أن أسأل عن زواج ابنها أو ابنتها كما اعتدنا عندنا، فالاستقلال عندهم حتم وحق وواجب، بزواج أو بدونه، هو حتم حتى لو كانت الأم فى هذه السن، وهو حتم حتى لو كان الإبن بهذا الشلل، فسألتُ عن حجرتى وهل يسكنها ـ إن كان قد حدث ـ أحد الآن، فأجابتنى بالنفى، ففرحت، واكتشفت أنى كنت حريصا على أن أطمئن أن حجرتى بعد كل هذه السنين لم يمتهنها أحد، وأن من سكنها أو يسكنها قد أحبّها مثلما أحببتها، وأكرمها مثلما فعلتُ ، مثلما  أكرمتنى.  فهمت لتوى قول الشاعر: “أهيم بدعد ما حييت فان أمت، فوا أسفى من ذا يهيم بها بعدى”، ورفضت ـ نسبيا ـ قول الآخر: “أهيم بدعد ما حييت فإن أمت،  فلا صلحت دعد لذى خلة بعدى”. وإن كنت قد اقتربت من المعنى الآخير حين خطر ببالى أنى أفضّل أن تظل حجرتى (دعد) خرابة على أن يهينها أحد أو يسئ استعمالها، وأكتشف وأنا أحكى عن حجرتى تلك كأنى امتلكتها دون صاحبتها، وأجدد اكتشافى علاقتى بالأماكن ومعنى الوقوف على الأطلال.

طلبت أن ألقى على حجرتى نظرة، فضحكت السيدة، وفَهِمَتْ، وسَمَحَت، وما أن فتحت الباب حتى اعترتنى دهشة غير متوقعة، فقد بدت لى الحجرة أضيق مما كانت تحل بخيالى بعد أن تركتها. – عام 86/96 – كانت لى عالما بأسره، فكيف اختُزلت هكذا الى هذه المساحة المحدودة، وأين شرفتها؟.هى  لم تكن لها شرفة أبدا،  كان ثمة نافذة طويلة قليلا لها حافة أسفلها ممتدة للخارج أقل من نصف متر، لا تسع إلا زرعا جميلا محدودا، ولكن هكذا قفز إلىّ هذا التساؤل: أين الشرفة؟  هل يمكن أن يشكل الخيال ما يشاء إلى هذه الدرجة؟ قلت ياليتنى ما رأيتها ثانية لتظل صورتها كما صوّرتها، لم أكن إذ ذاك طفلا، كنت فى منتصف العقد الرابع، وما أمر به هكذا جائز لطفل اختلفت عنده المقاييس حين كبر. لكن هذا هو ما حصل.

أعود إلى مضيفتى فأسألها عن أحوالها، وتجيب.

هى تقضى وقتها مع صديقات كهول بعد أن تقاعدت، وهى تحافظ على صحتها بممارسة ألعاب خفيفة لمدد محدودة كل يوم، وتضبط زياراتها المنتظمة لطبيبها، كما تتبع نهجا غذائيا وقائيا محكما.

أتساءل: لم كل ذلك؟ لتحافظ على ماذا، لماذا، إلى متى؟ ولا أعلن تساؤلاتى جهرة طبعا وأخجل من عودة سخفى وقد كنت أحسب أنى تعلمت حتى التوبة العدول عن عبث مثل ذلك التساؤل عن معنى استمرارحياة الناس!! (انظر قبلا خبرتى المؤلمة مع خالتى فى هذا العبث الفكرى الغبى- الفصل السابق) . أشفق على مدام كومبالزييه، وأحترمها، وأسرع بالانصراف قبل أن تلتقط بقية مشاعرى العبثية، فتودعنا شاكرة الزيارة، كما تشكر نيابة عن ابنها بيير هدية الشطرنج الفرعونى الذى تركته له؟ ويتعجب أولادى من تعلقى الشديد بحجرتى تلك، وأتصور أنها (الحجرة)  كانت لى بمثابة الرحم الحانى فى تلك الولادة المنتصف عمرية.

أهى “الركن” أيضا ؟

 أصحب أولادى بنفس مسار أمس الأول إلى المونماتر، ولا أجدنى قد مللته أبداً، وما أن نصل إلى المقاهى والمراسم حتى نفترق حيث قررت هذا اليوم أن أطيل الجلوس وحدى لأطيل التأمل، فتفضل زوجتى البقاء معى، ولا أتأكد إن كان ذلك اختيارا لصحبتى، أم تجنبا لتكرار ممل، مع الأولاد فيذهب الأولاد ونجلس على مقهى فى موقع ممتاز.

يمر أمامى بائعو الفن يغرينى كل واحد منهم برسم “بورتريه” لوجهى البهى(!!). أرفض بداهة، فلا أنا من يهمه التصوير أصلا، ولا وجهى هو الوجه البهى، ويأتى واحد أكثر ذكاء ومخاطرة من عنادى، فيبدأ فى الرسم دون إستئذان منى، فأحاول أن أثنيه عن عزمه . أُفهمه بوضوح أنى لن أشترى ما يرسم مهما كان، فلا يهتم، ويجيب أنى غير ملزم بدفع سنتيم واحد إلا إذا وافقت، ويكمل رسمه، ولا يعجبنى طبعا، فإذا كان الأصل لا يعجبنى فكيف تعجبنى الصورة، ولكنى أخجل وأدفع، ويثبُت أن إصراره أذكى من عنادى- وأتصور أن هذه وسيلة ناجحة محسوبة لكننى أتابع نقاشا يجرى بجوارى مع “زبون” أحسب أنه أمريكى، فقد غامر أحد الفنانين معه بمثل ما فعل معى، لكنه رسم وجه جارى رسما كاريكاتيريا جميلا وناطقا، تصورتُ منه أنه لمَسَ داخله وأظهره جنبا إلى جنب مع دقة التقاط التقاطيع، وخاصة أنفه المتميزة، ويبدو أن الرجل قد أُعجب بالرسم مثلى، فهم أن يبتاعه، لكنه قبل أن يفعل خطف نظرة إلى زوجته (أو صاحبته) الحسناء فتحفزت، وجعلت تقلب النظر بين الرسم وبين الأصل، ذلك أن الكاريكاتير قد ضخّم الأنف حتى أصبح أكثر دلالة وتمييزا، وقد تصورتُ أن هذا أفضل، لكن يبدو أن ذلك لم يرُقْها، فتراخت يد جارى رويدا رويدا من على حافظته حتى خرجت بيضاء من غير سوء، وصح ما توقعه وتوقعته حيث “زامت” صاحبتنا أنْ “لا”، وهى “اللأّ”، وكأنها أرادت أن تظل محتفظة بصورة صاحبها (بل الأرجح: زوجها) بأبعادها الكاريكاتيرية الأخرى، إذ يبدو أن ما نرسمه فى خيالنا لبعضنا البعض هو كاريكاتير مفضل على الحقيقة من جهة وعلى كاريكاتير الآخرين لنا من جهة أخرى، بل إنى رجحت أن كل واحد منا له صورة للذات وصورة للجسد، كما أن له كاريكاتير للذات وكاريكاتير للجسد، وقد يحتاج هذا لبحث خاص!!!

 مازلت أذكر – كما أشرت- كيف فوجئت بصورتى فى مرآة حجرتى فى باريس سنة 1968، وحتى الآن. أنا أصدم فى كثير من الأحيان حين أضطر لاكتشاف الفرق بين وجهى فى المرآة وبين صورتى الداخلية الكامنة، فقد أجد المرآة أفضل أو أسوأ، وقد يفاجئنى سنى، أو تفاجئنى كشرتى، أو جديتى، أو همى، يفاجئنى أى من ذلك فى وقت لم أستعد له، وأحيانا أتعجب كيف يحتمل من يعيشون معى هذا الوجه (وجهى) طول الوقت فى حين أننى لا أستطيع أنا أن أتحمله إلا مصادفة، وأحيانا أكتشف أن لوجهى حضور متميز يمكن أن يبرر قبوله لو صبر عليه أحدهم بعد النظرة الأولى،

تأكد لى هذا الاحتمال مؤخرا( أغسطس 2000) وأنا أقوم بتسجيل أعمالى التى قد لا تنشر فى حياتى بالصوت والصورة، حيث أعددت مكتبى لأقوم بنفسى بذلك دون مساعدة أحد، وكلما شاهدتُ نفسى فيما سجلته تساءلت: من هذا؟ لكننى أجده أقرب من كل تصوراتى السابقة.

المهم رفضتْ السيدة أن ترى زوجها كما رآه الرسام، أو ربما تصورت بذلك أنها تستطيع أن تحتفظ بصورته التى رسمتها له داخلها كما تشتهى، وألتفتُ إلى زوجتى فأجدها راضية بوجهى وصورتى معا، وأمرها إلى الله، وأقول فى سرى: الحمد لله، فلا هى “تزوم” ولا أنا أرضخ.

يمر بنا كهل مهلهل، شديد حمار الوجه، متوسط جحوظ العينين، يمسك عودا خاليا من الأوتار، وعلى الرغم من أنه لم يمد يده سائلا أحدا أى شىء، إلا أنه يتسول ما فى ذلك شك، ، يذكرنى منظره بشيخ درويش أعرفه فى الحسين يحمل مروحة ريش بلا ريش، لكن درويش المونمارتر أكثر احمرارا- بفعل الشرب فى الأغلب- وعينيه أكثر جحوظا، وعوده بلا أوتار فهو أكثر لفتا للنظر من المروحة الخاوية الريش بيد درويش الحسين، وتكاد تصطدم به السيدة صاحبة المقهى (فى الأغلب) فتعتذر وتفسح وتتراجع فى أدب جم واحترام حقيقى، فأتصور أنه كان أحد هؤلاء الفنانين المتجولين، وأنه قد تبين بحدس واع أن حكاية الحياة كلها لا تساوى- سواء خطها على الورق، أم رصها فى كلمات، أم عاشها فى خطوات، أم أصدرها فى نغمات، ومن ثم هو قد قصف فرشاته، وأخلى عوده من أوتاره، وأبقى عليه أجوف يردد أصداء ما تبقى من نغمات متفرقة كيفما اتفق.

يبدأ الرذاذ من جديد، وتحلو الجلسة، وتخرج المعاطف المضادة للمطر، وتُفرد بعض المظلات، وينصرف أقل الناس ويبقى الآخرون، وأشعر أن المطر قد هطل هنا بالذات: تحية لى، ورسالة، فأشكره، ويخف حتى يسمح لنا بالانصراف لمقابلة الأولاد لننطلق الى اللوكسمبورج، سُرة الحى اللاتينى وعلامته.

اللوكسمبورج حديقة مثل كل الحدائق، لكنها ـ دون أن يقول لى أحد ـ جذبتنى حتى صاحبتُها أيضا، صاحبت عددا من الأمكنة بكل التفاصيل أكثر مما صاحبت البشر، حتى البشر حين أرصدهم فى الأماكن أعاملهم كجزء من المكان لا ينفصلون عنه،  أو لعلى أعامل الأماكن كبشر، ألم أكن مع “دعد” حجرتى منذ قليل؟

اللوكسمبورج تختلف عن غابة بولونيا فى أن أشجارها ناس، وناسها طبيعة، وهى تحيل وسط المدينة إلى طبيعة، ولا تكمّلها بطبيعة منفصلة. أهم ما فيها هو “مَن” فيها: السيدة العجوز، والطفل الذى يعدو، والشباب المستلقى، والمارة الطيبون، والفن الحى. لم أكن أعرف أن لها عند سارتر موضعا خاصا فى نشأته وخياله، وحين قرأت علاقته باللوكسمبورج اقتربت من خياله واحترمت نبضه مع استمرار اختلافى مع كثير مما فرضه على نفسه وهو يُحِل كّلماته محل جوهر الطين وقلب العرق، ونتصرف بسرعة هذه المرة لأننا كنا على موعد لزيارة صديقة لابنتى فى ضواحى باريس بعد الظهر.

فى محطة “سان لازار” ننتقل من محطة المترو إلى محطة القطار، فنجد الدنيا تضرب تقلب، مئات، آلاف، داخلين خارجين، فى زحام منتظم، أو انتظام مزدحم، وبسرعة محسوبة  لأن مواعيد القطارات مُعلنة فى لوحات مضيئة بالدقيقة(وربما الثانية).

 علاقة باريس بضواحيها علاقة غريبة رائعة، فالضاحية تسمى ضاحية حتى لو وقعت على بعد مائة كيلو متر، وأرجح أن المسألة لا تقاس بالكيلومترات، وانما بالميكرو ثانية، وبالتالى لا يوجد ما يبرر أن تسكن فى باريس إذا كنت تستطيع أن تصلها فى سبع عشرة دقيقة أو سبع وعشرين، فأنت تعرف مسبقا متى تحلق ذقنك، ومتى تغادر بيتك، ومتى تستقل قطارك، ومتى تغيره إلى المترو (هذا اذا لم يكن نفس القطار يخترق باريس مثل خط الـ. R.R.)، وبالتالى متى تصل عملك ـ فإذا كان الأمر كذلك فأنت فى باريس متى شئت، وأنت خارجها متى أردت. تقفز إلى ذهنى لعبة المقارنة وأقول لنفسى إننا نصل إلى العمل بالصدفة، ونعثر على المسكن بالقرعة، وبالتالى فنحن نعمل “بالتيلة”، وبسرعة التقطت اسم البلدة التى نتوجه اليها على اللوحة المضيئة..، “هويل”، فوجدت أن القطار سيغادر المحطة إليها بعد دقيقتين، وهات يا تذاكر، ويا جرى، ويا قطار، ونحن غير متأكدين تماما أننا على صواب، ويطمئننا بعض الركاب الطيبين، ونجد الأماكن كافية على الرغم من الازدحام الذى كان بالمحطة والقطار بدورين مثل ترام الاسكندرية زمان، والناس مثل ناس المترو، نعم.. هم.. هم، لكن الكتب هنا أكثر وهى تخرج أسرع، والكلمات المتقاطعة أقل، والجو الأسرى أوضح، والشباب أقل، والقطار يبدو أسرع، والدنيا مكشوفة، والحقول تتبادل مع مداخن البيوت أو المصانع الصغيرة.

نصل إلى المحطة المعنية، “هويل” فلا نجد صديقة ابنتى كما تواعدتا، فننتظر، وفى خلال دقيقتين يخلو الرصيف إلا منا، فيبدو مهجورا تماما، وهى محطة مفتوحة، بسيطة، جميلة، وخلوها يعنى عندى الدقة والطمأنينة معا، فالناس تحضر قبل القطار بدقيقة (مثلا)، فيحضر القطار بعدهم بدقيقة، فتخلو المحطة فى أقل من دقيقة، ودمتم، وهكذا أرى محطة ليست سوقا ولا بوتيكا ولا ناديا ولا ميدانا، لكنها محطة، وننتظر أكثر ولا حس ولا خبر لصديقتنا، ونتعجب، ونـُرجح سوء فهم الاتفاق على المكان، فتذهب كل من ابنتىّ للبحث فى احتمالات أخرى، وتعثر إحدى البنات على الصديقة، ونلتقى.

صديقة ابنتى اسمها فرانسواز، فتاة فى العشرين وزوجها كذلك (هكذا يبدو) وهى، ليست جميلة، وزوجها شديد الجمال والوسامة، والظاهر أن الرجل الفرنسى ـ بصفة عامة ـ هو أجمل من المرأة الفرنسية، واستقبلتنا البـِنـَيَّّة بفرحة حلوة، وقد كنت أتصور أنى سألتقى بفتاة صغيرة، تلميذة، مثل ابنتى، حتى لو كانت متزوجة، لكنى فوجئت بامرأة كاملة لها وجه طفـلة جدا، ذلك أن بطنها كان أمامها جدا، وظهيرتها خلفها جدا، حامل هى فى الثامن على الأقل، ورغم ذلك فزوجها “الجميل” لا يكف عن التغزل فيها ومداعبتها أمامنا طول الوقت. زوجته: أى نعم، على سنة ديجول ورئيس وزرائه، لكن هذا لا يمنع من الغزل المستمر، والمتجدد!!! ـ وهى ترحب بى وبزوجتى أساسا، ثم تواصل حديثها مع ابنتىّ بفرنسية واضحة، سريعة وجميلة، ويشترك الأربعة فى حديث حار وكأنهم يكملون محادثة لم تنقطع إلا أمس، أو صباح اليوم، وأسحب نفسى بعيدا أتأمل هاتيك الشابات الثلاث والجدع “الحليوة” زوج فرانسواز، وأرى روعة اختفاء الفروق الحضارية والتاريخية والعنصرية واللونية واللغوية  فى ذوبان إنسانى مطمئن، وألعن كل الفروق، وكل التشويهات، وكل التعصب.

 كانت ابنتى الكبرى ـ منى يحيى ـ (تذكرّ أن لى ابنة أخرى اسمها منى السعيد) قد تعرفتْ على صديقتها هذه أثناء رحلة كشافة فى جزيرة كورس (كورسيكا بالعربية ـ بلد نابليون: مولدا ومنفى) حيث شاركتا فيما يسمى “راندونيه” وهى مغامرات كشفية وسط الجبال سيرا على الأقدام مستعملين معابر (كبارى) قديمة لا أحد يعرف مدى صلاحيتها، مارين بمسارات لا تسع إلا فردا واحدا بالكاد، أو بلا مسارات إطلاقا تصعيدا فى جبل أو انحدارا إلى سفح، مكتشفات طبيعة مجهولة، عابرات ـ من خلال ذلك، وفى حضن الطبيعة الأم ـ معظم الحدود بين الأجناس والعقائد وما يصاحبها من تعصب وغرور. كان هذا دائما هو غرضى الأساسى من وراء السماح لأولادى الواحد تلو الواحدة بهذا السفر الجماعى. كان هدفى هو إذابة الحدود بينهم وبين من يعرفون ممن هم على غير دينهم وغير شاكلته. كنت دائماً آمَلُ أن يعرفوا من خلال ذلك أن الحياة الحقيقية ليست فى الرفاهية أو فى احتكار الجنان، يعرفون ذلك بالممارسة، والمشى، وليس بالنصائح والكلام،

ومنذ هذه الرحلة المشائية الجبلية التى خاضتها منى وهى فى الخامسة عشرة، وهذه الصديقة “فرانسواز” وأهلها يرسلون الدعوة تلو الدعوة لابنتى وأختها للنزول ضيوفا عندهم فى صيفٍ ما. ورغم رقة حالهم ماديا، فقد كانت دعوة مفتوحة مجانية إلا من ثمن تذكرة السفر، وكانت ابنتى تكرر لى دائما أن الكرم ليس له وطن، كما أنه ليس مرتبطا بقدرة مادية معينة، وأخيرا قبلت بنتاى الدعوة، كان ذلك لسنتين سابقتين على رحلتنا هذه. حكت لى ابنتى عن تواضع منزلهم فى ضاحية “بيك”، وعن زيارتها لعمة صديقتها الفلاحة فى الشمال (فى ولاية بريتانيا)، وعن مدى نشاط الفلاحة الفرنسية، وكمية اللبن التى تدرها البقرة الفريزيان، وتواضع دورات المياه لديهم.. فنقلتْ إلىّ وإلى أمّها صورة حقيقية لما هو أسرة فرنسية من الشمال “غير” ما نعرف عن باريس وأهلها، وتوطدت العلاقة، وتواعدوا على تبادل الزيارات الحرة، ولم تحن الفرصة بعد لــرد الزيارة، وهانحن نزور من جديد هذه الأسرة الصغيرة بعد أن عملتها فرانسواز مع صديقها دون تردد، ونشأت أسرة صغيرة ظريفة فى هذه السن، وبكل هذا الاستقلال، وهذه هى بطنها أمامها، وزوجها ذائب فى هواها، طول الوقت.

عرض علينا المضيفان أن نستقل تاكسيا فرفضنا بداهة، وفضلتُ أن نواصل السير إلى المنزل حتى أعيش خطواتى كالعادة، فجعلت أتملى فى واجهات المحلات، وأقرأ الاعلانات بالتفصيل، ومن بينها إعلانات عن ستوديوهات ومنازل صغيرة، وفيلات، وأثمانها كلها معقولة، لاتزيد عن ثمن شقة متوسطة فى القاهرة أو حتى فى بلبيس!!، حتى خطر ببالى الخاطر المتكرر ـ بلا أى مبرر ظاهر ـ أن يكون لى كوخ فى هذا المكان أو مثله (بدأت تلوّح أعراض الحنين إلى الركن القَصِى).

خجلت من نفسى فراجعتها، وجدتنى، على الرغم من تكرار هذا الخاطر كلما زرت مكانا أخضرا جبليا بعيدا، أتصور أنى لا أعرف بديلا أحب الالتصاق به والموت تحت ثراه أكثر من أرض بلدى كما لا أعرف فعلا أشرف من إفادة ناسى أولا وقبل أى شىء، لكننى أتصور بين الحين والحين أنه سيأتى علىّ يوم يمنعوننى فيه من أن أفكر لنفسى بنفسى، وبالتالى فسوف أعجز عن أن “أعلن”، أو “آقول” ما أفكر فيه، وأنا أعانى حاليا من صعوبة النشر بعد أن كشفت عديدا من أوراقى الواحدة تلو الأخرى، وبرغم الحذرالشديد لاحت بعض معالمي: فى الدين والجنس والسياسة والتاريخ، فلم أعد أكتب ما يعرفون، كما لا أستجيب لما يريدون، لا “هؤلاء” ولا “أولئك”، وهم حتى الآن لا يتهموننى بالخيانة أو العمالة أو الكفر، وإن كنت أرجح أنهم يصفونى بالجهل أحيانا و بالغرابة كثيرا، ولكنى أتصور أنه حين يتولى “هؤلاء” أو “أولئك” الأمر، وهما على طرفى نقيض، فلابد أن أجدنى مواجها باتخاذ قرار، قبل أن يتخذوا هم قرارا فى شأنى، وأتصور أنى سأكون كهلا لا يحتمل التعـذيب، كما سأظل عنيدا لا أخضع للقهر، يقظا لا أحتمل التخدير، وحين لا تتسع أرضى لمثلى، وهم على قمة التحكم الفوقى، فأرض الله واسعة، فلا مانع من إعداد الركن الذى سيأوينى حتى لا أتنازل عن شرف عقلى مقابل ذل إقامتى حيث يقهرون حقى فى أن أفكر لأقول.

 أفيق فجأة: من هم؟ ومن أنا؟ أنا لست فى أولها ولا فى آخرها، بل كلا الفريقين يفرحون بأمثالى ممن لا يتعدى خطرهم اجترار أفكارهم، فما هذه القصة الطويلة العريضة التى تستدرجنى حتى أهم بشراء كوخ فى ضاحية خواجاتية؟، وحتى لو فعلت، فلمن سأعلن آرائى هناك من هذا الكوخ البعيد، وكيف سأستثمر حرية تفكيرى، هل ستسمح لى بذلك تلك الصحف العربية الخوجاتية التى لا أحد يعلم حقيقة تمويلها ولا غاية توجهها؟ أم أنى سأزرع أوهام أهميتى فى أوراق مهملة أخزنها فى حديقة كوخى المزعوم، وأوزعها على خواجات لا يدرون عن وجودى شيئا أصلا ثم تـُدفن، قبلى، دون أى ذكر، بعد أن يعجز الحانوتى الخواجة عن فك طلاسمها، وحين أفقس نفسى بهذا الوضوح أكتشف حجم حاجة الواحد منا إلى الاطمئنان “بشكل ما”، إلى وجود “ركن ما”، ينتظر الواحد منا فى حالة “ما إذا”…،

أحسب أن وجود مثل هذا “الركن”، حتى لو لم نلجأ اليه أبدا، هو أمل قائم عند كل منا منذ غادر الرحم، ولكنى أعترف أنى بالغت فى تشييد “الأركان” دون استعمالها، فحيثما حللتُ، أقمتُ لى حجرة، أو عشة، أو تعريشة، أو استراحة، أعدها وأتحمس فى إعدادها، متصورا أنى سأقيم فيها بقية حياتى “بهدوء”،(ليس “بهدوء” إبراهيم نافع)  وبمجرد أن يتم ذلك – وقد تمّ فعلا فى أكثر من مكان فى بلدنا- قد لا أبيت فيها ليلة واحدة، ولكنى أواصل العناية بها استعدادا “للجوء إليها” فى وقت ما، وقت لا يجئ أبدا.

أتذكر أن أبى كان يمارس هذه اللعبة بطريقة أخفى، فإمكانياته كانت أقل. وقد سبق أن أشرت إلى كيف انتقل أبى بعد المعاش المبكر إلى حجرة منفردة فى حديقة لنا بعيدة عن البلدة تقع أمام المقابر مباشرة، وقبلها كان قد أعد حجرة فى حقل أبعد، وكانت له حجرة فى الشقة الأصلية تسميها أمى “ركن العزل” ـ وكانت سِـلفتها ـ زوجة عمى ـ تشاركها الرأى وتوافق على هذه التسمية، حيث أن عمى (زوجها) كانت له نفس النزعة، وبالتالى نفس الحجرة، يلجأ إليها عند التصادم والاختلاف، فهل المسألة وراثية؟ هل استطاعت عائلتنا، بهذا التكرار الملح، أن تعلنها باعتبارها طبيعة بشرية عامة. فلماذا لا يعملها غيرنا هكذا بهذا الإلحاح ؟

أعلم يقينا أنه لا الركن ولا الرحم، ولا الموت يستطيع أن يحل مشكلة القهر، والسلطة، والإعاقة، وأن من لا يتمكن من إدارة معركته على أرضه فلا سبيل إلى تصور أنه سيفعلها على أرض غيره، ومع ذلك فأنا لا أحرم نفسى من حقى فى أن أحلم “برحمٍ ما” لحين أستقر فى جوف الرحم الأوسع (القبر) فى حينه ـ ولكنى لم أكن أتصور أن حاجتى إلى الاطمئنان لوجود هذا الرحم سوف تتمادى الى الحلم: بكوخ ـ مِلك ـ فى بلاد الفرنجة” هكذا،بهذا التكرار، طول الوقت.

أسترجع ما قالته لى ابنتى فى “نيس” حول تفكيرها فى الهجرة، ثم كيف عدلتْ بعد حادث السرقة فى “فيل نيف” فى شاطئ الزير (الكوتدازير). أتصور أن الحرية المزعومة فى بلاد الفرنجة هى خدعة أكبر من كل تصور، فإن كنت أخاف من قمع حريتى فى نشر كلمة، أو إبداء رأى، فى بلدى، فى يوم ما لم يأت بعد، فإن حرية المشى ليلا، وحرية إمكانية التخلص من وصاية الإعلان، ووصاية التليفزيون، ووصاية شركات التأمين وغير ذلك هى كلها حريات غير قائمة فى بلاد الخواجات المتقدمة. إن هذا الحنين إلى حرية أخرى، أو ركن كهف واعد، مرتبط بعجزى عن أن أنفصل عن مشاكل ناسى ومرحلتى، يختلط عندى العام بالخاص، حتى لا أميز.

موقفى السياسى موقف فردى خائب، لم أترك فرصة أعلن فيها رأىى إلا فعلت، ولم ُيُنشر لى رأى حقيقى واضح إلا إذا ابلغ من الغموض ألا يفهمه رئيس التحرير الذى ينشره، أو لعله يتمتع بالقدر من الشجاعة الذى يسمح له بالتغابى، وحين تضيق بى الصحف، القومية والمعارضة، وترفض كلماتى أنشرها فى مجلة مجهولة أرأس تحريرها منذ عشرين سنة، هى مجلة “الانسان والتطور”، وأحيانا أختبئ فيما أسميه تجاوزا :شعرا”.

 عندما حدثت “هوجة” الأمن المركزى فى بلدنا (28/2/1986)، ومنعونا من التجول فى القاهرة، ضجر الناس و ضجوا، وقد أهاجنى هذا الحادث واعتبرته نذيرا ضخماً لأمر ما، أنا أعرف مدى استثارتى حين تعجز الكتابة العادية عن استيعاب دفعة انفعالى، فيهيج شعرى ضد اعتراضى عليه، وعلى مستواه، نظرا لبصيرتى أنه ليس أحسن أدواتى، لكننى على الأقل أكتشف أزمتى من خلاله، قلت فى هذا الانفجار وكأنه يعنى سقوط الأقنعة والثورة ضد النمطية الدائرة.، أذكر ما يناسب حالتى الآن، وقد يفسر الحنين المتواصل إلى الركن القصى

ـ 1 ـ

………..

طلاسِمُ المعادلة،

والنّسَْمَةُ البلهاءُ تاهَتْ فى سَحَابَة الملاَحَقَهَْ.

………..

……….. ـ 5 ـ

أُمِرْنا بليلٍ

يَمُوُت الأملْ

ـ 6 ـ

تململـتْ رسالة مغلّفة

من حول ساق الزاجلِ

]حُلْمُ لاح لعيَن السَّاهر[

وهمسٌُة شاَرِدُة تَقنفدَتَْ

………..

لفّ الدثارَ أحكم المراوغهْ

تمزقت رسالة مـُنـْتـَهكـْة،

تطايرت أوراقها

[حلمٌ ضاعَ بدربِ الثائرِ] ……إلخ      

حكاية الثورة والحرية أصبحت غير ملائمة لحاجة الإنسان المعاصر، هذه البضاعة المعروضة من حوانيتهم ليست مطلبى،

لا أريدها، ولا أستطيع الاستغناء عنها،

 بديلها هو القهر بلا حدود،وهى لاتساوى شيئا،

 فما العمل؟

 أتذكر كيف كنا فى نيويورك، أو حتى سان فرنسيسكو، نسرع الخطى للعودة للفندق قبل الساعة 8 مساء، حيث التجوال بعد ذلك (دون طوارئ ودون قرار منع التجول) وإلا تعرضنا للنهب أو ما هو أخطر، ولا أظن أن هذا حرية أو حضارة. أنا لا أميل إلى اعتبار هذه الحكومات المتحضرة بريئة مما يحدث فى شوارعها، باعتبار أن السود وقطاع الطرق الآخرين من السكارى والعاطلين والمجرمين هم المسئولون عن الإغارة على “حرية التجول” هذه، الدولة الأضعف من التحكم فى سلوك أفرادها هى مشارِكة فى نتائج هذا السلوك على حرية المواطنين والزائرين على حد سواء .

ماذا يفيد الرجل الحر أن “يقول” ما يشاء وسط إرهاب دعائى إعلامى يسجنه فى حدود ما يراد تماما، وماذا يفيدنى أن أتصور أنى حر التفكير وأنا لا أستطيع أن أمشى فى الشارع حرصا على حياتى، وقروشى، فأتوارى مقهورا بعد المغرب فى بلاد الحرية؟ وأفيق من جديد على تعدد أشكال القهر بقدر تعدد أوهام الحرية.

هكذا اكتشفتُ أننى أعيش أوهام الحرية والأمل فيها أكثر مما أمارسها،

أنا حين أحسب أن كوخا فى بلاد الفرنجة ينتظرنى عند اللزوم ليحمينى من القهر، أو أن هجرة واعدة قد تسمح لى بمساحة أكبر فى الحركة، لا أمارس إلا الوعد بحرية زائفة، فهى ليست إلا “حرية” عدم الانتماء ” لا أكثر ولا أقل، إنها دعوة أن أعيش بين ناس لست مسئولا عن مشاكلهم وآلامهم، فأتصور أنى حر.، حرٌ بالتخلّى، هناك ، أستطيع أن أستدفئ بظلام كهفىّ، فى حين أنى أكون قد اخترت التعجيل بنهايتى.

 من ذا الذى يستطيع أن “ينشر” رأيه فى بلاد غير بلاده، بلغة غير لغته، دون أن ينحاز لهذا الفريق أو ذاك، ممن لا ينتمى إليهم أصلا.

أُدرك من خلال تعرية تبريراتى الهروبية بهذا الوضوح أنه حتى العلم ليس محايدا أبدا، ولن يكون كذلك أبدا. راجع التمويل.

ولكن: ماذا أقول فى بلدى أكثر من عدة فقاعات كلام أو كتابة قد تطفو أو لا تطفو على سطح المسيرة، تتفجر طاقة أو لا تتفجر حسب حسابات صعبة، ليست فى متناوَل تحكمى، ولا هى فى متناوَل أى فرد واحد أو شعب واحد مهما بدا دوره واعدا.

 نصل الى منزل فرانسواز ونجد والدها وأخاها فى انتظارنا. يقودنا المضيفون إلى “المنزل” عبر ممر طويل وهو ليس منزلا لزوجين حديثين بقدر ما هو “مشروع” مصغر، يأوى أمل شابين، قانعين شجاعين، وهذا المشروع  يقبع أغلبه تحت السلم، فهو مكون من حجرة واحدة كالحُق، بها منضدة متوسطة تكاد تملؤها، فاصطففنا حولها بالكاد، وبجوار الحجرة “فكرة” مطبخٍ ما يسع موقدا ما، يعلوه سلم خشبى يصل إلى حجرة نوم فوق الاثنين.

أعجب أن الطفـلة الحامل وزوجها لا يشعران بأى حرج من استضافتنا هكذا هنا، بل إن فرانسواز تدعونا لرؤية حجرة نومها، وهى فخورة، دون خوف من احتمال تصدع السلم أو عدم اتساع الحجرة، وتفهم زوجتى وابنتاى أهمية هذه “الفرجة” لعروس صديقة، وأعتذر، ويدور الحديث عن جمال البيت كأنه القصر المنيف!!! وأتعجب لهذا الرضا بهذه البداية التى لا تؤجِّل الزواج، وتقول لى ابنتى ونحن عائدون أن الرضا ليس نابعا من حسن استغلال ضيق المكان فحسب، بل من التأكد من إمكانية تغييره متى ألحّت الحاجة وتغيرت الإمكانيات، فى ظروف متكاملة، فما دامت الفرص متاحة ومتنوعة، والإمكانيات متزايدة، فإن أى بداية واردة لأنها ليست نهاية، أما عندنا فالمنزل ـ إن وجد ـ هو البداية والنهاية حتما، وتدافع ابنتى بأن المسألة عندنا ليست دلع شبان، لكنها الخوف من جمود الحركة وقلة الفرص، وتخبرنى ـ مثلا ـ أن فرانسواز قالت لها إنهما ـ سينتقلان قريبا الى منزل آخر بمناسبة قدوم الطفل الجديد، فالمكان تُحدد سعته حقيقة استعمالاته، والحاجة الحاضرة، وهو يتجدد أو يتغيّربتجدد الظروف والاحتيجات والإمكانات..

أراجع عدد الحجرات التى لا تستعمل عندنا، وعدد الساعات التى لا تمتلىء، وعدد الأمخاخ التى لا تفكر، وعدد طبقات الوعى التى لا تُخترق، وأشعر أن الفاقد عندنا أكبر من كل تصور، ثم إن اختفاء الأمل فى أى حركة إلى أحسن، هو دعوة للجمود من البداية.

 أتذكر كيف كان والدى فى طنطا يترك الشقة التى نسكنها أثناء شهور الصيف توفيرا لإيجارها الذى لا يتعدى ثلاثة جنيهات شهريا، وكان والدى يُحضر جملا أو اثنين من البلدة ليحمل عليهما “العزال” (عدة مراتب وأغطية وسريرين حديد أسود، وصيوان مفكك) وأذكر أننا كنا نفرش حجرتين فحسب، وتبقى حجرة خالية ،فـنرص فيها الأحذية والشباشب، حتى  أسميناها “أودة الجزم”.

فى تلك الأيام كنا نشترى نصف أقة “الـدِّعْدِع” بخمسة تعريفة، والـدِّعْدِع هو البقايا المتناثرة من قلىْ الكفتة، يبيعها الحاتى- بدلا من أن يرميها- لمن لا يقدر أن يشترى الكفتة السليمة ، فتصبح غموسا به رائحة الشواء وعرقه بشكل غامر، كان هناك شئ اسمه “قيمة الشىء” كان لكل شئ قيمة، فلا تـُلقى ورقة بيضاء تصلح للكتابة، وبقايا الرغيف نعمة من يرميها قد يحرمه الله من استمرارها.

أفيق على حديث والد فرانسواز عن فشل ميتران فى أن يحقق آمال الطبقة العاملة وعموم الشعب، وهو، والد فرانسواز، قد انتخبه، لكنه ينوى أن يُفشله حتما ليقف عند حده، وأتعجب لفشل الحكومات الاشتراكية (وليس بالضرورة الحل الاشتراكى) فى إقناع الناس، عامة الناس بأنها الأفضل، ولا أظن أن المشكلة الآن هى فى الترجيح ما بين الحل الاشتراكى والحل الرأسمالى بقدر ما هى فى ترجيح النظام الذى يمنع “الفاقد” بكل صوره فى كل موقع، وأطرد عن أذنى وعقلى هذا الاستدراج الذى حرمنى من لحظات أدق وأرق.

 لا أستطيع إلا أن أحترم هذاالنظام الذى يجعل هذا الرجل “الاشتراكى” الطيب (والد فرانسواز) يقول بكل ثقة أنه – شخصيا – هو الذى أتى بميتران، وأنه سوف يخلعه، يا صلاة النبى، هذا هو الكلام ، هو لم يقل: أتينا به، وسوف نخلعه، لم يستعمل صيغة الجمع، وإنما: أنا انتخبتُه، وأنا سوف أُفشله، أما نحن فليس عندنا إلا: “إحنا اخترناك، وحانمشى وراك”، ونظل نمشى وراء كائنٍ من كان دون حتى أن نسأل إلى أىن،

 أذكر فى بداية الثورة أن “أحمد أبو الفتح ” كتب عدة مقالات بعنوان “إلى أىن؟” ، وقامت الدنيا ولم تقعد إلا على رأسه هو وعائلته وصحيفته، إلى أين يا حمار ؟ هل أنت أعمى؟ هل هذا يصح؟ إلى أىن؟ يا بجاحتك ياأخى !! ألا تعرف إلى أين؟

 ثم كان ما كان.

 ولم يجب أحد على السؤال حتى الآن.

 أقمع  نفسى للمرة المليون.   قف.انتبه لما حولك ومن حولك فى ضواحى باريس،

 الإجابة ليس أسهل منها،

 إلى أين؟

 إلى محطة القطار لنستقلّه عائدين إلى باريس.

ونحن فى طريق العودة يصحبنا الوالد والمضيفون، جعلت أتابع علاقة والد فرانسواز العجوز الطيب المتفجر حيوية، ببنتىّ منى، ومَىْ، وعلاقتهما به، فأشعر به والدا طيبا يكلم منى كأنها ابنته من ظهره، ياحلاوة، أخيرا وجدتُ من يتبنى بناتى كما أتبنى بنات الناس، هذا طيب، وهذا بعض فائدة الانفتاح الرحلاتى.

تعدد الآباء ـ عندى ـ من أهم معالم التربية الحقيقية، وعندما تقول فى بلدنا للعم والخال ومن فى مقامهما “آبا” فلان، فإننا نوسع دائرة الأبوة بدلا من حكاية “أونكل” و “عمو” خيبهم الله.

كنت قد قمت بمغامرة مع أولادى فى هذه  المنطقة منذ أربع عشرة سنة (سنة 1972 ـ فى عز حماس الأمل فى التغيير) . شجبت لفظى “بابا” و”ماما” لأحل محلهما لفظى “أمّا” و “آبا”. أصدرت هذا الفرمان بشكل حاسم فاستجاب الأولاد وما كان يمكنهم غير ذلك، ولكنى التقطت بعد ذلك بسنوات همسا يشير إلى أنهم أحيانا ما يخفون هذا “الشذوذ” عن أصدقائهم وزملائهم ـ فأواصل إصرارى مهما كان الثمن.

ذات مرة، بعد سنوات طوال، (أظن سنة 1983) تباحثوا فيما بينهم، وفكّروا أن يرجعوا إلى اللفظ العام “بابا”/”ماما”، وافقتُ على مضض نتيجة إجماعهم، مع أن الفرمان كان ساريا لمدة سنوات طويلة طول الوقت كما ذكرت، وما إن نادانى أحدهم:  “بابا” حتى استقبلتُ اللفظ كأنه “طوبة” صكت وعيى، لم أعرف ماذا جرى لى، ولم أتراجع عن موافقتى، لكن الأولاد كانوا قد كبروا وشعروا بما بى، وكأنى بموافقتى على التراجع إنما أعلن هزيمتى وفشل محاولتى أن أتجاوز ما فرضته علينا الحملة الفرنسية فالاحتلال الانجليزى حتى فى أدق ما ننادى به أهلنا، فيشفقون علىّ قبل أن أعلن أننى لم أعد أحتاج منهم أن ينادونى لا بابا، ولا آبا، ولا أبويا، ولا شئ إطلاقا. فتراجعوا هم وحدهم رحمة بى وقد وصلهم كل هذا دون أن أقوله، هذا على الرغم من أنى كنت أنادى أمى أمامهم بـ “ماما”، كما أنى ما زلت أذكرها أيضا بـ “ماما” كما تعودتُ منذ أكثر من ستين عاما،

 أىُّ مفارقة؟!! أنا صاحب الفرمان أقول “بابا” و”ماما”، وهم المساكين ممنوعون، أى سخف، وأى ورطة َ!!

وما زال الحال كما اعتادوا، وكما اعتدت: أبويا وأمى، بلا تراجع، فات الأوان (أغسطس 2000).

أعود إلى “آبا جبرييل (والد فرانسواز) وأتابع حديثه مع بناتى، ثم ننصرف شاكرين فرحين داعين إياهم لزيارة بلدنا وهم السابقون بالفضل،

كنا نزمع زيارة أم فرانسواز فى ضاحية قريبة، ولكن فى الطريق يستأذن الوالد و ينتحى بابنتى الكبيرة جانبا، ويسر إليها أمرا وهو يحرك ذراعيه شارحا مُسهبا، فتومئ برأسها، ثم تعود قائلة أننا سنتوجه الى مترو الـ RR مباشرة، دون أن نزور منزل الأب.

نفهم بعد ذلك أنه كان يعتذر لها بمرض زوجته لأنها (زوجته) لا تستطيع أن تستقبلنا الآن . تحكى لى ابنتى أنه ليس مرضا طارئا، وأنها كانت قد لا حظت بعض مظاهره خلال زيارتيها السابقتين، وأتاكد من جديد من علاقة ابنتى بوالدها هذا الخواجة، وأحترم أنه أسرّ إليها دوننا،  واتعلم الجديد المفيد.

الثلاثاء 11 سبتمبر 1984:

غدا رحيلنا عن باريس.

قررت آن أجالس نفسى فى الفندق طوال الفترة الصباحية، علنى أعيد ترتيب أمورى، داخل دماغى، وأواصل حوارى معى فيما قد يجمعنى فى قرار، أو يوضح لى موقفا، أو يوجه خطوة، أو يستوعبنى فى مراجعة.

بعد انصراف الأولاد، أخرجت قلما وورقة، وجعلت أكتب وأكتب مدة لا أعرف مداها، ثم نظرت فإذا بشخبطة هائلة، وخطوط بلا معنى.

كلمات متناثرة فى غير جملة مفيدة.

 ابتسمت . هذا هو “القرار”!!

ثم أنتبه على صوت رنين التليفون فإذا به “بيير” ابن السيدة كومباليزييه يشكرنى على هدية الشطرنج التى تركتها له عند أمه بعد زيارة أمس، يا للذوق.

 يدق التليفون ثانية، فأعجب وكأنى فى مصر فإذا به العميدا.د.بورتوس إبن شبرا، يخبرنى أنه فشل أن يفعل شيئا لابنى هذا العام، فأشعر براحة شديدة ضد ظاهر حرصى على إجابة مطلبى، أشكره وأرتد غوصا إلى قاع اللحظة متسائلا: أنا مالى، مالى بهذا الابن أو بغيره، وماذا سيفعل لى بدراسته هنا أو هناك.

 لا أتمادى فقد عرفت مدى كذبى فى كل هذا مهما كررت، ولكنى لا أكف عن التكرار، لعلنى لا أفقد الأمل فى أن أستوعب يوما ما أردده هكذا.

ربما يثبت أن هذا الكذب هو الحقيقةَ  الأولى بالرعاية.

ثم آمل أن أتمادى فى هذا الكذب حتى أصدقه، ثم أستطيع أن أنفذه.

لا أكف عن الطمع فى أن يتجمع  تراكم الرؤية، مع  مواصلة إلاصرار، وتحمل الحيرة، فأجد كلمة بسيطة جدا تشير إلى بديل حقيقى.

أولادى لن يحلّوا إشكال وجودى.

أعرف ذلك جيدا.

ودّعنا باريس،

 واتفقنا على الرحيل المبكر.

أنا الذى سأوقظهم هذه المرّة.

مسحراتى ،مسحراتى،  من أجل خاطر البكور.

 

الفصل الثالث

(الفصل التاسع: من الترحالات الثلاثة)

الجَمَالُ تتجدّدُ طزاجته

الإشكال عندى هو أننى أتمتع الآن بقدر من الحرية، مع هذا الكم من الإنجا،ز مما يقربنى أكثر وأكثر من مواجهة مسئوليتى عن وجودى ومحاسبة نفسى عن حقيقة إنجازى،

وحين أعلن بعض أفكارى هذه على بعض من حولى .. مترددا خائفا، أواجَه بما أتوقع من أنى لابد “طماع” لا يرضينى “كل هذا ” .

فكان لزاما على أن أجمع نفسى قهرا وفورا، فأنتقل بها إلى حيث تصورت أننى يمكن أن ” أقرر“.

السفينة: أدرياتكا ـ البحر: الأبيض، 10/8/1986

يشاء السميع العليم أن أسجل بقية حكاية رحلتنا الأولى، وأنا ” أعبر”من جديد، حواجز الذات، والبحر، والناس، والرواسى: الرواسى من الجبال، و الرواسى من الهموم والجشع.

 أكتب هذا الفصل فى نفس السفينة أدرياتيكا، على نفس المقعد، بتوجه آخر، أملاً فى “تثبيت” بعض ما كان واختباره، وربما الإضافة إليه أو تعديله.

أقَرّ أننى قررت القيام بهذه الرحلة الجديدة دون سابق إعداد، فى محاولة أن أنتهز فرصة المأزق الجديد حتى أُضطر أن أقدِمُ على قرارٍ”ما”، ،ذلك القرار الذى ظل مؤجلا مؤجلا، واعدا مؤمِّـلا، ثم هو لا يأتى أبدا.قلت:”أقفز إليه”.

لابد من قرار يمكننى من النجاة،

 فكانت هذه الرحلة الجديدة، بهذا الهدف الجديد (القديم).

حسبتُ أننى بتكرار نفس الرحلة سوف أتأكد أن الأمور قد تغيرت، وقد وجدت ذلك منذ البداية، فأنا لست أنا الذى ذهب فى المرة الأولى، يـُـلقى بنفسه حيث لا يدرى، فيدرى ما أراد وغيره، مما لا يعرف أنه أراده أم لم يرده،

هذه المرة أجد نفسى أكثر هدوءا، وأقل فى عنف التلقى، وهذا سئٌ بعضه، أو سئٌ كله لست أدرى، الرحلة مفاجئة، والصحبة محدودة (زوجتى فقط) فالأولاد سوف نلتقى بهم لبضعة أيام فى أثينا ثم يرجعون لنستمر زوجتى وأنا إلى حيث أريد أن أتخذ القرار،الذى لا بد أن تترتب عليه قرارات وقرارات. فلأحدد “المجال” أولا.

مما لا شك فيه أنى منهك تماما، وأنى أتقدم فى العمر وأنى لم أُنجز شيئا مما تصورت ـ وأكده لى آخرون ـ أنى قادر على إنجازه، ومما لا شك فيه أنى طرقت كل الأبواب، وتكلمت بكل اللغات (عدا لغة التشكيل بالخط واللون، ولغة الموسيقى). تمكنت من لغة العلم وحذقت اللعب بأدواته، وحللت شفرة اللغة الأدبية فى معظم تجلياتها.  قلت ما أتيح لى قوله بكل لسان،

يستحيل على مَـنْ مثلى أن “يقرر” بمعنى أن “يحسم أمره” بالنسبة للخطوة أو الخطوات التالية، فأنا أسلّم نفسى كل صباح لخطوات متتالية من الواجبات والطلبات (والمطالبات)، فيستلمنى هذا ليسلمنى إلى ذاك ساعة بعد ساعة، وعيادة بعد جامعة، وصحيفة بعد مستشفى، وإبنا بعد كتيب، ومجلة بعد ندوة، وجمعية بعد جماعة، ثم أجد نفسى فى نهاية اليوم ” شيئا متبقيا” قد أُفرغت أغلب طاقته فيما يفيد. (أى والله) فأنا مازلت أعتقد أن وجودى فى إيقاعى اليومى ـ بالرغم من كل ذلك ـ هو مفيد بشكل ما، لكنى أتأكد أن هذا الشئ “المتبقى” آخر نهار كل يوم لم يعد به ما يقف بذاته لذاته، كما أنه لابد عليه أن يغيب عن الوعى مساء كل يوم فيما يسمى النوم.

فى الفترة الأخيرة أصبح نومى هو حياتى، أشعر أن داخلى ـ أثناء النوم ـ يتقلب بحرية أكثر، وسهولة أرحب، وانفعالات أعمق، أتحرك داخل نومى أكثر مما تسمح به يقظتى، لكن، ما أن يسحبنى الصباح من مرقدى حتى أمضى مستسلما لاهثا لا أستطيع أن ألملم ما تحرك فى، أو ما تحرك بى، فأجد نفسى وقد استسلمت للنهار التالى بنفس الخطوات المتتالية من الواجبات، والطلبات (المطالبات). يتسلمنى هذا فيسلمنى إلى ذاك… حتى أصل إلى ضرورة غياب الوعى الظاهر ولو ظاهريا ـ فيما يسمى النوم ـ لأسلم نفسى فى اليوم التالى، وهكذا، وهكذا. إلى متى؟ إلى أين؟

الإشكال عندى هو أننى أتمتع الآن بقدر من الحرية، مع هذا الكم من الإنجاز مما يقربنى أكثر وأكثر من مواجهة مسئوليتى عن وجودى ومحاسبة نفسى عن حقيقة إنجازى، وحين أعلن بعض أفكارى هذه على بعض من حولى .. مترددا خائفا، أواجَه بما أتوقع من أنى لابد “طماع” لا يرضينى “كل هذا ” فكان لزاما على أن أجمع نفسى قهرا وفورا، فأنتقل بها إلى حيث تصورت أننى يمكن أن ” أقرر”.

أقرر ماذا؟

كنت عائدا لتوى من “سانت كاترين”، وهى بلاد برة ” الجوانية” بالنسبة لى، عرفتها بعد رحلتى السابقة (1984) واعتزمت أن أخصص لها ولما حولها وما تحويه من باطن المعانى والإيحاءات، أن أخصص لكل ذلك الفصل الأخير من هذا العمل، فمصر أوْلى، ومصر التى لا نعرفها أولى فأولى، وقد فكرتُ أن تكون عزلتى لاتخاذ القرار، هناك، فى حضن الجبل بجوار الدير، أو فى عشّة أؤجرها فى وادى فيران .لكنى شعرت أنى أعجز من ذلك، لأنى مادمت فى مصر، فأنا فى متناول الأيادى والطلبات والمطالبات..، طالما أنا  فى حدود إمكانية العودة فورا..، لا يمكننى أن أخلو إلى نفسى- فى مصر – حتى أستطيع أن ” أقرر”

صدمنى الموت بعد موت (جاهين بعد صديقى) فسارعت ألحق نفسى لأقرر  قبل أن يقرر لى أحد دون أذنى.

أنا مسافر  هذه المرة كى أفعلها وخلاص، لم أكف طول حياتى عن “اتخاذ قرارات، وفى  كل مرّة كنت أعتبر القرار هو آخر قرار ، ثم يتجمّع فى داخلى ما يتجمّع، ثم يطفو باستئذان أو بدونه، وأتصوّر  أننى أتخذ القرار الأخير بعد كل هذه الخبرة الناضجة على نار هادئة، ثم…وهكذا.

متى أتعلم ؟

أريد أن أختلى بنفسى لأنظر ، وأجيب ، وأختلف .

حين وصلتُ بعربتى الخاصة هذه المرة إلى ميناء الاسكندرية وكنت قد ألفت الإجراء ات من المرة السابقة فقلّـت الدهشة وفتر التأمل، طلبت أن أثبت على جواز سفرى آلة تصوير”فيديو” (لا أفهم فيها شيئا، على وعد من ابنتى بتعليمى هناك)، اصطحبتها معى هذه المرة مستجيبا بذلك لرغبة غير رغبتى، تحت زعم أن ما أصوّره من متعتى قد تتيح هذه التكنولوجيا أن يتمتع به غيرى إذا شاهده، ولم أقتنع بهذا السخف.

 قال لى رجل “الجمارك” أن علىّ أن أدفع تأمينا ” الشئ الفلانى”، ولم أكن مستعدا، ولم يكن هناك من يودعنى أصلا حتى أطلب منه ذلك “الشئ الفلانى” لزوم التأمين، فقررت أن أرجع آله التصوير، وكان الوقت يسمح أن أذهب الى بيتى بالإسكندرية، وبدلا من أسفى على هذا التصرف، والتعنت غمرتنى راحة عميقة  نبهتنى إلى استحالة مخالفة عمق داخلى.

رحت أراجع عزوفى شبه الدائم عن هذه الهواية الطيبة ” التصوير”. على الرغم من أنها تحتفظ بالذكريات، وتسجّل الجمال، وتثبت اللحظة، وتحافظ على الأثر، إلا أنى لا أشعر بقيمة كل ذلك، بل لعلى ـ من عمق معين ـ أجد أن الصور بكل أشكالها (تصوير ورقى، أو شرائحى، أو سينما، أو فيديو) قد تأخذ الانسان ـ أحيانا ـ من الطبيعة أخذا، وقد تكون بمثابة التوقيع فى دفتر”تشريفات الطبيعة “مما قد يفيد فى إثبات ” الحضور والانصراف” ليس إلا، حتى أنى حين تماديت فى تمثل هذا الجانب السلبى، شعرت ـ مخطئا فى الأغلب ـ أن عملية التصوير هذه قد تحل محل التقاط الصور بالعين الإنسانية المجردة، فوم ثم الحوار معها بوعى طازج يستطيع أن يتعهدها حتى تنضج ثم تهضم ثم تتمثَّـل فتصبح زاد الإبداع والتجديد. مثل كثير من الألات، على الرغم من روعة ما أضافت، فإنها حلّت محل أشياء ثمينة جدا ، أن تلتقط الصور بحواسك هو الأصل، ثم تظهر آلة تسجّلها أو لا تسجّلها، أما أن تمسك آلة فتلتقط هى الصور نيابة عنك ، فهذا ما تجنبته أبدا ، ربما بغير قصد. التصوير بالحواس يضيف  وجودا إلى الوجود، أمّا أن التقاط صور بآلة منفصلة عنك، فهو شئ عظيم وجميل ، لكن ..، فقط : لكن…. زمان كان لا بد أن نحمّض الصورة حتى تظهر، لا أعرف ، فأقف عند لفظ التحميض هذا وأتمادى فى السخرية التى أرفضها شخصيا، ومع ذلك أقول : كأن بعض الصور هى “طبيعة مخللة”(حامضة) . آسف ذهبت بعيدا الناحية الأخرى. أنتبه فجأة الى التحفظ الإسلامى على عملية تصوير الأشخاص خاصة، وكيف أنها أُخـذت على الإسلام باعتبار أنه تخلف، وضد الفن… وما إلى ذلك، ورغم أن ظاهر التحفظ ينهى عن تصوير الشخوص دون الطبيعة، ويفسرون ذلك بتجنب محاولة خلق ما ليس فى اختصاص البشر خلقه، أو خشية عبادة الرمز دون الأصل ، فإنى استلهمت من راحتى بالتخلص من هذه الآلة الأحدث، ومن تفضيلى أن تكون حواسى وخلاياى، هى آلة التصوير الأدق، أقول إنى استلهمت من هذا وذاك بعض معنى هذا النهى الإسلامى، معنى يتصل بمحاولة الإسلام دائما أبدا تعميق الفطرة البشرية وإزالة كل العقبات التى تحول دون نمائها ونقائها، فلعل الإسلام ـ إسلامى ـ لا يريد أن تحل الصورة المصنعة محل الصورة الحيوية النابضة، ليحافظ على العلاقة المباشرة مع الناس والطبيعة، من يدرى؟ 

هذا الخاطر جعلنى أواجه تساؤلا ذا دلالة: لماذا يهيج علىّ إسلامى فيقترب منى، وأقترب منه كلما ابتعدتُ عن المسلمين الخطباء والمفسرين والحاكمين والدامغين،

فى سفر آخر “عثرت على” معنى للتأكيد على رؤية الهلال بالعين المجردة لتحديد رمضان (فالعيدين) ـ كان ذلك فى باريس، حيث ثرت بعد خجلى من اختلافنا، نحن المسلمين، مع علم الفلك، ثرت حتى رجـّحت أن الاسلام يصر ـ من حيث لا ندرى ـ على ضرورة الإبقاء على هذا التواصل الحى المباشر بالطبيعة الدورية ـ المتمثلة فى دورات القمر، بغض النظر عن حسابات الفلك، وتيقنت أن الله ـ سبحانه ـ لا يهتم إن صمنا يوما زيادة أو يوما أنقص عن شهر فلكى بذاته، بقدر ما يؤكد الاسلام ضرورة احترام حواسنا، وأن نتبع ـ جميعا رؤية ” أحدنا “، حتى لو كان غير مختص، أى من عامة الناس، حتى ولو كانت رؤيته محض خيال ، فتصديقه أكثر فائدة من تقديس آلة لا نباشر حضورها فى وعينا مباشرة، على شرط أن نصدقه لأنه قال، ورأى، وليس لأن هذه هى الحقيقة !!!!

 خطر ببالى أن يكون التصوير تصويران: أحدهما يبرز، ويعمق، ويحرك، ويذكّر: بما يفجر الإبداع ويلهم التجاوز، وهذا حلال وعبادة، والآخر يسجّل، ويسطّح، ويغّرب، ويحل محل، ثم يخزَّن، فيعفى الإنسان من معايشة صوره الذاتية الداخلية، فهو حرام (و الله أعلم) . الحلال والحرام هنا ليس بمعنى الجواز والمنع، ولكن بمعنى الإقبال والادبار (!!!.) فإنما يُعـلن الحلال ويحدد لتسهيل إيقاظ الفطرة للإقبال عليه، وإنما ينبه إلى الحرام ويحدد، لا للعقاب والترهيب أساسا، وإنما لإرشاد الفطرة النقية للنفور منه، أو الانتباه إلى الآثار السلبية التى قد يحملها.

إن  تشويه الفطرة بأى اغتراب، حتى على المنابر بالفذلكة، حرام.

كما أن تنقية الفطرة  بأى تناغم ، يأتى بالتعتعة، حلال.

بهذا الحرام وهذا الحلال تنقى الفطرة وتهتدى  إلى طبيعتها هدى النجوم إلى مسارها.

 أقر وأعترف أن إسلامى (فطرتى) قد هاج علىّ بمجرد استنشاق ريح السفر هذه المرة، فهو لم ينتظر حتى أسافر إليهم وأختلى بنفسى، فى مواجهتهم فأعيش تحدى الاستعلاء والأحكام، فتثور فطرتى ـ إسلامى ـ وهى تعيش الاختلاف والاقتحام،

 ما الذى يهيج على إسلامى فور سفرى؟ أو حتى قبل أن أسافر، بمجرد أن أهم بذلك. هل أحتمى به من أى تشويه لوعيى يمكن أن يغمرنى دون حساب، من فرط البهر، والإعجاب بهم؟

هل أتخلص من آثار عدوان المتدينين الشكليين، من المسلمين الثلجيين، فتنطلق فطرتى تعلن إسلامها أمام غرور الغرب وزهوه بانتصاره المزعوم على الطبيعة، واحتكاره الغبى للتاريخ؟

 كنت قد سألت ابنى الأكبر محمد ـ وهو رفيق رحلة من نوع آخر ـ هل أكتب ـ فيما أكتب ـ عن الإسلام ـ إسلامى هذا، فقال دون تردد، وهو مسلم ولكن بطريقة خلاّقة، قال: “طبعا”. محمد ابنى هذا نادرا ما يبادرنى بالرد، أو الموافقة، إلا هذه المرة، وكأنه يعلن حاجته وحاجة جيله أن يسمع من مصدر آخر، وبلغة العصر، يسمع وصف ما أودعه الله فينا من فطرة نقية، نشوهها مرة بالتكنولوجيا، ومرة باختزال ديننا الحنيف إلى “طرحة”، أو “لحية” أو حتى “ظاهر شريعة”، وكأن ديننا الجوهر قد لصقوا عليه لافتة تقول: “لا يـُتعاطى إلا بواسطة الوصاة” أو لافتة مثل أدوية الجلد تقول “يستعمل من الظاهر”، قال ابنى “طبعا” وكأنه يتصور أنى قادر بما سأكتب على الوقوف فى وجه هذه الموجة التجارية والهروبية التى أغرقت الصفحات بمداد ومعلومات أشد سوادا مما كتبت به، حتى الكتّاب الأحرار الكبار أمثال زكى نجيب محمود وحتى يوسف ادريس لم تفتهم فرصة الكتابة فى هذا الاتجاه بتراجع بيّن  أو بتلفيق سطحى، أنا لا أتهمهم بالنفاق أو ركوب الموجه، ولكنى أعذرهم لتقهقرهم أمام تقدم السن وإحاطة المخاوف….، سواء كان الخوف من الوصاة على الفكر، أو من اقتراب الموت، وهم إذْ يغازلون الإسلام على “كبَرْ” أكاد أسمع باطنهم يقول: بما أننا لم نفلح ـ قديما ـ فى أن نتحول عنه، فمن أدرانا؟ الحيطة أوجب!!

قبل مغادرتنا القاهرة، فى نفس يوم الرحيل، كان علىّ أنا وزوجتى أن أزور جارة قديمة لنا، أصيبت بشلل نصفى قبل سفرنا بيومين، ونُقلت إلى مستشفى حديث يملكه ويديره بعض أقاربى من المتدينين المستثمرين الأطباء المهرة، فذهبت فى زى الرحلة، وهو زى غير مناسب لمثل هذه الزيارة وسط هؤلاء القوم، وقابلت ابنة عمتى الطبيبة الأستاذة المديرة الفاضلة، فأوصيتها بجارتنا خيرا فى غيبتى، حيث أنى مسافر اليوم. فقالت الدكتورة بنت عمتى المديرة جدا: إلى أين؟ فقلت : أتعرّى فى الجبال فى حضن الطبيعة بالقرب من الله، قالت فهو “الحج” (ونحن فى الخامس من ذى الحجة) ففكرتُ أن أجيب بالإيجاب، والأغرب أن زوجتى كان قد خطر ببالها أن تجيبها نفس الإجابة دون تفكير ـ ودون كذب ـ أننا فى سبيلنا فعلاً إلى حجٍّ ما،  قد شعرت أننا صادقين (زوجتى وشخصى).

 حين أدينا الفريضة، كنا ـ تقريبا ـ فى نفس “حالة التجرد للتلقى”، رحت أتساءل هل يا ترى يتفجر الإسلام الفطرة فى قلوب الحجيج هكذا كما يفجره السفر إلى بلاد الله لخلق الله، وهل ياترى ـ بعد أداء الفريضة ـ تنفع الحجة تلو الحجة فى الاقتراب من الفطرة عمق الفطرة ، أم أن التكرار يفقد الخبرة نبض الطزاجة ؟

 الله وحده يعلم ماذا يتفجر فى البشر هنا وهناك، وهو وحده الأعلم  بمغزى الحج .

لا أنسى شعورا قريبا من ذلك  شعرت به أثناء المشاركة العالمية لمشاهدة مباريات كأس العالم لكرة القدم عبر الأقمار الصناعية، ليس حجّا هذا،  لكنه يذكرك بالحج،

تمتد يدى إلى زر المذياع فى العربة الخاصة هذه المرة أختبر الموجات الأدق التى تربطنى بالعالم أثناء ترحالى، فأسمع من لندن خبر موافقة مجلس الشيوخ الأمريكى على تخصيص مبلغ وقدره 295 ألف مليون دولا كميزانية للتسليج هذا العام (1986)، وأن السيد السند ريجان شخصيا ليس مسرورا للتخفيض الذى لحق بالرقم الذى كان قد اقترحه!! كذا؟! كذا؟! فيرعبنى الرقم، ويرعبنى أنه للتسليح،

أراجع نفسى: إذن، فأى قرار أنا ذاهب لاتخاذه؟ وها هو السيد ريجان يقوم عن البشر جميعا بالواجب. هذه القرارات التسليحية المليارية، التى لا راد لها إلا بمثلها على الجانب الآخر (كان ذلك قبل انهيار الاتحاد السوفيتى) ونحن: أنت وأنا، نضحك على أنفسنا بالجرى حول الملعب وكأننا نشارك، مع أن أسماءنا لا تـُدرج حتى فى الاحتياطى، ثم نضحك على أنفسنا ونحن نقول” نحن نقرر”، “أنا أقرر”، يبدو أن الضمائر أصبحت طبقات “هم يقررون”، هو يقرر”

إذن : لماذا التسلح لأمثالنا بالشئ الفلانى؟

 وماذا يحدث لو أن العالم الثالث كله، والرابع والخامس والسابع عشر، رفض أن يتسلح أصلا، أن يدفع مليما واحدا فى هذا العبث المجنون؟

هل سيعود أصحاب السلاح لاحتلالنا؟

وهل سلاحنا (بالمقارنة بهذا الرقم) سيمنعهم من احتلالنا؟

ماذا لو ركزنا أن نقصر حروبنا معهم على حرب العصابات فى حالة الاحتلال، بما يسمح لنا بأن نسرح الجيش العامل، ونوجه التجنيد الاجبارى إلى زراعة الصحراء والتدريب الدورى على حرب العصابات؟

حين تدعو لى أم مريضة شفاها الله عن طريقى أن أصبح وزير صحة أشفق عليها وأقول يا رب لا تستجب لأن أحلامى أن أكون وزير حربية حتى أنفذ هذه الخيالات!!

خيّل إلىّ لمدة ثوانٍ أننى عثرت على  القرار الذى أنا ذاهب لاتخاذه؟، ألا وهو

:نزع سلاح العالم الثالث والرابع حتى العالم السابع عشر، مع زراعة الأرض وإخراج الألسن، ثم الاستعداد لحرب عصابات لاتنتهى إذا لزم الأمر!!!”

 سوف أكتفى بأن أقرر أن أكمل كتابة “الناس والطريق”

عائد أنا الى رحلتنا الأولى، وإن كانت إرادة السميع العليم قد شاءت أن أكتب نهايتها وأنا حالة كونى فى هذه الرحلة الثانية فلأفعل،

كنت قد تركتكم ونحن ننهى إقامتنا فى باريس؟

باريس فى 12 سبتمبر 1984

كالعادة، ورغم قيامى بدور المسحراتى، خرجنا متأخرين عما تعاهدنا عليه، فتركتهم يحمـّلون الأتوبيس وجلست على قهوة جوبلان أحتسى قهوة الصباح، وأودع الشارع والمقاعد وزجاج الواجهة وريح الحرية. وتوكلنا جنوبا.

عند بوابة الخروج من ضواحى باريس، ونحن نهم بأن نمتطى صهوة الطريق السريع، أشار الأولاد إلى حيث أمضينا ليلة العيد داخل الأتوبيس بجوار دورة المياه، أشاروا إلى “الموقع” بعتاب وامتعاض، بما يعنى “لا أعادها الله ليلة” فى حين أنى قد خفق قلبى لها (وكذا قلب زوجتى كما أخبرتنى فيما بعد)، وكأن هذا الموقع ـ بالنسبة لى ولزوجتى ـ قد أصبح ـ بمبيتنا فيه تلك الليلة ـ بعض دارنا، نحنّ إليها كما نحن إلى بيت أمضينا فيه العمر كله، ما أبعد ذلك عمّا شعر به الأولاد! . ما الذى جعل الأولاد “هكذا”؟ وجعلنا نحن “هكذا”؟ أهو العمر؟ أهو طعم تاريخ الشقاء الحلو؟ أهو استسهال الأولاد؟ أهو أنى بت فى هذا  العراء مختارا فى حين باتوا هم فيه مقهورين؟

لعله كل ذلك،

لأول مرة بعد أن عبرنا البوابة ودفعنا “المعلوم” أشار لنا رجل الشرطة أن نتوقف، ثم نذهب إلى ناحية على جانب الطريق، وقلت لنفسى: حصل، أخيرا سوف يطّـلعون على أوراق السيارة، ويا ترى، فلست متأكدا إن كانت تلك الرخصة المسماة بالدولية تغنى أم لا، فقد قرأت المواصفات اللازمة للقيادة فى الخارج، وكلها مواصفات شديدة الصعوبة، قد لا تغنى فيها تلك الأوراق التى يصرفها نادى السيارات بالقاهرة (وغيرها) بلا جدية ولا مسئولية. الشئ الوحيد الذى طلبوه منى على حدود إيطاليا ـ كما سبق أن أشرت ـ هو الكارت الأخضر الدال على التأمين لصالح الغير،

الشرطى يشير إلىّ أن تعال الى جانب وانتظر. صدعت للأمر،”ربنا يستر”، وأخذت دورى مع السيارات التى أشير إليها مثلى بالتوقف وكان أغلبها سيارات شحن ونقل، فسألت الجنود الطيبين: “ماذا هناك؟” فقال لى الوزن (ولم يقل العدد كما تصورت). فقلت فى نفسى الـله أكبر!!، صحيح أننا نحمل فوق سطح السيارة ما يجعلنا أشبه بسيارات النقل، لكن كل حمولتنا ليست سوى أدوات التخييم، وصحيح أن عددنا تسعة، لكن مِن هؤلاء التسعة طفلين، وغالبية الباقين من الأوزان غير المدعومة، طيب، لنفرض أنه  ثبت أن الوزن عندنا أكبر من المسوح  ماذا نترك؟ أو “من” نترك؟

تخاطَبَ الجندى الطيب مع الضابط الوسيم، ونظر إلينا، ولعله قرأ أفكارنا أو لعله وزننا بعينه الحرة، أليست عين الحر ميزان، وأشار لنا بالانصراف ومواصلة الطريق دون أن نصعد على “الطبلية” ويزنوننا كما البضاعة أو كما عجول التسمين.

أشفق علينا العسكرى الخواجة، فصرفَـنَا شاكرين، غير موزونين.

وهات يا جرى جنوبا جنوبا. نفس الطريق الذى جئنا منه من ليون، البداية مشتركة، لكن النهار له عينان، وكان المطر قد توقف، فكشفتْ فرنسا عن خضرتها اليانعة، والمتنوعة كما أعرفها،

تذكرت رحلة رأس السنة حين كنت فى فرنسا (68/69). تلك التى قضيتها فى جبال الجيرا، فقفز إلى ذهنى اسم البلدة التى عسكرنا فيها، فى مدرسة ثانوية للبنات، دون تلميذاتها طبعا، حيث كنا نعثر فى حجرات النوم بين الحين والحين على بعض الرموز النسائية، فنتمسك بها، ونتضاحك، ونتغامز، وحين تذكرت كل ذلك عدلت خط سيرى حتى أمر على هذه البلدة “دول” Dole بعد ديجون Dijon.

أخذت أتعجب من ذاكرتى هذه وكيف استعادت فجأة نبض تلك الأيام، خاصة وأن تلك الأيام ـ على ما أذكر أيضا ـ لم يكن لها نبض (ظاهر) يـُذكر،

لست أتذكر أنى سعدت بها سعادتى بذكراها الآن، بل لعلى حينذاك كنت مشغولا بأشياء صغيرة خطيرة حالت بينى وبين ما أسميه الآن نبضا!! فقد كانت القروش قليلة، والخبرة محدودة، والوحدة جافة، والغربة طاغية، والمفاجأة شديدة، لكنى ـ مع كل ذلك ـ وحين اقتربت من نفس المكان الآن بدأت أتحسس فى وجودى ذكريات ما، هادئة، رصينة، وقوية، ورائعة، فمن أين جاءت الآن؟

أنا لم أعش هذه الخبرات أيام كنت أعبُّ منها “هناك” “حينذاك”، فمن أين جاءتنى هكذا؟ كيف تتفجّر منى الآن. حتى كأنها جديدة تماما؟ . أبدو وكأنى لا أتذكرها بمعنى الاسترجاع، وإنما كأنى أستعيد شيئا لم يحدث، وأتعجب لهذا الذى يصر أن يعيش تماما وأصلا فى “الهنا والآن”، بوعى إرادىّ محدد، وأتعجب أكثر لمن لا يعيش أصلا لا “هنا” ولا “الآن” ولا “هناك”، ولا “حينذاك”، فأكتشف أن هذا الكيان الحيوى المسمى الإنسان، اذا ما تفتحت مسام إدراكاته بقدر كاف، فلم يكتف بأن يـُدخل العالم الى ذاته من ثقب إبرة التعصب، أو يُخرج ذاته إلى العالم مترجمة إلى ما يعرفه عنها، مما يفرضه عليها، إذا لم يفعل هذا أو ذاك، وتفتحت مسام إدراكاته كما قلت، فهو يعيش متجدد أبدا، هو لايذكر أو يتذكر، وهو يجدد باستمرار جدله مع “الآخر”، ومع “الطبيعـة”، ومع “الكون”، يدرك ذلك أو لا يدركه فى حينه، هذا أمر آخر. لكنه إذا ما عاد إليه، سوف يعيد التعرف عليه، سوف  يجدده وهو يتجوّل فيه من جديدا، و لماذا يسمى ذلك ذاكرة أو تذكر؟ وهو ليس إلا ما دخل إليه من مسام وعيه الطازجة الـنشطة، فهضمه وتمثله، ثم احتفظ به فى هذا العمق الكامن حتى إذا عاد إليه نشّطه ليعايشه وليس استعاده ليعيده.

جعلت أتأمل مناظر مرت بى منذ أكثر من خمسة عشر عاما، وكأنى أكشف عنها هى هى فى داخلى بتفاصيل ما حسبت يوما أنها وصلتنى أصلا، ويعاودنى الحقد الوطنى ـ ما كل هذه الخضرة!!! كل هذه الزراعة، فائض الفاكهة، فائض الألبان.. وقد سبق أن تواترات أفكارى إلى مثل ذلك فى يوغسلافيا وسجلته فى هذه الرحلة، لكنى عدت أقارن وأقارن !!!!! ذكرتنى بحديث لاحق جرى على لسان زميل لنا أثناء زيارتنا بوسطن فى أزمة صديقى الراحل التى حكيت عنها طويلا.

كان زميلنا هذا (أستاذ امريكى فى التخدير!!) ذهب فى مهمة علمية إلى إنجلترا أواخر سنة 1967 (لاحظ السنة!!) ثم مِـنها إلى أمريكا، ثم إنه تأمْرَكَ، إذ تجنس، وأقام، فراح يقول لنا وهو يصطحبـنا إلى بيته فى إحدى ضواحى بوسطن حيث يقطن: “هذا هو كوبرى قصر النيل” (مشيرا إلى أحد الكبارى التى تشبه كوبرى قصر النيل فعلا لعله جسر البوابة الذهبية) وهذا كوبرى أبو العلا (يشير إلى كوبرى آخر من الحديد)، وهذه هى جزيرة المنيل، وهذه هى الجزيرة (حاف)… سيقول ذلك ليس بلهجة المشتاق إلى أسماء كبارى القاهرة، وإنما ليقنع نفسه أنه واجد ما هو مثل مصر وأحسن. يردف: فما حاجتى إلى مصر بعد أن خدعنا وطردنا عبد الناصر، كان يقول هذا الكلام بعد حوالى عشرين سنة من رحيله، وهو زميل متوسط الحال لم يضار شخصيا لا بعبد الناصر ولا بغيره، بل لعل فَضْل إكمال تعليمه حتى صار طبيبا كان يرجع إلى عبد الناصر، ثم إنه قد غادر مصر بمحض إرادته، وبقى هناك بمحض إرادته، فأستوضحه،

فيقول بمرارة غاضبة:

“صور لنا عبد الناصر الجاهل أن مصر هى أم الزراعة، وربة الصناعة، وسيدة الحروب، ورائدة العالم، وكنت محتاجا أن أصدقه، فصدقته، ثم رمانى جنديا فى الصحراء، بعد الهزيمة، بلا حرب، ولا تطبيب استدعونى فى حرب لم تحدث أصلاً، رمونى فى الصحراء وأنا طبيب التخدير فى الجامعة لأقوم بما هو أقل من التمريض، وياليتنى وجدت من أمَرِّضه، كل ما فعلته أننى عدت سائرا على قدمَىّ، حتى أوامر الانسحاب لم تصلنى، رأيتهم يعودون مهرولين فعدت.

 هربت بجلدى إلى انجلترا فى أول فرصة. إنجلترا التى اسمها انجلترا، تزرع أكثر منا وأخضر (أكثر اخضرارا) تزرع، وتصنع، وتحارب وتحترم الإنسان.

لماذا كل هذه الأوهام التى نشأنا نجترها دون وعى؟

فهمتُ وهو يتحدث بكل هذا العتاب المـّر أنه لما رأى أوربا الخضراء طول الوقت طولا وعرضا، ولما رأى مدى احترام الفرد، ثار حقده الوطنى مثلما حدث لى شخصيا، ولكنه وجه آثار هذا الحقد سخطا على عبد الناصر وليس  أسفا على قلّة المطر، وقيظ الصحراء وخيبتنا القوية، وكأن عبد الناصر هو المسئول عن ضيق الشريط الأخضر الذى نتجمع حوله فى الوادى مثلما يتجمع النمل حول آثار”سرسوب” عسل أسود. أنا شخصيا لا أذكر أن عبد الناصر ـ أو غيره ـ قد أفهمنى كل الذى قاله زميلى هذا، وإن كنت أعرف أن ما بدى من سطحيته وغروره وقصر نظره قد برر لصديقى أن يجعله مسئولا عن غربتـه التى يبدو أنه لا يتحملها رغم التجنس والتأمرك، فراح صاحبنا يرسم حول نفسه “مصر بديلة”، وكأنه بتشبيهه معالم ما حول بوسطن بمعالم القاهرة قد نقل مصر إلى ولاية ماساشوستس الأمريكية مادام لم يستطع هو أن يعود الى مصر. وأحاول أن أهدئ من غلوائه، فأضحك معه قائلاً “حاسب على نفسك يا أبو على (اسمه حسن حسن على)، حتى لا تأكل الأحماض بقية جدار بطنك” (وكانت قرحة معدته من ضمن علامات توتره المزمن) فلا يرد مباشرة وينطلق يحدد اتهام عبد الناصر بأنه السبب فى ما آل اليه، حتى القرحة فعبد الناصرمسئول عنها، أليس هو الذى أكرهه فى عيشته، وهو الذى خدعه بما هو ليس نحن، إذ نفخ فى صورته دون حقيقتنا حتى انتفخ ثم فشّ فجأة  حين سافر وتبين الحقيقة.

 يبدو أن صديقنا هذا حين ارتطم بحقيقتنا “(حقيقة مصر) الموضوعية” بعد أول سفرة له إلى إنجلترا تبين أننا كنا نزرع ونصنع ونبدع ونتحضّر بالخطب والتحريض أكثر من أى فعل موضوعى ممتد، وأحاول أن أهدئ من ثورته التفريغية فأمزح وأنا أقول له إنها “أرزاق؛، فما ذنب عبد الناصر فى اخضرار أوروبا وأمريكا هكذا؟ فيصيح دون تردد: إنه (عبد الناصر) راح يمد الخطى فى غير اتجاه الواقع، قَــفََز بنا فى المجهول، فهبطنا بلا مظلة إلى أرض غـُفل، أسقط علينا أحلامه فرُحنا نرقص ونحن نهتف له، بدلا من أن نزرع ما نستطيع فى تراب وجودنا المتواضع، وبدل أن نعيش على قدرنا لنكبر واحدة واحدة، ونتعلم ممن سبقونا، ونحترم قدراتنا. ألتقط الخيط مرة ثانية وأقول “وحتى إذا صح ذلك فلماذا تركتََـنَـا وجئت إلى بلاد الآخرين؟ ثم تبدو وكأنك تعايرناً. “فيعود يلقى إلىّ الكرة صائحا “البركة فيك إفعل ما يمكنك، أرِنَا شطارتك، وسوف ترى ماذا سيفعلون بك، فما زال عبد الناصر يحكمكم من داخلكم، ومن خارجكم وأنتم لا تدرون، أُخرج إلى الخارج، أخرج من نفسك، وانظر من بعيد وسوف ترعبك الرؤية الحقيقية فتفيق، أو تستسلم،”

فأسكت غير مقتنع، ولا معترض تماما.

تذكرتُ كل هذا وأنا أسترجع أين كنت أسبح منذ تركت الطريق السريع بعد أن خرجنا من باريس إلى الجنوب فى طريق العودة، كنت أسبح فعلا بين أحضان موجات الخضرة المتلاحقة على اختلاف درجات خضارها، وكأنى أغوص فى طبقات بلا نهاية من الأشجار والأزهار والمحاصيل والمراعى، وأقول لربنا: (لا لعبد الناصر): أما آن الأوان؟ أما آن الأوان؟ والى متى سنهرب من واقعنا إلى أحلامنا، ومن أحلامنا إلى أمريكا حيث تُجتث الجذور ليتوقف التواصل بيننا وبين أولادنا. صديقى هذا ـ حسن حسن على ـ نفسه يكاد يكون غريبا عن إبنه هناك:

حين وصلنا إلى منزله (كوخه الجميل ـ أو قل قصره الصغير) فى عربته الفارهة فى بوسطن، لمحنا شابا فى حوالى السابعة عشرة من عمره يلف بدراجته الرياضية الجميلة، وقد مرّ بنا وأشار لنا بيده أنْ: “هاى” فتمتم زميلى هذا رادّا أنّ “هاى”، لأعلم بعد قليل أنه ابنه من أمه المصرية لحما ودما، فما لهذا الشاب لم يعتن بلقائنا، ولم يرحب بنا ولا بوالده، ولم ينزل من على درّاجته مثلما اعتدنا عندنا؟ أو يهم بفتح باب الجراج مثلا. على أنه لم تكن ثمة حاجة إلى معونته، فقد وشوش صديقى”جانـّا” تكنولوجيا فى عربته أن “افتح ياسمسم” فانفتح باب الجراج وحده دون حاجة إلى معونة ابنه هذا، ودخلنا.

 وأحسب أن مضيفنا قد قرأ أفكارنا تجاه ابنه وغياب زوجته على الرغم من علمها بقدومنا، فأخذ ينادى أن ” ياعمر ياعمر” ولستُ متأكدا- رغم التزام صديقنا بطقوسه الدينية ـ لست متأكدا إن كان قد أسمى ابنه هذا على اسم عمر بن الخطاب أم عمر الشريف، ولم يرد عمر فورا، لكنه عاد يتمتم بكلمات فيها “دادى” وما أشبه، فجعل الوالد يستدرجه فى رفق أن سلم على أعمامك “من مصر”، فكان أنْ، “هاى” أخرى، قلت فى سرى “هاى عليكم ورحمة الله وبركاته”، وتلف الدراجة بنفس السرعة،

أنا شديد الحساسية لقياس نجاح الوجود الأبوى (أو الحل الوالدى) بنوع النتاج البنوى، وقد أشرت كيف أنى كثيرا ما أخطئ و أقيس أفكارى وأفكار من أعرف (ومواقفنا) ـ وخاصة اذا تمادت فى المثالية والادعاء ـ أقيسها بما أنتجت هذه الأفكار مجسدا فى طبيعة وجود وسلوك أولادى وأولادهم، همست لنفسى ـ مخطئاً ـ أنه بهذا المقياس، فإن عمر “هذا” يعلن فشل أبيه الأستاذ الطبيب الأمريكى/المصرى بشكل أو بآخر، فوالده الذى لم يستطع أن ينتزع مصر من داخله، فراح يرسم لنفسه مصر خيالية فى بوسطن، هذا الوالد قد “أسقط” كل سخطه على عبد الناصر، وإحباطه فى مصر، أسقطهما على ابنه فانتزع من جوهره كل ما هو مصرى بحق، فلم تبق ثمة “علاقة” بالوطن الأم إلا اسم”عمر” أو بعض طقوس دينية، من يدرى، وربما تبرٌّع، أو إعلان، أو احتجاج (فى حب مصر!!!!)  ثم إن هذا الوالد نادى ابنه من جديد ليلتقط لنا صورة “تذكارية”. جاء الولد على مهل ممسكا بآلة تصوير جاهزة، ثم قال لنا فى عجالة أن: “قل جُبن”say cheese، فلم أفهم، وترددت، فكررها، وجعل والده يستجيب له دوننا، فخجلت،وترددت حتى أنهى الشاب مهمته، وصوّرنا، ثم انصرف متململا، أو باسما بسمة لا طعم لها، ألعن من التململ.، خطر ببالى أن تكنولوجيا التصوير الحديثة تجعل الكاميرا تصوّر حين تسمع مِن الذى سوف يتصوّر كلمة بذاتها تفك شفرتها !! هذه الكاميرا مع الولد ربما لا تعمل إلا إذا قلت لها  “تشيز” (جبن)، وربما لو كانت الصورة بالألوان فإن كلمة السر ستصبح “حلاوة طحينية”، مثلا، أما كاميرا الفيديو فقد تحتاج أن نقول “محشى ورق عنب ” وهكذا، من يدرى؟ كل شئ بالكمبيوتر جائز والعياذ بالله، تجرأت وأعلنت أفكارى هذه ساخرا، فراح صاحبى يشرح لى السر الأعظم: وهو أن إبنه طلب منا ذلك ـ حتى إذا نطقنا “تشيز” كشرنا عن أنيابنا بطبيعة نطق الكلمة وكأننا نضحك فنبدو فى الصورة بـُلـَهاء مُنْفَرِجى الأفواه، ظاهرى الأسنان (أكثر بياضا!!)، ولم أتمالك داخلى أن يصيح “يا خبر مثل الهباب” حتى الضحك أصبح زائفا، فماذا لو صورنى متجهما ألعن ملـّة أهل أى أمريكى لئيم، هماز مشاء بنميم؟  أو وأنا متألم سارح خجِل مما آل إليه حالنا؟ أليس هذا أصدق وأكرم؟ فإذا تصادف أن صورنا ونحن نضحك لنكته مصرية، فليكن، وحتى إذا كان المصوَّر مصِّرا على أن نظهر فى الصورة فرحين ببيتهم وحديقتهم فليطلب منا أن نبتسم ونحن وشطارتنا، إن نجحنا كان بها، وإلا فيمكنه أن يمزق الصورة بعد رحيلنا،

جعلت أعابث صديقى المضيف بأفكارى هذه، محاولا فى نفس الوقت أن أسرِّى عن صديقى المتألم الذى كان يتابعنا وهو يجز على أسنانه حتى لا نلاحظ، واستطردتُ أننا لو حاولنا أن نقتبس هذه البدعة للتصوير عندنا فلابد أن نغير فى الألفاظ فنقول: قل: “مِعيز” أو “تـِغـيظ” أو “عزيز” (مع التحرج من ذكر اللفظ الآخر الذى لا يغيب عن بداهة القارىء) ويا “عزيز” يا “عزيز” كبة تاخد الانجليز والأمريكان وكل من انتزعنا منا دون أن ندرى حتى انتزع حقيقة حجمنا المتواضع ليغرينا بما لا يكون، أو لنقبل أن نكون خدما درجة ثانية بلا انتماء، كبة تأخذ هؤلاء جميعا. لكن يبدو أن الكُبّة حتى لو أخذتهم بالقضاء والقدر أو من فوق المنصة، لا تأخذهم تماما، فعدوان صديقنا هذا على عبد الناصر وتحميله إياه مسئولية كل ما جرى، ولومه له على أن انجلترا تزرع، ونحن “لا”، كل هذا لا يختلف عن اعتمادية وبلاهة أولئك الذين يقدسون عبد الناصر ويحسبون الزمن بحساب ظهوره وينتمون إلى اسمه، هذا وذلك جميعا من مخلفات العبودية الشائهة المشوهة، لا أكثر ولا أقل، ويبدو أنها مازالت تحتل وجداننا وتغلف وعينا مهما بعد بنا المسار أو تأمركنا أو تَـسَـفْـيَـتْـنَا.

تنبهنى ابنتى الصغرى، منى السعيد، ـ المرشد الذى عليه الدور ـ أنى لم أطلب اليوم ما يكفى من وقودى من المياه الغازية المنعشة، فأنتبه أننى لم أفعل فعلا، ربما لأنى أرتوى من هذه الخضرة المتعددة بما يكفينى وزيادة، ولكن تنبيهها يدعونى أن اعتدل فى وقفتى التأملية، لأنظر الى علامات الطريق، فأجدنا قد اقتربنا من انحناءة تخرجنا من الطريق السريع الى “ديجون” Dijon، فتهب ريح “دول” Dole وسلسلة جبال الجيرا.

أتذكر كيف كنت أخرج من مدرسة البنات مبكرا مبكرا متلفعا بعباءة المرحوم حماى، وكأنه يؤانسنى بدفئه وطيبته وصمته وأميته فى هذا الصقيع الرائع، تلك العباءة التى كانت من فرط فرحتى بها وتعدد استعمالاتى لها: تكاد تحاورنى حين تلتف حول رأسى، أو تتدلى بجوار جسدى، أو أوسدها وسادة تعلى رقبتى (كما اعتدت) أو أضيفها غطاء إذا خف الغطاء، أو أجمعها فى حيز متواضع فتضم نفسها وتقبع منتظرة إياى، ولى فيها مآرب أخرى: رحمه الله.

كنا فى فى “دول” فى أجازة رأس السنة (1968 ـ 1969)، وكنت أنطلق فى الصباح الباكر فى صقيع أول العام، ألفُّ لفَّ المحب الخجلان من اعتافه بمشاعره حتى لنفسه، الخائف من اكتشاف ضعفه، المقتحم الصابر على وحدته، ولم أكن أعرف أنى كنت كل هذا، أو بعض هذا، ولكن هأنذا، بعد كل هذه السنين أتعرف على نفسى ـ حينذاك ـ وأرانى وأنا أخطو فوق طبقات الجليد، وأتحسس أنفى لعله مازال فى مكانه، وكأن ثلج تلك الأيام والأماكن قد جمّـد الخبرة فظلت محفوظة حتى عادت تتحرك الآن حين أتيحت لها الفرصة، وأتمنى أن يشاركنى أحد رفاق رحلتنا هذه أى شئ مما أنا فيه، ولا أطمع فى أكثر من التمنى، فمن أين لهم بأى جليد، أو عباءة أو أنفٍ يتحمّدْ أمشى، فلا أتمادى فى التمنى.

عبرنا خارج “دول” Dole سريعا دون أن ندخلها، واتجهنا إلى اختراق سلسلة جبال الجيرا، وقد سبق لى أن اخترقتها مرة ثانية أواخر عام 1969 وأنا أوصل زوجتى وإبنى إلى فينسيا، وكان يطيب لى أن أقارن بينها وبين سلسلة جبال الألب، وهى تقع فى الجانب المقابل من بحيرة ليمان، ومازلت أشعر أن سلسلة الجيرا هى أطيب وأرحب من الألب الشامخة المتحدية فى صلافة، فللجبال حضور كما الإنسان،

وقد حدثتنى جبال سيناء واحدا واحدا كل بلغته، حدث ذلك لاحقا حين زرتها مرارا، أحسب أن من ينصت جيدا لحديث الجبال، حتى وإن انعدمت الخضرة عليها ومن حولها، لابد أن يعاملها ككائنات حية “تقول” “وتسمع” وتحب ولا تغضب، لكنى نادرا ما وصلنى أنها تكره.

 كان عجبى شديدا وأنا أدخل المدينة المنورة من الشرق قادما من “القسيم” (قائدا سيارة أيضا) حين واجهتنى تلك القمم السوداء وكأنها عباءة حماى، تحمى قبر الرسول عليه الصلاة والسلام، وحين مضيت من المدينة إلى مكة، قبل تمهيد الطريق مثلما هو الآن (كان ذلك عام 67) أخذت أنظر إلى كل هذه الجبال وأتذكر رحلة الهجرة، وأعجب لتصورى السابق من أن الهجرة كانت إلى مكان أقرب، فى صحراء أسطح، فاذا بها مئات الكيلو مترات، وسط سلسلة متحدية من الجبال ناهيك عن الهجرة الأولى إلى جبال الطائف، جبال كلها “تقول”، كلها “تقول”، وصدقونى، ومن لا يصدق، فليرهف السمع إذا أتيحت له الفرصة، ولسوف يسمع حتما ما تقوله الجبال، كل الجبال بكل اللغات.

لكن جبال الجيرا تقول، وتعزف، وتغنى معا. أعبرها هذه المرة بشكل جديد، وأمان مادى جديد، مع صحبة جديدة، وقد تقدم بى العمر لكنى أكتشف أنى أنبهر بها بدهشة أخرى طازجة فتية ـ كأنى أراها لأول مرة. رؤية الجمال فى ظروف غير ملائمة تصل إلينا كأنها مسودة سريعة، أو خطوط عامة (اسكتش) لما يمكن أن يحتوى ويقول، فإذا أتيحت رؤية ثانية، فثالثة فى ظروف مختلفة ملائمة، فان هذا “الاسكتش” يتحول إلى واقع نابض، ثم يتكشف عن طبقات بعد طبقات فى كل مستوى منها شئ جديد، هيرقليطس يقول إن الإنسان لا يستطيع أن ينزل نفس النهر مرتين، بلغنى الآن أن ذلك لا يرجع فقط لأن النهر جار فهو ليس هو نفس النهر أبدا، ولكن أساسا لأننا نَحْن لسنا نحن فى اللحظة التالية. إننى أتخلق من جديد مع كل ما أرى وهو يتخلق بدوره، بى، فيتجدد انبعاث المستوى تلو المستوى تلو المستوى من الجمال المتعدد الطبقات والمتفرع المقولات، موجات البحر التتالية ليست أبدا هى هى، ولا موجة واحدة، تتكرر، كيف يفضل أحادى حمام أسباحة على الحر ؟  حتى  الجبال برسوخها و ثباتها أستقبلها كموجات بنفس الطريقة، ولكن من باب وعىٍ متموج آخر، وقد كنت أحب البحر قبل أن أتعلم العوم مؤخرا مثلما أحبه الآن، بل إننى كنت أنزل فى الصباح الباكر وأنا أحذق العوم أقفز وحدى فى حضن موجه عملاقة، كانت عباءتها تهدهدنى وتحمينى فى نفس الوقت من احتمال سحبى فى البحر الهائج، (انظر إن شئت الترحال الأول).

 أبطئ بالسيارة وكأنى أتمهل مضغ لقمة سائغة، “أحرك داخلى لأرى ما سبق أن رأيت: ليس كما رأيت”، فقد كانت انشغالاتى الحياتية آنذاك تمثل حاجزا ما، لكنه حاجز مسامىّ غير مصمت، استطاعت الرؤى أن تنفذ من خلاله لتستقر، حتى أعود لأجُـّرها هكذا:

نبدأ فى الصعود فى جبال الجيرا الملتوىة قليلاً قليلا، ثم كثيرا قليلا، ثم كثيرا كثيرا، ثم قليلا، وهكذا، والأولاد يطربون بعد أن اعتادوا اللعبة، حتى لم يعودوا ينطلقون فى الغناء بغية أن يغالبوا توترهم، فأستثير مشاركتهم، فىتلكأون، فأنتهز فرصة صعود سحيق، وأبدأ أنا هذه المرة الأغنية التى ترجمتُـها ـ لهم صغارا لتؤدَّى بالعربية بنفس اللحن، تقول الأغنية ذات الأصل الفرنسى:

هىَّ نازلة مالجابل عالحصان،

هىَّ نازلة مالجبل عالحصان،

هىَّ نازلة ملْجابَالْ،    هيه نازلة ملْجابَالْ،    هيه نازلة ملْجابَالْ،     عالحصان

هبىَّ يايايا، هبِّـى يا.

وهكذا. إلى أن تقول :

هىَّ شايلة مُسَدّسَاتْ فى الحزامْ،

هىَّ شايلة مُسَدّسَاتْ فى الحزام. أو:

هىَّ شايلة مُسَدّسَاتْ، هيه شايلة مُسَدّسَاتْ.هىَّ شايلة مُسَدّسَاتْ: فى الحزام.

ثم

هىَّ قاَبْلِتْ جدّها وهيه نازلةْ.

(نفس التكرار)

هىَّ بَاسِتْ جدها وهيه نازلةْ،

(نفس التكرار)

ياريتنى كنت جدها وهى نازلةْ.

ياريتنى كنت جِدِّها، ياريتنى كنت جدها، ياريتنى كنت جدها وهىّ نازلة.

نقولها مرة بالعربية، وأخرى بالفرنسية، ونهتز معها وتهتز العربة وكأنها ترقص.

أتصور كيف يمكن أن تتهم هذه الأغنية البريئة الجميلة بأنها تخدش الحياء.

أغانى الفلاحين الطيبين الشرفاء فى بلدنا كانت تقول ألطف من ذلك وأصرح، ولم تخدش حياء أحد، ولم تفسد دين أحد، بل إن ما تحمل أغانى أهل بلدنا من رموز جنسية رائعة، أعتبره من أنجح الكلمات التى تزيل الحواجز بين طبقات النفس، وأيضا فيما بيننا، تزيلها فى طيبة جماعية سلسلة وحياء دافئ.

علمت “الود الجنسى”، “واللمز الجنسى” من أغانى قريتنا، كما تعلمت الجنس العارى من حيوانات وطيور قريتنا، ثم من كتب صفراء مفيدة (أنظر قبلاً) مثلا، أغنية تحضرنى أغنيه جميلة الآن تقول:

يا سرير النوم عجلاته حلاوة بيضا، عجلاته حلاوة بيضا،

 أخطرى يا عروسه وتعالى فى الأوده، وتعالى فى الأوده،

 اسكت يا عريس دنا فرحانة، دنا فرحانة،

…….

يا سرير النوم عجلاته بمبى، عجلاته بمبى،

 أخطرى يا عروسة وتعالى جنبى، وتعالى جنبى،

 أسكت يا عريس دنا…. الخ

 أستعمل بعض هذه الأغانى فى علاجى لبعض مرضاى الذين يخشون “الليلة” الأولى”، أو يتصورون فشلهم فيها، أو يفشلون فعلا، فكنت أقول لأحدهم: عليك ألا تراقب نفسك، ألا تفكّر ولا تتساءل عن رأيها فيك، ألا تنتظر إذنها كلاما منطوقا، لقد أذنتْ، أليست  عروسك؟ هى آذنة دون إذن، ثم أحكى له الأغنية التى استقيت منها كل هذا قبل أى علم مستورد،، وأطلب منه مازحا (جادّا) أن يحفظها، وأحيانا أحفّظها له:، تقول الأغنية:

ليه يانا يانا، ليه يا غرامى

خايف أقولكِّ، ولا ترضيش

وإن مارضيتش لانزل واقايس

واحط عينى فى وسط راسى

أرضى لك انت ياسى “فلان”  مارضاش لغييرك.

(….ويذكر اسم العريس تحديدا محمد ، إبراهيم، عتريس)

وكنت أؤكد على حكاية، “خايف أقوَّلك، ولا ترضيش”، لأن هذا التردد، وفهم ظاهر التمنع باعتباره رفضا، هو الذى يوقع بعض الرجال البكر فى ذلك الخوف، ومن ثمّ تصوُّر العجز؛ وكان الصديق الهائب (المريض) الذى يسمعنى أستشهد بهذا “الأصل” يطرب ويفهم أكثر بكثير من شرح النظريات العلمية التى تفسّر صعوبته بعقدة أديب وعقدة الرضا. فإذا وصلنا الى أنه رضيت به وله بالذات، دون غيره، على سنة الله ورسوله، داخله زهو أذاب بقايا خوفه.

فانظر معى ـ فقهك الله ـ كيف تُـربينا الأغانى المزعومُ قُـبحها وخدشها للحياء، وكيف تؤدى وظيفتها الوقائية، وكيف تحرك مشاعرنا فى طيبة حانية، أفضل من كتب التربية الجنسية التى يكرر محتواها مدرسون لا يعرفون الجنس أصلا حتى لو ملأوا الأرض ذرية!!

أشعر من جديد أننى أفضّل رحلة السيارة لأنها تسمح بهذا الاقتراب المباشر من الفطرة. فالطبيعة خليقة بأن تفجر فطرة كل من ألقى السمع والوعى وهو شهيد، فمتى يدرك الناس أن دين الفطرة هو الذى يتعهد فطرتنا بالتنمية، فالانطلاق، وأن الفطرة المنطلقة المتفجرة الهادئة الهادية هى أصل كل الأشياء؟

يثيرنى، فى نفس الاتجاه أن أتذكر تلك الليلة التى كنا فيها فى “دول” وذهبنا نزور كهفا من الكهوف التى يصنعون فيها النبيذ، أو ما شابه، وأذكر أن النبيذ كان اسمه “النبيذ المجنون” Vin Fou وكان المسئول عن الرحلة رجل ناهز الستين ضخم الجثة كجثة أنطونى كوين، واضح الملامح كأنه توفيق الدقن، أحمر الوجه كأنه مستر تشرشل. أخذ هذا الشيخ الشاب يردد الأغانى كالطفل المتأرجح يوم عيد طيب، وهو واقف وسطنا فى الحافلة الكبيرة، ونحن نرددها وراءه، وبعد عودتنا اعتبر المسئول الأكبر أن هذا الذى فعله مرشدنا الطفل الكبير الحجم الجميل الحضور هو النجاح المطلوب تماما لتوصيل روح فرنسا الحضارية، لمبعوثى العالم الثالث الذىن هم نحن،

 وكان من بين ما أنشد هذا المرشد الشاب (!!) الطفل الفحل أغنية تبدو شديدة الصراحة، وهى فى عمقها شديدة الذكاء والرقة، كانت كلماتها تقول:

“جانوتون” أخذت فأسها، (لاريناتو لاريناتو ـ أو: لا غيناتو… الخ)، لتحصد القمح حصدا، فى الطريق قابلتْ أربعة صبيان حلوين وأشقياء (لاريناتو… الخ)، ـ كان الأول خجولا، فقـبـّلها على ذقنها، (لاغيناتو… الخ)، ـ وكان الثانى أقل تعقلا فرفع طرف “جونيلتها” البيضاء ـ أما الثالث فكان أقل فأقل تعقلا فأوقعها على الحشيش، لكن ما فعله الرابع لا يمكن ذكره فى هذه الأغنية،

 وتنتهى الأغنية بإعلان الحكمة من كلماتها قائلة:

 إن مغزى هذه القصة هو أن الرجال خنازير

 ثم تردف:

لكنّ مغزى هذا المغزى هو أن النساء تحببن الخنازير.

 وأعجب لهذا القدر من التلقائية التى كنا نعيشها دون أن تثير فينا “أدنى الغرائز” بل أكرم “الضحكات” وأرقى المشاركة، وحين يكشف الناس بهدوء واحترام طبيعة هذه النزعات الفطرية التى خلقها الله فينا، يأتيها الهواء المعرفى النقى فيقترب بعضنا من بعضنا فى تكامل لابد أن الله يحبه،

 سبق أن أعلنت حذرى فى هذا العمل وغيره مما قد ننحدر إليه تحت عنوان محاربة الأغانى الساقطة وعدم خدش الحياء، وكأننا لانعرف كيف نفرق بين “الحياء” وبين “الكبت”، بين الحياء الظاهرى الذى ندعيه، والقتل الخفى الذى نحمله بين جنباتنا، دفاعا عن دفاعاتنا المجمدة المتجمدة.

تبدأ السيارة فى الهبوط الحاد، وعادة يبدو لى الهبوط أصعب من الصعود، لأن السيارة تندفع وتسحبنا سحبا ما لم نكن فى أتم حالات اليقظة، وكنت أشعر أحيانا أن قلبى يسبقنى “إلى تحت” مع السيارة المندفعة، قبل أن يلحق بهما تحكمى، وننزل أكثر فأكثر، هابطين الى تحت (العسل النحل!!) لأنى تذكرت تلك الأغنية العارية أيضا، وأقارن فأقول أنه إن كانت الأغنية الفرنسية قد “حضرت” ونحن نصعد الجبل فى لطف ودندنة، فلتحضر أغنيتنا الريفية تغنى أيضا فى لمزٍ وتورية:

ياللا بينا على تحت،

العسل النحل

 العسل النحل

لبّــسته البدلة البمبى

قّلعته البدلة البمبى

واحدة واحدة على جنبى

وانت نازل على تحت

 العسل النحل

 العسل النحل

ثم البدلة الحمراء، والبدلة الرصاصى، وفى كل بدلة: واحدة واحدة على جزء حساس من جسدها، لحين ينزل “على تاحْت”، “العاسَالِ الناحل”

هكذا خلق الله البشر، فأين خدش الحياء رحمكم الله.

ثم إن العلانية والجماعية فى هذه الأغانى الجميلة تحمل ما هو تعليم رقيق خفى، والعلانية ليست فجورا ولا قبحا، العلانية تؤكد ـ إذا ما تناسقت بمسئولية ـ نقاء الفطرة، والتشرف بشجاعة الإعلان عنها، وسلاسة انسيابها.

أقول لنفسى إن كل ما خالف الفطرة باطل ومعوق ومؤقت، ثم يا ترى حين تنهار هذه الحواجز الكاذبة بيننا وبين فطرتنا بالانفجار، أو حين تخفت بالهمود، ماذا سيتبقى من نبض البشر النامى؟

نقترب من الحدود السويسرية (إن كان ثمة حدودا حقيقية) ولكن قبل أن يتمادى الهبوط المتلاحق ينادينى منظر “موتيل” صغير نظيف، فأتوقف معتزما أن أتعرف عليه، وأعرض على صحبتى وقد اقترب الليل أن نبيت فيه فيعزفون، فلم يبق أمامنا سوى ليلة واحدة، وهم يفضلون أن يمضونها فى جنيف لإحياء الذكرى أو للتحية، ولكننى أصر على الاستعلام، ولو للمستقبل، فأعرف أن أجر الإقامة فى غرفة متوسطة، بحمام كامل مستقل، لشخصين هو 68 فرنكا فرنسيا (كان الدولار أيامها بثمان فرنكات إلا قليلا وكان يساوى أقل من جنيه مصرى).

أحسب حسبتى فأجدنى أستطيع أن أمضى بقية حياتى هنا بلا عمل، (من أعمالى القهرية!!) فى هذا الجبل قريبا من نفسى، من الله، من كَلِمَتِى وخبرتى، فماذا يدفعنى بعد ذلك للعودة، فالشقاء، فالتحمل، فالمحاولة فالإحباط؟ وماذا يمنعنى أن أعتزل الآن ما دمت سأواصل العطاء بلغة أخرى، من موقع آخر، سدادا لدينى للناس؟ نعم من موقع “الكلمة” و”رصد الخبرة”،(وكلام من هذا)، ولا أجرؤ أن أعلن أفكارى هذه لرفقتى، وخاصة زوجتى، فأبتلعها دون أن أنساها، وأحتفظ بصورة المكان فى ركن خاص من وعيى، وأقول له هامسا: رغم كل شئ فإنى عائد إليك حتما، متى؟ هذا ما لا أدريه.

لا أنتبه هذه المرّة بوضوح إلى أن علة “الحنين إلى الركن” قد عاودتنى، فهى أحيانا ما يصاحبها بصيرة حادة، و كثيرا ما تتخفى وراء حجج تبريرية تغطيها، أوتعطيها اسما حركيا خفيا (مثل التفرغ، والإنجاز، والإبداع، وإعادة الولادة وكلام مثل كلام الخطبة العصماء التى ذكرتها حالا، ومثل كثير من الذى سيأتى ذكره).

نمضى هبوطا، والآذان تمتلىء، وبعضها يصفر، والأدمغة تصفق، وبعضها يطقطق، ويعضنا الجوع، فنحن لم نتوقف منذ الصباح، بل منذ أمس!!، فنتوقف قبل الحدود عند محل بقالة طيبة (لاحظ تكرار “وصف الفرنجة” بالطيبة، وهذه ليست مجاملة) ونتزود بمئونتنا بالعملة الفرنسية، لأننا نعلم ما أكدته لنا البقال(ة) (كانت سيدة!)، أننا بمجرد أن نخطو إلى سويسرا سوف تشتعل الأسعار، وتؤكد لنا البقالة أنها ـ شخصيا ـ حين تنزل إلى جنيف، تصطحب معها حاجياتها الضرورية حتى لا تضطر إلى التعامل بالفرنك السويسرى.

ثم نمضى ونمضى حتى ننساب مرة أخرى عبر حدود وهمية إلى جنيف، ونكاد لا نـلمح رجال الحدود وهم يشيرون إلينا أن “مروا” فحسبناهم من رجال المرور لا من رجال الحدود، وحين قلنا نتزود بالبنزين من محطة ظهرت، كنا نتصور أننا سنتزود بالفرنك الفرنسى، وإذا بنا نكتشف أن حللنا سويسرا شخصيا دون أن ندرى.. نفس الخبرة بين إيطاليا وفرنسا قادمين.

 دخلنا جنيف بعد العصر بكثير.

مازلنا الأربعاء 12 سبتمبر 1984

أبدًا لم أحب فى جنيف، الا جنيف القديمة، أما جنيف الساعة الزهرية، وجنيف حول طرف البحيرة، ومنطقة الفنادق والمحلات والبنوك، وهى المنطقة التى يتكدس فيها العرب باعتبار أنها هى سويسرا، فإنى قد كرهتها فعلا، ولم أحاول أن أبرر كرهى لها، لكن هذا هو ما اعترانى وسط السائحين من بعض أثرياء العرب، وفى كل مرة أحاول أقيم معها علاقة ما، أجدنى أفشل، وأشعر أن السويسريين، أعنى الجنيفيين يضعون مسافة بينهم وبينى (بيننا)، هل هذا هو التفاعل الطبيعى من واقع ما خبروه من الضيوف العرب الأمجاد؟، أم أنهم هكذا يحسون بالانتقاخ العنصرى والأنفة السيادية، وكأنهم يقولون: “سياحة، وأنا سيدك”. تصورت أن أغلب السويسريين قد تركوا البلدة فلم يبق إلا من هو لزوم التجارة والسياحة، إذن، فهؤلاء ليسوا هم السويسريين الذين لابد أن أحبهم لنظافتهم ورقتهم ونظامهم، إلا أن ثمة أمور أخرى ربما تبرر لى هذه المشاعر السلبية.

 كنت قد نزلت ـ كما ذكرت ـ فى العام السابق لكتابة هذا الكلام ـ ضيفا فى أحد فنادقهم الفخمة (فندق الرئيس: بريزيدانت  Presiden)t. لم أحببه بسبب فخامته الفائقة، وكنت ضيّقا بوضعى كضيف، وضيّقا بالمسافة بينى وبين السويسريين، وضيقا بمعاملتى ـ بصفتى عربيا ـ كأى صنبور نقود، يفتحونى، فأوقع، ويدفع المضيف، فحرمونى من نفسى، ومن حرصى، و.. ومن كرامتى يا شيخ، (دون أن يمس طرفى أحد والله العظيم)، فجعلت أتطلع إلى اللافتات بالحروف العربية مثل لافتة “البنك العربى المحدود (سويسرا)، مكتوبة بالعربى والمصحف الشريف، أنا لا أترجِم، وتصورت أنه لو فتح نفس هذا البنك فرعا عندنا فسنكتبه وسنقرؤه هكذا “ذى أرابك بانك أف سويتزر لاند ليمتد!!”، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قلت  لنفسى وأنا أمر بين الفنادق والبنوك، “هنا يصب البترول بلا عائد حضارى، حقيقى، وهنا ـ وأمثال هنا ـ ستدفن حقبة من تاريخ أمة أعطاها الله فلم تقتنص الفرصة، فضيعت الأمانة”، سوف

لا أحد يحتاج من العرب الحاليين شيئآ غير نقودهم وأسواقهم، ثم بترولهم من قبل ومن بعد، لا أحد يحتاج فكرهم، ولا إبداعهم، ولا اختلافهم، ولا حوارهم، هم يحتاجوننا لهم بقدر ما ننزف حتى ننتهى، وهم يسخرون منا ونحن نتسفه بما أعطانا الله، خطر ببالى أننا لم نستقلّ أصلا، وحتى البلاد التى لم تُحتل ابتداء، قد سعت إلى هذا الاحتلال الجديد بنفسها وبإلحاح، وبمقابل!!!،(كتبت ذلك مثلما سبق أن شعرت به، حتى قبل الاحتلال “المدفوع الأجر” بعد خيبة العراق البليغة)  وأكاد أقسم أن فخرنا بالاستقلال التام هو بلاهة ما بعدها بلاهة، فالاحتلال العسكرى الصريح له مزاياه التى لا يمكن إغفالها من أول التنفيرللتحدى، إلى التذكير بالواقع، إلى لم شمل الفرقاء فى مواجهته، وغير ذلك كثير. أما هذا الاحتلال السرى المخادع فنحن لا نرى آثاره الا بعد أن نُستنزف، فنضعـُف، فنستجدى.

 اقترح على الأولاد أن نبيت فى نفس المخيم الذى أمضيتُ فيه ليلتين سنة 1969، فيوافقونى مجاملة، مع أنهم ألمحوا أنهم أمضوا فى طريق عودتهم فى العام الماضى ليلة فى مخيم على بحيرة ليمان مباشرة وكانوا يفضلونه، وشكرتهم فى نفسى، وأحاول أن أتذكر اسم مخيمى فأعجز، ولا أتذكر إلا “الاتجاه” ناحيته، فتظهر إشارات مخيمية، أتصور أنها هى، ولكنها تؤدى بنا الى مخيم آخر مهجور، الساعة متأخرة، وليس أمامنا خيار كثير، وكان الليل قد أطبق، ثم إنها ليلة واحدة لنا واثنتين للأولاد، فاستخرنا الله وقلنا نتحمل سواد الليل كيفما اتفق، المهم أن نضع جنبنا على أرضٍ ما، ونلتحف بسقف ما، نعم كان مخيما مهجورا، لم نلمح فيه سوى نزيل أو اثنين، وكان يبدو بلا صاحب وكأنه ترك بقية الموسم صَدَقَة جارية لمن يريد، وقلنا همم، وهاى، و ييا، بلا فائدة، ثم ظهرت قافلة من القطط غير الضالة تتقافز حول شبح قائم فى الظلام (كما فى السينما!!) فتبينا أنه المسئول عن المكان يزفه ويتقدمه موكب القطط التى لا بد أنها كانت ضالة فلمـّها، فصارت حرسه الخاص وعشيرته. كان وجهه جهما، لكنه مرحب فى هدوء صارم، وأخذ يكلمنا بلغة غريبة رجحنا أنها الألمانية من كثرة ما امتلأت لهجته بالشخط والـ “خاء ات” وما يصاحب هذا وذاك من نفخ متكرر فى شدقيه. وأنت تستطيع أحيانا أن تميز بعض اللغات بموسيقاها، أو بقراء ة ملامح الوجه والشفاه أثناء نطقها، ولكن ماذا نستفيد من تمييز أنها الألمانية (يا فرحتنا!!) ونحن لا نفهم فيها حرفا ـ وتذكرت وأنا أكتشف من واقع الحال أن ثمة سويسريين ألمان (!!) كما أن ثمة سويسريين فرنسيون سواء بسواء، (بل وإيطاليون أيضا) أعنى يتكلمون بهذا اللسان أو ذاك، ولكن ـ بينى وبينك ـ المسألة ليست مسألة لسان، بل كيان، رحت أتساءل من جديد: ما الذى يربط هذه الشعوب ببعضها داخل حدود دولية (آمنة) ومعترف بها؟!!، مع اختلاف اللسان هكذا، وما الذى يفرقنا نحن العرب عن بعضنا عبر حدود لا آمنة ولا معترف بها (بما يعنى الاستقلال الحقيقى) ونحن نتكلم نفس اللسان ومن قديم الأزمان، ومع ذلك لا يربطنا اللسان، ولا البيان، ولا الأمان المزعوم، ولا رَبَطَنَا حتى اللاأمان فى مواجهة الوحش الإسرائيلى، إن وحدتنا العربية يمكن أن تسمّى الوحدة الصوتية الخطابية، فى مقابل وحدتهم الاقتصادية النفعية.

أتذكر صديقى القاسى الطفل الملحد الجميل «عبد الله القصيمى» صاحب كتاب “العرب ظاهرة صوتيه” ـ كنت كلما زرته فى بيته فى الروضة بجوار كوبرى عباس، على النيل، رحّب بى كمن ينتظرنى بوجه خاص، عرّفنى به صديق يمنى رائع، هو على محمد عبدالله، يلقب الآن بـ “السناتور” حين نجح لمرّة واحدة فى  الانتخابات اليمنية  ثم فشل بعد ذلك (ربما لأنه نبيل، وأمين، وبسيط،  ورائع) . كان الشيخ “عبد الله” (هكذا كنا نلقّبه رغم أنفه) يفتح النار علىّ بعتاب ساخر باعتبارى طبيبا، وطبيبا نفسيا. وكأنى المندوب السامى الراصد لكوارث الكون، وليس بالضرورة المسئول عنها . كانت حدته بالغة وهو يتهم الطبيعة وخالقها بالقسوة والعشوائية والإضرار والظلم. حين أهدانى كتابه العرب ظاهرة صوتية كتب بخط كبير جميل ما غطى الصفحة الأولى حتى كاد عنوان الكتاب يختفى بين ما كتب من إهداء، كان يدعونى أن أسخّر (أنا وزملائى) الطب الذى تعلمناه لإصلاح ما أفسدته الطبيعة وخالقها. كتب فى إهدائّه:

 إلى الإنسان المداوى من هجمات وعدوانيات وجهالات وبداوات ووقاحات الـ…. والطبيعة، المداوى من كل البلادات والسفاهات والتشوهات والآلام والأخطاء فى ضمير وأخلاق وعضلات ونيات الـ… والطبيعة… أى الصديق “شخصى” محبا وشاكرا وذاكرا ومتداويا”

طبعا حكاية متداويا هذه من باب المداعبة، فمثل هذا الشيخ الجليل كان يمثل لى وجودا رائعا أتعلم منه ما لا تتيحه لى علاقات المجاملة والمناورة. لم أكن أتفق معه إلا فى أقل القليل مما ينادى به، مثلما كنت لا أتفق مع شيخنا الجليل محمود شاكر على الجانب الآخر، لكننى لم أملك إلا أن أحبه جدا،

 ذات مرة، زرته بعد وفاة المرحومة زوجته، وكان قد قارب التسعين، فتح لى بنفسه (كالعادة) وكان وحيدا تماما . رحب بى وقام على خدمتى وأنا أحاول أن أثنيه، بدا لى أهدأ قليلا، وأكثرنحافة، وربما انكسارا، عزوت ذلك لفقد زوجته، لم تمض بضع دقائق حتى ثارت ثائرته وتحركت براكينه التى يحاول أن يغطى بها إيمانه العميق وطفولته المجروحة، كان من القلائل الذين لم أستطع أن أركن إليه والدا، بل لعل العكس هو الذى حدث .

مرة أخرى وجدت عنده أربعة شيوخ أفاضل من مصر واليمن والسعودية والعراق، وكان الجميع يرتدون الجبة والقفطان والعمامة (ما عداه طبعا) . كانوا أصغر منه سنا. لعلهم من تلاميذه الأوائل.  عرّفنى بهم . رغم الاختلاف البادى فى المظهر والفكر، لا أذكر إلا أنهم كانوا يحيطونه باحترام وحب حقيقىن. كما كانوا يتجنبون الدخول فى التفاصيل حتى لا تشتعل النار أكثر،

تجرأت  هذه المرّة مؤتنسا بحضورهم وقلت له عن رأيى فيما يصلنى منه من إيمان راسخ، وأن ثورته المزمنة هذه على الطبيعة وخالقها لم تنجح فى تخليصه من عميق إيمانه، تعجّبت لاستجابته. نظر فى الأرض يخفى ظل ابتسامة، ثم رفع رأسه وداعبنى، فأكملت جادا كالمداعِب أننى أتصور، أو آمل، أن الله سبحانه سوف يتغمده برحمته فى آخر لحظة ، أو حتى بعد آخر لحظة، وأنه سوف يعطيه مقلبا ويدخله الجنة. ضحك المشايخ ولم يعلّق هو ، وصلنى منه – لست متأكدا – خليط من الحمد، والشك، والرفض، والتخوّف.

 كان سخطه على العرب يصل إلى درجة الإهانة،

كان يردد بفخر وعرفان موقف البرلمان المصرى فى الأربعينيات حين قبل إيواءه بعد الحكم عليه  بالإعدام فى السعودية.  (حسب ما تسمح به ذاكرتى الآن)،

لم يكتف أن يسب العرب فى كل صفحة من الثمانمائة صفحة التى يحويها كتابه “العرب ظاهرة صوتية” وإنما كتب على الغلاف ما كرره حرفيا على الصفحة الأولى :

“إنه لا أضْيَع أو أخْسَـر أو أرْدَأ حظّا ومجدا من كتاب عظيم أو جيد يتكلم اللغة العربية ويكتب بها مخاطبا الإنسان العربى… إن اللغة العربية لن تكون إلا كفنا لكل فكر أو معنى عظيم أو حر أو صادق أو شجاع أو مبدع يكتب بها، أى لو كتب بها وهل حدث أن كتب بها؟”

لم يكن ينكر على العرب وعلى اللغة العربية حاضرها فحسب  بل وماضيها أيضا، ومن أشد ما لفت نظرى هجومه على المتنبى مثلا فى الفصل الذى أسماه “المتنبى يروى معارك سيناء والجولان”.

قبل أن أتمادى فى رفض رفضه حضرنى موقفى الباكر فى القصيدة التى أرسلتُها فى سن 14 سنة لشيخى محمود شاكر واصفاً فيها ناسَنَا بأنهم:

“فحتَّى المحاكاةُ لم يتقنوها : مسوخ قرودٍ بقايا بشر”.

هذا الشيخ الجليل يصرخ ألما لم أعرف مداه إلا مؤخرا.

إن حال العرب صعبة فعلا .

فى سفرة عاجلة،(1980) انتقلتُ فجأة من باريس إلى بلد عربى، مرورا بالقاهرة  لليلة واحدة، كنت منفعلا جدا ضد سلبيات ما هو  “غربى؛ كان قد حرّكنى  فيلم “كل هذا الجاز”و “آخر تانجو فى باريس” (كما أشرت سابقا)  وإذا بى أجد نفسى فجأة فى مواجهة سلبيات وخيبة ما هو عربى، خلال ثمان وأربعين ساعة ، فوجدت نفسى غراقاً فى كذبة آسنة أكثر إثارة: جزعتُ حتى قلت :

وبلادٌ تركبها الفِيَلةْ،

والناس تُساقْ.

أفكار الواق الواقْ

النقش الوهمُ على الأوراقْ.

المنزول الترياقْ.

……

أبشرْ بالخير. أبشرْ بالشر.

لا فرقَ اليوم: الأحد السبت الجمعةْ.

والناس سواسية والرجل السمعة.

………..

والثورة “سابقة التجهيز”.

تشفى كل الأوجاع

آلام الرؤية، ولزوجة الاستماع

إلى أن قلت:

فضّ الشيخ بكارة عقل الأطفال السُّذَّجْ.

أقرأَهُم فأعادوا لغة العصر الأعرجْ.

 باسم الموت الذهب الأصفر والأسود،

الأشطرُ ألزجْ، والأحوجُ أغنجْ.

والقرش لمن يحذقُ خَطْفه، أو ساسَ الناسْ.

……..

لا تسأل عن شئ إن يظهر لك تكفُرْ.

فاشكرْ، واصبرْ.

من حضر القسمة يقتسمُ.

 من أخذ الصرة يبتسمُ.

كيف -قبل ذلك-  كنت ألوم المرحوم عبد الله القصيمى على كل هذه القسوة وهو يرفض كل عربى؟ ثم أقول أنا هذا الكلام. الآن أتاكد أن شعرى – مهما تواضع – أكثر جسارة منى.

وكيف – بعد ذلك – استجبت لسامح كريم وهو يطلب منى أن أرد على قصيدة نزار قبانى “متى تعلنون وفاة العرب” علماً بأننى أحب شعر نزار حبا جما، ذلك الشعر الذى يذكرنى بتحدى محمد عبد الوهاب أنه يستطيع أن يلحن سطور خبر فى  الأهرام. نزار يجعل من الكلام الدارج جدا شعرا جميلا جدا، مرّة ذكرت للأستاذ نجيب محفوظ شعر نزار وسألته عن رأيه، قرأت رأيه فى إشراقة وجهه أكثر من تشبيهه بأنه شعر “مثل العسل النحل”، أنا لا أحب العسل عموما لا النحل ولا غير النحل، لعل نجيب محفوظ كان يقصد كيف تجمع النحلة نقطة العسل مكثفة من رحيق الزهور، وكيف أنها طبيعية بلا أدنى تكلف، فعلا هذا هو شعر نزار، فلماذارفضتُ التشبيه آنذاك، تشبيهات نجيب محفوظ لها عمق خاص. تذكرتُ تشبيهه لموسيقى الشيخ زكريا أنها مثل “التقلية”. مع كل هذا، ومع شجبى شخصيا للعرب كما سلف، كتبت ألوم نزار على قصيدته ، وأرفض هذا النوع من الشجب ، كما رفضتُ شجب القصيمى، بل وشجبى لهم (لنا) شخصيا. إننا بالمغالاة فى موقف الشجب هكذا لانضيف شيئا، نكتب شعرا، ثم نتراجع عنه نثرا (مثلما أفعل أنا الآن) ، أو ينسخ نزار شعره السابق فى 1967 بشعر لاحق بعد وفاة عبد الناصر ، فلا ينفع هذا أو ذاك فى حفز  إفاقة مناسبة  .

حين كتبتُ ناقدا قصيدة بشار فى الأهرام حضرنى كتاب عبد الله القصيمى الذى استطردت إليه الآن، ثم هأنذا يحضرنى هذا الموقف الحكمى الذى اتخذته شخصيا، وكأنى حين خاطبت نزار كنت أخاطب القصيمى، ونفسى، معا. قلت:

سيدى نزار، يقولون فى بلدنا على من يبصق: إنه إذا رماها إلى أعلى سقطتْ على وجهه، وإذا رماها أسفل سقطت فى حجره، فأين سقطت بصقتُكَ يا ترى؟؟ أمَ أنك ظننتَ أنك ألقيتَ بها ـ بعيدا عنك، لأنك تنخمّتَها طويلا وعاليا، ثم قذفتَ بها لزجةً ملفوفةً، فإذا بها عقربٌ سام لابد وأن يلدغك أوّلا؟

ذكّرتَنى يا رجل بشاعرنا العربى شوقى وهو يحكى على لسان “الست هدى” كان إذا تنخمّا،      أرسلها إلى السما

فلست تدرى ما رمى،  أعقربا أم بلغما.

……………..

ثم دعنى أستأذنك لأختم ملاحظتىّ هذه ببعض ما سبق أن كتبتُه أنعى فيه ميتاً يأبى إلا أن يعلن موته بنفسه.كان ذلك قبل قصيدتك بأكثر من عشر سنين (سنة 1983) – دعنا ننتبه ألا نقتل القتيل ونسير فى جنازته:…

 لا يحملُ نعشَ الميتِ قاتـلُهُ..،

…….

يقضى العصر الملثات:

 أن التوقيع يتم بخط الميت،

والميت يرفض أن يعلن موته،

بعد هذه السنين، أتصور أن هذا الكلام ينبغى أن ألقيه فى وجهى أنا أولا.

ليكن فى سويسرا ثلاث لغات، لم تمنع من أن يكون لهم هويّة واحدة، سويسرية.

نحن عندنا لغة واحدة،  لم تفلح أن تجمعنا فظللنا ألف قبيلة وملايين الملوك، فصرنا لاشىء.  ما لانهاية  تساوى صفر،

يغضينى فى جنيف ماتشوه به العرب، و ما تميزت به الكلاب!!!  ولا أستثنى نفسى.

ظل الرجل الألمانى صاحب أو مدير المخيم يشخط (أى يتكلم)، لكن بغير زعل، فقد كان مبتسما طول الوقت، أوهكذا أوْحى لنا الجوع والظلام، وحين فشلتْ كل محاولات التفاهم، أخرج ورقة وكتب رقما، فرجحنا أن هذا الرقم هو إيجار الكوخ (البنجالوز) فى الليلة، فرضينا، ولم يكن أمامنا إلا أن نرضى، ومع إصرارنا وقبولنا لكل شىء، يبدو أنه أخذته الشفقة علينا ـ بالألمانى ـ ، فراح ينصت لما لا يفهم، ويستجيب لإشاراتنا التى تطلب مرة بوتاجازا، ومرة غطاء زائدا (فقد بردت الدنيا ـ نحن فى منتصف سبتمبر يا ناس)، وزاد الأمر برودة خلو المخيم من أى صخب دافئ كما اعتدنا أن تكون المخيمات، وأصرَّّ الأولاد ـ رغم ضيق الوقت ـ أن يطبخوا لنا طبخة الوداع، ولسبب آخر: هو ألا يفسد التموين الذى جلبناه معنا من فرنسا شخصيا، وما كان لنا أن نرفض “عزومتهم ” رغم عزوفنا عن قضاء آخر ليلة بوقتها المحدود فى هذا الطبيخ، ومثله.

انطلقنا إلى جنيف البلد نودع، ولم نتمكن إلا من تحية الممشى أمام سلسلة الفنادق على طرف البحيرة، ألقينا التحيه على فندق «البريزيدانت» قائلين له أن “بنجالوزا” تخفق الأرواح فيه وتحيطه رائحة الشواء وتصدح منه الضحكة الرائقة، أحب إلينا من فندق فخم يقدم خدمة رائعة بأنوف عالية تنحنى لقرش وهى تحتقر صاحبَه، وهناك فى هذا الممشى الجميل المتسع أخذت أسترجع كراهيتى للمكان، فسعدت باكتشافى أنه حتى استرجاع الكراهية هو نبع طيب لنبض حياة ثرية، إذ يبدو أن المهم أن نحب وأن نكره، وأن نعاود الحب وأن نعاود الكراهية فنتخذ موقفا فى كل حين، من كل شىء، فاقتربت أكثر فاكثر مما أكره، حتى اكتشفت أنى أكرهه لأنى أمِـلت فيه ما يستحق، فلم يعطنى ما وعد.

ارتبطت جنيف فى خيالى (رغم عدم الود)، بالنظافة والجمال والنظام، وما أروعها علامات على الحضارة بما تحمل من احترام الغير، وتصورت أنه بإمكان زائرها أن ينتقى مما يلقى على حواسه نغمات تؤلف لحنا جميلا رائقا، لكننى وجدت ما يجعلنى أراجع تربيطاتى السابقة، فجنيف هذه الآن قد امتلأت بفضلات الكلاب وسفاهات بعض العرب.

 أما العرب فقد سبق الكلام عليهم، وأما الكلاب فقد ملأونى تحديا، وملأوا شوارعها بآثارهم، ولا يوجد جهاز مهما بلغت ملاحقته يستطيع أن يتابع ما تفعله “الكلاب” بالشوارع، اللهم إلا إذا عينت البلدية وراء كل كلب موظف نظافة، أو ربما ألزمت أصحاب الكلاب بأن يتوقفوا عقب قضاء الحاجة يتصرفون بمعرفتهم فيما آذوا به شعور الأخرين والشوارع. أو ربما استلهموا مشروع “بمبرز” من سنبل.

جعلت أتأمل ظاهرة اقتناء الكلاب بهذا التواتر الغريب، وكأن العلاقة بين “الجنيفى” (والأوربى عامة) والكلاب قد حلت محل العلاقة بين الإنسان والإنسان، بل إن المسألة لم تقتصر أبدا على الكلاب، حتى أنى شاهدت مرّة فى حديقة فى باريس بعينى رأسى سيدة شديدة النظافة (والعقل كما يبدو) وهى تجر خلفها أرنبا مدللا(أى والله)، وقد لفّـت جذعه برباط جلدى مثلما يفعلون بالمينى كَلْب (الكلاب المصغرة الدقيقة!!) ـ فيزداد ترجيحى أن الكلاب والقطط والنسانيس والأرانب قد حلت محل الانسان لمّا التهمته خدعة الحرية والندّيةالشكلية، فصارت العلاقات صفقات، وصارت اللقاء ات مصالح سطحية، وفُرضت الوحدة على كل ما هو بشرى “حر”، فُرضت الوحدة الصقيعية اللهم الا من فرقعات التصادم التى تحدث بالمصادفة أو بالجذب اللحظى ثم كل ملهـٌّى فى حاله.

يبدو أن الإنسان مازال يحتاج لمن يربطه ويتبعه، كما يحتاج لكائنٍ يرتبط به ويرعاه ويعتنى به بخصوصية مميزة، والكلاب ـ ولامؤاخذة ـ يقومون بهذا وذاك بعد أن عجز الإنسان والإنسانة أن يأمنوا لبعضهم البعض،.

 النظام، وهو أعظم ما يحدد خطى الانسان فى اتجاه غائى، تضخَّم فى جنيف حتى كرهته وكرهتها من مدخل آخر، فقد امتد النظام إلى زهور الشوارع والأرصفة والحدائق الجانبية والعامة، فصارت تنسَّـق بمنتهى الدقة كل صباح، أو كل ساعة، تمادوا فى ذلك حتى حسبت أن الطبيعة قد رفعت يدها عن زهورها، ليحل محلها هذا التشكيل المحكم القاسى، وليس عندى أحن من الطبيعة وهى تهدينا زهرة ما، أو ظلا ظليلا، نهذبه بقدر ما يؤكد انسجامنا مع نغمها  الأصيل، أما أن نتدخل كل هذا التدخل حتى ينقلب الحال الى ما يشبه الوسواس “الزهورى” فنجد الزهور وقد اصطبغت بصناعة إنسانية مفتعلة ترسم الشكل، بالملليمتر الواحد، فهذا ما أشعرنى بالمبالغة حتى كدت أشك فى أنها زهور طبيعية، فرُحت ـ فى السفرة السابقة ـ أنقل مشاعرى هذه الى زوجتى، فتوافقنى حينا وتخالفنى حينا، حتى إذا هممت بالامساك بالزهور الـشديدة التنسيق لأتأكد أنها ليست من البلاستيك نهرتـْـنى خشية أن يحسب الناس أنى أهم بقطفها، وأيضا : خوفا على الزهرة من شكوكى.

تأكدت من كراهيتى لجنيف هذه المرة، فرحت أقبل على ما كَرِهْتُ إقبال اليقظ الفرح بصراحة مشاعره، وكان الجو ليلا، ولسعة البرد المنعش تذكّـرنا أننا ما زلنا فى أوروبا وتحاول أن تصالحنى، وقد حصل:

هذه مباراة فى “الباتيناج” تقام بين شباب غض ماهر نشط، ملعبها هو الرصيف الناعم الملمس أمام سلسلة الفنادق قرب ميدان ساعة الزهور، يحيط بالملعب بضعة متفرجين من المارة منّا، والمباراة ـ إن صح التعبير ـ هى بين شابين لا يتعديان العشرين، وقد لبس كل منهما حذاء الباتيناج ذى العجلات، ووقف بقية أفراد الثلة يتابعون، وقد رصوا علب الكوكاكولا الفارغة فى خط طويل وعلى مسافات متساوية أو مختلفة، ويبدأ المتبارى الأول من بعيد منزلقا على عجلاته، فيمر فى خط متعرج يشبه “زجزاج” بين كل علبة وأختها من ناحية إلى أخرى، بحيث لا يجمع علبتان معا، ولا يلمس أى علبة ما أمكن، فهو لو لمسها فى سرعته تلك ستقع حتما وقد تتدحرج بعيدا، يعملها مرة بكلتا قدميه، وأخرى بقدم واحدة، ثم بالقدم الأخرى، ويعد المشاهدون من الثلة (الحكام) عدد العلب التى لمسها (انقلبت) فى كل مرة ثم يأتى غريمه ويبدى من المهارة ـ بدوره ـ ما يبدى وهكذا، وأقف مشدوها معجبا بكل هذه المرونة، والمهارة، والسرعة، والتحكم.

 أتذكر مهارة شبابنا التى فاجأتنى يوما من حيث لم أتصور، كانت رحلة نظمها نادى  من النوادى القاهرية  إلى “دهب “على خليج العقبة،  فشاهدت حفلا شابا بسيطا يقوم فيه الشباب الذى كنت أحسبه هشا «خرعا» مائة بالمائة برقصات أشبه بنوع من ألعاب القوى، أحب أن أسميها رقصة الاختراق (هذه هى الترجمة الاقرب ـ كما تصورت ـ حيث يسمونها Break dance ) وفرحت بهؤلاء كما فرحت بأولئك، ولكن يا ترى: هل هذه المهارات الأصيلة (فى جنيف) أو المستوردة (شباب نادى الجزيرة فى دهب) تصب فى وجود ماهر، حاذق، فعلا، متحد، أم أنها استمناءات جسدية تدور حول نفسها؟ أنا لا أشك فى العلاقة بين هارمونية الجسد وهارمونية الوجود،لو كان ذلك مقصودا وتدربنا عليه منذ البداية، وهذا غير وارد فى تصورى فى مثل هذا النشاط، فأتصور أن هؤلاء الشباب ـ عندنا ـ قد أغلق عليهم وعيهم حتى صارت المسألة كلها ـ على قدر علمى وملاحظتى ـ سيرك آدمى جميل،

وأعبر لابنتى عن تاريخى القديم مع هذا القبقاب ذى العجلات، وكيف استعرته من صديق ـ رحمه الله ـ بمصر الجديدة، وكيف اختليت بنفسى فوق سطح بيتنا المبلط غير المستوى ، وكم وقعت ووقعت حتى كدت أكسر عظامى عدة مرات، لكنى وحتى الآن ما زلت مستعدا أن أعاند من جديد، ويبدو أن ابنتى صدقتنى، وأن رغبتى مازالت قائمة، وهذا صحيح، فاشترت لى بما ما تبقى معها من نقود قبل ركوب طائرة العودة مباشرة اشترت لى حذاء ذى عجلات (تطور القبقاب الآن)، وقد فرحت به جدا، للذكرى، ولأنها تذكرتْ رغبتي، لكننى لما رحت أجربه فى السر بعد عودتنا ـ فى هذه السن، اكتشفت تيبسى وخطورة التمادى، لكننى ـ ولا تقل لأحد ـ ما زلت أحاول، ومع تحفظى على جدوى مهارة الشابين على الطوار، فقد انحنيت لهما ـ سرا ـ إعجابا وقبلت وساطتهما لأتصالح على جنيف، لكن قبول الوساطة لا يعنى نجاحها.

ونعود للمخيم، ونتوه، ونجده بعد لأْى، فيفتح لنا الرجل السويسرى الألمانى وهو نصف نائم، وبعد شخط ونفخ وطيبة وتسامح، يعود يكمل ما كان فيه مما لا ندرى،

أطل علىّ وجه هولندى يشبه هذا الألمانى المنتفخ الصدغين وهو يفتح لنا بالصدفة فى عجالة، وأحسب أن الهولندى والألمانى أولاد عوممة حتى فى اللغة، لكن الذى أحضر وجه الهولندى هو  الحركة  التى استقبلنا بها الرجل ” فتحٌ ٍبالصدفة من شخص متعجل”آ

أول ما وصلنا بالسيارة إلى هناك، أمستردام (سبتمبر 1969) صادفْنا بيتا متواضعا فى الضواحى يؤجر صاحبه حجراته لأمثالنا من أبناء السبيل على قدر حالهم، وكان مديره بحارا ـ أو لعله صاحبه ـ وقد رجحتُ بغير دليل، أنه أمى (مستحيل؟؟ لا أعرف)، وقد وشم ذراعيه وصدره بما ينبغى لبحّار أمّى (هكذا قررت شخصيا)، ووجدنا إيجار الحجرة شديد الرخص لى ولزوجتى وزميل إيرانى (رافيانى) وزوجته وزميل مصرى (المرحوم د. وجيه اليحكى)، فما صدقنا، فتركنا أشياءنا عنده ومضينا مسرعين إلى جولة التعرف والاستطلاع، وإذا بنا نكتشف أننا قد ابتعدنا بما يهدد عثورنا على العنوان من جديد، لكن المثابرة فى المحاولات استمرت حتى رجعنا إلى البيت حوالى العاشرة مساء، وكنا قد علّــمنا الباب بسقاطة تتدلى منه ومقبض قديم مكسور، فجعلنا ندق الباب دقا عنيفا متواصلا ونحن نسمع صوت صاحب البيت وأصحابه وربما نزلائه يغنون ويضحكون سكارى هائصين. نحن متأكدون أنه البيت وأن أشياءنا فى الداخل، وهذه الأصوات الصاخبة هى أىضا فى الداخل، ولا أحد يفتح. جلسنا على الثلاث درجات التى تتقدم الباب، وقلنا نعاود الطرق دقيقتين كل خمس دقائق حتى لا يتعوّدوا على الطرق المنتظم، والدنيا لا تزال فى الداخل تضرب تقلب، ولا أحد يفتح. ومالَ بعضنا على بعض واستسلمنا لاحتمال النوم على السلالم الثلاث، لكن الأصوات علت أكثر فأكثر، فقدرنا أن قتالا قد نشب بين الصاخبين، وأنه لا بد أن يكون ضاريا، قد لا ينقصه إلا استعمال السلاح الأبيض والأسود جميعا، قلنا ليلة لـن تمر، وإذا بنتيجة الشجار تنتج عن “هبوط اضطرارى” لأحد أطراف  الصراع عدوا على السلالم ثم خروجه مندفعا كالقذيفة قاصفا الباب وراءه، لكن منْ!!، كانت قدمى قد قفزت إلى العتبة قبل رزعته بقليل، فحالت دون إغلاق الباب، ولم أحاول أن أتبين ما لحق قدمى من أذى. صعدنا نتنفس الصعداء وعرفت مرة أخرى لماذا سموها “الصعداء “، وتأكدنا أنه المنزل، ووجدنا أشياءنا حيث تركناها، كما وجدنا البحار فى عز عزه، لم يهتم بنا أصلا، بل لعله لم يرنا، فقد كان فى حال، فلم نجد جدوى من المطالبة باعتذار أو الحديث عن عتاب، ونمنا، ليس فى الحجرات التى أراها لنا، وانما حيثما وجدنا ما ننام عليه ـ فى أى مكان، وحين استيقظنا وجدنا الرجل مستيقظا قبلنا متعجبا كيف دخلنا (وربما”مَنْ نكونً؟)، وهو فى غاية الصداع والأسف، حاول أن يتنازل عن الأجر مقابل ما لحقنا. رفضنا،وشكرناه رغم كل شئ ، فقد كان ابن بحر حقيقى (على وزن ابن بلد)، لكن للصحو حدود، وكان الصنف شديدا على ما يبدو.

  ذكرت كل ذلك وأنا ألاحظ مقابلة هذا السويسرى ذا اللسان الألمانى، وهو يتركنا إلى ما كان فيه بعد أن فتح لنا، ربما مصادفة مثل الآخر.  قلت لذاكرتى: ما هذا، وكيف استطاعت اندفاعة صاحب المخيم هنا راجعا محتجا، أن تستدعى اندفاعه نزول السلم هناك متدفقا مندفعا ؟

 فسبحان من جعل من كل حركةٍ حكاية!!، وفى كل اندفاعة شبه، ومن كل ترابط مغزى.

حين التففنا فى المخيم المهجور حول طاسة الشواء، والأولاد منهمكون فى إعداد “العشاء الأخير “سنحت الفرصة لاسترجاع بعض مواقف الرحلة، اقترح بعضهم – لا أذكر من – أن يعلنوا رأيهم فى شخصى بمناسبة افتراقنا غدا، ما المناسبة؟ ما الذى شجّعهم؟ هل اقتربت منهم أكثر؟ هل تشجعوا أجرأ؟ هل حققوا هم من الرحلة ما عجزت أنا عن تحقيقه على الرغم من أنه كان هدف الرحلة الأول ، أن أتعرّف عليه فى أرض محايدة، وسط نبض ثقافة مغاير؟

ولست أدرى أى جو من السماح جعلهم يتحدثون بلا تردد لعله: التعب، والجوع، وقرب النهاية، ورائحة الشواء، وخلو المخيم جميعا. لن  أحدد الأسماء : أولا لأنى لا أذكر مَنْ بالضبط قال ماذا، فإذا ذكرت بعضها فأنا لا أريد أن أحدده.

 أسمتنى إحداهن “الطاغى الطيب”،

وأجابت أخرى: “لكنه مُحتمل”

فأضافت الثالثة أن مشكلة صحبتى “أنه لا يمكن التنبؤ بما أفعل”

فردت أخرى: أنى حين أخطئ مندفعا يصعب تصحيحى، ولكنى حين أخطئ هادءا فثمة أمل فى حوار.

 قبلتُ كل ذلك، بل وفرحت به، على الرغم من أنى لم أوافق على تماما.

أيضا لم أقاوم.

تعشينا “العشاء الأخير” واحتوانا الكوخ جميعا هذه المرة.

وأمضينا الليلة الأخيرة فى خيمة واحدة،

 دافئة بأنفاسنا وذكرياتنا جميعا.

الخميس 13 سبتمبر 1984

أصبحنا ونحن راضون عن كل ما كان، وما لم يكن، ودعنا الأولاد وودعونا، وتواعدنا أن ينتظرونا فى الإسكندرية عند وصولنا بالباخرة، حيث كانوا سوف يستقلون الطائرة من جنيف، وتعاهدنا أن نقضى يوما فى الإسكندرية قبل السفر إلى القاهرة على اعتبار أن هذا اليوم ضمن الرحلة ، وبالتالى فالرحلة لا تنتهى بالوصول. فرحت من الفكرة التى تؤكد الفرض الذى أشرت إليه مرارا، وهو ضرورة التمييز بين الانتقال والارتحال، يمكن أن تنتقل ولا ترتحل، كما يمكنك أن ترتحل وأنت فى المكان.

منحناهم ـ بعد حسبة صعبة ـ ما تبقى معنا من نقود يمكن الاستغناء عنها، باعتباره “بدل تأخير”، ففرحوا بها لأنها جاءت فى آخر لحظة على غير توقع.

ركبتُ وأمهم العربة وأخذنا نلوح بالأيدى وكأننا قطعنا معهم عمرا آخر، وسط عمرنا العادى الممتد، أو عمرا موازيا لعمرنا الذى نعرفه.

ما أن اختلينا فى العربة بدونهم حتى أحسسنا بفراغ صعب، لكنه بدا فراغا طيبا، فرغنا منهم، وفرغنا إلينا، وعلمتُ أن الفراغ ليس دائما سلبا، بل هو عادة دعوة إلى امتلاء، أو هو ينبغى أن يكون كذلك، فجعلنا نقطع الطريق فى هدوء، فالوقت متسع، والتأمل واجب والجو صحو، ففضلنا أن نسلك الطريق العادى ـ لا السريع ـ حول ضفاف البحيرة (ليمان) متجهين إلى لوزان فمونتريه، وتذكرنا كل ما كان فى العام الماضى، وتوقفنا مع المزاحمين فى “مونتريه” دون أن نزاحم، فما كان غرضنا إلا أن نقولها فى صمت: نقولها للناس والطبيعة، نقول شكرا، وقد كان.

عاودنا المسير، وفى نيتنا أن نصل إلى فينسيا فى نفس اليوم، برغم هدوء الإيقاع، فقد كنا نقطع المسافات دون أن ندرى إذ يبدو أن المسير أصبح يحمل مقومات راحته واستمراره فى ذاته، فجعلنا نستنشق ريح جبال جديدة، على الرغم من أن عموم المنظر أصبح مألوفا. دخلنا فى نفق ممتد أكثر من عشرين كيلو مترا (على حسب ما شعرنا) إلا أنه كان نصف نفق بشكل أو بآخر حيث كان مفتوحا من جانب فذكرّنى بطريق عين الصيرة، وأيضا ببواكى مصر الجديدة كما بناها البارون “امبان” قبل حكاية الحى السادس والحى السادس عشر، وأيضا تذكرت بواكى سوق الحميدية فى دمشق، هو لم يكن نفقا إذن، فليمتد كما يشاء، فاعتدناه حتى أننا أسِفنا حين انتهى، ومررنا من نقطة الحدود بنفس السهولة التى دخلنا بها.

حين وصلنا الى سلسلة جبال “سان برنارد” مالت العربة تلتقط أنفاسها على الرغم من أنها لم تكن تلهث، وفى خلال ربع ساعة أو أكثر، حيث توقفنا، ساد صمت ثرى، كان مليئا بما كان. وشعرنا، دون كلام أيضا، أننا نحتاج عمرا بأكمله لنستوعب هذه الخبرة بما تستحق، ناهيك عن تحمل مسئوليتها، (و أحسب أن من بعض ذلك خروج هذا العمل “هكذا”(.

ما إن وصلنا الى “أيوستا”، بعد ألعاب جبلية بهلوانية، حتى بدأ الطريق السريع، السهل، الخطر، الممل، فانطلقنا مصممين على الوصول إلى فينسيا فى نفس الليلة، وعند ميلانو، ازدحم الطريق وكأنه شارع صلاح سالم فى عز لخبطة المرور عصر يوم فى رمضان، لكننا مضينا فى النهاية، وانطلقنا فى غير كلال ظاهر، وما أن بقى من الطريق ستين كيلو مترا لاغير، حتى شاهدنا لافتة تشير الى قرب مدخل “فينسيا” شخصيا، فأقول لزوجتى: “تصورى أن هذا البلد الساحر البحرى الصغير يمتد قطره إلى ستين كيلو مترا” تعجّبت :”ياه”!! وكأنها توافقنى، فاقترحتُ عليها أن نستكشف هذا البعد الممتد فى اليابسة لهذا البلد المائى جدا!!، وكنا نتكلم وكأننا لم نر فينسيا أصلا، وكأننى لم ألـفـّها سيرا على قدمى مائة مرة، وكأننا لم نعبر الجسر الفاصل بينها وبين”ميستر” (مثل جسر زفتا وميت غمر) عشرات المرات، ونحن نعرف أن حدودها تنتهى بمجرد عبور هذاالجسر، لكن ماذا تفعل فى ما قررناه هكذا فجأة حين اعتقدنا ـ ربما من فرط التعب ـ أن طولها ستين كيلومترا حسب اللافتة؟

 المهم أننا خرجنا من الطريق السريع نستكشف”أطراف البلد”!!!! وننوى أن نمضى الليلة فى فندق جديد فى هذا الظرف الجديد، فإذا بنا نفاجأ أنها فسينزا Viscenza   ليست فينسيا Venezia . فهو التعب الذى لم نعترف به أصلا، وضحكنا، وأتذكر فجأة، ولعلى لا أكون مخطئا، أنها (فيسينزا) البلدة التى فى ضواحيها صدح اللحن فجأة، فسمعه نيتشه، وعرف أنه زرادشت، فاستسلم لما ملأه، ثم راح بعد سنين يحدثنا على لسان زرادشت بما كان له فى حياتى من آثار لم أعد أتبينها تحديدا، وإن كنت أعلم أنها مما يحافظ على أملى المستحيل طول الوقت..

أتذكر أمى وهى تخاطب مقام السيدة أن”ناديتينى وانا جيت أهه  يا طاهرة”، وكأن ثم نداء ، وليس قرارا إراديا من أمى، هو الذى جذبها إلى المقام الطاهر. نداء يأتى فى الحلم أو فى غيره، لكنه يتأكد أثناء الزيارة، وأتساءل وأنا ألف عائدا إلى مداخل الطريق السريع، هل نادانى زرادشت ونيتشه فانحرفت السيارة للزيارة دون إذنى نتيجة لهذا الخطأ الجيد، فأحييهما شاكرا وأنظر إلى زوجتى ملتمسا لنا العذر، إذ يبدو أنه: كم تعبنا، وكم أخفينا تعبنا كل عن الآخر، بل عن نفسه، فنحن نسير منذ أكثر من خمس عشرة ساعة، لكن هذا لم يمنع من تحسرنا ونحن ندخل الطريق السريع من جديد حيث اضطررنا أن ندفع رسوما جديدة، وكان ينبغى أن نعرف أنه لا أحد يتعلّم بالمجان.

 نواصل السير فى عناد جديد حتى نصل إلى”بادوفا” التى كنا قد تهنا فيها أثناء رحلة الذهاب، فأقترح على زوجتى أن نقضى الليلة فىها حيث كنا قد تعرّفنا على معالم تستأهل المشاهدة أثناء التوْه الماضى، (هل صدّقتم مزايا التوْه أخيرا؟). ثم إنه لم يبق على فنيسيا وميستر إلا بضعة عشر كيلو مترا، ونمضى نبحث عن فندق فلا نجد إلا فندقا عتيقا عريقا ورائعا، فنحسب حسبتنا، فنجد أننا نستطيع، فنترك فيه أشياءنا ونتجه إلى وسط البلد نبحث عن مقهى أو مطعم، والساعة لم تتعد التاسعة مساء، لكنها: مثل أغلب بلاد أوربا فى هذا الوقت “هس هس!! “» وأعود لتساؤل قديم: لماذا تنام أوربا هكذا من العِشاء؟ ربما لأنهم ناس وراءهم شغل، ونلتقط محل بقالة ومقهى فى نفس الوقت، لذلك هو لم يقفل بعد، فنتقوت، ونتناقش، ونتشاجر، ونذهب للفندق فننام فى حجرة جدرانها من خشب قديم وكأنها من القرن السابع عشر، حتى الحمام والحوض مصنوع من الخشب، أو مغلف بخشب طبيعى ذى نكهة قديمة ونافذة معا !!

الجمعة 14 سبتمبر 1984

استيقظنا فى هدوء على الرغم من شجار ليلة أمس، ومضينا نتجول فى بادوفا، فوجدناها بلدة مترامية ثرية، فيها كل شئ لكل شىء، تـرى: من يستهلك هذا كله يا ناس؟ (تانى !!)، ونواصل المسير بعد أن تناولنا قهوة الصباح فى قهوة واحد بادوفى رقيق، ثم نجد عندنا من الوقت ما يسمح بالذهاب الى مخيم “المرأة المهرة، مخيم الألبا دورو!!؟العشرة لا تهون، ثم إن المحل الخاص بأدوات التخييم قريب منها، ونشترى بما تبقى لدينا من نقود حاجيات تخييم لازمة لكل الاحتمالات. حتى المرحاض المتنقل وكيميائياته، نشتريها وكأننا سنذهب إلى وطننا من هنا، وهات يا رحلات من هنا (لم نستعمل هذه الأشياء مرة واحدة فى بلدنا حتى الآن يونيو 2000)، ونتغذى فى المطعم الذى قدم لنا الأرز الخاص بالكمون والنكهة المميزة، لكنه لا يقدمه لنا هذه المرّة، ولا نعرف كيف نطلبه فنحن لا نعرف اسمه، ثم نتوجه إلى الميناء فى فينسيا.

 تهل علينا روائح مصرية، ليست كذلك تماما، ليست مصر، ولكنها روائح بعض ما حلّ بمصر، فقد كانت الأنظمة حينذاك ما زالت تسمح بهذه التجارة المضحكة التى ُتستورد فيها العربات القديمة بالجملة بتحايل قانونى منظم، وأكتشف ـ عكس رحلة الذهاب ـ أن معظم زملاء رحلة العودة هم من هؤلاء المصريين العاطلين والمغامرين الذين يشحنون العربات والبشر بالجملة، كل عربة قديمة تحملها”ناقلة بشرية” لها جواز سفر، واسم ،ورقم، وهى ناقلة لا تدرى عما يجرى حولها، ومن خلالها، شيئا، كل ما عليها هو أن تسلم جواز السفر، وصاحبه، عدة أيام، مقابل أن تقبض كذا قرشا أو كذا جنيها، وقد لا تغادر الباخرة ولا مرّة واحدة، فقط توقع الناقلة البشرية (المحلل) على عدّة أوراق، وتتناول وجبات الباخرة، وتقبض المعلوم، ويقوم التاجرالمتحايل بكل  الباقى.

رأيتُه كما عرفته فى بلدنا، نفس “اللبدة»” ونفس الجلباب، ونفس المسبحة، ونفس التمتمات، كان منزويا فى أحد الأركان يتابع فى حذر وخوف واستسلام ما يجرى حوله، وحين اقتربت منه وفاتحته بطريق غير مباشر قال لى: أنه “و الله يا ابنى ما أعرف، تعالى تعالى، روح روح، وربنا يرزقه ويهدّى سره” ـ يعنى إبنه ـ فقد كان هؤلاء المغامرون يستعملون آباء هم وأمهاتهم كعبـّارات قديمة لعربات قديمة، ولعلهم كانوا يسترخصون الأجر باستعمال الأقربين السذج.

ويقترب منى قبل أن تقلع السفينة رجل كهل أعرج، ذو وجه أكاد أعرف من هو، أو بتعبير أدق، أكاد أعرف ماذا سيقول هذا الوجه قبل أن يقوله، وجه متهدم قد لصقت فى تجويفيه العلويين عينان ترقصان حذرا وقد امتلأتا بما يشبه النصاحة، فيحيينى بالعربية المصرية، وأنه فى الخدمة، ويدلنى على بعض إجراء ات شحن الماكينا (العربة بالطليانى، هكذا ينطقونها)، ولا يصدق أنى اصطحبت عربتى معى من مصر، وأنى لم أشتر عربة أخرى، وأنى لست تاجرا، وأسأله إن كان مسافرا معنا، فينظر حوله، ويرطن بالطليانى لبعض من لا أعرف، ثم يواصل شارحا بإيجاز كيف أنه يقيم هنا منذ أكثر من عشرين سنة، وأنه لا عمل له إلا مواصلة التقاضى مع الشركة التى أصيبت فيها ساقه وهو يعمل بها بحاراـ وينظر إلى ساقه التى يعرج بها، وأنه بالرغم من نيله بعض حقوقه، فإنه لا يزال يستأنف الحكم لينال بقية حقوقه، وأنه لو عمل رسميا لضاع عليه تأمينه، وكذا، وكذا، وحين يطول بنا الحديث بالرغم منى، يميل علىّ قائلا: معك دولارات؟، فأتردد، ثم أجيب أن نعم، فيقول: هل تريد الاحتفاظ بها؟ فأقول طبعا، فيشرح لى كيف يشتريها منى بجنيهات مصرية، فأفهمه أن هذا غير وارد لأسباب كثيرة لا أريد أن أعددها، ويداخلنى إشفاق مؤلم عليه، وعلى بلدى، وعلى نفسىـ ويقبل علينا ونحن نتحدث شاب طويل راقص فى سماجة، فيعرفنى العجوز عليه باعتباره أنه إبنه ويذكر له إسمى خطأ (د.السخاوى) فأغتاظ، ربما لأننى أفترض ـ ولو لاشعوريا ـ أننى نار على علم، لا يصح الخطأ فى اسمى حتى من مغترب عاطل فى فينيسيا، وتنتهى المقابلة باعتذاره عن المقايضة بالجنيه المصرى، ويعتبرنى أبلها أو عبيطا، دون أن يعلنها، فأكتفى بالانسحاب وأنا أكاد أغوص فى غثيان من ثقل ريح حضور ابنه هذا ـ إن كان حقا إبنا له.

أصعد بعربتنا الى المركب بأرقامها المصرية، وألمح نظرات العجب والاستخفاف، ويصارحنى بعضهم أنه: كيف أخرج بها ثم أدخل بها، وكأن المفروض أنه إما أن أخرج بها، وإما أن أعود بها، أمّا أن أخرج وأعود بها هى نفسها فهذا غير مطروح وغير مفهوم بالمنطق التجارى الشطارى السائد، تساءلت : وهل أنا هو أنا الذى سافر ثم  عاد؟ أم أننى لا بد أن أغيّر اللوحات نتيجة ما حدث؟ ثم هل يا ترى  هذه العربة التى كانت طول الوقت أحد أفراد الرحلة ، هل استفادت هى الأخرى من الرحلة بحيث تغيرت بما تيسر، مثلما أفترض فينا ؟

أحاول أن أتحمل الصياح من حولى: واحدٌ ينادى الآخر أن “السبع عربيات بتوعى” كذا وكيت، ويمضى يقود واحدة تلو الأخرى يرتبها فى السفينة فيذكرنى بترتيب أكياس القطن فى بلدنا على العربة الكارو لتسليمها لـلشونة، ثم ينتقل لحمل الاجساد/الأسماء السبعة التى سيُـدخل العربات باسمهم، ويـكاد يرتبهم فى مقاعد الركاب ترتيب أجولة القوالح الهشة، أبتلع كل ذلك مشفقاَ غير رافض رفضا مطلقا.  “كل شئ مباح فى التجارة والنصب”!! (لم تعد الإباحة قاصرة على الحب والحرب).  جوّ  الباخرة خانق، رائحة التجارة والشطارة تفوح من كل ركن، من كل شبر، تتردد مع كل نفس مختلطة  بعرق النذالة وريح استعمال البشر.  سحابة من الغثيان تتكثف حول وعيى، وعلى الرغم من أنها نفس المركب، إلا أننا (شخصى وزوجتى) نشعر أنها ليست كذلك، ليست هى مركب الذهاب رغم أنها تحمل نفس الأسم، لا يمكن. والأدهى من ذلك أننا نشعر بالـغُـربة أكثر حين وجدنا أنفسنا بين أغلبية مصرية، فنخجل أن نعلنها حتى لأنفسنا، الأصوات عالية ومختلطة وكأنهم لا يتكلمون العربية أو المصرية، والألفاظ قبيحة وجارحة، متنافرة وخاوية.

وصل الأمر أن أحد هؤلاء الشبان لبس لباس الاستحمام (المايوه) وهم ّ أن ينزل حمام السباحة أعلى السفينة، ماذا فى هذا ؟  مثله مثل غيره. وإذا بأصدقائه يتصايحون عليه يحاولون منعه، حتى قال أحدهم “حتكسفنا يا ابن القحبة” ولعل الشتّام قرر أنه لا أحد يفهم العربية إلا هو  وصديقه مع أن أكثر من ثلاثة أرباع الركاب كانوا من المصريين.. كان يجلس حول الحمام أستاذ جامعى فاضل وزوجته أكاد أعرف وجهيهما، فقامت السيدة حين سمعت اللفظ بسرعة وقد امتقع وجهها. بدا لى هذا التناقض مرعبا. أيهما يخجلنا؟ الشاب الذى تصرف تلقائيا ليستحم فى حمام السباحة مثله مثل كل الناس، أم الذى فضحنا أمام أنفسنا وأمام الأغراب وهو ينصح زميله ألا “يكسفنا” وأنه إبن…..!!! تلقيت الصفعة فى صمت عاجز.

 يدور الكاسيت الضخم بصوت أم كلثوم عاليا مزعجا فينفّرنى حتى من صوت أم كلثوم، إلى هذه الدرجة يمكن أن يصبح الجمال نشازا إذا غلب القبح من حوله. وأشاهد الشاب الطويل النحيف ـ الإبن المزعوم لـلبحّار الأعرج ـ وهو يتجول فى صالة الاستراحة، أو يطلب القهوة من الكابتشينو بأسلوب ليس كابوتشينيا، وأعجب حين أراه يسحب كلبا صغيرا مربوطا بسلسلة رقيقة طول الوقت، فلا هو يبدو من هؤلاء، ولا الكلب يبدو موافقا على ذلك، وأفتقد العلاقة العميقة الأخرى التى فسّرت بها هذه البدعة الأوربية الحديثة، فهذا الشاب يجر الكلب فى قسوة دون أن يدرى، ولا يناديه باسمه، ولا أرى الكلب يقفز على ساقيه أو يتمسح به، وأقول لعـلها تجارة جديدة مثل تجارة العربات والبشر، وأشك فى طبيعة المهمة، والبنوة، والكلب، والسلسلة، ويصدق حدسى فقد قبض البوليس المصرى على هذا الشاب، هو وكلبه فور نزولنا من السفينة، لست أدرى لماذا. وأنظر فى عينى زوجتى فأجد عندها مثل ما عندى، فأصيح بها وكأنها المسئولة عما خطر ببالنا معاً، أكاد أصيح “لا: ليست هذه مصر” فترد أنها لم تقل شيئا، وتروح تلتمس الأعذار لكل ما أزعجنا، ولكنى أشعر أنها تبتلع الأعذار ابتلاعا وتحاول أن تقنع نفسها بها قبل أن تقنعنى.

تطول الرحلة فى البحر أكثر من رحلة الذهاب حيث ركبنا من فينيسيا وليس من بيريه. أتنفس الصعداء حين نصل الى بيريه، فأبادر بالنزول أستنشق هواء مغايرا فى سماح مغاير، وأقول لهذه البلدة المرحـّبه أن وداعا. لم أكن قد تجولت فى بداية الرحلة فى بيريه، فتصحبنى زوجتى لأعرف بعض معالمها، وأحمد الله أن اليوم (16 سبتمبر 1984) هو الأحد، فالمحلات مغلقة، فلا شراء، ولكن أبدا، فمحلات الحلوى مفتوحة فلا بأس من فستق لأن فلانه تحبه، وهذه البومبونيرة من محل حلويات من باب الذكرى، وتتعرف زوجتى على بائعة الحلوى فقد سبق أن حادثتها بالعربية أثناء الذهاب، وهات يا كلام وذكريات، وتتحسر البائعة على أيام الأسكندرية، وأنها تربت هناك حتى سن العشرين، فأقول لها أن ذلك زمن مضى، وأننى أجد الإسكندرية هنا أكثر مما أجدها عندنا فى مصر، وترد محتجة “أن أبدا” هناك فى مصر يقولون “تفضل”، هناك من يحلف عليك أن تشاركه كل شىء، حتى الألم. هناك من يحيطك بالرعاية دون أن تطلب، أما هنا، وتمط شفتيها، وتشير بإصبعيها السبابة والإبهام: إنه “القرش”. ولا أعقب، وأتراجع عن أحكامى الظاهرية، ولكنى لا أرجع عنها تماما ونمضى فى الشارع على مهل حتى نجد أريكة فى الشارع نجلس عليها.

يتصادف أننا جلسنا مقابل كنيسة جميلة، وجمهرة من الناس من ذوى الوجوه الحمراء المشرقة متجمعة أمام الباب، لعلها صلاة، ولكننا قرب المغرب فلعله حفل عرس خواجاتى، ونتأكد أنه كذلك، فتتمسك زوجتى بمقعدها فرحة فرحة خاصة، فللأفراح عندها جذب خاص، سواء رأت سيارة مزينة، أم سمعت دقة الفرح فى فندق ما، أو سمعت زغرودة فى بلدنا، وهى فى ذلك عكسى تماما حيث أتصور دائما أن حفل العرس هو للعلانية لا للإعلان وأظن أن الفرح هو فى المشاركة لا فى التباهى.

 بدأنا حياتنا (زوجتى وأنا) بهذا الاختلاف، وأبلغتُها رأيى أن زواجنا لن يكون بزفّة أو  فرح أصلا، فوافقَـتْ (أو حسبتُ أنها وافقت) وتصورتُ أن زواجنا سوف يتم بهدوء وببساطة كما قررنا (كما قررتُ) وأنه ليس لأحد غيرى وغيرها أن يتدخل. ذهبت إليهم عصر اليوم المحدد مع والدتى فقط، واصطحبتُ زوجتى الى بيتنا بعد استقبال طيب هادئ من أهلها الكرام، لكن عيونهم كانت تخفى أشياء لم أتبينها فى حينها، لكن الأيام تمر، وأكتشف بعد أكثر من عشر سنوات أن الليلة السابقة لاصطحابى عروسى هذه كانت فرحا كما الأفراح، ولكن بدون عريس (الذى هو أنا) وابتلعت الغصة، وأخذتُ ـ بعد فوات الآوان ـ أتصور تساؤلات الناس، وإحراج الأهل، وألم العروس، زوجتى، وأتعجّب – بأثررجعى –  كيف وافقتْنى هى؟ وكيف تمزّقتْ بينى وبينهم؟ وكيف شرحتْ لهم ؟ وكيف بررتْ؟ وكيف مضت الليلة؟ ولكن  المؤكد أنها مضتْ  والسلام، وأن الناس فى اليوم التالى قد صدقوا أن ثمة عريسا، بدليل أنها زوجتى منذ ذلك الحين وحتى تاريخه، فــرُحتُ أفسر انجذابها إلى كل فرح كائنا ما كان،، أينما كان، كلما دخلنا بهو فندق وكانت ثمة زفّة وقفت صامتة بعض الوقت ، ثم حديثها عن أحلامها برؤية ابنتنا فى ثوب الفرح،أوابننا فى الكوشة، وأنا ولا هنا. أفسر هذا الآن بما فعلتُه بها حين حرمتـُها من فرح عرسها شخصيا.

يخرج العروسان من الكنيسة. كانا زهرتين فى غاية الجمال، وحولهما الوجوه ممتلئة بالفرح، والمقارنة، والمشاركة، والحقد، والحسرة، والدعوات، والتسليم، والقبلات، وبالرفاء والبنين، وربنا يستر، وربنا يتمم بخير، نفس التعبيرات فى كل فرح، بكل لغة تقرأها على الوجوه كأنها كتاب مفتوح.

نعود إلى المركب حامدين الله أنه لم يبق على وصولنا إلا غطستين (ليلتين) ونهارا، فالليل فى مثل ذلك الجو الخانق فائدته الأولى هو أن تنقضى ساعاته، أما النهار فهو لا بد سينقضى مثلما انقضت نهارات سابقة، وقبل أن نصعد إلى المركب مباشرة أجد معى بعض دراخمات، فأميل إلى محل صغير يبيع مطواه بشوكة وسكين، فأشتريها لزوم الرحلات أيضا، فتسألنى البائعة من أى بلد، فأقول مصرى، فتسألنى عن معنى كلمات بذيئة بالعامية المصرية، كلمات كلها أعضاء جنسية وعملية جنسية، تنطقها بلكنة يونانية وهى تبتسم وهى لا تدرى ماذا تقول، يبدو أن أحد المصريين قد أوهمها أن هذه الألفاظ تعنى شيئا آخر، فلا أترجمها لها، وأنصحها ألا تكررها لأن معناها لا يليق، وأبتلعها على مضض ولا أعرف كيف أعتذر عنهم.

الثلاثاء 18 سبتمبر 1984

نصل إلى الاسكندرية صباحا فنتم بذلك شهرا ويوما، ويستقبلنا الأولاد. هم هم أولادنا. يستقبلونا فى ميناء الإسكندرية مثلما استقبلونا منذ شهر فى بيريه، فنفرح فرحة تغسلنا من ذلك الجو الجاثم،  لكن هناك فرق.

يذكّرونى بوعدى لهم بإكمال الرحلة فى الإسكندرية ليوم واحد، وبعد إجراءات لا لزوم لأغلبها،  وبعد التشهيل الكريم والثقة الطيبة فى شخصى من رجال الجمارك المرهقين، أخرج بعربتى إلى الشارع المصرى فأجدنى وكأنى قد نسيت القيادة.

 كنت فى الخارج حين أُعطى إشارة اليمين أو اليسار، أتصرف باعتبار أن السيارات التى خلفى قد تلقت الرسالة، لكنى تذكرت أنه ينبغى علىّ هنا أن أعطى الإشارة، ثم أُخرج ذراعى، ولا بأس من إخراج رأسى، ثم بعد ذلك لابد أن أتقى خطأ الغير بنفسى، وبسرعة استعدتُ حذقى المصرى القديموشطارتى الواجبة لمواصلة السير دون حوادث.

بعد استراحة قصيرة فى المنزل نزلنا نزور قلعة قايتباى ـ كما السواح ـ ولم أكن قد زرتها من قبل، وإذا بها شديدة الروعة بالغة التنفير بما حولها من رائحة فى آن واحد، آمل أن تكون الرائحة إياها قد تضاء لت أو اختفت بعد خناقة الصرف الصحى،

يقولون فى بلدنا ” لا زرعك ولا ولدك تغضب عليه”.

 فأضيف، ” ولا بلدك”: أولا ودائما.

 من سيمسح عنها دموعها، وينقى أجواءها غيرنا ؟؟

]مسحها ونقّاها مؤخرا محمد عبد السلام المحجوب ، ربنا يستر. أغسطس 2000[

الجمعة 14/8/1986

اليوم هو عيد الأضحى المبارك، والمكان هو فندق “ريجينا مارى” فى جليفادا (اليونان) والمنطقة مليئة بالعرب الوسط، إن كان ثم وسط، فالأكثر ثراء تركتُهم منذ عامين فى “كان” ولابد أنهم ما زالوا هناك، أو عادوا إلى هناك، فهم يخلّقون هذا المستوى حيث ينزلون حتى فى بيوتهم على ما أعتقد،

فندقنا هذا مثل غيره ملئ بهؤلاء دون أولئك،

نزل والأولاد  فى فندق قريب، فتواعدنا منذ أمس أن نصلى العيد فى الخلاء، وأن ننتقى مكانا نظيفا متسعا فى حديقة قريبة، وأن يكون تكبيرنا عاليا ليلحقنا من يلحقنا من المسلمين،

حين كنت فى طريقى إلى فندق الأولاد فى الخامسة صباحا أهنئهم بالعيد، وأكبـّر وأهلل وأنا أوقظهم كما اعتدت فى مصر، صادفنى  فى بهو فندقنا رجل عربى ذو لحية سفـلية يبدو فى منتصف العمر، والساعة الخامسة صباحا،، فقلت خيرا لابد أنه استيقظ مـثــلنامبكرا يصلى العيد، فألقيت عليه السلام فلم يرد بوضوح، لكنه تمتم حتما بالعربية، وهو نصف نائم أو نصف لا أدرى، استبعدت أن يكون قد استيقظ للعيد، الأرجح أنه لم ينم بعد. فخجلتُ ومضيت فى طريقى،

أيقظت الأولاد بنفس الطريقة، بالتهليل والتكبير كمااعتدت، وذهبنا إلى أرض الله الواسعة، المكان الذى عاينّاه أمس. افترشنا الأرض فى الحديقة المقابلة، وأخذنا نهلل ونكبر حتى طلعت الشمس وبعدها بقليل، أقمنا الصلاة وصلينا، وخطبت إكمالا للسنة وكبرنا، ولم يلحقنا أحد من كل هؤلاء المسلمين المحيطين، قلت لا أظلم أحدا، وحساب كل منهم على الله، من أدراهم أننا نصلى العيد فى الخلاء؟ من نحن؟

رجعت إلى فندقى ونزلت لتناول الإفطار فاذا بأغلب من حولى يتكلم العربية، ولا يشعر أى منهم بعيدٍ أو بغيره، لتكن الصلاة سنّة، وليكن التدين موقفا شخصيا بين العبد وربّه، لكن العيد مناسبة اجتماعية أيضا وجدا،  لماذا لا يبدو على أى من الجالسين  نصف نيام أن لهم عيد أصلا،  ألا ينتمون إلى نفس الثقافة ؟ إلى نفس القومية ، ناهيك عن نفس الدين ؟ ما الحكاية  ؟

لم  أجرؤ أن أقول لأحدهم ” كل عام وأنت بخير”، فضلا عن أن أتقدم لأسلم عليه باليد مهنئا خشية أن يردنى خجِلا. جعلت أتعجب من كل هذا، وقررت الإسراع بالسفر من هنا على الرغم من روعة المكان، أنا ما حضرت هنا لأغترب وسط أهلى وناسى وأنا الذى كنت مؤتنسا وسط غرباء عجم.

 للدين وجه إجتماعى غير علاقة الانسان بربه وأدائه فروضه، غير الحلال والحرام، وغير الحدود والأحكام، الدين انتماء، والعيد يعلن مناسبة تسمح لنا – خاصة فى الغربة – أن نعلن انتماءنا ، ولو لبعضنا البعض.

أنا لا أعرف فئة كثرت أم قلت فى أى مكان فى العالم لا تحتفل بعيدها مثلما أعيش هذا الدش البارد الذى تلقيتُـه على يد بعض أخوة العرب المسلمين الأمجاد هنا، هكذا.

 نحن لا نتمسك بلغتنا العربية، ولا بطقوسنا الدينية، ولا بأعيادنا، فماذا يبقى؟ الخطب والحديث عن أمجاد عبد الناصر؟

مازال الأرمن مثلا، وهم أقلية فى كل مكان يحتفلون جميعا بأعيادهم حتى لو كان بعض أفراد الطائفة ملحدين،

الصينيون فى أمريكا يفرضون على الأمريكان الحديث بالصينية فى مطاعمهم، وكذا أهل المكسيك،.العيد عيد يا ناس، عيدنا، إلى ماذا ننتمى بعد ذلك إذا لم نعيّد معا؟

 كنت قد عزمت الأولاد على رحلة بحرية نزور فيها الجزر الثلاث الأشهر فى خليج سالونيك: “هيدرا “، و” بوروس ” و” أجينا “. صعدنا الحافلة فوجدناها مليئة ـ أيضا ـ بالعرب، ولا كل عام وأنتم بخير ولا يحزنون، حتى الشيوخ والشيخات، أصابهم سهم الله فأصبحوا واجمين. حين قلت للأولاد ونحن وقوف فى الحافلة هيا نفرض عليهم العيد بالتكبير والتهليل وسط الأتوبيس، لم يكن الأمر بهجة طارئة كما غمرتنا منذ عامين فى الشانزليزيه فى باريس، بل كان غيظا وانفجارا وتحديا. فعلناها بضع مرات، فشاركنا شاب أو اثنين لبضع مقاطع، أما الباقون ـ من العرب والمصحف!لشريف من العرب ـ فقد نظروا إلينا فى استغراب، بل لعلّهم خجلوا مما نفعل، وصلتنا الرسالة فسكتنا، حتى الشيوخ نظروا إلينا شذرا!!!

قف عندك، هذا هو: قد وصلتُ حالا الى قرارى  الذى قمت بهذه الرحلة الجديدة، للبحث عنه . ألم أقل أنى ما سافرت هذه المرة إلا بحثاً عن قرار؟

هأنذا أقرر أن: ” هذا يكفى”. ما هذا ؟ ويكفى ماذا؟

ليس مهما .سوف أكف عن التعرى هكذا نصف نصف ، فلا أنا أتعرّى كما ينبغى، ولا أنا أتستر وراء لقب أو لا فتة أو  تخصص أو ادعاء علم.

إن صحّ قرارى هذا فلن أكتب عن تلك البلاد الساحرة، ولا عن “جليفادا ” التى جمعت بين جنيف وبوسطن وباريس، ولا عن جزيرة هيدرا الأشبه بفينسيا، ولا عن شوارعها الضيقة ودرجها المتصاعد، وخلوها من السيارات، ولـن أشير إلى إدراكى كيف يستطيع المسافر أن يسافر وهو فى بقعة محدودة، لو أحسن تحديد الهدف واختيار ما يناسبه، وكيف أنه يمكن أن يلف العالم دون أن يسافر، بل أكثر من هذا، فإنى أعتذر عن عدم ختم هذا العمل (الناس والطريق) بما رأيت يوما أنه مسئولية حتمية ورسالة واجبة التبليغ وهو وعدى غير الجازم بأن أكتب عن رحلاتى الى جنوب سيناء وخاصة الرحلة الأولى (26/6 ـ 3/7/85)، و أنا أشد النادمين على هذا التراجع.

كم تمنيت أن أكتب عن شعورى بما هو “نفق أحمد حمدى” وما هو تحرير سيناء رغم أنف الذين لم يقبـّـلوا الأرض، ولم يلحسوا التراب، والذين لم يشربوا من ماء “دهب ” والذين لم يتحسسوا صخور سانت كاترين تبركا وحمدا، ورغم أنف القوة المتعددة الجنسيات كأن أفرادها شرذمة من معسكرات ضعاف العقول، أو كأنهم منفيون من بلادهم يقضون مدة عقوبة على جريمة لم يرتكبوها.

 كم تمنيت أن أكتب عن الأشياء الصغيرة التى أعادت لى ثقتى ـ وما راحت أبدا ـ ببلدى الحقيقى: عن عامل البنزين الذى أيقظناه فى السادسة صباحا فى رأس سدر، فلم يسخط، وعن ناس وادى فيران الذين ساعدونا حين غرزت السيارة حتى كادوا يرفعونها على أكتافهم، وعن وادى فيران نفسه بخضرة نخيله، وتنوع جماله وتحدى طبيعته، وصدق ناسه، (للأسف لم يعد كذلك الآن :أغسطس 2000) وعن روعة احتضان الجبل له واحتضانه الجبل، بحيث تصورت أنه من بين أحد المواقع القليلة التى يمكن أن أكمل فيها ومنها رسالتى المزعومة التى أنوى أن أكتبها للناس والتاريخ! هذا المكان الجميل (مرّة أخرى ركن بعيد: رَحَمِ جديد لكن فى بلدنا!! ألن أهمد أبدا؟).

 كم كنت أود أن أكتب عن الطلمبة المجاورة للدير، فى سانت كاترين التى شرب من الماء الذى تجلبه ـ فى الأغلب ـ سيدنا موسى شخصيا!!، وعن جماجم الرهبان ودلالتها ورسالتها وعن صلاتنا الظهر فى أحد ردهات الدير، وعن لغة الجبال الرصينة من كل جانب حول الفندق الرائع الطيب.

أيضا كنت أريد أن أكتب عن ذلك المرشد البدوى الذى اتفقنا معه أن نصعد الجبل قبل طلوع الشمس فى سانت كاترين لنرى طلوعها بين الجبلين، فحضر ـ حسب الموعد ـ فى الثالثة صباحا، وكان قد جد جديد جعلنا نعتذر، ويأبى هذا المصرى الشهم أن يأخذ مليما ولو على سبيل الهدية، وراح يؤكد أنه “حصل خير” وأنكم لابد عائدون مرة أخرى، وأنه سيكون فى الخدمة، ويمضى راضيا مبتسما بكل عزة وكرم وطيبة وافتخار .

أطمئن أننى حين سخطت على مصرىّى الباخرة منذ سنتين لم أكن أسخط على مصر، ولا على هذا المرشد المصرى. لا . ليسوا سواء.

 كان بودى أن أقول لكم ماذا همس لى كل جبل من جبالنا على حدة، فحمّلنى رسالة خاصة أملا فى أن أنقلها إلى أولاد العم: جبال الجيرا وجبال الألب، وربما إلى جبال الهملايا يوما ما من يدرى؟

 كنت أود أن أحكى عن شمال سيناء، وعن إغارة غابات الخرسانة على جمال النخيل، وإغارة ناس الوادى على ناس الطبيعة.

 كنت أريد أن أحكى عن رفح، وكندا وياميت المرحومة وأوبروى العريش وسوق العريش، ورجل البوليس الطيب يهدينا بود فائق كأننا أبناؤه.

 كنت أود أن أحكى كل ذلك وأترك قلمى يتداعى فيحركنى أكثر لأتعرّى أكثر.

 أشعر أن داخلى ليس ملكى وحدى،

أشترط على من يحبنى أن يراه ثم نرى.

أخاف.

 ثم جاء القرار (المزعوم فى الأغلب)، جاء بكل هدوء وتسحُّب ليجعلنى أتوقف الآن،

وكأنى توقفت.

الساعة التاسعة مساء، فندق لندن ـ جليفادا ـ

 الحادى عشر من ذى الحجة ثانى أيام عيد الأضحى. الموافق 15/8/1986.

 

الفصل الرابع

الفصل المفقود: (1)

الفصل العاشر: من الترحالات الثلاثة

ممََـرُّ حانَةٍ فى عطفةٍ مجهولةٍ بلا هُويةْ

 

…. واللحنُ ظِلُّ الناس فى حُضْن القمرْ

تنوُّعاَت البرق ِ والرعودِْ

لــحفر بئرٍ غائر بلا مياه،

وزهرةٍ بلا شجرْ،

وبيضةٍ بلا يمامْ.

وغَارُهَا:

ممََرُْ حانَةٍ فى عطفةٍ مجهولةٍ بلا هُويةْ.

وعنكبوتُها:

يدبّج النقوشَ فوق طينٍ أَحَْرَقَـتْهُ ناَرُ أحلامِ الّذهَبْ

غجريّةٌ فى ثوبِ سهرةٍ عريقْ،

تسحَبُ عَنْزَها الثَّمِلْ.

المقطم 22/3/2000

الذى حدث هو أننى أنهيت مراجعة وتنظيم الكتاب الثانى من هذه الترحالات فى إجازة العيد التى طالت هذه المرة إلى عشرة أيام (أول مرة آخذ إجازة عشرة أيام متصلة داخل مصر منذ 43 سنة!!) وكان قرار نشر “الأعمال المتكاملة” قد بدأ فى التفعيل على أرض الواقع، سلّمتُ خمس كتب إلى المطبعة (من بينها الصورة الأولى للترحال الأول باسم تداعيات السيرة الذاتية) ثم جاء دور هذا الترحال الثانى. كنت قد أنهيت مراجعة قراءتى الخاصة والمشتركة مع د.إيهاب الخراط لمواقف النفّرى، وتعجبت من نوع وعمق علاقتى بمن هو “الله” سبحانه وتعالى.

ما إن وصلت إلى مراجعة الجزء الثانى من هذه الرحلات/السيرة، أو السيرة/ الرحلة، أو ما تبيّن أنه “أدب المكاشفة”، حتى افتقدتُ فصلا بأكمله كنت أذكر جيدا أننى كتبته تفصيلا على الرغم من أننى أنهيت الفصل السابق بإعلان حاسم “أن هذا يكفى”، نعم كتبته و حكيت فيه عن زيارتى أنا و زوجتى -دون الأولاد –  لتركيا (اسطنبول) بعد أن ودّعنا الأولاد فى مطار أثينا بعد قضاء العيد معنا فى جليفادا والجزر الثلاث. أذكر أننى كتبته فعلا. أنا متأكد. سألت زوجتى إن كانت قرأتْه فأكدت لى أنها قرأته منشورا، بحثتُ عنه فيما نشر فى مجلة الإنسان والتطور. لايوجد أثر له. اكتشفت أيضا أن الفصلين الأخيرين من رحلاتى/سيرتى هذه لم ينشرا أصلا لكنى وجدتهما على الحاسوب مصححان كاملان. متى كتبتهما؟ لمن؟ ما الحكاية؟ ماذا حدث لذاكرتى؟ فصلٌ قديم أنا متأكد أنه قد نُشر، أو على الأقل قد أعدّ للنشر كاملا وبالتفصيل، لا أجد له أثرا، وفصلان كاملان أكتشف أنهما كانا مجرد مسودات لم تنـشر؟!!

هل هو السن؟ هل كتبت الفصل فعلا؟ هل هى مجرد ذكريات؟ كيف قرأتـْه زوجتى؟ متى؟ أين؟ هذا الفصل بالذات له دلالة خاصة لأن فيه مفاجأة قرية لبتوكاريا فى شمال اليونان، حيث كتبت مسودة أهم أعمالى فى الإبداع” جدلية الجنون والابداع”، ولأن فيه تجسيدا لحنينى إلى الركن البعيد الصغير، إلى الرحم، ولأن فيه تعميق لـ “برنامج الذهاب والعودة”. كل ذلك يفسر حركتى وسكونى، إقامتى وترحالى.

ابنتى الكبرى “منى” معى فى دهب (أصبحتْ أما لها طفل وطفلة أصادقهما بالتدريج بديلا عن أهلهم أو أكثر من أهلهم)، ترانى مُنَى مهموما وأنا أعيش هذه التساؤلات بعد تلك المفاجئة، التقطتْ مدى جزعى. حدثتها بما بى. قالت لى ببساطة ووضوح وثقة لست أعرف من أىن أتتها: أكُتبه يا أبى من جديد. سوف تكتبه من جديد. كيف يا ابنتى؟ بعد أربعة عشر عاما بالتمام أكتب من الذاكرة ما حدث  خلال بضعة أيام مر عليها كل هذا الزمن؟ قالت ابنتى: أنا متأكدة.

من ماذا هى متأكدة؟  كيف؟

بعد عودتى من دهب صممت أن أجد هذا الفصل ما دمتُ متأكدا هكذا. قلت أبحث فى كل أوراقى القديمة لعلى كتبت مسودته ولم أنشرها بسبب انقطاع ظهور المجلة عدة سنوات، لكن كيف ظهرت الفصول التالية تحكى أحداثا تالية، ومع ذلك رحت أقلب فى أكوام الأوراق المخبأة من سنين بعضها كوّمتُه تحت اسم “أصول” وبعضها باسم “أوراق لـلفرز” وبعضها “أوراق بلا عنوان”.

لم أجد الفصل. لا كله ولا بعضه ولا أى إشارة له. حل بى غمّ أكبر من قيمة ما ضاع، كأنى فقدت شيئا لا يعوّض، مع أنه ـ فى الأغلب ـ فصل ككل الفصول، و مع أنى كثيرا ما أتساءل: ما معنى كل هذه الفصول؟ ماذا فيها مما هو عام بحيث يخص القارئ العام؟  فلماذا هذاالجزع هكذا؟ وماذا لو لم ينشر هذاالفصل أصلا؟ بناقص فصل. بل وماذا لو لم ينشر هذا العمل كله من حيث المبدأ؟ هل سينقص أحد شيئا، هل سينقصنى أنا شخصيا شىء؟ ماذا أضيف بهذا الكلام، وهذا الحكى؟ ما جدوى هذا العمل أصلا؟

فجأة، حضرتْ أمامى صورة ماثلة مستعرضة لأحداث هذا الفصل المختفى. ما هذا؟ ما هذا كله؟ لم أكن أتصور أنى سأتذكر لحظة واحدة مما كان، ولا كلمة واحدة مما كتبت، (إن كنت كتبتها أصلا. بدأتُ أشك). وإذا بكل هذه السنين التى مرّت (14سنة) تختفى، وإذا بى أعيش كل لحظات ما كنتُه، وتذكرت ثقة “مُنى”ابنتى، وفرحتُ أنها تعرف عنى، أوتظن فىّ.  ما سمح لها بما قالت. ابنتى !!  ترانى، تعرفنى!! الحمد لله، ما أجوعنى لذلك.

قررت أن أنفذ اقتراحها. أن أعيد كتابة الفصل بعد أن تأكدت من فقده وقلبت أوراقى المبعثرة عدّة مرّات، سوف أتذكر أغلب المهم، الذاكرة لا تنفى إلا ما لا لزوم له، أو ما لا تطيقه، ليكن، أن أستدعى ما تيسّر مما غاب ، هذا وارد حسب ثقة ابنتى بى، لكن كيف أستبعد ما حضر مما وجدته فى أوراقى المبعثرة؟  مأزق جديد. الأصعب أنتظر ما حضر. أصعب من أن تستدعى ما غاب. ذلك أن ما عثرت عليه مبعثرا فى أوراقى أثناء البحث، بعضه كان مكتوبا من خمسين عاما، والبعض الآخر من ربع قرن، وبالذات خلال عقد من حياتى كان حافلا جدا (العقد الخامس). متى كتبت كل هذا؟ لمن؟ لماذا؟ أنا لست ممن يكتب مذكرات منتظمة؟ لا أفهم فائدتها إلا بقدر ما يكون لصاحبها شأن خاص. أنا لست كذلك. ما كل هذا الذى سجّلته هكذا؟ متى؟ ماذا أفعل به؟ أفكار، وثورات، وخطابات متبادلة مع أستاذ وطبيب نفسى كان صديقا، وما زلت أعتبره كذلك. احتفظت لصديقى هذا بمكان خاص فى نفسى وحافظتُ عليه “كما كان”. تركت له ما فعله بنفسه لاحقا. يبدو أننى كنت أشم رائحة ما كان سوف يحدث. ذلك أننى طلبت منه أن يسلّمنى خطاباتى إليه كما احتفظت بخطاباته لى. كيف نهمل ذلك مع أن الخطابات التى كانت بين فرويد ويونج، أو الخطابات بين ديتويفسكى وأخيه، أو بين فان جوخ وأخيه، أوطه حسين وسهير القلماوى، كانت من أهم ما سجّل مسار فكرهم، .الله الله الله ! ما لى أنا بهؤلاء؟ أين أنا منهم؟

 المهم، وجدت أشياء كثيرة، مكوّمة أكواما كثيرة،حلّت محل  ما تصورته مفقودا، وبدت لى أهم  وأكثر دلالة إن كنت أحاول حقيقة أن أقدم نفسى للناس.

ما العمل؟

مادام هذا العمل قد انتهى أن يكون محاولة مكاشفة، فليكن كذلك، وليكن هذا الفصل بمثابة اختبار للذاكرة من ناحية، وامتداد فى الزمن من ناحية أخرى.  رجّحت إمكانية اقتطاف معالم الحاكى قبل نصف قرن بما تيسّرمما وجدت.

هل يمكن أن أتنقل بين أوراقى، وذاكرتى المسافرة، وحالى الآن بما يجعل ضياع هذا الفصل إضافة دالة؟

 والله فكرة. تنجح فقط لو استطعت مقاومة أن تستدرجنى هذه الأوراق إلى ما لا لزوم له من تداعيات  هامشية قد تخرجنى عن الخط الأصلى لهذا العمل الذى أقدّم به نفسى، لمن؟ ربما لنفسى!!.

قال لى نجيب محفوظ منذ أيام أنه فى ورطة أدبية (وكنت قد اختليتُ به وحدى على النيل فى فلفلة بالقرب من “كوبرى الجامعة” نظرا لغياب بقية الحرافيش تلك الليلة). دهشت وفرحت فرحة خاصة بتواضعه وصدقه ، وانتظرت أن يُكمل فقال: إنه أرسل الحلمين الأخيرين إلى سناء البيسى (نصف الدنيا) وهو غير راض عنهما (هو يكتب هذه الأيام ما أسماه “أحلام فترة النقاهة). ثم أضاف أنه طلب منها أن تحكم هى إن كانا صالحين للنشر أم لا، وطمأنها فى نفس الوقت أن عنده غيرهما مما هو راضٍ عنه تماما، فدهشت أن يجعل سناء حكما على ما يكتب، وقلت له إنها سوف تتحرج أن تقول رأيها حتما، فأنت مَن أنت، فكيف تجرؤ سناء أن ترفض أو تلوح بالرفض؟ فأكد لى أنها تجرؤ، ولم أؤكد شكى ثانية احتراما لرأىه رغم أنه لم يقنعنى. سألته ماذا لا يرضيه فيما أرسل للنشر؟، قال: إن الحاج صبرى (المكلف بقراءة الصحف له يوميا) حين قرأهما لى، وجدت أنه، ليس فيهما شئ عام. لا بد أن يكون فى الكتابة شئ عام. استفسرتُ منه عمّا يعنيه بالفرق بين الخاص والعام، فلم يزد عما قاله.

تذكرت هذا الحديث وأنا أتساءل: هل فى هذا الذى أكتبه شئ عام، وكيف أفرز العام من الخاص؟ وكيف حكم نجيب محفوظ على هذين الحلمين بالذات بأنه ليس فيهما شئ عام؟ حين قرأتُهما لاحقا منشورين فى نصف الدنيا وجدتُ فيهما ما افتقده هو. وأكثر. فإن صح هذا فىما تصوّر شيخنا فى كتابة القصة أوالرواية أو الحلم، فهل يصح فيما هو سيرة ذاتية؟، وهل السيرة الذاتية إلا شأن خاص له صدى عام؟ وحتى القصة القصيرة، والرواية، كيف تكون صادقة وباقية إلا إن كانت معبرا سلسا من الخاص إلى العام وبالعكس؟ ثم إنى لست أنا الذى أضعتُ هذا الفصل الرابع، هو الذى ضاع. لتكن تداعيات، ولتصطف الهوامش بجوار بعضها لتصنع متنا هى مسئولة عنه، وما قُدِّر يكون.

بقدر ما فرحت حين عثرت على مذكرة (أجندة) قديمة ترجع إلى سنة 1950 (نصف قرن بالتمام) انقبضتُ. ذلك لأنها ذكّرتنى أننى قبل كتابة هذه المذكرة بعدة سنوات (ربما ثلاثة أو أربعة أى فى سن 12/13سنة) كنت قد بدأت كتابة مثلها،أو ما هو أكثر فجاجة وصدقا منها.

الذى حدث أننى سنة 1949 كنت دخلت “مرحلة ” الاخوان المسلمين، وهى مرحلة كان يمر بها أغلب من هم فى سنى آنذاك، وكانت مرحلة بالغة الدلالة واعدة الفائدة، (طالما ظلت مرحلة وليست مستقبلاً!!). وحين حـُـّلت جماعة الاخوان: كنت أقوم ـ دون تكليف ـ بنسخ نشرة سرية أذكر أن اسمها كان: “الوثبـة”. كان على كل واحد منا أن ينسخ نسختين بيده ويوزعها على من يعرف ممن يهمه أمر هذا البلد، أو بتحديد أصدق : أمر هذا الدين الذى سوف يصلح هذا البلد. كان التفتيش والقبض على بعض الاخوان قد بدأبعد اغتيال النقراشى، أو ربما قبل ذلك بعد حادث سيارة الجيب أو مقتل الخازندار. كان لى ابن خالٍ (من بعيد) متهم (وهو المرشد العام للإخوان حاليا ـ سنة 2000)، لكنه لم يكن معتادا زيارتنا بدرجة تجعل بيتنا موضع ظن. إلا أننا، أخواى وشخصى، وأنا أصغرنا، خفنا من والدى أن يعثر على أوراق من نشرات (رسائل) الاخوان، وبالذات على “نشرة الوثبة” المنسوخة بخط يدنا، فوضعنا كل الأوراق الخاصة بنا عند جارة لنا ليس لها أولاد (اسمها “أبلة نازك”)، وكان من بين ما وضعتُ مذكراتى هذه من سن 12 إلى 15، ثم نسيت (أو نسينا، أو تناسينا) الأمر حتى قامت الثورة.

كان الجو فى بداية الثورة يوحى أن الضباط والإخوان سمن على عسل. فكّرت فى استرداد أوراقى و”أجنداتى” من عند أبلة نازك،  وكنت قد أصبحت طالبا فى كلية الطب، وبدا لى أن مذكراتى هذه تستأهل النظر، لكن “أبلة نازك” أخذت تعِدُ وتؤجل، ثم تعِدُ وتؤجل، حتى انتقلت إلى حيث لا تستطع أن تعد أو تؤجل. رحمها الله. ولعل ذلك التأجيل كان بإيعاز من زوجها الأكبر منها كثيرا، والأحرص منها كثيرا، (أنا لا أذكر اسمه الآن، فقد كان يعرف لدينا بأنه “زوج أبلة نازك”)، والراجح عندى حالا أنها،ربما بإيعاز من زوجها، قد فهمت مغزى أن نودع هذه الأوراق والكراريس عندها، فتخلصت منها بشهامة الأم المنقذة أولادها من تهورهم، وأيضا حرصا على سلامتها. معها حق.

 مع عثورى على أجندة سنة 1950 هذه تصورت أن ما كتبته قبلها فى سن أصغر كان أهم وأكثر دلالة. لا يا شيخ!؟!،حتى لو كان كذلك فهو قد لا يضيف إلا كوما آخر من أكوام الأوراق التى عثرت عليها وأنا أبحث عن الفصل الضائع.

قف.

لنبدأ أولا بما استحضرته الذاكرة بعد أن أوصلنا الأولاد المطار، ولنختبر ثقة ابنتى بذاكرتى. وأننى قادرعلى كتابة (أوإ عادة كتابة) الفصل الضائِع.

16/8/1986

كان الأولاد  قد شبعوا وبدوا فرحين وهم عائدون  بهذه القطمة الصغيرة التى ملأت وعيهم، وكأنها أعادت لهم كل نبضِ، ورائحةِ، وجزلِ، وفرحةِ، ودهشةِ رحلتنا الطويلة السابقة، لم يكن ينقصنا فى هذه الرحلة الجديدة الموجزة إلا الصغيرين أحمد رفعت، و على عماد.

هذا النوع من “الإحياء”، كما أسميه، هو أهم ما أهملناه فى التربية وتنمية الخبرات، اسميه فى ممارستى الطبية: الجرعة المنشّطة Boster dose  بمعنى أن كثيرا من المعلومات (الرسائل/الإشارات) تقوم بعملها ليس بقدر فاعليتها هى، وإنما بقدر ما تنشط من خبـرات أقدم متعلقة بها، تماما مثلما تأخذ مصلا ضد التيفود، ثم كل عام أو عامين، تأخذ ربع الكمّية من نفس المصل لتنشط المناعة إذ تعود الأجسام المضادة  إلى مستواها وأعلى، أحيانا يأتينى مريض قديم كان فى المستشفى عندى لبضعة أسابيع أو شهور، لكننى أدخله مجددا لمدة يومين أو أسبوعا واحدا، فأجد أن هذه المدة القصيرة كافية لإحداث المفعول العلاجى الذى احتاجَ  قبل ذلك عدة أشهر للوصول إلى نفس مستوى التحسّن الذى وصل إليه المريض لاحقا فى بضعة أىام. علّمتنى هذه الممارسة العلاجية أن كثيرا مما يصل إلى المريض (وإلى الوعى البشرى عامة) ليس مجرد مثيرات تحتاج إلى استجابة، وإنما هى رسائل تحتاج إلى استيعاب، ثم إنه يمكن تنشيط هذه الرسائل بين الحين والحين كما نشَّطت هذه الرحلة القصيرة لدى الأولاد خبرة رحلتنا الطويلة. فعادوا راضيين.

رجّحت أن السفر عامة، مهما قصُـرت مدته، قد يقوم بنفس المهمّة التنشيطية التذكيرية، السفر فى ذاته ـ مهما قصر ـ قد يحرّك أسفارا سابقة لتتكامل معه، فتتكامل الخبرات ويمتلئ الوعى، ليس فقط بما استجد من مشاهدات، وخبرات وتعـرية، وإنما بما نشَّطَ من وعى كامن، وذكريات، ورؤى. كنت شخصيا أتساءل عن معنى كثرة أسفارى الخاصة، أسافر فأرى وأجد، لست أدرى ماذا، حتى ولو أرجع فى نفس اليوم. الآن أتبين كيف أن مثل هذه الرحلات ـ بغض النظر عن وجهتها أو مدتها ـ تقوم بالواجب إذ تنشِّط رسالة كامنة، وأحيانا يصل بى الأمر الآن (مارس 2000) أن أسافر إلى جنوب سيناء “دهب” (ست ساعات وأنا أقود السيارة وحدى) لأمكث هناك يوما واحدا وليلة واحدة، أكتب فيها وأقرأ وأعوم (فى عز الشتاء) وأبادل أصدقائى من العاملين فى محلات الأكل والشرب والأشياء الصغيرة التحية والأشواق.ثم أعود خلال نهار وليلة (6 ساعات أخرى) وكأنى مكثت شهرا، أو عمرا. كثيرا ما يسألنى المحيطون ماذا أجنى من كل هذا “التعب”، وإضاعة الوقت، فأكتفى بالرد بأنى أكتب أكثر وأقرأ أكثر، ولا أقول لهم إن الوقت يتضاعف رغم ما يتصورونه من ضياع 13 ساعة فى الطريق. وحين تصلنى دهشتهم رغم تبريرى أعود أنظر فى نفسى فأكتشف أننى أمارس هذه الرحلات وكأنها برنامج”الذهاب والعودة” In-and-out program الذى لا بد أننى أشرت إليه كثيرا. هذا البرنانج (الذى وصفتْه مدرسة العلاقة بالآخر/الموضوع،وأكّده جانترب بالذات) يشير إلى أن الحركة الحيوية، حركة النمو، لا تسير فى خط مستقيم مضطرد، وإنما هى دائمة التقدم للتراجع، ليس فى المحل، وإنما لتحقيق النقلة النوعية كل مرّة. أنا لا أذهب لأعود، لكننى أعاود لأتجدد وأضيف، ثم خذ عندك هذه الرسائل التى أتلقاها أثناء القيادة مهما تكررت المناظر، وفى محطات الوقود، وعند مقابلة من لا يعاملنى بما شاع عنى، هذا هو بعض ما عنيته من أن السفر هو “جرعة منشطة” لما قبلها، فاتحة لما بعدها، أكثر منه خبرة مستقلة، وهذا ما تصوّرت أنه بلغ الأولاد من أسبوع واحد فى أثينا وضواحيها، كان كافيا لعودتهم ممتلئىن فرحين راضيين، وكأنهم استعادوا رحلة الـ 82 يوما التى حكيت عنها فى الترحال الأول وبداية هذا الترحال.

ماذا يهم القارئ مما يبدو خاصا جدا هكذا؟ هل هذا خاص فعلا؟ ما هى حكاية الخاص والعام هذه؟ الله يسامحك يا شيخنا الجليل محفوظ. السيرة الذاتية تتداعى فى رؤى تتخلق. هى ليست أحداثا، ولا حتى ذكريات، ولا هى حتى أمور خاصة. ألهذا عنوتَ بعض سيرتك فيما أسميتَه “أصداء”؟

من المطار توجهنا، زوجتى وأنا، بالعربة الخاصة (ليست حافلة هذه المرة) إلى الشمال مباشرة. كنا قد وضعنا أشياءنا فى العربة عامدين أن نواصل رحلتنا من المطار بعد توصيل الأولاد مباشرة. كان بنا نفورُ واضح من العودة إلى فندقنا ولو ليلة واحدة حيث العرب المسلمين الذين ليس لهم عيد، لم نعتبر فتورهم تقصيرا، وصلنا أنه إنكار تام لهويةً لم يعد لها معالم!!

عرفنا الطريق هذه المرة دون سؤال أو حيرة، كنّا قد تعلمنا ـ من الرحلة السابقة ـ لغة الإشارات، ورسم الحروف باليوناينة، وفروق النطق عن الانجليزية، وبدأت  تصلنا من الطريق تلك الجرعة المنشِّطة التى راحت  تعمل عملها،

مررنا على “لاميياا”. وتذكرنا كيف كنا ننطقها خطأ،

مضينا مؤتنسين فى صمت مختلف.

 لا. لا. هذا سفر آخر.

الطريق هو الطريق، والشمال هو الشمال، و لامييااا هى لامييااا، لكن أين الاولاد؟ أين الأغانى؟ أين نومهم الذى يغيظنى ويسمح لى بالتأمل معا؟ للسفر مع الأولاد طعم آخر، مواجهاتى مع زوجتى التى اضطُـرت إلى مسايرة إيقاعى (بزواجها منى) يجعل هذا السفر نوعا ثالثا (النوع الثانى: سفرى وحدى)، ما لها هى وكل هذه الحركة التى لا تهمد، ذهابا وإيابا، فى الداخل والخارج طول الوقت، إلى متى؟

كنت قد كتبت أطروحه عن “تحرير المرأة وتطور الانسان” تبدأ بالتأمل فى الفرق بين حركة الحيوان المنوى القلق فى مقابل استقرار البويضة المستقر، على أن هذا الفرق ليس نهاية مطاف الفرق بين الرجل والمرأة، بل هو بداية الطريق، الرجل لا يكتمل إلا إذا حققت حركتُه (فعلُه Verb to do ) كينونتَه، والمرأة لا تكتمل بدورها إلا إذاحققت كينونتُها (Verb to be) حفزَها للفعل. وبناء على هذه الأطروحة، أتبين أننى لم أكتمل، ولا زوجتى، وكأنى مازلت أعانى قلق الحيوان المنوى، وكأن زوجتى ما زالت تصر على التبويض المُستقبِل المستقر، إلا أن مشاركتها لى هذه الرحلات لم تكن قهرا والشهادة لله، بل إنها كثيرا ما كانت أنشط منى فيها، وأحرص على تكرارها، مهما اشترطتُ عليها من شروط المشقـة و تَوَاصُل الكشف، وقلة التسويق.

بعد لامييا بكثير، نبّهنا مؤشر الوقود إلى محطة للتزود به لاحت من بعيد. كنا قد جعنا. تعلّمنا أن كثيرا من محطات الوقود ـ فى اليونان وغيرها ـ تشمل وقودا للبشر مثل وقود السيارات، بما فى ذلك الوجبات الساخنة. توقفنا، وملأنا الخزان، وعرجنا إلى المقهى/المطعم، تبينا أن من بين الوجبات التى شبّهنا عليها وجبة رجّحنا من شكلها و إشارات النادل أنها “مسقعة”، ويبدو أن المسقعة فى بلاد الخواجات تحمل مزيجا من ريح (تقلية) الشرق، وبرد (سقعة) الشمال، أثناء تناوُلنا هذه الوجبة التى هى من الوجبات القليلة التى أُحبها أنا وزوجتى معا، اكتشفت أننا فى أعلى جبلٍ ما. متى صعدنا إلى كل هذ الارتفاع؟ حين تكون بعيدا عن السفح، وعن الجبل قد يسحبك الطريق إلى أعلى دون أن تدرى إلا من أنين عربتك أو احتجاجها بالإبطاء بدون سبب ظاهر. لسنا فقط فى أعلى الجبل، بل إن هذا الجبل، مثل كثير من جبال اليونان تنتهى حافته إلى البحر(المتوسط طبعا). على مرمى البصر لمحتُ كوخا (أو اثنين أو ثلاثة) قرب الشاطئ وبضعَ أشجار جميلة وسط الخضرة الممتدة، وعاودنى حسدى لهم. قفزت إلى مخيلتى أحلام اقتناء كوخٍ منعزل وسط جبل أخضر، هاج علىّ الحنين إلى “الركن الصغير وسط غرباء طيبين”، ناديتُ على النادل أسأله عن هذا الكوخ (أو الأكواخ) بالإشارة طبعا: هل هو موتيل أم بيت أسرة صياد. لم تنجح لغة الاشارات. لم يفهم شيئا. لكننى صممت أنه فهم. رجحتُ ـ بالعافية ـ أنه حتى لو كان كوخ أسرة صغيرة، فإنهم قد يسمحون بتأجير حجرة لليلة واحدة. تعلمتُ ذلك من مبيتى فى منزل الأسرة المتناهى الصغير فى جنوب فرنسا فى القرية قرب بيارتز (مما سبق الإشارة إليه. غالبا). كل الناس فى بلاد الفرنجة تستغل مالديها من أماكن وأشياء طول الوقت أقصى الطاقة حتى لو كانت حجرة نافرة فى الحديقة، أو عشّة على السطح. كانت زوجتى تتابع حوار الصم هذا متوجسة شطحة ًجديدة لا تعرف إلى أين سوف تنتهى بنا، أنا أشير من جديد، وأغمض عينى وأميل برأسى لأفَهـّـمه أنى أريد أن أمضى ليلة فى هذا الكوخ، وهو يشير إلى أسفل حيث الكوخ،  بما لا أفهم، والخطر يزداد اقترابا من زوجتى، فتتحقق من مخاوفها حين سألتها عن رأيها لو أننا قضينا ليلة أو بقية أيام الرحلة، فى هذه الحجرة المزعومة عند هذه الأسرة الصغيرة المُفترضة، على هذا الشاطئ الجميل الواعد، فى حضن الجبل الحانى، قلت كل ذلك ، أو تصوّرت أننى قلته، وأنا فى أشد حالات الحماس. الكوخ يجذبنى إليه بشكل أقرب إلى قوانين جاذبية مغناطيس الحديد منه إلى رغبة بشرية، طأطأتْ زوجتى رأسها، وتباطأتْ، وامتقع وجهها، فـقرأتُ حجم مقاومتها0 كان أكبر مما توقعت، ومع ذلك تماديت أقلل من جدوى ذهابنا إلى تركيا أصلا، ماذا سنجد فيها؟ نحن نريد معاشرة خواجات “بحق وحقيق”، والأتراك ليسو خواجات، ثم إنى أريد أن أنهى كتابة دراسة كـُلفت بها من مجلة فصول عن “جدلية الجنون والإبداع”، وقد أحضرتُ معى كل شىء”: الأوراق والأفكار وسجل العناصر والأقلام والحماس، ولم يبق إلا “كل شىء: الكتابة والترتيب والتبويب والإعادة والمراجعة والتوثيق!! ثم إنى أحلم وأنا أكتب هذا الموضوع بالذات أن ينزل علىّ فتحّ من البحر والغربة، أن أتجدد منطلِـقا فى حضن الخلاء والسماء والجبل، أتصورأنه فى هذا الكوخ البعيد المتفرد، قد يحدث كل ذلك، سوف تتاح لى الفرصة التى أنتظرها من زمن، كل ذلك قلته أو لم أقله وصل إلى زوجتى وهى صامتة ووجهها يزداد امتقاعا. خليط ٌمن التوجس والخوف والتردد والغضب والرفض، ولا أستبعد درجة من الاشفاق علىّ، وربما محاولة فهم. يصلنى جُمّاع كل هذا وهو أنها لا توافق بمنتهى البساطة والوضوح. على الرغم من أنها لم تعلن رأيها بعد، إلا أنى أعلنت عدولى عن كل ما قلت، عدلتُ راكضا نحو الناحية الأخرى: الاحتجاج الصامت، والانفصال المتجمد الحزين، حتى وددت لو بقيتُ جالسا فى مطعم محطة الوقود هذه حتى يحين موعد عودتنا إلى مصر، كنت مثل طفل يحرن بعد أن رفضت أمه الاستجابة لمطلبه الذى يعتبره الحياة ذاتها.

لا لا لا. المسألة تكررت بشكل بدأت أنشغل عليه، لم تعد بصيرتى فى هذا الجذب الملحّ تكفى أن تمنعه أو تحد من قفزاته العشوائية، كم مرّة شُددت هكذا إليه، فى فالورسين فى جبال الألب، فى ضاحية باريس ونحن نزور فرانسواز صاحبة ابنتى منى، فى أبيثيا وبونيار (شمال أسبانيا)، فى المنوات مقابل أبو صير، فى الفيوم، فى دهب، فى العين السخنة، فى أعلى المقطم حيث أكتب الآن؟ فى رأس الحكمة ، الانفعال الذى حلّ بى نتيجة موقف زوجتى الطبيعى من رغبتى هذه التى أرجّح أنها تعلم شطحها الناشز هو الذى نبّهنى من جديد إلى جدّية مسألتى هذه، ومع ذلك فكل هذه البصيرة، وهذا النظر وهذا التنبيه لا تمنعنى من الاستجابة للحنين إلى حضنه.

أنا لا أعرف ماذا كنت أفعل لو أن زوجتى وافقتنى.

الأرجح أننى سرعان ما كنت سأتبين أنه “ليس هو”، ثم نتشاجر لسبب أو لآخر، فلا نحن سافرنا، ولا أنا كتبت، ولا تحقق شئ من مزاعمى فى الإبداع وإعادة الولادة، والتجدد وهذا الكلام الكثير.

أنهينا أكل المسقعة والزيتون الأسود فى صمت تعرف زوجتى معناه ومضاعفاته، وانطلقنا إلى الشمال،

 رحت أتابع لافتات تقول سالونيكى وأخرى كاتيرينا والثالثة “باراليا” من أعلى إلى أسفل على التوالى. (الأسفل هو الأقرب). الصمت يزداد ثقلا وثرثرة معا. صورة الكوخ تراودنى وكأنها “الحل”. لم يعد هناك أى شك فى أنى أمارس ـ طول الوقت ـ “برنامج الذهاب والعودة ” مع جذب متزايد نحو “الركن البعيد الصغير” “الواعد بنقلةٍ ما”؟ ليس مهما إلى أين، لكننى لا أستطيع أن أوقف هذا الإلحاح الواعد أن هذا الكوخ، هذا الركن الصغير القصى سوف أخرج منه مختلفا حتى لو لم أكتب حرفا. بالذات لو لم أكتب حرفا. لو رصدتُ كم عددا من المرات حرّك هذا الجذب المعاوِد خيالى نحو شئ ما، أمرٍ ما، كشفٍ ما، شئ لم أعرفه أبدا، لوجدتُها بلا حصر.

أعتقد أن أول ذلك كان صيف سنة 1951، لم يكن هناك امتحان بين سنة أولى وسنة ثانية طب، كنت فى الحديقة التى اتخذها أبى بمثابة ركنه الصغير هو أيضا (هذا ما أتبينه الآن بوضوح). حجرتان لا تسعنا نحن السبعة بحال، ومع ذلك اضطررنا للانتقال من منزلنا الكبير وسط القرية (ثلاثة أدوار كل دور ثلاثة حجرات). لم يضطرنا أبى، بل أظن أن أمى، وربما أخى الأكبر هما اللذان وجدا أن هذا هو الطبيعى. هاجر أبى من بيتنا الكبيرذى الثلاثة أدوار غير البدروم  إلى هاتين الحجرتين العتيقتين فى تلك الحديقة التى تقع مقابل المقابر مباشرة، – ذكرت ذلك قبلاً – وكان ثمة مقابر متفرقة بينها مفتوحة بسبب الإهمال أو فعل الذئاب، وكنت فى حاجة إلى عظام آدمية من التى ندرس عليها التشريح، وكنت أحصل عليها ببساطة، وبوفرة تكفينى وتزيد حتى أهدى زملائى القاهريين بعض ما يفيض عنى. لم يكن يعترينى أى تردد أو خوف من تلك المقابر، أتذكر الآن كيف كنت أنسى وأنا أبحث عن عظمة ذراع أو فخذ، أنها مقابر أصلا، وأنها بقايا أعضاء بشرية فعلاً.

فى يوم ما، فى ذلك الصيف البعيد (1951)، سافر والدى إلى إخوتى فى القاهرة، وكانوا لم ينهوا امتحاناتهم بعد. أخطرنى أنه سيغيب يومين. وجدتنى وحيدا، وبدون أى سبب، تحت شجرة مانجو عتيقة جدا، وجدتنى أبكى بحرقة صادقة، ثم أفقت منتشيا وأنا أشعر أن وحدتى تتعمق بشكل رائع، فرُحت أتغزل فىها وكأنى عثرت على كنز ثمين، سجّلت ذلك كتابة (على ما أذكر. على الرغم من أننى لم أجد له أثرا فى أوراقى المبعثرة). حين ذهبت بعد ذلك إلى إحدى المقابر وحدى أستكمل بعض حاجتى من العظام، شعرت لأول مرة بهذا الجذب المريح الواعد، كانت لحظات عابرة لكنّها شديدة الوضوح، ثم نسيت الأمر تماما، ولم أتذكره إلا الآن وأنا أعِد هذا العمل للنشر(7/6/2000) بعد اكتشافى فقد مسودة هذا الفصل.

حتى حجرتى عند مدام كومباليزييه فى الحى الثامن عشر قرب المونمارتر فى باريس، اكتشفُ الآن أنها كانت ركنا قصيا على طرف المونمارتر، بعيدا عن زملائى فى الحى اللاتينى، وبعيدا عن كل ما هو قريب، كانت ركنا على طرف الدنيا، وليست حجرة فى شقة. حين أبتعد،أقترب.

لا تكتمل صورة الركن عندى إلا إذا كان صغيرا (حجرة واحدة عادة) ملحق به،(الأفضل:  فى داخله)  دورة مياه خاصة بها، مهما صغرت، ونافذتين على الأقل إحداهما بحرية،

بمجرد أن أجد نفسى فيه (ولو تخيلا) أهدأ وأترك نفسى لها، لكننى لا أستكين كما يتبادر إلى الذهن، بل سرعان ما يبدأ نزوعى إلى حركة جديدة يقظة متحفزة، لكنها ليست حركة ضجِرة ولا لحوح.

 أحيانا أتصوّر نهاية المطاف بعد التقاعد الاختيارى أو الاضطرارى فأركن إلى ركن خيالى وهات يا كتابة، أيضا ذهابا وعودة، وتقفز احتمالات ما لا أعرف بعد مشوارى الطويل الذى خدعتُ نفسى فيه بمواصلة معرفة المُتاح.

أعتبر هذا المتاح مجرد تمهيد للوعدالملوّح.

بعد صمت ثقيل، قطعنا فيه مالا يقل عن ثلاثين كيلو مترا اكتشفت أن اسم البلد الأقرب لهذا الكوخ الملوّح هو “باراليا،” قلت لزوجتى فجأة، وكأنى نسيت كل ما اهتدت إليه بصيرتى مما سبق، قلت لها جادًا مكفهرا فى غضب لايتناسب مع كل ما اعترفتُ به لنفسى عن نفسى: “إذا مـِتُّ، فأخبرى أحد الأولاد أننى كنت أريد أن أبيت هنا فى هذا النزل على الشاطئ تحت أقدام هذا الجبل، ولو ليلة واحدة.” لم ترد، ولم أشك أنها أخذت كلامى مأخذ الجد، ومع ذلك أكملتُ: أنا أعنى ما أقول، اعتبريها وصية، البلد اسمها باراليا، والمكان هو بجوار أقرب محطة لها فى اتجاه لامييا، ثم أضفتُ أيضا: أو ربما تمكنتُ يوما من العودة إليه وحدى. زاد صمتها غورا واحتجاجا، ورجحتُ ـ كما فرحتُ ـ أنها لم تشعر بالذنب، وأحسب أن هذا من أهم ما حفظ علينا حياتنا، حيث أتصور أن ما أمارسه معها من “تأثيم” كان جديرا أن يخرب بيوتا كثيرة، ونفوسا كثيرة، لكنها كانت دائما أطيب، وأظن أقوى من حركاتى تلك.

وصلنا إلى سالونيكى قرب المغرب، وهى العاصمة الثانية لليونان كما سمعت، وقد تذكرت أيضا، لا أعرف كيف، أن اسمها هذا مرتبط قديما وحديثا بأحداث خاصة وتاريخ متميز (مثل كل بقعة فى الدنيا على ما يبدو).

الجو بينى وبين زوجتى مازال مكفهرا قبيحا، كأنى أُخرجت فعلا من رحم مزعوم قبل موعد الولادة الطبيعية، ولادة مبتسرة دون حضّانة حانية ولو صناعية، أنا لم أدخل هذا الرحم المزعوم أصلا فكيف تكون الولادة دون حمل، حتى لو كانت مبتـسرة؟

 نسأل عن الطريق إلى حدود تركيا، ولايطول السؤال ولاندخل إلى وسط البلد، سالونيكى،، وتبدأ عربات الشحن العملاقة تكاد تسد الطريق إلى الشرق، إلى تركيا.

 تتجنب زوجتى أن تسأل، وربما أن تتساءل، عما إذا كنا سنواصل السير طول الليل أم سنلتزم بتحفظى الذى أعلنتُه بتجنب السير ليلا، تقليلا لاحتمالات الخطر، فهى تعلم أنه ما أسهل علىّ أن أُخل بتحفظى، وأن أجد المبررات جاهزة لأى دوران فى عكس الاتجاه. ثم إنه لا يبدو أى احتمال للتوقف أصلا، فلماذا السؤال أوالتساؤل؟

الشاحنات المتعاقبة والمتثاقـلة جعلت الحركة بطيئة، فزادت كثافة الهواء العازل بينى وبين زوجتى جدا. عبرنا سالونيكى من الخارج، وبالتالى أسقطتُها من حساباتى. ذكرت من البداية أنه لا يمكن أن تتعرف على مدينة أو قرية إلا من خلال السير على الأقدام فى حواريها قبل ميادينها، انفرجَ الطريق نسبيا، لكن سجى الليل!!!

مع انفراج الطريق انفرجت أزمة الولادة المتعسرة بالاستسلام إلى الأمر الواقع.

يبدو أنى ولدت خطأ، ولدت فى غير أوانى، إما قبله وإما بعده.

هذا الجذب اللحوح، أحلام الرحم، نص (برنامج) “الذها ب والعودة”، يقول ذلك.

 اختفى الطريق فى عباءة الظلام تماما، ولم يبق أمامنا إلا الأضواء والعلامات، فالعلامات والأضواء، وحين وصلنا إلى بلدة متوسطة نوعا، وكان الطريق يخترقها ولا يلف، لمحنا لافتات تشير إلى مخيم وأكثر، فقررت فجأة، ربما رحمة ًبزوجتى، وربما اعتذارا لها، قررت ضد انطلاق العربة وضد مزاجى النافر، وضد القصور الذاتى، أن نمضى بقية الليل فى أحد هذه المخيمات التى لمحنا الإشارة إليها.

البلدة اسمها “أسبراجاليا”، أثناء عبورنا وسطها لمحتُ محلا مضاءً كبيرا لا يتناسب مع حجم البلدة،”سوق أعظم” (سوبر ماركت) فهمست لنفسى أن جولة قصيرة هنا قد تبلّغ زوجتى ما عجزت ألفاظى عن قوله من أسف واعتذار، وقلت لها:نطمئن على مكان المخيم أولا ثم نرجع فى جولة قصيرة. لم ترد، ولعلها لم تصدق.

المخيم على بعد كيلو مترين، به مكان لنا طبعا، ميزة المخيمات أنها لا تمتلئ بروادها أبدا،لا تتخلى عنابر سبيل،  اطمأنت زوجتى إلى عدولى عن مواصلة السير ليلا وأنا فى هذا المزاج المشحون من الداخل والخارج معا. سجلنا أسماءنا، وكنت أعرف يقينا أنه لا وقت عندنا لنصب الخيمة ولمّها بعد بضع ساعات، وزوجتى تعرف ذلك، وتنتظر المفاجأة، أو المفاجآت.

رجعنا الى البلدة المتوسطة التى رحمتْ زوجتى من مواصلة الرحلة ليلا، كنت قد حاولت حفظ اسمها بالطريقة التى كنت أحفظ بها اسماء البلاد فى دروس الجغرافيا فى الابتدائى، قطعت الاسم إلى نصفين، ورحت أردد فى سرّى “أسبرا” من الاسبرين و”جاليا” شئ أشبه بالجالية، الجالية الفرنسية، الجالية الإيطالية!!،

تذكرت اقتراحا ساخرا مؤلما كان قد اقترحه أحد الأصدقاء فى إحدى المناسبات التى تـُذكرنا بتهميشنا أو إلغائنا أصلا: التهميش يجرى عندنا طول الوقت لكنه يزداد حدّة فى مناسبات الانتخابات، أو بمناسبة إصدار قوانين جديدة، وربما إعلان حرب، أو معاهدة سلام، كل هذه المناسبات العابرة البسيطة (!) التى لا يريدون أن يشغلونا بها حتى نتفرغ لمهمة المواطنة الخاصّة المغلقة، والمهذبة، والمسالمة، وهذا ماجعل صاحبنا يقترح أن نقوم بتسجيل مجموعتنا باسم الجالية المصرية فى مصر، وراح يشرح فكرته:

“بما أننا مجموعة متجانسة، موطننا الأصلى حسب شهادة النشأة هو بلد يسمّى مصر، وبما أن لنا أصول عرقية متقاربة، ولغة موحدة، وتاريخ قديم، فإن من حقنا أن تكون لنا جاليتنا الخاصة فى هذا البلد المضيف الذى نحن لا جئون فيه، والذى تصادف أن له اسم يشبه اسم موطننا الأصلى، والذى تفضل بمنحنا حق الإقامة دون حق الانتخاب الحقيقى، ولا بأس من إبداء الرأى بلا لون ولا طعم ولا فاعلية ولا لزوم”. انتهى كلام (منطق) صديقنا المغترب،

عاودنى كل هذا وأنا أتحايل لتذكر اسم النصف الثانى من هذا البلد “جاليا”، “أسبراجاليا”، وكان أسهل علىّ أن أحفظها على وزن اسم “داليا” بنت أختى!!.

زوجتى تأخذ شهيقا هادئآ لأول مرة منذ ما يقرب من مائة كيلومتر، ويبدو أنها لم تصدّق بعد أننا لن نكمل الرحلة ليلا إلا حين رجعنا إلى هذه المدينة النصف نصف، نحييها تحية المساء ونتأكد أننا فى مدينة بها كهرباء وناس وسوبرماركت، به فاكهة وأدوات من البلاستيك، وأكياس كثيرة مليئة بأشياء كثيرة، وجه زوجتى يقول إنها مطمئنة إلى أننا فعلا فى طريقنا إلى تركيا وأنها تشتاق إلى استكشافها جدا (لا أعرف لماذا) لم انتبه ـ كالعادة ـ إلى محتويات السوق الأعظم (السوبر ماركت) الذى ظل مفتوحا حتى هذه الساعة المتأخرة من الليل فى هذه البلدة الـ “أسبراجاليا”، لكن مجرد التواجد وسط الناس، وشراء بعض الفاكهة وبعض التذكارات كان كافيا لعودتى كما كنت قبل حكاية “الركن القصى، والجذب اللحوح”.

كلما ازددت شفقة على زوجتى، واعترافا بخطئى بينى وبين نفسى، ازددت قسوة ظاهرة أو خفية عليها، وكلما ازددت صمتا ازدادت زوجتى توجسا.

رجعنا إلى المخيم أحسن على كل حال، واقترحت عليها أن ننام فى العراء بجوار أى خيمة منتصبة داخل كيس النوم (Sleeping  Bag) لكل منا، فلم نجد إلا كيسا واحدة، ففرشنا قماش نصف خيمتنا وكأنها حصيرة، وتغطينا بالنصف الآخر. كان الجو محتمل البرودة.

لا نعرف كم لبثنا هكذا، ولا إن كنا نمنا أصلا أم لا، حيث بدأ الريح يشتد فى تصعيد غير مألوف لنا حتى قامت عاصفة متوسطة أخذت تشتد حتى انتبهنا جلوسا فى أشد حالات اليقظة. لا يوجد حل آخر، قمت قفزا إلى السيارة متصورا أن النهار قد اقترب. حاولت زوجتى بطريقتها المهذبة الحريصة أن تنبهنى، لكن المحرك كان قد دار. محرك دماغى قبل محرّك السيارة. لممنا أشياءنا الصغيرة بسرعة، أيقظنا الحارس بصعوبة ليفتح لنا الباب، ويأخذ حساب الليلة. وننطلق دون أن أنظر فى الساعة أصلا.

الاتجاه شرقا، والعاصفة تشتد، والرؤية محدودة، ولا تهدينا إلا أنوار الشاحنات التى تعلّمتُ كيف أنها تزداد عددا وشطحا بعد منتصف الليل. لم أنظرفى الخريطة. لا يوجد احتمال آخر. إلى الشرق. دائما نحو الشرق،

 مدى الرؤية يقل حتى يكاد ينعدم. أستنتج ارتفاعنا عن سطح البحر من علو أنين السيارة رغم قوتها وسعة اسطواناتها.

يقترب فجرٌ آخر. فجرٌ يحاول أن يخترق طريقه إلى جبال لم تظهربعد، تحول بينه وبينها تلك العباءة المتسخة المصنوعة من عدد من الرقع من الـضباب الأسود. نكتشف أن هذا السواد ليس ضبابا صرفاً، وإنما هو مختلط بنسب متفاوتة من الدخان والهباب. تتراءى أشباح مصانعٍ ما فلا أميّز الضباب من الدخان من الهباب. نشاز ليس كمثله قبح. أكتشف أن مزاج أمس ما زال كامنا متحفزا. وسط كل هذا السواد الرمادى المبرقش تتبين زوجتى بصعوبة أننا نـدور حول جبلٍ ما. فوق جبلٍ ما. جبل منسطحة ٌ قمته، لكننا على حافتها. تنظر زوجتى إلىّ متسائلة فى صمت “لماذا، إلى متى”؟ ولا ينادينى الوادى السحيق، فلا أرد عليه.

نخترق البلد الكبيرة التى لم أعتن أن أعرف اسمها، كانت مصانعها القبيحة قد استقبلتنا منذ قليل بهذا الخليط الرمادى المتسخ، وحين تمتص مبانيها بعض عباءتها الداكنة نلمح معالم بشرية، تسير فى عجلة باكرة، ليست هى نشاط الصباح الجميل على كل حال، كما نلمح بعض الأتوبيسات ونتذكر ـ أتذكر ـ أننى لست وحدى فى هذا العالم، هذه التذكرة تقفز إلىّ بتكرار ملح، بلا فائدة على ما يبدو، لسنا وحدنا فى هذا العالم. لست أنا العالم.

ما هذا؟ لماذا؟ فسحة هى؟ رحلة؟ أم قهر ذاتى بلا مبرر؟!

كل ذلك لأننى لم أتمكن من الاستجابة لوهم جذب الركن القابع فى داخلى أُسقطـُه على أى زاوية مهجورة، وأنا على يقين من أننى لو أمضيت فيه عاما أو سبعة أعوام (مثل باتيست جرينوى- العطر. قرأته لاحقا. سبتمبر0002، باتريك زوسكن. خِفت)  سوف أغادره وأنا أبحث عنه من جديد؟

 كيف أكون بكل هذه البصيرة، ولا أكف عن الخيال الواعد خداعا هكذا؟ ماذنب زوجتى ياناس فى هذا كله؟ إما أننا معا على سفر أو: لا.

ومادمنا قد أخذنا تأشيرات تركيا واقتصر هذا الجزء من رحلتنا على تركيا، فما الداعى لـلمراجعة أو التراجع؟

أشعر أن بصيرتى هذه المرة تقوم بعملها أفضل،لا أستعملها الآن للتبرير الذى يغرى بالفهم لكنه يترك الحال على ما هو عليه. شعرت مع اقتراب النهار أنه يحمل معه رحمة ربنا بقدرٍ يكفى أن أتجاوز هذا كله، ومع اقتراب إشارات الحدود، اكتمل طلوع الشمس وهدأَ الداخل، إلا قليلا.

على الحدود كانت الإجراءات بسيطة، والأتراك أقرب لنا، وإن كانت اللغة بدت لى سخيفة الجرْس، لست أدرى كيف أسرعتُُ بالحكم عليها بالسخف مع أن المفروض أن كل لغة غريبة تكون كذلك؟ من أين آتى بهذا المفروض؟ خذ اللغة الإيطالية مثلا، أنا لا أفهم حرفا فىها، لكننى أشعر أنها لغة شديدة الجمال، ألمحتُ من قبل كيف يغنى أهل الوسط فى فرنسا. يغنون وهم يتكلمون، إنك تستطيع أن تميز موطنهم الأصلى أىنما حلوا فى فرنسا. فليست كل لغة جديدة سخيفة الجرس، فلماذا التعميم؟

أثناء إجراءات الحدود كان معنا بعض اليونانيين، شعرتُ أن رجال الجمرك الأتراك قد فصلوهم عنا ،مثلما تفعل عندنا دورية المرور حين تدع العربات الخاصة تمر دون العربات النصف نقل، أو الأجرة، خيّل إلىّ أنهم حجزوهم على جانب، مع أنهم لم يفعلوا ذلك. الوجوه مكفهرة على الناحيتين، والكراهية تكاد تقفز من الحقائب قيد الفحص، وأيدى رجال الجمارك تغوص فى المحتويات وكأنها تقلّب التاريخ بين البلدين، أما نحن (غير اليونانين) فلم يطلب منا أحد حتى فتح حقيبة السيارة، داخلنى شعور بالارتياح الخبيث لم أعرف مدى خبثه إلا فيما بعد، تذكرتُ وأنا راجع من أسبانيا إلى فرنسا حين قسمونا إلى قسمين، الأول: مواطنوا دول السوق الأوربية، والثانى: سائر الآخرين، أولعلهم كانوا  العرب خاصة، وفهمت معنى “أولاد الجارية”، وها هم اليونانيون دون غيرهم يوشَمون بوشم “ابن الجارية” على الحدود التركية، ماذنب الأفراد يحملون أوزار حكوماتهم، بل ماذنبهم يحملون حزازات تاريخهم؟ أصعب الأمور على النفس حكاية التمييز هذه بلا ذنب اقترفه المنبوذ، وتطوف فى خيالى كلمة “المنبوذون” فى الهند خاصة، مجرد الكلمة تشعرنى بآلام حارقة وغيـظ مسنن.

أنا لا أتصالح مع ذكرى عبد الناصر إلا حين أقابل أحد “أولاد الناس” الذين ما زالوا يعامِلون غيرهم من الناس على أنهم ليسوا “ناسا” أو  على أحسن الفروض كمواطنين من الدرجة التاسعة. بعد كل هذه السنين من قيام الثورة لم تنسَ هذه الطبقة أبدا، أنهم من طينة أخرى، بل إن بعضهم، وهم من تلاميذى،  وقد أصبحوا أساتذة طب وعلوم وكذا، أشعر أمامهم أنهم ما زالوا يعاملوننى شخصيا من فوق’، وأنهم يمارسون تميزهم بأصلهم، لا بـِعلمهم ولا بطبّهم، وأنهم يحكمون على واحد مثلى بالتطفل على موائدهم بسبب مجانية التعليم، فما بالك بحكمهم على الآخرين، فأترحّم على عبد الناصر مضطرا. وأقر وأعترف أنه هو الذى كسر شوكة هؤلاء الناس بما ينبغى كما ينبغى، وأقل، أو أكثر. صحيح أن طبقة أخرى أقبح وأقسى وأكثر ظلما تكونت، لكنها طبقة “كنظام” الحكم الفوقى. طبقة لا يتقن أبناؤها ألعاب وأنَفَةِ أولاد الأصول ذوى الدم الأزرق، لا يعرفون كيف يمدون أيديهم لـلسلام نصف نصف، ولا كيف يستعملون “الشفقة” للاستعلاء لا للعطف والتراحم، يعيش جمال عبد الناصر، يعيش غصبا عنى، ولو أنى لا أستطيع أن أنسى له كل ما فعله من “عك”. متى يدفع الواحد منا، قائدا أو موظف أرشيف، ثمن ما اقترف هو فقط، دون ذويه، أو طائفته أو أهل دينه؟

وهذا هو موظف تركى لا ذهب ولا جاء، يمسخر مواطنا يونانىا يعبر حدوده، لأن واحدا يونانىا آخر احتقر بائع سميط من أصل تركى فى نيقوسيا. متى نصير بشرا بحق؟

وعدتُ نفسى أن أقوم بدراسة مقارنة على الحدود عند عودتى إلى اليونان لأعرف كيف يعامل موظفوا الجمارك والجوازات اليونانيين زوارهم من الأتراك وهم يدخلون عبر الحدود البرية؟ هذا بعض فضل السفر بالسيارة.

بصمات التاريخ، فى البلقان خاصة، لا تريد أن تمّحى.

أتذكر سنة 1969 فى احدى رحلاتنا الأسبوعية فى فرنسا، لعلها كانت إلى الشمال. نورماندى، وكانت هذه الرحلات ـ كما أشرت سابقا ـ تضم كل الممنوحين من العالم الثالث (بما فى ذلك اليابان!!!) وكان معنا زميل يوغسلافى شديد الرقة والشاعرية والأدب (اكتشفت الآن أنه صربى!! وماذا فى هذا؟ ليسوا سواء) كما كان معنا زميل تركى شديد الصلافة والاحمرار والفوقية، وحين انتشى التركى حتى السكر على مائدة العشاء بدا مشاكسا عدوانيا فجّا مع اليوغسلافى بلا مبرر واضح لأحدنا، وكنت قد شككت فى ما يدور تحت المائدة بين التركى وصاحبةٍ له ملتبسة الهوية، كانت فرنسية – فى الأغلب – ضخمة الملامح والحضور معا، شككت فى أن شيئا قبيحا يدور تحت مفرش المائدة، فهل كان هذا هو سبب الاحتكاك، وحين اختليت بالصديق اليوغسلانى أخذ يحكى لى تاريخا يبرر تصرفات التركى، وكأنه يحكى عن الأغا فى رواية كازانتزاكس المسيح يصلب من جديد، (ملحوظة: لم يكن التاريخ قد عاد يمارس التصفية العرقية والتوحش البشرى فى البوسنة أو كوسوفو بعد).

نحن الآن فى داخل تركيا. اختلفت المناظر ـ فجأة ـ إلى مالا يسر، الخضرة أقل، الجبال تتوارى والأرض تنـبسط والطريق يتسع، والناس لاهم خواجات ولا هم عرب، ولا هم مصريون، وأتذكر ركاب عربة الأتراك الذين قابلناهم فى طريقنا من يوغسلافيا إلى إيطاليا فى الرحلة الأولى، وأرجح الآن أنهم كانوا أكرادا فعلا. أما أتراك ما بين الحدود واسطنبول فلابد أنهم أوربيون أسلموا مؤخرا. حتى قرب النصف الثانى من الألفية الثانية، كانت القسطنطينية أوربية، وكانوا مسيحيين كيف أسلموا جميعا 001% كيف تنصّر كل أهل الأندلس بلا استثناء، أى قهر تواصل عبر التاريخ كله؟ قف كما وقفت العربة عند أول محطة وقود، محطة ليس بها كل الخدمات التى اعتدناها فى اليونان (وفى أوربا عامة). طبعا نحن لا نعرف كلمة واحدة من اللغة التركية، فأخذنا نشير لعامل البنزين وهو يحاول أن يفهم، وأخيرا أخرجنا إليه بعض أوراق النقد التركية (بالملايين، مثل ايطاليا) فأخذ بعضها وارتسم على وجهه سؤال ما، وكأنه يقول هل تريدون بنزينا بهذا المبلغ؟ ووافقنا طبعا إنهاء للموقف، قام الرجل بمهمته وأنهاها بسرعة وهو يشير إلى عداد النقود (لا عداد اللترات) ولأوّل مرّة اكتشف فائدة أن يترجم لك العداد الثمن أولا بأول، ليست المسألة أن يسهل عليك الحساب وكسور الضرب والقسمة، ولكن ليسمح لك أن تختار بين أن تشترى عددا من اللترات أو بما تشاء من نقود، لايوجد مجال للتقريب (والتطنيش، واللكاعة)، ولغة العيون الراجية، فالفارضة، فالحاقدة، التى يتدرب عليها عمال محطات البنزين عندنا بسرعة هائلة. ولم يتصنع عامل آخر مسح الزجاج الأمامى واقفا أمام مقدمة العربة وكأنه يحول دون انطلاقها إلا إذا دفعنا المعلوم.

وصلنا ضواحى اسطنبول (القسطنطينية) ما أطول الاسم بالعربية، وجدنا فندقا مما يمكن أن نحبه. ما صدقت أنى وجدت هذا الفندق حتى عرجت إليه وكأنى لا أنوى أن أدخل اسطنبول أصلاً. مازال الاحتجاج مستمرا، أحتج على منْ؟ لماذا؟ كانت توجد اتوبيسات صغيرة يمكن أن تنقلك إلى وسط البلد كما تشاء، وتذكرت مخيم الألبادورو، ودقة مواعيد الأتوبيسات إلى فينسيا.

 المواصلات أصبحت أسهل بينى وبين زوجتى، فتحققت تسوية صامتة بعد مفاوضات سرية، هل رأيتم فائدة المفاوضات السرية!! يا أيها الوطنيون البلهاء!!! هى اطمأنت إلى أننا سافرنا ولم نعد أدراجنا، وأنا اطمأننت إلى أنى وجدت مكانا بعيداعن المدينة، وأننى يمكن أن أبدأ الـمشروع المزعوم لكتابة أطروحة الجنون والإبداع، وحين نزلنا إلى الكافتيريا لنتناول لقمة بعدما تأكد وصولنا، وجدت حولى كل الجنسيات إلا الأتراك، فلماذا جئنا هنا إذن؟ أحيانا أضبط نفسى وأنا أذهب إلى دهب، ليس فقط لأنى أحب جنوب سينا حبا شديدا، ولكن لأكون بين خواجات أكثر من المصريين، أعنى أكثر من القاهريين، هكذاأكتشف مجددا أننى لا أمتطى صهوة الطريق إلا لألاقى الناس الذين يُشعرونى ـ من خلال الاختلاف لا التشابه ـ أنى واحد من الناس، ناس دهب وليس ناس شرم الشيخ، ناس مرسى مطروح (زمان 1966). وليس ناس مارينا، ناس طنطا وليس ناس مصر الجديدة، الناس الذين مازالوا يحاولون أن يظلوا ناسا، أرجح أن كل هذه التصنيفات هى تعميمات متحيزة!!. ففى كلٍّ خير.

بدأت جولات التعرف على المعالم بسرعة، ونزلنا إلى وسط البلد بعد أن استشرنا فتى الفندق الذى يجيد الإنجليزية وكأنه خواجة ابن خواجة، هل استطاع الأتراك أن يصبحوا خواجات بحق؟ كنا قد سألناه بقلة ذوق: هل هو مسلم، فرفع حاجبيه مستكرا، وكأنه لا يوجد احتمال آخر.

كل الأتراك مسلمين. وكل الأسبان مسيحيين. يعنى ماذا؟

عيب والله هذا الذى جرى.

فى الذهاب إلى المدينة، كان من السهل أن تأخذ أى حافـلة صغيرة،ميكروباس، لتوصلك إما إلى وسط المدينة أو إلى حى تاكسيم مباشرة (الحى الذى أوصانا به فـتى الفندق)، أما عند العودة فقد تعجبنا من هذا التنافس العجيب على اصطياد الزبون وكأننا فى موقف كفر الزيات، أو منوف أو حتى أحمد حلمى (قبل إلغائه) والمنادى ينادى واحد مصر أو واحد المحلة، فى كل ميكروباس فتى يقف على السلم ينادى على اسم الجهة المتوجهة لها، هذا جديد علينا يشعرنا أننا فى بلدنا أكثر فأكثر،

أما الذى أفاقنا فجأة لنتأكد أننا لسنا فى أوربا (على الرغم من أننا فى أوروبا!!) فهو عدد المآذن التى امتلأت بها سماء اسطنبول، وأفتش فى ذاكرتى وفيما حصلت عليه من كتيبات تحكى عن ما نحن فيه فأكتشف أن فتح القسطنطينية لم يتم إلا حديثا (سنة 1435).

إذن فقد ظلت أوربية مسيحية حتى هذا التاريخ. إذن…، إذن ماذا؟

لا شىء. الله!!!

أين الفاطميون فى مصرالآن؟  أين الشيعة؟

 ألم يحكم الفاطميون مصر مئات السنين؟

(مرة أخرى) أين المسلمون الأسبان؟؟

 يبدو أن التاريخ السرى يقول إن الإنسان أقسى إبادة لأخيه الإنسان أكثر مما نحسب.

أحبت زوجتى حى “تاكسيم”  بالذات مع أنه لا توجد به فرص تسويق كثيرة، بالنسبة لى كان أقرب إلى الحى الثامن عشر الذى عشت فيه فى باريس فى السنة إياها (86 ـ 96)، رحت أشبّه: الشوارع والميادين بما يقابلها فى باريس، متذكرا ما فعله صديقنا فى بوسطن بتشبيهاته معالم القاهرة بمعالم مقابلة فى مهجَرِه فى بوسطن، رحت أنا كذلك أهمس لنفسى: هذا ميدان كليشى، وذلك شارع كولانكور، نفس النوافذ، نفس الشرفات الصغيرة، شرفات لا تستعمل، هى نوافذ مستطيلة أمامها مساحة ضئيلة جدا ربما لوضع أصص الزهور لا أكثر، نحن فى أوربا فعلا، وحى تاكسيم هذا كأنه جزء من باريس، ثم نفس الحدائق ونفس اتساع الشوارع، لكن الناس غير الناس.

 عدلت مؤخرا عن وصف الناس بأن هذا أحسن وذاك أسوأ، هم ناس وخلاص. لكنهم دائما ناس “غير” بعضهم البعض. بقدرما يشترك الناس فى كونهم ناسا، فإنه لا يوجد ناس مثل بعضهم، حتى لو كان الطريق واحدا.

أثناء عودتنا من “تاكسيم” عرجنا على ما يسمى “وسط المدينة، تاركا لزوجتى مهمة حفظ أرقام الحافلات التى تذهب بنا هنا أو هناك، كنت كمن يحاول إنكار أنى وصلت حيث لم أخْـتَــرْ، فعلى الرغم من كل هذه المصادفات المهدئة كان داخلى مصرا عل نفس موقفه من التحصّن فى الفندق الصغير فى الضاحية البعيدة طول أيام إقامتنا فى اسطنبول، وفى نفس الوقت يبدو أن زوجتى لم تكن تصدق أن الرحلة مستمرة وأن أزمة “البارانويا” أعنى “الباراليا” قد مرّت بسلام، (زلّة قلم محسوبة علىّ بتأويل فرويدى، لكنّها مقصودة يا عم سيجموند، ولاهى لا شعورية ولا حاجة، ضحكتُ عليك)، فراحت زوجتى تمارس دور المرشد الذى اعتادت أن توكلنى به، واثقة فى حاستى المكانية الفائقة. وهكذا حضرتُ إلى تركيا ولم أحضر.

بدأت رحلات زوجتى الماكوكية بين الفندق ووسط البلد وتاكسيم، كما بدأت رحلتى الجدلية بين الجنون والإبداع، تلك الرحلة التى لم أغادرها طول اشتغالى بمهنتى هذه، أو حتى قبلها.

 أرى المجنون مبدعا مُجهـَضا مهزوما، كما أرى المبدع مجنونا متجاوزامخترِقا مسئولا، متحملا لمسئولية ما أقدََم َ عليه مختلفا. وكنت كلما تقدمت نحو هذين المتناقضين معا ازددت معرفة، وازددت يقينا بأن خبرتى فى هذه المنطقة تسمح لى بإضافةٍ ما.

حفظتْ زوجتى المكان والمحلات وصادقت الناس بغير لغـة، وزاد من انطلاقها أنها يئست منى تماما أن أصحبها لبعض ذلك، وفى نفس الوقت لم أستطع أن أنجز شيئا من الكتابة و”الإبداع”!! حتى نزول حمام السباحة لم أنزله أصلا.

ثم إنى وافقتُ على اصطحاب زوجتى فى اليوم الأخير لترينى معالم مارأت ْواكتشفتْ، مما يجعلها منبهرة هكذا طول الوقت.

20/8/1986

هو اليوم الأخير لنا فى تركيا، وأنا لم أخط شيئا فى موضوع الجنون والإبداع إلا عددا لا حصر له من العناوين والخطوط والمقابـَلات والاقتراحات والأسئلة والشطب، فما الداعى للبقاء أكثر. يبدو أنه بالرغم من رخص الأسعار، وتقليد البضائع بنفس الماركات العالمية دون تردد، فإن رصيد زوجتى ابتدأ يهتز حتى وافقت على الرحيل مبكرا، مع أننى كنت أعمل جاهدا أن أصلح ما أفسدتْـه المحـزنة التى أقمتها لحرمانى من تحقيق رغبة فى شىئ ليس له وجود  (ياللبصيرة !! ماالفائدة؟).

 ذهبنا إلى حى تاكسيم الذى أحبته زوجتى أكثر.

عند العودة، مارين بوسط المدينة، قررتُ أن أصلى الظهر فى أحد المساجد الكبيرة فى وسط المدينة، لمحتُ مسجدا أقرب إلى مسجد محمد على بالقـلعة منه إلى مسجد السلطان حسن، دخلت فإذا به خال تماما إلا من بعض الكهول بجوار الأعمدة، لكن هناك فى المقدمة وجدت شابا لا يتعدى العشرين وقد جلس يتمايل أماما وخلفا بانتظام، فعرفت أنه يتلو القرآن، ربما انتظارا للأذان، اقتربت منه دون أن يشعر فوجدته يرتل بنغم هادئ وبسلامة نطق متوسطة، خجلتُ (أو استحرمت) أن القى عليه السلام وهو يقرأ، لاحظنى الشاب برقه فأنهى قراءته وألقيتُ عليه السلام فـردّ بوضوح، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. لكننى عجزت بعد ذلك عن مواصلة أى حوار مفيد، على الرغم من كلامى معه بالفصحى،

كيف يقرأ بهذا الوضوح وفى نفس الوقت يكاد لا يعرف العربية؟

مازلت أتعجب للمسلمين الذين يرددون القرآن بوجْد منجذب، وسلامة نطق جميلة، وحب واضح، وهم ليسو عربا، وفى نفس الوقت أعجب من صاحب اللسان العربى الذى لايستغل هذه النعمة الخاصة (أن لغته هى العربية) التى تتيح له أن يعيش هذا النبض الحى كما أُنزل بلغـته، اكتفيتُ بهذه الجرعة وأنا أتساءل عن إسلام تركيا (كان ذلك قبل حكاية أربكان وحزب الرفاه ثم الفضلية، والذى منه).

كان الشاب الذى يتلو القرآن، على الرغم من رقته، حزينا، لا أعرف لماذا؟ ولا أعرف كيف قررت أنا ذلك، هذا طبعٌ سخيف، لعلّه حـُزنى أنا الذى أوزعه على الناس هنا وهناك.

بعد ذلك بسنوات، أتيحت لى فرصة صلاة الجمعة فى الإسكندرونة فى أقصى الجنوب الشرقى، كان المسجد كبيرا جدا، جدا، عايشت طقوساً لم أتوقعه: فثمة خطبة بالتركية، وأخرى بالعربية، والقرآن والصلاة بالعربية، ودعاء الرجل بجوارى بين الخطبتين بالتركية (فى الأغلب) .

 “الله واحد” بكل اللغات، والمسلمون هم المسلمون، والدين عند االله الإسلام.

كان ذلك ضمن رحلة قصيرة نسبيا .

انتهزتُ فرصة ترددى المنتظم على دمشق فى شأنٍٍ علمى (الشهادة العربية لاختصاص الطب النفسى) واتجهت مع زوجتى شمالا إلى أنطاكيا حيث عايشت الفرق الهائل بين اسطنبول (باريس ذات المآذن) وبين أنطاكية (سوريا تتأتْركْ)، فى أنطاكية: كان أغلب من تزيد عمره عن أربعين سنة يتكلم العربية الشامية بسهولة وطلاقة وحنين، أما الشباب (عشرين سنة فأقل)، فهم لا يعرفون إلا التركية (عادة)، وتعجبت كيف تتعايش هذه الأجيال معاً فى بيت واحد، اسطنبول (القسطنطينية) لم يفتحها المسلمون إلا سنة (1435) ولواء الاسكندرونة انتزعته تركيا انتزاعا، أنطاكية كانت عاصمة سوريا خلال القرن العاشر والحادى عشر الميلادى، واستولت عليها تركيا ـ أو أصبحت جزءا منها ـ سنة 1923). ما هذه الحدود بالله عليكم؛ بالله علينا؟ إلى متى سيظل العالم يـُقَسَّـم حسب من يملك سلاحا أسرع، وبجاحة أجهز، وسحقا أقدر. العالم يعاد تقسيمه باستمرار: مرّة بالصدفة، ومرّة بالخيانة، ومرة بالصفقة، ومرارا بالحرب؟ والآن يختلط كل شئ بكل شئ لحساب سيد مجهول.

كانت رحلتى إلى أنطاكية ذات دلالة خاصة، وذات دافع خاص، ذلك أننى كنت قد انقطعت عن الترحال بالسيارة لافتقادى الصحبة متعددة الأطراف، والأعمار، لكننى ظللت أتردد على دمشق أربع مرات فى السنة (على الأقل) لنفس الأسباب العلمية السالفة الذكر، ثم قررت أن أذهب إلى دمشق بالسيارة عبر الأردن، لعلى أستعيد “وعى الترحال” فيبـلُُغنى شأن آخر.

فى الطريق من العقبة إلى عمان كنت مؤتنسا مسترخيا، أفتقد دهشة السفر، الطريق إلى عمان ليلا ملئ بالشاحنات التى لم تكن أضواؤها هى المشكلة بقدر ما كانت آثار المازوت الذى يتساقط منها يجعل القيادة مخاطرة حقيقية، حين وصلت إلى عمان حقدت علىها. وعلى عمارتها وهى ملتزمة بالواجهات الحجرية أو الرخامية من نفس اللون تقريبا، رحت أقارن بيننا وبينهم، حتى فى المقطم المفروض أنه منطقة جديدة، وسياحية (حيث أسكن!!) يوجد قدر مقزز من النشاز المعمارى، حتى يخيل إلىّ أن من يبنى مبنى جميلا وسط هذا النشاز،يصبح مُطالـَبا بالاعتذار، وعموما فإن الجمال وسط النشازيصبح نشازا بالعدوى، أو بالأغلبية.

ذكرياتى فى عمان محدودة، اللهم إلا من شفقتى على العمال المصريين الذى يملؤون الورش والمحلات بصبر جميل، وكذلك زياراتى “البتراء” أثناء عودتى قبل الوصول إلى العقبة.

 مدينة البتراء هذه تستحق وقفة قصيرة:  سبق أن ذكرت كيف أن علاقتى بالماضى وبالآثار، وبالتاريخ هى علاقة ضعيفة شاكّة. أنا لم أتمتع فى البتراء بقصص المرشد وحكايته عن التاريخ، بقدر ما كنت أرفض سيره على الأرض يمسك بلجام الحصان الذى أركبه ويطوف بى أنحاء المدينة المنحوتة فى الجبل تقريبا. عاودنى منظر العبد الذى كان يجرى لا هثا “وراء الشيخ الصالح” أول رواية قرأتها وسنى حول التاسعة، تلك الرواية المجهولةُ المؤلف التى أشرت إلبها فى الترحال الأول من هذه السيرة حيث ذكرت أنى تقمصت العبد الذى كان يجرى وراء سيده (قاطع الطريق: الشيخ الصالح)، تذكرته وأنا أنظر إلى هذا الصبى/الرجل وهو يسحب الحصانين ونحن راكبان، كم مرّة يقطع هذه الجولة السياحية راجلا وهو يسحب أحصنة الناس راكبين؟ ومادامت المسافة يمكن عبورها سيرا كما يفعل هذا المرشد الصغير فلم لا يفعل مثله السائحون، إلا الكهول والمرضى. لا أنا ولا زوجتى كذلك بعد، فترجّلنا ونقدناه نفس المبلغ واستغنينا عن خدماته.

أذكر أثناء عودتنا ذات سفرة من سوريا عبر عمان أننى فكّّرت فجأة أن أنحرف إلى البتراء، وكنت قد زرتها قبل ذلك مرتين على الأقل، لكن مثل هذه الأماكن لها جذب خاص، أقل إلحاحا من نداء الركن القصى اللحوح. فى هذه المرة ضللتُ الطريق، حلّ ضباب كثيف كثيف، وكنا بين المغرب والعشاء، وكنت أحسب أن الضباب لا يتواجد إلا فى الصباح، ثم بعد عدة خبرات خطرة عرفت أن الضباب قد يهجم فى أى وقت ولو فى منتصف الليل، و كانت هذه هى المرة الأولى التى يهبط علىّ فيها الضباب بعد المغرب مباشرة وكنا سنضيع، ولم نضع.

 تحدّثت من قبل عن فضل التوه فى السفر،لكن هذا التوه فى الطريق إلى البتراء لم يكن فضلا بل امتحانا.

 لكن توها آخر حدث لى فى سوريا أثناء عودتى من تركيا كانت به من الإشارات ما لم أستطع أن أفسره حتى الآن.

 كانت عاصفة ممطرة قد هبّت علينا بعد حماة فى طريقنا إلى الشام (دمشق)، رُحنا نسير بالتقريب معظم الوقت، والعلامات ليست مثل أوربا والالتزام بقواعد المرور يكاد لا يوجد أصلا، لا هو ولا محطات خدمات أو حتى محطات وقود. فى الطريق، وحين وصلنا إلى مشارف الشام كنا بعد العشاء. فركبت رأسى وواصلت السير وسط العاصفة وزوجتى لا تصدق، وبعد الشام بعدة كيلومترات أخطأت فى قراءة علامة “إلى درعا”، وبعد بضعة كيلومترات أخرى تبينا أننا فى طريقنا إلى دمشق (الشام من جديد) فواصلنا السير وقلنا إن الله أمرنا أن هذه الليلة من نصيب دمشق، وعند باب الفندق المتواضع الذى اخترناه بعيدا عن فنادق المضيف الفاخرة أثناء المهمة العلمية، اكتشفنا أن إطار السيارة قد فرغ تماما، وأن الإطار الاحتياطى فارغ أىضا. ماذا لو كنا أكملنا؟ وسط العاصفة وبدون خدمات على الطريق؟ ربنا ستر، وهو دائما يستر معى لأسباب لا أعرفها، لكن زوجتى تحذرنى بطريقتها أنه “لـلـستر حدود”.

البتراء (ِبترا) هذه مدينة قديمة فى جنوب البحرالميت (الأردن الآن)، وكانت مركزا تجاريا مهما من القرن الخامس قبل الميلاد حتى أوائل القرن الثالث الميلادى، استقرت فيها قبائل الأنباط العربية، واحتلتها القوات الرومانية سنة 601 ميلادية، وأصبحت مدينة نصرانية بحلول القرن الرابع وفتحها المسلمون بعد حوالى عشرة سنوات من الهجرة، ثم احتلها الصليبيون أثناء الحروب الصليبية حتى سنة 1189م، ثم جلوا عنها لتصبح مدينة مهجورة مخصصة للزيارة، يحكى لنا المرشد كل ذلك وهو يشير مرّة إلى المحكمة ومرة إلى مقابر ملوكها التى هى داخل نفس قصورهم، والله فكرة!! وفى المساء يجتمع السائحون من كل صوب، ويشربون، ويسكرون، ويقصفون زيادة، ولا يغتالهم أحد، أما نحن. !! ياه!! إلى متى هذه المقارنات الحاقدة يا أخى (كنا أيامها فى عز رعب الإرهاب).

صورة هذه الرحلات اللاحقة إلى سوريا عبر الأردن تعاودنى وكأنها تخفف عنى ثقل حكى خبرتى فى اسطنبول، تُـرى هل ضاع هذا الفصل الرابع نتيجة مقاومتى لهذا الجزء من الرحلة إلى تركيا.

حين وصلتُ إلى إريد شمال الأردن وأنا متجه إلى سوريا عرجتُ على إحدى طالباتى القدامى (أصبحتْ طبيبة من زمن)، وكنت وعدتها بزيارة أثناء عبورى بلدتها، وعاودنى الحقد وأنا أتابع فيلات وحدائق إربد وأشاهد كثافة الخضرة على الرغم من ندرة المياة، حكت لى تلميذتى هذه وهى خجلى كيف أن الأردنىين (والفلسطينيين) لم يعودوا يقبلون القيام بالأعمال القذرة (الأعمال الدنيا)، وأنه إذا اضطــُّر أحدهم أن يعمل فى جمع القمامة مثلا فإنه يفرض على البيوت أن يمر عليهم بعىد الفجر، وقبل طلوع الشمس حتى لا يراه أحد، ثم أردفت ابنتى الأردنية هذه ، وهى لا تخفى حرجها، أن الذى يقوم بهذه الأعمال حاليا هم العمال المصريون، وأبلعُها بغصّة كادت تفضحنى. أتذكر موقف الخادمات (الشغالات) المصريات فى قصور الخليجيين، بل فى بيوت الخليجيين بدون قصور. مصر التى علمت الإماراتيين قبل البترول القراءة والكتابة، بمدرسين مصريين، يقبضون رواتبهم من الحكومة المصرية فى أبنية تقيمها دولة الكويت، مصر التى تعلّم فيها أجيال من شباب البلاد العربية لعقود طويلة قبل أن تبيعهم أمريكا معظم شهاداتهم العليا، أصبح شبابها، شباب مصر، هم الذين يقومون بالأعمال القذرة فى الأردن، كما أصبحت بناتها هن اللائى يشتغلن فى البيوتات خادمات وخلافه، وأين؟ ليس فى بلد بترولى ثرى، وإنما فى الأردن التى تعيش على المعونات، والتى استوعبت مليون فلسطينى.

 أتذكر مقابلاتى وحواراتى مع العمال المصريين فى سوق الملابس القديمة فى عمان، وفى محلات تصليح السيارات وفى محطات البنزين.وأحزن حزنا شديدا. هل أنا ناقص؟ ما الحكاية؟

قف،  عودة إلى رحلتى الحالية. نحن الآن فى اسطنبول.

أثناء تجوالى فى حى تاكسيم لمحت لافته عن القنصلية السورية، فخطر ببالى ـ كالعادة ـ أن أكمل رحلة العودة عبر سوريا لأرى بالمرة أنقرة حيث لابد أن الاختلاف شديد، وأن الأمر يستأهل، وجدت باب القنصلية مغلقا، قرعتـُه طويلا وأنا أتأكد من اللافتة، أخيرا فتح أحدهم شراعة الباب وحين ألقيت عليه التحية بالمصرى فتح الباب أكثر، لكن بما لا يسمح بالدخول. سألته عن طريقة الحصول على تأشيرة دخولى أنا وزوجتى إلى سوريا قادمينمن تركيا، على افتراض أننى سوف أسافر برا، رفع الرجل حاجبيه دهشة، “كيف يا رجل تقول هذا الكلام؟ لا يوجد تأشيرات بين العرب وبعضهم، تذهب وقتما تشاء وتدخل وقتما تشاء.” ياعم المشوار بعيد، أكثر من ألفى كيلو متر، ولو ذهبنا حتى الحدود وأرجعونا سوف يكون المقلب واسعاً حبتين، و الرجل الشهم يزداد إصرارا على أنّه: “إلاّ”، وتِسلَمْ لِى عيونك، وتُأمر سيييدى، وسلام. سلام.

بعد أن ودعت الرجل على باب القنصلية غير مصدق كل تسهيلاته، التفت إلى زوجتى التى تابعت الحوار بقلب واجف، فهى تعلم أننى قد أعملها، احتارت هذه السيدة معى، أصرّ على الركون إلى الركن القصى الصغير يحتوينى حتى أبدو أننى لن أخرج منه أبدا، أو أنطلق مستكشفا مغيّرا طريقى وخططى ووعودى مهما كانت المغامرة والصعوبات، ماذا تفعل هى فى هذا البنى آدم هكذا؟ أبلغتُ زوجتى عدولى عن الفكرة أصلا، بسبب شكى فى وعود ومعلومات رجل القنصلية، ومع ذلك فحين عبرنا الكوبرى الواصل من أوربا إلى آسيا فوق مضيق البوسفور، رحت أسأل من جديد عن الطريق إلى أنقرة، وعاد الانزعاج إلى زوجتى رغم تأكيدى السابق لها عن العدول.

بعد عشر سنوات من هذا التاريخ صدق ظنى، وأن المسألة ليست بالساهل، ولا هى “تـسلَـم سيدِى” ولا حاجة،، فحين قررت الذهاب إلى دمشق برا فى مهمتى العلمية السالفة الذكر، أرسلتُ رجُلى الى السفارة السورية بالقاهرة، يستخرج تأشيرة دخول، وقوبل بنفس الترحيب” وهل هذا يصح، وهل هذا كلام، وهل بين العرب فيزات، وأنها وحدة عربية لايغلبها غلاّب وبالتالى لا تحتاج إلى تأشيرات”. تماما مثل ما سمعت فى اسطنبول من عشر سنين مضت، وداخلنى نفس الشك الذى داخلنى آنذاك، وعند وصولنا إلى الحدود بين الأردن وسوريا، وعلى الرغم من جواز سفرى، وبطاقتى، وإسمى وصفتى، كل ذلك لم يكن كافيا للسماح لى بالعبور، لا فيزا أعطونى، ولا مرور مرّرونى، ما الحكاية؟ حتى بعد أن أظهرتُ لهم الأوراق الخاصة بمهمتى العلمية لم يفهموا فيها شيئا، وكانت الساعة قد بلغت التاسعة مساء، والاجتماع العلمى الهام سوف يعقد فى دمشق فى الثامنة صباح اليوم التالى، فاضطررتُ أن أطلب منهم أن يوقعـوا لى على ورقة أنى حضرت حتى الحدود لمهمة كذا من واقع الأوراق. وأنهم ردّونى، وأنى عائد إلى بلدى بكرامتى، بعد أن منعونى من حضور المهمة الرسمية، وهنا تفضل أحدهم فطلب منى الانتظار حتى يتصل بدمشق شخصيا، إلا أن مقر المجلس العربى للاختصاصات الطبية كان قد أغلق فى هذه الساعة المتاخرة (كنا قد بلغنا الحادية عشر)  وهات يا اتصالات وإصرار من جانبى لإثبات ما جرى كتابةً. وأخيرا سمحوا لى بالمرور، حينذاك تذكرت وجاهة شكى أمام القنصلية فى اسطنبول وحمدت الله أنى لم أصدّقهم.

فى تلك الرحلة اللاحقة، ونحن فى طريقنا إلى حلب متجهين إلى تركيا، كان معنا صديق من شمال سوريا (من القامشلى) اعتاد أن يحضر إلى الشام (دمشق) كلما حضرنا لأراه بعد أن اجتاز محنة خاصة، وحين وصلنا إلى حلب، عرجنا إلى فندق من الفنادق التى لا أحبها (خمسة نجوم) أذكر أن اسمه فندق “أمير”، وإذا بصاحبنا يقرر أن يقضى الليلة معنا فى حلب، زيادة فى الكرم وحرصا على دور المرشد المتطوع. كنا أحوج ما نكون إلى توديعه جدا حتى نأخذ راحتنا، لكنه أصرّ على استمرار خدمتنا، لم أستطع بصراحة أن أحتمل، أعنى أن أوافق !!، قررتُ أن أواصل سفرنا الليلة إلى تركيا مباشرة حلاّ لهذا المأزق،  وكانت الساعة حوالى الثالثة مساء، وسألته عن الطريق إلى تركيا لأننا سوف نسافر حالا،  فوصف كيف أنه علينا أن نتوجه إلى “جرابلس” باعتبار أنها البلدة الحدودية التى نعبر منها إلى تركيا. شكرته وأوصلته إلى الأتوبيس المنطلق إلى القامشلى، ونظرت إلىّ زوجتى وكأنها تقول: مادام صاحبنا قد سافر بالسلامة فلا داعى لدخول تركيا ليلا ونحن نريد أن نشاهد جمال الطريق، وفرحة الانتقال. ويقظة التحريك، واختلاف الطباع، وغرابة اللغة، كما اعتدنا، لكننى خجلت من نفسى أن أكون قد كذبتُ على مرشدنا لـلتخلص منه، وكأنه سوف يتتبع خطواتنا أو أن أحدا سوف يبلغه بتحركاتنا بطريقة ما!! فصممت على مواصلة السفر.

انطلقت السيارة. إلى جرابلس (وليس طرابلس وإن كان التشابه هو الذى ثبّــّت الاسم). طال بنا الطريق، والناس قلة ونحن نسأل عن جرابلس لا أكثر ولا أقل والعلامات قليلة، بل منعدمة، ما الحكاية؟ كنت قد سمعت أن بين حلب وبين الحدود حوالى 60 كيلو مترا، وقد قطعنا حتى الآن أكثرمن مائة وعشرين كيلومتر، ولا توجد أى علامة تشير إلى تركيا أو أنطاكية، ونستمر، ونسأل عن جرابلس وليس عن الحدود، ويشيرون علينا، ولا نلاحظ تعجبهم أو شفقتهم مع أن أغلبهم تعجّب وأشفق. ونستمر، وأخيرا وصلنا عبر طرق صغيرة وملتوية، لكنها نظبفه وسلسلة، بعد حوالى 150 كليلو مترا من حلب، والطريق كله لافتات تحتفى بالأسد وكأنه كان هناك أول أمس، ولا فتات تمجده، وكلام اشتراكى عربى جدا يعلن قوة الديمقراطىة العربية الخصوصية، والأسد إلى الأبد، طيب كيف؟ وأى أبد هذا؟ أبد الدهر، أم المؤبد؟ (انتقل الأسد إلى رحمة الله وأنا أراجع هذا الكلام، وفهمت من الأحداث اللاحقة  أنهم -بحدسٍ شعبى عربى  مجيد –  كانوا يعنون الأسد، أى أسد، وليس بالضرورة حافظ الأسد، معقول!!!) وحين عدت وحكيت تعجبى من هذا الشعار للاستاذ نجيب محفوظ قال لى ضاحكا، لعلّ السجع حكم، وصدّقت على قوله مستشهدا بأحد الخلفاء العباسيين الذى كان مصمما أنه شاعر، وحين حضره قاضى مدينة “قم” هاج الشعر بلا أى مبرر، على مزاج الخليفة  فقال شطرا ولم يعرف كيف يكمل بعد الشطر الثانى، قال: “أيها القاضى بقمْ” ولمّا طال غياب الشطر الثانى، أكمل: “قد عزلناك فقم”، يضحك شيخى نجيب محفوظ، ويحمد الله أننا فى مصر، وأنه ما دام ليس لنا زعماء وقادة يحبون قرض الشعر، وأنه ما دام شعبنا لا يستلطف السجع، فنحن ما زلنا فى السليم. عندنا وقايًة من الفصل !!!

وصلنا جرابلس أخيرا، ولا علامات ولا عساكر ولا أحد، ومع ذلك استمررنا فى السير نسأل عن الحدود، وأخيرا وجدنا جنديين من الجنود السوريين المتواضعين الطيبين، ونسأل أليست هذه هى الحدود؟ نعم هى الحدود؟ نسأل ويزداد عجبنا كيف تكون الحدود دون صفوف السيارات ولافتات الإرشاد؟ أين نحن بالضبط؟ ونقول لهم بسذاجة ” نريد أن نعبر إلى تركيا”، فيرودن بعجب أكبر من عجبنا بكثير أنه ما الذى جاء بنا إلى هنا؟ نعم إنهانقطة حدود ولكنها ليست نقطة عبور؟ ولا نفهم لأول وهلة، ولكن المسألة تبدو أبسط من أن تُفهم، وينصحونا أن نعود إلى حلب ومنها إلى “باب الهوى”، وأتذكر فجأة أن هذا هو الأسم الذى سمعته كنقطة حدود عبورية، وأنه هو الذى يبعد عن حلب حوالى ستين كيلو مترا فقط لا غير. وماكنت قد نسيته لكن الذى حصل!!! لم يكن قد تبقى على المغرب سوى ساعة وبعض ساعة، والطريق ليس به علامة واحدة ذات دلالة كافية، وعلينا أن ننطلق عائدين. وقد كان، ويستر ربنا فقد كنا قد عرفنا بعض الطريق فلم نحتجْ إلى أسئلة كثيرة ونصل إلى مشارف حلب حول العِشاء.

جولة ليلية سريعة فى حلب كانت كافية لنتعرف على غلبة التحجب،وغلبة الجمال، وغلبة اللِّحى، وبالتالى على حالة التعايش السلمى (أو السلبى) بين الفئات والعقائد الذى تعيشه سوريا منذ حوالى ثلث قرن. ونضطر للمبيت فى الفندق الفخم الذى لا أحب أمثاله، وتفرح زوجتى على الرغم من كل شىء. ويوقظنى رجل الفندق فى منتصف الليل ليسألنى عن المرأة التى معى فى الحجرة، وأن هذا فندق محترم لا يسمح بذلك، ذلك من يا عمّ؟  وأكتشف أننى لم أخطره أن معى زوجتى، ربما من قرفى من الفندق، وانشغالى بآثار ما حدث لنا وبنا، وأسوّى المسألة وأنا فى حال.

جميلة المرأة السورية، لكن المرأة المصرية “حِــرْشَةْ” و”نغشه” وكلام كثير من هذا.

نكتشف كم أضعنا من وقت وجهد بالذهاب إلى جرابلس، هذا التوْه هو من نوع آخر غير توه أوربا أو أمريكا، كان توها موحشا غريبا، ومع ذلك لم يخل من جدّة، فالناس فى أقصى الشمال طيبون، والفلاّح هو هو فى كل مكان، كأن الأرض تنبت ناسها كما تنبت نباتها، وقد فهمتُ بعد مدّة من أىن أتت فتوى مرشدنا صديقى إياه المضياف الذى غادرنا فى حلب بالعافية، ذلك أن جرابلس تقع فى اتجاه القامشلى محافظة صديقنا هذا، وقد أشارـ بحكم موطنه والعادة ـ إلى أقرب نقطة حدود من بلده، وليس من حلب.

نتعجب، ولا نندم، ونحن نقطع المسافة من حلب إلى باب الهوى فى حوالى نصف ساعة، لا أكثر، وندخل إلى تركيا بسهولة وطيبة بعد أن انتظرنا رجل الحدود حتى ينتهى من صلاة الظهر، إذن فتركيا مسلمة فعلا، لماذا أشك فى هذا كثيرا؟ ونغيّر النقود، ونصبح مليونيرات نملك أوراقا كبيرة بأصفار كثيرة، (مثل حالنا فى إيطاليا، يا خيبة الأرقام !!. ونصل عبر سلسلة من الالتواءات وسط زراعات وأشجار شديدة الجمال، والتنوع فى درجات الخضرة وألوان النباتات الأخرى،  يزداد الجمال جمالا كلما تنوع.

نصل إلى أنطاكية بسرعة قبل الظهر، وبعد جولة سريعة يهدينا شاب اسمه محمد، يتكلم العربية رغم صغر سنه، ونسأل ـ تجنبا للمدن الكبيرة كالعادة ـ عن ضاحية قريبة بها فندق متواضع، فيصحبنا هذا الشاب محمد، إلى ضاحية اسمها “حربيات”، فنجد مطلبنا جدا، ونمضى أياما نتعرف فيها على التاريخ، وعلى استقطاع هذا الجزء من سوريا منذ أقل من قرن، الموسيقى هى هى، والمشهيات الشامية تكاد تفوق فى مذاقها وأصالتها أصلها فى الشام، وأيضا الأغانى السورية واللبنانية تصدح فى المقاهى والمطاعم المتواضعة فى حربيات، والأسعار تسمح لكل واحد بما يستطيع دون أن تحرم أحدا تقريبا.

رجل الفندق ذو الساق الصناعية فى حربيات يفرح أننا من مصر، يتكلم العربية الشامية أحسن من فلسطينى فى العريش، يعزم علينا بجناح مكوّن من حجرتين وصالة بنفس ثمن الحجرة الواحدة، كنوع من الكرم، فنقبل من باب الطمع، ولكن ما إن ندخل إليه حتى نجدنا كأننا فى شقتنا فى مصر، ما هذا؟ نحن نريد أن نسافر لا أن ننتقل من شقة إلى شقة،؟ ونرفض عطية الرجل شاكرين ونفضل الحجرة الصغيرة المطلة على الجبل، وتشاركنى زوجتى الرفض، فأنظر إليها ممتنًّـا،

هل أصابتها عدوى الحنين إلى الركن الصغير؟

انتهى الاستطراد وعلىّ أن أنتقل من أقصى الجنوب الشرقى إلى أقصى الشمال الشرقى. وأيضا ننتقل إلى الوراء فى الزمن بضع سنوات،لنكمل الرحلة الأولى.

20/8/1986

نعود  إلى أوربا عبر مضيق البوسفور، وينتهى التهديد بالسفر إلى أنقرة، فتطمئن زوجتى إلى حين، وتسألنى عن ناتج”فرصة التفرغ” فى هذه الأيام الأربعة، وأنها كانت تتعمد إطالة التسوّق حتى أنجز بعض ما يعننى على الاستقرار نسبيا، تريد أن تطمئن على الآثار الجانبية لما مارستْه من ضغطٍ خفىّ حتى أكملنا الرحلة، وبالإضافة: فهى تعلم أننى أكون أقرب إليها وإلى نفسى حين أتم عملا أحبه، وأنى أقلبها غما فى أى رحلة إذا أنا لم أقرأ ولم أكتب أضعاف ما أفعل وأنا مقيم بالقاهرة، وأقول لها إننى شخبطتُ كثيرا، وترابطتْ عناوين وتقاسيم كثيرة، وعرفتُ مداخل كثيرة لما أريد، لكننى لم أكتب شيئا، ولم أستقر على شىء، لكنها تطمئن لعدم انقلاب سحنتى حين أصاب بالعُقــلة التى تطمسنى أحيانا.

21/8/1986

استبانت لى فعلا أثناء هذه الأيام الأربعة فى ضاحية اسطنبول الخطوط العامة لجدلية الجنون والإبداع، وتصورتُ (أو حدث) أننى أمسكت بالخيط، ففرحت، بل إنى وددت لو نمد إقامتنا ليوم واحد أو يومين لعلى أثبتُ ما وصلتُ إليه ببعض التفصيل خشية أن يفلت منى الخيط أو يتلخبط، وحين عادت زوجتى من جولتها النهارية، عرضتُ عليها أنا هذه المرة أن نقضى سهرة متواضعة مع عشاء خفيف فى ذلك الحى الذى حدثتْنى عنه وأحبته “تاكسيم”، لم تصدق، ولم تقترح أن نبقى لأتمكن من مواصلة الكتابة، إذ يبدو أن شكلى كان مختلفا.

فى تاكسيم، تركتنى زوجتى أقودها هذه المرة، فالأماكن التى تعرّفتْ عليها هى غير الأماكن التى يقودنى حدسى (المكانى) إليها: من شارع واسع إلى شارع ضيق إلى زقاق إلى مقهى أو مطعم صغير إلى حارة سد. هكذا الحال فى كل مدينة مهما اتسعت شوارعها الأكبر، وهكذا وجدنا نفسينا فى حى فـرعى، أو قل زقاق على مقهى أو حانة أو كليها، والناس تقصف وتصخب وتضحك ولعلها تفرح، لكنى افتقدت فرحة المطعم الألمانى فى سان فرانسيسكو، وفرحة الطليان الراقصة فى فينسيا، وفرحة الفرنسيين الهائصة فى دُولْ (فى جبال الجيرا) خيل إلىّ أن الناس هنا يضحكون بحِدّة وليس بانطلاق، وهم يتصايحون لا يغنون، وهم يسكرون لا يشربون، وهم يأكلون ولا يستطعمون.

 جلسنا محشورين فى المقهى،أوالمقصف، جاءت جلستنا بجوار رجل متوسط العمر، كان وجهه قد احمر من أثر المدام، بدا لى: وحيدا جدا لكنه ليس حزينا مثل فتى المسجد وسط المدينة، لكنّه مع التمادى فى الشراب كسرت وحدته ليبزغ من ورائها حزن ثرثار، نظر إلينا الرجل وحيانا بمنتهى الثقة دون تردد(أو هذا هو ماخيل إلينا) رددنا على سؤال تصورنا أنه عن جنسيتنا أو بلدنا، قلنا “إيجيبت”، فلم يفهم وانتبهنا الى اسم مصر بالتركية فصححنا أنفسنا بسرعة وقلنا: “مِـسِــرْ” كما ينطقونها، انتفض الرجل واقفا يهلل، وراح يحيينا وينحنى و هو يقول كلاما كثيرا، وبدا لى أنه نطق كلمة الأزهر. لكننى غير متأكد، المهم أنه عدل كرسيه ناحيتنا وصمم أن يعزمنا على شىء. فهمنا ذلك بوضوح وهو ينادى النادل ويشير إلينا، فاعتذرنا وشربنا ما كنا طلبناه، لكن صاحبنا واصل الشرح والتأكيد والتشويح والإعادة (فى الأغلب) دون أن ينتظر منا أى فرصة لـلتعبير عن أننا لم نفهم حرفا، لكن الأمور كانت قد تخطت الإنذار المبكر، والمتأخر. الأعجب أن زوجتى كانت تسمع له بانتباه، ويبدو أنها كانت تصدّقه (تصدق ماذا؟ لست أدرى) لأنها كانت تومئ برأسها بالموافقة بين الحين والحين، ليست مجاملة، بل خيل إلىّ أحيانا أنها تفهمه، ولا يعدم الأمر أن تلتفت إلىّ وتترجم لى بعض ما يقول، تكون قد سمعت كلمة (بالتركية طبعا) لها رنين كلمة عربية، أو تشترك مع كلمة عربية فى حرفين أو أكثر، فتتحول إلىّ وهات يا ترجمة، ماذا جرى بالضبط؟ أصبحتُ أنا وحدى الذى لا يفهم تركى، وكما عجزت أن أهدئ الرجل أو أوقفه عن طلاقته أو انطلاقاته، كذلك عجزت (إلى درجة أقل) أن أوقف زوجتى عن محاولة ترجمة ما يقوله الرجل.

خيل إلىّ أنها تقرأه كما كانت تقرأ الفنجان، فهى قد مارست هذه الهواية فترة من قبل، وكانت تصدُقُ معها فى أحيان ليست قليلة، وقد عدلتْ عن ذلك تدريجيا ثم نهائيا، وقد أخبرتنى بأنها حين كانت تقرأ الفنجان لم تكن تنظر فى الفنجان أصلا، ولم تكن تحل نقوشه، أو تترجم رموزه، بل كانت تترك حدسها بوعيها المتغير قليلا ينطلق، وكانت تتعجب ـ هكذا حَكَتْ ـ حين كان طالب أو طالبة القراءة تصدق ما تقول، لم تكن تستعمل ذكاءها أوتلفق الحكايات بشكل يصلح لكل الأغراض، ومع أنها هى التى كانت تقوم بكل هذا إلا أنها لم تعتقد أبدا فى مصداقية ما تفعل،

 تذكرتُ ذلك وهى تقرأ وجه الرجل وتترجم لى أصواته بكل هذه الثقة والوضوح، كانت كأنها تقرأ وجهه كما تقرأ الفنجان، هل يمكن؟

قضينا ليلة طيبة لم أكن انتظرها فى تركيا أصلا، فكل ما كنت أتصوره فى تركيا أنها بلد إسلامى، خلع إسلامه ليصبح مسْخا أوربيا، وأنها سوق أرخص من غيرها، أما أن نقابل فيها ناساً نتعرف عليهم، ويتعرون إلى هذه الدرجة، حتى نتقارب ونحن لا نفهم حرفا ممايقوله بعضنا لبعض، فنتعاطف بكل هذه الحرارة، فهذا هو الجديد، وهو جديد رائع يذكرنى بعلاقتى الأصلية بالناس والطريق.

هل تركيا هذه هى تركيا العثمانية التى كانت فوق أنفاسنا دهورا (كما سمعنا)؟

هل هى بلد أوربية كانت مسلمة؟ هل هى بلد مسلمة تأوْرَبَــتْ؟

 أين ناسها مما صارت هى إليه؟ وهل هى إلا ناسها؟

أين يقع هذا الرجل السكران الـمسلم الطيب من كل هذا؟

تذكرت كيف أن الفقراء بالذات حين يسكرون يكونون أكثر طيـبة وأبيض قلبا، وذلك قبل أن يرحلوا إلى المرحلة التى يستحقون فيها إقامة حد السكر (الذى لا يصح ـ فقهاً ـ أن يقام إلا إذا لم يعد السكران يميز الليل من النهار ولا الرجل من المرأة) ذكرنى هذا الرجل الطيب بسكارى حانات العتبة أمام محطة الأتوبيسات قرب مسرح الطليعة، أو حانات الأوبرا فى مقابل المسرح القومى وإلى درجة أقل حانات شارع التوفيقية حيث يجتمع كثير من العمال وبعض البوابين يشربون ويتحدثون دون سابق معرفة، أو بسابق معرفة، وتمر عليهم المرأة بائعة الفول السودانى بقشره، والترمس، ويزدادون طيبة أكثر فأكثر، ثم يزدادون صمتا، ثم يغط بعضهم فى النوم، فيكاد الآخر يغطّىه ويهدهده، ذلك كله وأنا أحاول أن أتعرف على خلفية مجموعة قصص “خمارة القط الأسود”، وجو البوظة فى الحرافيش، ونوع الحوار فى عوامة “ثرثرة فوق النيل”، فإذا بى أكتشف نبض وجدان العرايا المصريين الفقراء الهاربين، خيل إلى من بعض مشاهداتى تلك أن الشرب ـ بدرجة ما ـ يوحد بين البشر الفقراء بالذات قبل أن يغيبوا عن الوعى، وحين تقوم المعارك بينهم مع السكر البيّن، سرعان ما تهدأ أسرع من العاديين. من يدرى ؟ يغفر الله لهم ويهديهم، هو أدرى بهم.

هذه الحانات الصغيرة هى أمعاء المدن الكبيرة، ما الحكاية؟

من هو التركى؟

ليس جلفدان هانم، ولا راكبى السايرة الذين قابلناهم فى طريقنا إلى بلجراد (قلت إنهم كانوا أكرادا فى الأغلب)، ولا هو هذا الرجل الذى كسرت الخمر وحدته وأطلقت ثرثرة حزنه فى حانة حى ماكسيم، من هو التركى؟

هو كل هؤلاء، وهو غير هؤلاء.

أثناء تجوالى وحدى من يومين، وقدتركت زوجتى مشغولة بمشاهدة ما تحب فى الواجهات، لمحت صورة كمال أتاتورك فى أحد المحلات الصغيرة، لا أذكر ماذا كان يبيع أو فيم يختص، ولا أعرف لماذا تصورت أنه محل كى طرابيش،مع أنى أعرف تماماً أن الطربوش كان من أوائل ما تخلص منه كمال أتاتورك، دخلت المحل وأنا أتصور أننى سأجد وسيلة لـلتفاهم مع صاحبه الكهل بشكل ما، وصدق حدسى فقد كان يتكلم بعض العربية، وبعض الانجليزية بدرجة كافية، سألته مباشرة عن صورة كمال أتاتورك التى ما زال يزين بها محله: هل هى مفروضة عليه مثل صور الرؤساء عندنا، ولو من باب “الحيطة القومىة”، فهم بسرعة، وتغير وجهه محتجا، وأعلن لى بوضوح أنه يحبه فعلا، وأنه يفخر به، ثم راح يؤكد لى أن الأتراك يحبونه، وأنه فعلاً مؤسس تركيا الحديثة، وأتذكر أننى سمعت من أبى كم كان المصريون فرحين بأتاتورك فى أوائل العشرينات، وكان لى ابن عم اسمه كمال، وزوج اختى (ابن عم والدى) اسمه عصمت، والاثنان من مواليد 1922، وقد سميا على اسم كمال اتاتورك وعصمت لست أدرى ماذا، وقد تمادى حديثى مع هذا الكهل الطيب حتى طرقنا باب وضع الإسلام فى تركيا (فى ظل ما قال)، فتعجّب من السؤال وحوّله إلى شرح إسلامه هو، وكاد يقول لى بذلك أنه: ماله هو والإسلام فى تركيا إنه يكتفى أن يمارس إسلامه هو، وهو يصلى بانتظام ، وهو مثل شاب الفندق، فخور بإسلامه بشكل أو بآخر.

رجعت وأنا فى حال، لا بد أن أدرّب نفسى على مزيد من رحابة تحمّل الاختلاف والتأجيل.

كل هؤلاء الناس، والمحطات التليفزيونية التركية الخالعة برقع الحياء، وأرقام التليفونات لتسويق الأجساد، والجميلات، والمآذن، وهذا العجوزالرائع، ورجل الحانة الذى أطلق السكر لسانه فراح يتدفق حزنا وحبا،  وهذا العجوز المتمسك بإسلامه المحب لزعيمه، الفخور ببلده، والشاب قارئ القرآن فى مسجد وسط البلد فى اسطانبول، ياه!!! ما ذا يعنى هذا كله؟ كل هؤلاء معا هم تركيا، أو على الأقل هم النماذج التى وصلتنى من اسطنبول لأقترب أكثر من ناس تركيا على الطريق إليها ومنها وفيها. لم أستطع أن أسجل كل هذا نثرا، فهاج بى الشعر إياه:

ـ 1 ـ

وموج بحر الناس يلطم الخدَرْ

تقولُها،…..وهِزَّة مسافرهْ،

تعيدُها،…. مؤذِّنٌ، وفاجرهْ،

تقولُها،….. تكبيرةٌ، وقُبّره،

تعيدُها

يجرجر اللُّغْدُ المدلّى قاعَهُ من فوق سقف الأُحْجية.

تَقُولُها…..،

يُقَهقِهُ اُلقَدَرْ.

ـ 2 ـ

تَخْتَـلُط الأجناُسُ والألوانُ والحقبْ

 فتستدير الكلمهْ،

 وتنثنى بنقطةٍ وشولهْ،

من اليسار لليمين أحرفٌ مبعثرهْ،

من كلِّ زهرةٍ جنينُها،

 ذِكْرىَ أَرِيِجهَا،

وشوكُ غَيْرهَا،

 وريحُ أرضها،

 بلا ثمرْ.

ـ 3 ـ

هل أنت مسلمٌ؟

نعمْ!!

أسلمتُ وجهى للذى فطرَالخلافَ والزمانَ والقدرْ

للذى شطرَ البشرْ

تعارفوا، تفرّقوا، تآلفُوا، تنافرُوا أبادُوا.

[أفندمْ، تَشَكُّرَاتْ، سلامْ]

فاملأْ لنا ذاكَ الذى سكبتَه

 فى ِصحتِكْ، فى غَفْوَتِكْ، فى صَرْخَتكْ،

مكتومةٌ بلا صليلْ

“ميميت” شفيعُ الفقراءْ

لكنّ يوم الحشر طالْ،

أفرِغْ لنا خمرَ المُنىَ قبلَ المقَالْ

 وابدأ بِنَا منِْ ذا الحديث الأوَّلِ

فى صحّتكْ،

 نخب التُّقَى والجنْسِ والوجد الأبِىّ،

ونخبَ قَْلبِ الأَسَدِ.

ـ 4 ـ

وعنه قال:

لا تـُكثرُوا الكلامْ،

 وأسْكِنُوها اللؤلوهْ،

 وأرِجُعوها فى المحَارِ تحت ثدْىِ الموجَةِ المهاجرهْ

ـ 5 ـ

تَنَوعاَتُ الفِكْرِ والنَّْظرَْ،

 على نشيجِ الناىِ والدموعِ بَهْرِ ضوءِ البهرجهْ،

 واللحنُ ظِلُّ الناس فى حُضْن القمرْ

تنوُّعاَت البرق ِ والرعودِْ

لحفر بئرٍ غائر بلا مياه،

وزهرةٍ بلا شجرْ،

وبيضةٍ بلا يمامْ.

وغَارُهَا:

ممََرُْ حانَةٍ فى عطفةٍ مجهولةٍ بلا هُويةْ.

وعنكبوتُها:

يدبّج النقوشَ فوق طينٍ أَحَْرَقَـتْهُ ناَرُ أحلامِ الّذهَبْ

غجريّةٌ فى ثوبِ سهرةٍ عريقْ،

تسحَبُ عَنْزَها الثَّمِلْ

ـ 6 ـ

َأيَا بلادَ الشَّمْسِ والمآذنِ:

الموتُ فى التَخلفِ،

 والموت فى التَّقَدمِِ

وصورةٌ لمنقذِ العقول من عقُولِهَا،

ـ 7 ـ

تعويذةٌ منمّقهْ،

وآيةَُ محفورةَُ تمدحُ آل المصطفَى،

وشمعةٌ يرتجُّ ضوؤُها يراقُصِ الظلَّ الوليد.

 يختفي،

 يدور حول المُلتقَى،

بلا لقاءْ

ـ 8 ـ

غطّت به ضفيرةٌ نافرةً

تمنّعت، فأغضت،

تهشّمت غـمامةٌ عابرةٌ،

أصابَهَا ـ فى مقتلٍ ـ قوسُ قزحْ،

تكشّفتْ ما كشَفتْ.

فانسابَ ما تبقّى،

تمايلتْ، ما سَكَبَتْ،

 وما ارْتَوَتْ.

وعلى الرغم من تحفّظى الشديد على ما أسميه شعرى إلا أننى ما زلت أشعر أن هذا الشعر أصدق تعبير لما جاش بصدرى آنذاك.

نظرتُ إلى زوجتى شاكرا وأنا أتساءل: هل كنتُ سوف أجد خيوط ما كنت أبحث عنه لو أنها استجابت لى؟ لو أنها رضختْ فأمضينا بقية الرحلة فى ذلك الكوخ القابع على الشاطئ، فى حضن الجبل بالقرب من بارانويا، أعنى باراليا؟

لا أعرف.

لاأظن.

الجمعة 24/8/1986

كانت الأمور قد ترتبت فى ذهنى من بعيد، ونحن نحزم أغراضنا، طـلبنا من فتى الفندق الحساب لأننا سنغادر فى ساعة مبكرة، قال بسرعة، دون أن ينظر إلينا. إن الحساب مسجل على الحاسوب، وإنه سوف يكون جاهزا بضربة زر، فى ثوان، ونحن نغادر(لم أكن أعرف هذه المسألة بعد)، وقد كان، هذه الآلات تقلل من الحوار الإنسانى المحتمل، توفر وقتا هائلا لنقضيه “فى ماذا؟”.

غادرنا الفندق فى السادسة صباحا ونحن فى رضا ذكّرنى بالرضا الذى ساد معظم رحلة الأولاد. كان الطريق سهلا و.مألوفا. ألم نعبره قادمين منذ أيام؟ وصلنا الحدود بسرعة أكثر مما توقعنا، وتمت الإجراءات أسرع أيضا. نسيت حكاية المعاملة التصنيفية من رجال الحدود، ثم إنه لم يكن ثمة أتراك فى مجموعتنا فى طريقهم إلى اليونان، فضاعت فرصة اختبار المعاملة بالمثل، أو الدراسة المقارنة أصلا.

نحن الآن فى اليونان مرة ثانية والطريق أسهل، نمر على البلد ذات المصانع، أو المصانع البلد، ولا نحبها بنفس الدرجة التى ألمحتُ إليها فى فجر ذلك اليوم القاتم المدخن أثناء قدومنا.

اليوم الجمعة.

كان والدى رحمه الله لا يصلى الجمعة، مع أنه يقوم الليل نصفه أو ينقص منه قليلا أو يزيدعليه، وأول مرة عرفتُ أنه يقوم الليل حين تعثرتُ فيه واقفا أثناء قيامى ليلا أبحث عما يروى عطشى، أظن كان سنى سبع سنوات، وحين اصدمت به حسبته عفريتا، ثم إنه كان له وِرْدٌ كما لا بد أنى ذكرت ـ وِرْدٌ تستغرق تلاوته أكثر من ست ساعات يوميا، وحين كنت أسأله عما يردده طول الوقت هكذا،ولماذا؟ كان يربّت على رأسى ويقول: أليس هذا أحسن من أن أمسك سيرة الناس هذا الوقت، مع أنه كان يمسك سيرة الناس مثله مثل غيره أثناء توقف الورد، ولم أر فى ذلك تناقضا، كان لا يصلى الجمعة بالمسجد، ويأمرنا نحن بصلاتها، وحين كبرتُ أكثر.ربما فى سن الحادية عشر. سألته عن سبب عدم صلاته الجمعة، وحاول ألا يجيب لكننى ألححت، فقال لى إن له أسبابه الخاصة ، لكنّه فضّل أن يقدم لى الفتوى الرسمية التى يمكن أن أتصوّر أنه  يستند إليها، كان يحكيها لى وهو يبتسم ، ربما حتى لا أصدّقه، وهى التى تقول استنادا إلى مذهب أبى حنيفة “لا تجب الجمعة إلا فى “مصر”، والمصر كما فسره أحد تلاميذ أبى حنيفة (لا أذكر إن كان محمد أم أبا يوسف) هو البلد الذى تقام فيه الشرائع وتحد الحدود، أما التلميذ الثانى للإمام أبى حنيفة فقد عرّف المصر بأنه “البلد الذى به أكثرمن أربعين مسلما، قال والدى إنه يأخذ برأى تلميذ أبى حنيفة الذى يعرّف الـ”مصر” بالشرائع والحدود، وتعجّبت من كل هذا التخريج، الأقرب إلى التبرير، وسألته عن معنى هذا كله، فقال إنه يبدو أن ذلك كان حتى يتجنب المسلمون ـ إذا كانوا قلّة ـ أن يـُـغار عليهم فجأة وهم مجتمعون فـى الصلاة، فيُـبَـادوا عن آخرهم أثناء تجمعهم، وكلا التفسيرين يفيد أن الجمعة تجب ـ إذن ـ حين يكون المسلمون كثرة، ولم أناقشه أكثر فقد كان واضحا أن هذا التفسير هو ما يمكن أن يقدّمه هو لى، وليس هو السبب الحقيقى، فهو يعلم أنه لا أحد سوف يغير على مسلمى قريتنا بالذات إذا تجمعوا، أو لم يتجمعوا. فمن ناحية هم لا يمثلون خطرا على أى كائن من الكائات، ومن ناحية أخرى فإن مسلمى بلدنا باسم الله ما شاء الله يمثلون فائضا يمكن الاستغناء عنه بأى عدد من مصلِّـى الجمعة ومن الممتنعين معا، طبعا هذه أفكار فتى فى الحادية عشر، ومع ذلك فهى ما زالت تراودنى حتى الآن (بينى وبينك) إذن ماذا؟

احترمت كل ما قاله والدى ليس لأنه وجيه أو مـُـقـنع، ولكن لأنه قاله، وفهمت أن التفسير الحقيقى هو خارج نطاق فهمى آنذاك، لكننى تماديتُ فيما يخصنى سائلا إياه أنه ما دام الأمر كذلك، فلماذا يأمرنا أن نصلى نحن الجمعة، فقال تفسيرا (تبريرا) أعجب، قاله وهو ما زال لا يخفى ابتسامة طيبة. قال: لأنه يتعبّد على مذهب الإمام أبى حنيفة منذ كان طالبا يافعا فى المسجد الأحمدى يعد نفسه ليصبح قاضيا شرعيا، لكنه دخل دار العلوم فى آخر لحظة لظروف يعتبرها هو من محاسن تحوّلات حياته، أما بلدنا (هورين غربية حينذاك) والتى ننـتسب نحن (أبناؤه) لها فهى تتعبد على مذهب الإمام الشافعى، وبالتالى – ما زال يبتسم – فهو يحق له أن يتبع رأى أبى حنيفة، أما نحن فشافعيين وعلينا أن نصلى الجمعة، !!! ولمّا كان مازال يبتسم فقد فهمت أنه ينبغى علىّ ألا أسأل المزيد.

لم أكن أعرف أن كل قرية لها مذهبها، وبالتالى لم أكن أعرف أننى شافعى بالمواطنة، واستنتجت فيما بعد أن كل قرية تتبع المذهب الذى درس عليه أحد شيوخها الأهم فى الأزهر، ثم انتبهتُ بعد ذلك أن البلدة المجاورة لنا اسمها الرسمى “كفر نفرة” لكننا نعرفها باسم شائع طريف هو “العَطاعْطة”، هذه البلدة كانت تتعبد على مذهب الإمام مالك، وكان بين بلدتنا وبين هذه البلدة نوع من التفاخر، وأحيانا العراك (تسمّى بالفلاحى: القتْـلـة بتسكين التاء) على مياه الرى، كنا أطفالا نعايرأطفال العطاعْطَا  بثلاث معايِرات: المعايرة الأولى: أننا أطلقنا عليهم شائعة تقول إنهم يخافون الهجوم لإطفاء الحرائق بعكس أهل بلدنا، وكان هناك تصوير كاريكاترى لإحجامهم هذا، كنا نقول عنهم أن الواحد منهم يقترب من الحريق ويضع عصاه على مسافة منه قائلا “حدّى وحدِّك” وكلما امتد الحريق أكثر، تراجع الواحد منهم ليضع حدا جديدا، طبعا لم يكن الأمر كذلك، فهو منظر مضحك ومستحيل فى آن، لكنها سخرية أهل بلدنا، ومع أنها كذلك، فقد كانت هى الصورة التى حضرتنى فى تردد وأنا أتابع انسحاب 1967، ومن قبل انسحاب 1956، وأيضا نفس الصورة ما زالت تعاودنى كلما انتهت المفاوضات إلى إعادة الانتشار أو جاءت سيرة ترسيم الحدود (الجديدة). تحضرنى صورة أهل “العطاعْطَا” وهم يتراجعون خطوة خطوة قائلين لـلنار”حدّى وحدّك”، سواء حدث ذلك أو كان هذا هو ما أشعـْـناه عنهم، المعايرة الثانية: أنه ليس عندهم مدرسة ابتدائىة فى حين أن فى بلدتنا واحدة، أما المعايرة الثالث: فهى أنهم لا يمانعون أن يأكلوا من حيث لعقت كلابهم، وهذا بسبب أنهم يتعبدون على مذهب الإمام مالك الأقل تحفظا بالنسبة لمسألة “نجاسة الكلاب”.

على الرغم من أننى أتقمص والدى فى كثير من أيام الجمع محتميا بفتواه المعـلنة، مؤتنسا بتدينه الشديد، فأنا أكثر حرصا على صلاة الجمعة فى السفر أكثر من حرصى عليها مقيما فى بلدنا، ولعل ذلك كان أحد أسباب انتظامى عليها فى جامع باريس، وربما كان لذلك علاقة ما بحرصى على صلاة العيد(على الرغم من أنها سنة وليست فرضا) أكثر من حرصى على صلاة الجمعة، ذلك أننى متى سافرتُ فإن تعرفى على الناس يكون أوثق وأعمق أثناء تأدية العبادات معا، الانتماء إلى جماعة الناس المختلفين مع توحد العبادة يجعل لهذه العبادة دلالة ووظيفة خاصة جدا تمثل موقفا محوريا فى إشكالة وجودى شخصيا.

اليوم الجمعة، ونحن الآن فى أقصى شمال غرب اليونان، ومثلما قلنا فإن كل ما هو حول الحدود تجد تشابها بين الناس والمبانى حول جانبى الحدود، لتدرك ـ كما ذكرتُ ونحن نعبر إلى يوغسلافيا ـ أن هذه الخطوط بين البلاد وهمية. كنت كلما اقتربت من، أو اخترقت. بعض القرى اليونانية قرب الحدود، أحسب أننى ما زلت فى تركيا، ذلك أننى كنت ألمح ما يشبه المئذنة، ولم آخذ المسألة جدا، لعلها مآذن تشبه مآذن بيوت مصر الجديدة، (مصر الجديدة التى بناها امبان البارون وليست مصر الجديدة النزهة، والحى العاشر وإخوته. أعوذ بالله، هذه كلها ليست مصر الجديدة، ولا القديمة ولا النصف نصف)، سألت نفسى: هل يوجد مسلمون فى هذه القرى، وهل تقام الجمعة؟

لم أستطع مقاومة نداء يدعونى إلى الانحراف إلى داخل إحدى هذه القرى بعد أن نظرتُ فى الساعة، ورجحت أن هذا وقت صلاة الجمعة. وقد كان.

سألت بالإشارة (إشارة التكبير) والنظرفى الساعة، وعلامات الاجتماع، فاستجاب لى أحدهم، فالثانى، حتى وصلت إلى مسجد صغير جميل، الوضوء بعيدا عن المسجد تماما فلا رائحة ولا رطوبة، والله سبحانه يحيط بالمكان بشكل مباشر (لا تسألنى كيف)، والناس صفين ونصف فقط، والمنبر من درجتين، والكلام باليونانية (فى الأغلب) لكن الخطبة بالعربية، وكذا الصلاة طبعا. أراهن أن الخطيب لا يفهم نصف الخطبة على الأقل. خرجت وأنا أتعجب، زدت فهما لعمق وظيفة الدين، أنا على يقين من أن الله سبحانه لا يحتاج إلى لغة معينة لنعرفه.

ونصل إلى “أسبراجاليا”، ونلمح المخيم الذى لم يستضفنا إلا ساعة ونصف ساعة، ثم طردتنا عاصفته التى بررتُ بها هروبى فجرا عقابا لزوجتى التى حرمتنى من الاستجابة لنداء ركنى الصغير، ونخترق وسط المدينة بالنهار فنلاحظ أن السوق الأعظم الذى بهرنا ليلا (ذهابا)، لم يعد”أعظم” بطلوع النهار (إيابا)،

حين وصلنا الى سالونيكى كنا بعد العصر، فكرنا أن نسأل عن موتيل قريب أو مخيم، إلا أن سطوع الشمس أغرانى بالاستمرار وذكرتنى زوجتى بوعدى ألا نسير ليلا، فأكدت لها أننى عند وعدى.

لاحت لافتة تقول: كاتيرينا لكن السهم كان يشير إلى الغرب، ونحن نتجه جنوبا، واقترحت زوجتى أن نقضى فيها ليلتنا، لكننى كنت أتمنى بعد ما حُــلّت المسألة (أية مسألة؟) أن أقضى الليلة بالذات فى مكان طيب يليق بحالتنا الطيبة التى هى (حالتى على الأقل) تكاد تكون عكس ما كنتــُـه أثناء الذهاب. كاتيرينا هذه كما تبدو على الخريطة بلد كبير، وأنا فى عرض قرية على الشاطئ، فغامرت بالاستمرار داعيا الله ألا نبلغ مغرب الشمس إلا وقد عثرت على ضالّتى.

 بعد أقل من نصف ساعة لاحت معالم تشير إلى احتمال قرب قريــةٍ ما.

فعلا، وجدنا شارعا جانبيا، إلى الشرق هذه المرّة، عليه لافته قرأناها بالكاد كان نطقها صعبا إذا قورن بما اعتدنا عليه، كان اسمها “ليبتوكاريا”، فانحرفنا على الفور دون حتى أن نتبادل المشورة، و على أول الطريق الجانبى، على الناصية وجدنا محل ملابس نسائىة تبدو فاخرة، لكنه محل وحيد، ما هذا؟ من الذى يأتى هنا لهذا المحل المنعزل؟ دخلنا ونحن نتنظر مباراة فى التهتهة ولغة الإشارة، وإذا بنا نفاجأ بعجوز لا تبدو عليه اليونانية، فعلا ما إن سألنا: تتكلم الإنجليزية؟ لا، طيب الفرنسية ؟ حتى انطلق وكأنه وجد لـقيّة، وراح يرطن بالفرنسية بطلاقة لم نقابلها من قبل فى أى يونانى. ورغم خيبتى البليغة وقلة أبجديتى فى الفرنسية إلا أن اللهجة الباريسية التى تعلّمتُ بها الكلام لأغراض الحياة اليومية، تجعل من يسمع الجملتين الأولتين منى يحسب أن تحت القبة شيخا، أسعفنى ما حضرنى من فرنستيى الهزيلة رغم اللهجة السليمة، وهات يا حديث معه بها،، فرح بى الرجل كما فرحتُ به، ثم راح يتباهى بأمه البلجيكية وكيف أنه أقام فى فرنسا كذا سنة، وألمحت بدورى إلى السنة إياها التى أمضيتها فى باريس، والتى تحولتُ فيها إلى ما هو أنا، ثم إلى ما هوبعد ذلك، و هكذا تبادلنا تاريخا مناسبا بسرعة. كان المحل يعرض مجموعة من الملابس الجلدية بالذات، كما كانت الأثمان ليست كما تركناها فى اسطانبول ولا كما اعتدنا عليها عموما، كيف فى بلدة نائية مثل هذه البلدة تكون الأثمان هكذا بهذا الارتفاع، ومن ذا الذى سوف يشترى بهذه الأثمان؟ فى هذا المكان المنعزل؟ من هذا المحل المنفرد؟ أرزاق.

مشينا كما أشار اليونانى نصف البلجيكى، وبعد كيلو مترين أو أكثر قليلا لاحت لنا هذه الليبتوكاريا.

 بلدة صغيرة جميلة وعلى البحر، هكذا خبط لصق، وجدنا فندقا صغيرا، بسرعة، يكاد يكون خاليا إلا منا، ومن أصحابه، نبهنى صاحبه أننا فى نهاية الموسم، وأن المدارس فى اليونان تفتح فى أول سبتمبر، وأمام الفندق (الموتيل) كان يوجد محل مكتوب عليه كلمة لا فتة لم أفهمها ولا أذكرها الآن، تبينت فيما بعد أن معناها “ستائر”، وتكررت مثل هذه المحلات كثيرا، وعلمت أن اليوغسلافيين (لست أدرى الآن أى عرق منهم) مهرة فى هذا النوع من الشغل والأنسجة وأنهم يحضرون فى الصيف يسوّقون بضاعتهم الرخصية ويقضون بعض الاجازة بما يربحون، وهم يتمتعون ببعض الحرية، الموقوتة، وتكررت مشاهدتى لهذه اللافتات، وتذكرت لعبة بضائع غزة فى الخمسينات وأوائل الستينات، عندنا، ثم رحلات بورسعيد قبل الانفشاخ (أعنى الانفتاح).

فرحت بالفندق (المنزل) وبقربه من البحر، وبالمقهى (البلدى تقريبا) على البحر وبالصيادين الذين يشغلونه، وفرحت زوجتى لفرحى فى الأغلب، فحبها للأماكن يضطرد صعودا مع عدد الناس فيها. أنا أحب الطريق أولا، بناس وبغير ناس، ولا يوجد طريق بدون ناس، أو هو يؤدى بالضرورة إلى ناسٍ ما، لكن زوجتى تحب الناس فى الطريق وفى غير الطريق، المهم الناس. حتى فى الجنّة: المهم الناس.

 سلمتنا زوجة صاحب الفندق مفتاح الحجرة، والقرص الطارد للبعوض والآلة التى يوضع فيها القرص، فوضعنا أغراضنا فى الحجرة واكتشفنا أنه لا يوجد نزلاء غيرنا.

نزلنا بسرعة، انطلقنا نتعرف على هذا البلد الصغير جدا، الجميل على ما يبدو، الجميل فعلا كما بدا، ونحن نتصور أنها ستكون بلدة هادئة شوارعها، خالية من غير سوء، إلا أننا حين اقتربنا من الساحة الرئيسية سمعنا أصوات آلات عزف عالية، سرعان ما تبينا أنها موسيقى فعلا أو أغان تعلو مع اقترابنا من مصدرها، هل هو مسجل قد رفع صوته صاحبه على آخره مثلما اعتدنا فى بلدنا؟ مع وصولنا إلى الساحة الرئيسية، وكانت شديدة الاتساع بما لا يتناسب مع صغر القرية، وجدنا على جانب فيها ما يشبه الساحة الصغيرة ودائرة وكراسى ومناضد فى الهواء الطلق حول حلقة عالية، تمازحنا ونحن نعتبر أن لبتوكاريا هذه قد أعَدَت لنا هذا الحفل الجميل خصيصا تحية لقدومنا، وانجذبنا إلى ما اعتبرناه منصة المحتفى بهم.

يوجد ما لا يزيد عن عشرين شخصا حول حلقه الرقص، ومع ذلك فكأنه حفل لألف واحد، وبدأت الفرقة الصغيرة (لعلهم كانوا ثلاثة) يعزفون، وبدأ الحضور يرقصون وحدهم تلك الرقصات الجميلة، الشريفة، الحقيقية، السريعة، القافزة فى هدوء منسجم، ويحضرنا أنتونى كوين وزوربا معا، (أليسا واحدا؟ لكنهم بدوْا لنا توأمان) وفرحنا معهم، ولا ينغصنى جدا إلا ما لا أمل من ترديده فى هذه المناسبات من مقارنات: أين رقصتنا،؟ أين رقصتنا الجماعية؟ أين دبــْـكتنا؟ أين قفزنا معا؟ لا نريد تانجو ولا فوكس تروت، نريد أن ندور ونفرح بأجسادنا، بوجودنا كله، نريد أن نقترب من بعضنا فى سماح وصدق راقص، نريد أن يتركوا لنا حتى ذكر الله سبحانه ونحن نتمايل، حتى هذا أصبح من المحظورات الجديدة،

لن نبدع إلا إذا تحررت أجسادنا، وعضلاتنا، وأدمغتنا، و”أدلجاتنا”

(جمْع أيديولوجيا!!).

 

الفصل الخامس

الفصل المفقود: (2)

الفصل الحادى عشر: من الترحالات الثلاثة

أوراق قديمة، وأوراق مبعثرة

 من مذكرات 3 يوليو 1950

معذرة لقد نسيت أن أعلق على الحرب الكورية!!!

20 فبراير 1954

قال والدى ونحن نتكلم فى مقدار نصيب الإنسان من الجهد ومعنى الاعتماد على اللّه:

يا إبنى إنى حين أقول أسلمت وجهى لله كل صلاة لا أقولها وأستسلم، وإنما أقولها لأقبل النتائج، و أتعلّم.

(عود على بدء) 27 / 8 / 1986

ديكى ديكى، أنت صديقى أنت رفيق البيت، رفيقى

صِح فى الدار، أيقظ جارى، واشرب ماءً من إبريقى“.

هنا فى لبتوكاريا كنت أنا الجار الذى يوقظه الديك، وأنا الصديق معا،

صديق عن بـُعد كالعادة، حتى مع هذا الديك أصادقه عن بعد!!!

8 اغسطس 1987

.. .. قالت لى ابنتى الصغرى (مى) إنها تريد أن تهدينى من أول مرتب تقبضه هدية ما، وسألتْنى عما أريد، فقلت لنفسى ثم لها : أنت تعرفين ما أفضله: لعبة أطفال أو قلم جاف سنه رفيع جدا، فاشترت لى لعبة لم أحبها، أنا لا أحب اللعب ذات التكنولوجيا الأحدث، ولم أستطع أن أخفى عنها رفضى، قرأَتنى بسهولة، وتألمت وأعادت السؤال، فوجدتنى أنتبه إلى أنها ابنتى الصغرى، لم يبق من أولادى إلا أصغرهم طالبا، فهل آن الأوان لأكتب تجربتى؟ قلت لها أريد كشكولا ضخما، أو عشر رزم مسطرة تقومين بتجليدها معا، وذلك لأكتب لكم وللناس بعض ما هو أنا، ثم أضفت جادّا وكأنى أهزل: على شرط ألا تفتحى هذه الأوراق إلا بعد عشر سنوات من وفاتى، وألا تنـشر قبل عشرين”، يا صلاة النبى وكأن هذه الأوراق هى أسرار المملكة المتحدة، وكأنها سوف تحوى ما يستحق نشره، ولكن يبدو أننى كنت أنوى أن أكتب تاريخ كل خبراتى بحق. وهو ما لم يحدث طبعا، وهو ما لا يحدث أبدا مهما زعموا.

24/3/2000

هذا ما وجدته مكتوبا حين كنت أبحث عن أصول الفصل المفقود، عثرت على اثنتين وثلاثين ورقة من هذا المجلد، الذى أهدتنى إياه ابنتى، واكتشفت أن هذه الصفحات هى كل ما دبجت فى هذه الرزم الضخمة من ورق مسطر (فولسكاب) ويكاد يبلغ حوالى 500 ورقة، وهى مجلدة بغلاف مقوى، لكنها أصبحت قديمة، وقد تكون بعض الصراصير قد زارت أطرافها.

 ماذا كنت أنوى أن أكتب من أسرار لا تُفتح إلى بعد كذا سنة؟

 لماذا توقفت؟ لماذا نسيت الأمر كلية؟  ما علاقة هذا الذى أكتبه الآن بهذه النيّة.

 كنت قد عثرت أيضا على ست كراسات كُتبت سنة 1974 بنفس النية (كنت قد نسيتها أىضا)، لكن هذه الكراسات الست كانت كلها مليئة، وبإسهاب، وأغلب ما فيها كان حول تلك التجربة التى خضتها مع مجموعة من الأصدقاء والزملاء فى محاولة مواجهة جماعية نمائية، كان من ضمنها تجربة “مجموعة المواجهة” Encounter Group، التى لم أتمكن إلا للتلميح لها فى ديوانى بالعامية “أغوار النفس” وفى الجزء الثانى من روايتى “المشى على الصراط” باسم مدرسة العراة، هذه التجربة غير قابلة للكتابة مباشرة، فماذا كل ماعداها؟

نظرت فى الاثنتين وثلاثين صفحة من هدية “مى”، الوريقات قديمة، الصفحات الأولى بعضها ممزق، فـلـصقتها، وجدت عنوانا قرأته بالكاد يقول “قبل البداية” لم يكن تحته أى شىء.

وجدت أيضا كلاما عن بعض المرضى، وأنا عادة لا أكتب عن مرضاى هكذا، فى مثل هذه الأوراق، وهل عندى أوراق مثل هذه؟ خذ مثلا:

10 سبتمبر 1987

منذ أيام جاءتنى مريضة، أو من هى كذلك، تشكو من زوجها المقاول بالصعيد (محافظة قنا) إذ يريد منها (أ) أن تنجب له كل عام طفلا (وقد أنجبت فعلا 4أطفال فى خمس أعوام)  (ب) وأن تظل مقيمة معه فى الصعيد. هذه هى كل شكواها. لم أجد فيما قالت ما يخص ما هو مرض نفسى، قلت لها أن هذا شئ طبيعى، وأن طلبها العيش فى مصر ليس مناسبا بعد هذه السنين من الزواج، ومع ظروف هذا العدد من الأولاد، فانبرى شقيقها يدافع عن حقها فى العيش فى مصر، لأنه (زوجها) لا يحترمها، ولا يريحها، ثم إنه يطلب منها طلبات لا يمكن أن يصرِّح بها، وحين ألححت فى الاستفسار لأكون حَكمًا عدل بين شقيقته وزوجها، قال لى شقيقها إنه (زوجها) يعرض عليها أفلام “الثقافة”” ويريد أن تتجاوب معها أو أن تقلدها، فاندهشتُ للوهلة الأولى، وكررت الاستفسار فأكد لى شقيقها أنها فعلا أفلام الثقافة، ثقافة ماذا فى الصعيد لرجل يريد كل سنة طفلا ؟ استدرت إليها أسألها “ثقافة فى ماذا” قالت “إنه يريد أن أعمل معه: “زى الخواجات العريانين دول اللى بيناموا مع بعض فى الفيديو، وأنا ماباعرفش” فهمت أخيرا أن هذا هو الاسم السرى لأفلام الجنس، وتذكرت مريضا شابا كنت سألته عن كيف يحصل على هذه الأفلام من نوادى الفيديو، فقال لى إن هناك “سيم” متعارف عليه فى كل ناد للفيديو، وعلى الزبون أن يعرفه ولو بالتقريب، مثلا هو يتعامل مع ناد يسمى هذه الأفلام بأسماء مباريات كرة القدم، مباراة البرازيل مع الأرجنتين، أو ألمانيا مع فرنسا.. وهكذا.

9/6/2000

اكتشف وأنا أقرأ هذه الاستعارة الدالة ، أن علاقتنا بالأجانب ، بما فى ذلك  حكاية الثقافة بالمعنى الشائع  يكاد ينطبق عليها هذا المثال،  من هذا النوع. بل إن اختيار هذا الصعيدى لهذا اللفظ “ثقافة” هو مناسب جدا لوصف مثل هذه العلاقة تحديدا. هناك من يريد منّا أن نتحضر بهذه الطريقة، بأن نعمل مثلما يعمل الخواجات فى أفلام الثقافة.

والله فكرة! أكثر الله خيرك يا ست هانم. تعلمت منك ومن زوجك الكثير، أدعو الله أن تكونى قد تثقفتِ بطريقتك ، وأن يبارك لك فيما أنجبتِ ، فيكتفى زوجك ويعينه الله على رعايتهم وشكرك.

وجدت أيضا مكتوبا فى 11/9/1987

أعيش هذه الأيام مرحلة جديدة: هى مأزق ختام تربية الأولاد. فأكتشف أنى دفعتُ بهم الواحد تلو الآخر إلى أن ينتهوا إلى تخصصى  ـ لست أدرى كيف ـ ، ولعل الدافع الظاهر أو الخفى وراء ذلك هو  امتداد مادى، أو محاولة خفية لكسر الغربة التى فرضها علىّ تخصصى، أوكلاهما.

 التحدى الصعب ـ دائما صعب ـو هو ما أُمتحن به من مواجهة التطبيق الآخر والمباِشر لما أزعم أنى أعيش به وله، وهو “قيمة العدل” فكم قلت، وقررت وسجلت، وأعدت التسجيل، أن “مالى” ليس ملكا لأحد، وأنه أمانة لابد أن ترجع إلى أصحابها، وأن صاحبها هو “المريض”، و”طالب العلم” (الحقيقى)، وتفصيل ذلك هو ما يشبه الوصية بأن كل قرش أمتلكه فى حياتى وبعد موتى لا بد أن يوجَّه لعلاج مريض أو لمنح فرصة لرواج فكرة جيدة، ناهيك عن منح الأمان للدفع إلى إخراج فكرة (حياة)  جيدة.

9/6/2000

ماذا تحقق من ذلك؟ وماذا يمكن أن يتحقق؟

هل أولادى هم الأحق تحت زعم أنهم أقدر على حمل هذه الأمانة إلى ذويها؟

ما المقياس؟ من يدرى؟ من يحكم؟ كيف؟ ماذا أفعل الآن؟

لم تكن هذه أول مرة أكتب فيها مذكرات، فقد بدأت من سن الثانية عشرة على ما يبدو من الأوراق المبعثرة التى عثرت عليها أثناء بحثى عن الفصل المفقود، أكتشف أن “فرط الكتابة” الذى غمرنى فى مأزق منتصف العمر (72 ـ 86) أخرج عدة أعمال ما بين الشعر والرواية الطويلة، وكلها كانت أشبه بمذكرات متصلة حتى انتهت بهذه السيرة الذاتية الجزئية التى أخذت شكل أدب الرحلات فيما أسميته “الناس والطريق” ثم هآنذا أقرر كتابة ما اسميته “أدب المكاشفة” ـ تصورت أن هذه السيرة الذاتية غير المقصودة هى الأهم والأصدق (ربما هذا هو مبرر كتابة الترحال الثالث، بل هو كذلك- لننتظر)، أواصل القراءة:

 وجدت أيضا مكتوبا فى 9/8/1987

هل هو الشعور بقرب النهاية؟ هل أعطِى بذلك لنفسى أهمية أكثر مما أستحق؟ هل هو الشعور بأمانة المسئولية وضرورة تسجيل ما أحجمتُ عن، أو خفت من، تسجيله حتى الآن؟ هل هو سبيل آخر (ثالث أو عاشر) لتسجيل خبرتى العـلمية بعد أن عجزت الوسائل الأخرى (حتى الشعر والرواية) عن تسجيلها؟

 أريد أن أكتب عن خبرتى، مِن خبرتى، فى ثقافتنا هذه بالذات:

 (أ) ملحمة الفصام (تشكيلات ذهانية)

 (ب) فن المعالجة ودفع النمـو والإبداع

 (ح) معنى الأعراض النفسية!!!!

هذا فضلا عن إكمال نظريتى فى “ماهية تطور الانفعال/ الوجدانية. ونطريتى عن “تطور المرأة” فـ”تحرير الرجل.  الرجل لا يتحرر إلا إذا إذا تحررت المرأة  من عبوديتها لذاتها وله بالنيابة.  من أين نبدأ؟ التحرير كذبة عالمية وتاريخية ؟ لا أحد يعرف عمق ومسئولة ومخاطر الحرية ، خصوصا الرجال. على المرأة أن تعقل وتمسك الدفة فقد خُدعَ الرجال وفشلوا،  فهل تسعنى هذه المذكرات؟

وجدت أيضا مكتوبا فى 9/10/1987

أثناء تواجدى بالعيادة، هذا الأسبوع، دخل علىّ ذلك الرجل الذكى المعمم الذى بدا صديقا  دون معرفة سابقة إلا استشارة محدودة قبل أسابيع، كان قد أمضى فى جنوب السودان وغرب أثيوبيا وكينيا ما أمضى من سنوات، يتكلم أربع عشرة لهجة أفريقية، كما عاش المجاعة معهم. كان يتنقل بالهليوكوبتر والحمير حسب المتاح والحماس، جاءنى من إحدى قرى محافظة المنيا غرب ملوى، كان مرافقا لمريض جديد بعد أن برأ هو من عارضٍ ألمّ به واستشارنى بشأنه. فوجئت به يقول وهو يشير بيده محتجّا:

ـ”هوه أنت مش حا تكتبها بقى؟

قلت له فى دهشة :

     –  أكتب ماذا يا فضيلة الشيخ؟ “

أكمَل وكأنه لم يسمعنى:

     – هل ستظل هكذا رائحا غاديا، طارقا مترددا، أُكتبها يا رجل وخلصنا.

هذا الرجل لا يعرفنى، وكأنه يعرفنى أكثر من كل من عاشرنى.

 قلت له وكأنى  أواصل حديثا طويلا ما انقطع، حادثتُه وكأنه يعيش معي، بداخلى، وكأنه أقرب من أقرباء أهلى. وكأنى أحادث نفسى، عرّانى هذا فضيلة شيخ دون استئذان. قلت له:

 ـ متى يا فضيلة الشيخ؟ متى؟

رد علىّ فى غضب حقيقى:

 ـ هذا شأنك، أم تريد أن تظل على هذا المكتب (يشير إلى مكتب العيادة) تؤجل حتى تنسى، وتعـِدُ ولا تفى.

 ذكـّـرنى إبنى محمد، ونحن فى الاسكندرية،  بهذا الحديث الذى نقلتُه له قبلاً، هذا الشيخ لم يقرأ حرفا مما كتبتُ تنظيرا وفروضا، ولا سمع عمّا وعدت، فكيف عرف ما أحمله من قول ثقيل يرهقنى، وكيف أتته هذه الإحاطة بمشروعى الذى يلومنى بسبب التقاعس عن إتمامه، كانت تذكرة محمد إبنى لى بحديث هذا الشيخ بمناسبة ما عرضته عليه مما كتبته عن “الضلال” فى الموسوعة النفسية التى تنشر بانتظام فى مجلة الإنسان والتطور، بدون توقيع، قال محمد: إن هذا الذى كتبتـَه فى عجالة عن الضلال فى هذه المجلة التى لا يقرأها أحد، يصلح فروضا لأبحاث تستمر عشر سنوات، وأن أى وقت يضيع من وقتك فى غير هذا الاتجاه هو مسئولية لا يعلم هو كيف سوف أدافع عن نفسى إذا تخليتُ عنها.

فهل هذه المذكرات (فى رزمة أوراق “مى”) هى ضياع وقت فى غير الاتجاه الذى نصحنى به فضيلة الصديق الصعيدى، وذكرنى به إبنى محمد؟

ذات يوم فجأة: قال لى أ. د. عماد حمدى غز (الآن أستاذ طب نفسى، ثم استشارى فى المملكة المتحدة) : إنك تحوم حول نظرية فى الحياة  لـلحياة، هى فلسفة كاملة، فلماذا لا تكتبها، بدلا من أن تُخرجها متناثرة متخفية تحت اسم حركى هو الطب النفسى، أو الأمراض النفسية،

كدت أفهم مقصده، وخاصة وأن كتابى “مقدمة فى العلاج الجمعى” كان مقدمة لرسالته فى الماجستير التى أشرفتُ عليها، وكانت به إرهاصات ما يتحدث عنه.

وجدت أيضا مكتوبا فى 10/10/1987

لست أدرى وأنا أكتب هذه المذكرات أهى حديث شخصى أم أنها هى هى هذه النظرية؟ المهم أنى قررت وبصفة عاجلة، بعد ما أحضرتْ لى ابنتى هذه الهدية، أن أكتب هذه المذكرات هكذا (يوميا) ثلاث صفحات على الأقل، هآنذا أبدأ، وكأنى بوجود هذا المجلد الفارغ أمامى أُُحرج نفسى لألتزم بالكتابة، أفرض على نفسى ما فرضه علىّ التزامى بإشغال عامل جمع حروف طباعة حتى يجد عملا منتظما بعد أن كنت السبب فى تركه عمله، فخرج كتاب السيكوباثولوجى، أهم أعمالى حتى الآن، وحكايته كالآتى:

إنه فى ديسمبر سنة 1978 تقرر عقد المؤتمر الأول للطب النفسى، وكنت المسئول عن اللجنة العلمية تخطيطا، وتنفيذا، بما فى ذلك طباعة دليل المؤتمر. وموجزاته وغيرها، ولم أجد مطبعة تسعفنى، ولم تكن تجهيزات الطباعة الأحدث فى المتناول أصلا، فاشتريت على حسابى صندوق حروف كامل، ووضعته فى حجرة بجراج بيتى، وأستأجرت عامل طباعة، قام بالمهمة فى وقتها، وأنقذنا الموقف، وطبعنا اللازم وانتهى المؤتمر، لكننى وجدت أمامى عاملاً ترك عمله وتفرغ لهذه المهمة من أجلى، كما وجدت فى حوزتى حروفاً استُعملت مرة واحدة، ولا يمكن بيعها بسهولة، قـلت أكتب كل يوم عددا من الصفحات أناولها للعامل يجمعها وهو يواصل عمله عندى، فى الجراج، حتى يجد عملا آخر من جديد، ووجدت المهمة جد عسيرة، فما أسهل أن تكتب لنفسك ثم تمزق ما تكتب، أما أن تكتب صباح اليوم ما يُجمع حروفا قابلة للطباعة فى المساء، فهذا شئ آخر، فاستخرت الله أن أقوم بشرح ديوان سر اللعبة الذى صغت فيه “علم السيكوباثولوجى” شعرا، وذلك وفاء لوعدى لصلاح عبد الصبور أثناء مناقشته معى هذا الديوان فى البرنامج الثانى، حين وجده ـ متفضلا ـ شعرا صرفا، وتحدانى أن يكون هذا علم أصلا، وفرحت لكونه شعرا قحا وليس رجزا مثل الألفية مثلا، وقبلت أن أقبل اقتراحه، أو تحديه، ثم وعدته أن أكتب شرحا على هذا المتن الشعرى، ووجدت الظرف الطارئ هذا حافزا لكتابة هذا الشرح حتى أجد ما أشغَـلُ به هذا العامل حتى يجد عملا، وهكذا يوما بيوم رحت  أكتب أربع عشرة صفحة  وهو القدر الذى  قدّره هذا العامل ليملأ به سبع ساعات العمل، فخرج عملى الأكبر “دراسة فى علم السيكوباثولوجى” كأهم ما كتبت حتى الآن، وليس معنى هذا أنه خرج بالصدفة، ولكنى من يومها تبينتُ كيف أن المثير، أو الدافع المباشر، قد لايتناسب بالضرورة مع المحتوى والناتج.

كنت أسجل مع صلاح جاهين يوما برنامج عن بيرم التونسى، وجاء ذكر الليلة الكبيرة، وسألته بحب : لماذا لم يكرر المحاولة ليتحفنا بمثلها أو ربما يتجاوزها؟

قال لى صلاح: إنك لا تعرف قيمة الصدفة، إن الـصدفة لا تتكرر، وحكى لى كيف ظهرت فكرة الليلة الكبيرة فى جلسة مع سيد مكاوى، وكيف تطورت حتى خرجت هكذا، وقلت لنفسى إن مثل هذه الصدفة ليست صدفة بالمعنى الشائع، لكنها “فرصة” لإطلاق الكامن.

هل هذه المذكرات فرصة، أم صدفة؟ أم مضيعة للوقت؟

إن المبرر الوحيد لكتابة هذه المذكرات، هو أن أقول مالم أستطع قوله من قبل. فهل أجرؤ الآن؟

ثم هبْ أنى تصورتُ أن شرط عدم قراءة ما أكتب قبل عشر سنوات، وعدم النشر قبل عشرين سنة قد نفذتـْـه ابنتى حرفيا، فما معنى أن ينشر هذا الكلام سنة 2007 (ألفان وسبعة ميلادية)؟ ، أليس الأولى أن أمضى مباشرة إلى كتابة النظرية أو النظرة أو الفلسفة دون التـلكع والتهرب هكذا؟

أنا بالذات، أشعر أنى مدين بكتابة ما هو أنا، أشعر أنه واجب لا مفر منه أن أسجل هذا الجانب من تجربة حياتى، فأنا أحسب أنه قد أتيحت لى فرصة لم تتح لغيرى، وأن معرفة هذاالذى كان هو من حق الناس، وأحيانا أبالغ فأقول إنه من حق الوعى البشرى، نعم؟ نعم؟ حقه فى ماذا؟ فى تعرية نموذج بشرى هو أنا، وليس فى مجرد الإعلان عن أحداث مرّت بشخص ما.  هذه أهمية وهمية لا أساس لها ، فانتبه !!

انتهت الصفحات الثلاث الأولى، ولم أبدأ بعد،

أرى أن أذكر حادثا مؤلما غامضا تراودنى آثاره بألم دفين: هو هجومى القاسى على أمى منذ عام، فى محاولة تثنيتها عن القيام بلعبة كاذبة وقاسية تحت وهم تكفير عن ذنب خفى تجاه خالتى المتوفاه (أمى الأخرى)، وقد أعود إلى تفاصيل ذلك مرة أخرى وقد لا أعود.

المقطم فى 9/6/2000

هذا ما كان مكتوبا هكذا، ولم أعد أبدا: ولم أكتب شيئآ عن ذلك، ولا أذكر الآن ماذا فعلتْ أمى بذكرى خالتى مما جعلنى أكتب هذا الكلام، ولكن الذى أذكره تماما، وذكرته سالفا أن لى أمَّـين، خالتى وأمى، وأن أمى الأكثر مالا وولدا كانت تحقد على خالتى المطلقة عديمة الولد وحيدة الإقامة محدودة الرزق جدا جدا، لماذا؟ ما هذا؟ كيف هذا؟ لم أكتب شيئآ عن كل ذلك رحمهما الله رحمة واسعة، وسامَحَنى إن كنت أسأت إلى أىهما. (أنظر فصل “أمى” فى الترحال الثالث إن شئت”)

وجدت أيضا مكتوبا فى

 1987/8/27 الساعة الخامسة صباحاً

اليوم أسافر إلى اليونان مع بعض أولادى وأصدقائى، قررتُ أن أكتفى بأخذ هذه الأوراق الخالية (المذكرات) معى لأعفى نفسى من حمل أثقال الكتب الأخرى، ولألزم نفسى بالكتابة دو ن القراءة هناك، ولكنى فى آخر لحظة حشرت عدة كتب داخل الملابس وكأنى أهرّبها من شخص ما، كتبٍ كنت أجّلت قراءتها، ومن بينها رواية جبرا إبراهيم جبرا “البحث عن وليد مسعود”، لا فائدة، لا أتغير. الرحلة قصيرة، وهى هدية زواج ابنى الأكبر الذى لم يتمكن من اصطحابنا فى رحلتنا الأولى بسبب التجنيد،

إبنى هذا ـ محمد ـ هو الأقرب، ومع ذلك أتبين كيف تتسع المسافة بيننا باضطراد، لا أعرف لماذا يتجنب كتبة السيرة الذاتية الحديث عن أبنائهم فى حين يتحدثون عن طفولتهم وإخوتهم ووالديهم بإسهاب لا حدود له، أكتشف الآن أن طه حسين ـ على حد علمى ـ لم يذكر شيئاً ذا بال بشأن أولاده أو علاقته بهم، أليس الأولاد هم صناعتنا نحن، فهم أدل على ما هو نحن، فى حين أننا صناعة أهلنا؟ سيرتنا الأولى أؤلى أن تكون سيرة أهلنا.

 المسافة بينى وبين إبنى الأصغر، مصطفى، ظاهرة منذ البداية، منذ لاحظت عليه ميلا للرفاهية أو الفوقية، فاضطررتـُـه أن يذهب معى إلى مزرعة صغيرة أنشأتها بالقرب من الجيزة وأرغمته (وهو بعد فى الثالثة عشرة على ما أذكر) أن يمسك الفأس ويعمل مع الفلاحين معى،  أو بدونى، لا أذكر، حتى يعرف معنى العمل، والعرق، والفلاحة، والفلاح، والوقت، والطين، والطبيعة، والناس. ومنذ ذلك الحين ارتفع حاجزبينى وبينه مع أننى أتصوّر أن هذه الخبرة حوّلت ما رفضتـُـه فيه إلى إبداع رائع فى مجالات لا تخطر على بال، مجالات متنوعة لست أدرى كيف اكتسبها كلها مرة واحدة، من أول التصميم المعمارى حتى فن الترتيب المنزلى الداخلى (الديكور)، حتى الطبيخ،حتى تصميم موديلات جديدة لأثواب نسائىة لأختيه وأمه وقريباته بما فى ذلك :”فساتين الزفاف”.

{لكنّه مع احتفاظه بكل هذا أصبح طبيبا نفسيا. ولا أدرى إن كان سيستمرأم لا.

       “أنا مالى” أنا بكل هذا؟

2000/7/23

ثم تزوج إبنى الأكبر ـ محمد ـ من بنت رجل طيّب، لكنّه يحب الأفراح والرسميات، وله معارف من علية القوم بلا حصر هو المرحوم أ.د. حلمى نمر، فكان الزفاف فى فندق من إياهم، ورفضت هذا النوع من الاحتفال من حيث المبدأ، لكننى لم أعترض حتى أحول دون ذلك. فقط عملت لهما زفافا أسبق فى مزرعة لى قريبة من القاهرة دعوت إليه كل أصدقائى الفلاحين وغير الفلاحين، وحين جاءت مناسبة هدية الزواج أو “النقوط”، فكرت فى أن تكون هديتى لهما هى أن أصحبهما فى رحلة إلى الخارج،  أعوض بها غياب ابنى هذا عن صحبتنا فى الرحلة الأولى (كان مجندا آنذاك كما ذكرت). ثم لعلنى أؤكد بها ما أنتمى إليه من”ناس وطريق”، وأيضا لعلى أتعرف على أولادى فى مرحلة أخرى  بعد أن بدأوا مسيرة الاستقلال الفعلى،وهل أنا نجحت فى التعرف على من اصطحبنى منهم فى الرحلة السابقة ، هم الذىن تعرّفوا علىّ.

وجدت  مكتوبا فى الأوراق التى أهدتها لى “مى”:

 الجمعة 28 / 8 / 1987

لوكاندة الشاطئ اليونانى Greek Cost Hotel

ضاحية فولياجمينى Vouliagmeni تقع بعد ضاحية جليفادا فى اتجاه الشمال الشرقى من أثينا (فى الأغلب) فى الطريق إلى سونيو، كنت قد تعرفت عليها من رحلتى مع زوجتى عند عودتنا من تركيا.

ابنة صاحب الفندق اسمها كاترينا، تبدو كأنها نمرة هائجة بشكل ما، لم تكن مفرطة الحركة أو قافزة الخطى، أتذكرتشبيهاتى للمرأة المهرة فى مخيم “ألبادورو”، بالقرب من فينسيا، والمرأة البومة أعلى بوليو بالقرب من نيس، والمرأة القطة (العانس) فى فيل نيف بين  نيس وكان، ما الحكاية / ما تفسير ذلك؟ ولماذا راعيات الفنادق بالذات هن هكذا؟ هكذا ماذا؟

كانت كاترينا هذه متحفزة تكاد تثب عليك فى أنوثة فائرة واثقة. استقبلت تهيجها من نظراتها المقتحمة، وقوامها الفاره، واحمرارها الملتهب، هياجٌ يخبرك بأن النار ليست دائما عذابا للجاحدين، كاترينا هذه أقرب إلى النمِرة المختالة المتحفزة للقفزة الرشيقة العملاقة معا، ومع ذلك، أو ربما لذلك، لم أستطع البقاء فى فندق أبيها إلا لليلة واحدة، ثم انتقلنا تحت زعم السفر المفاجئ إلى فندق مجاور يبعد عن الشاطئ قليلا لكنّه على ربوة أجمل،

فى هذا الفندق الجديد قابلتنا المرأة البطة: فرنسية الجنسية (هى التى تقول) ، من أم يونانية ووالد فرنسى، و جدة لبنانية، ونشأة اسكندرانية، وأبناؤها ـ على حد قولها أيضا ـ متزوجون ويعيشون فى فرنسا، حكت لى بعربية مصرية ليس فيها حتى اللكنة اليونانية أنها ولدت فى الاسكندرية وتربت حتى سن السابعة عشرة هناك، وأنها تعيش على أمل أن ترجع. وأقول لها “لماذا؟ ” نحن نأتى وأنتم تريدون الرجوع؟ فتقول : أنا لا أحب “الجريك”.

لم أفرح بكلامها المصرى الطليق، ولم أرفض شهادتها وعواطفها.

أنا؟ ما ذا بى؟ ما ذا بى أنا؟ أريد أن أشعر أنى”قريب و غريب معا “أننى “حـر ومطلوب فى نفس الوقت” (وجدتنى قد كتبت هاتين العبارتين فى الأوراق بالإنجليزية لست أدرى لماذا: Free and Wanted together ، A near stranger).

 أريد أن أنطلق بعيدا عنهم دون أن ينسونى،

أن أقترب مع ضمان حقى فى الابتعاد فى أى وقت.

 وهم؟ من أين يأتى لهم الأمان تجاهى ما دمتُ كذلك؟

 أم أننى أريد أن أتمتع بحق لا يحق لهم.

من هم؟ هل يحقق لى السفــر تلك العلاقة المتصلة المنفصلة فى آن؟

 أعتقد أن فى السفر شيئا من ذلك.

ثم يبدو أننى على سفر دائم، مسافر أنا فى الزمان، فى الوقت، فى اللحظة، فى الـ “لا لحظة”.  فلماذا الإصرار على تفعيل ذلك واقعا على الطريق بين الناس؟

السفر هو تجسيد حى “من”<=>”إلى”، وبالعكس،

هل هو يوضح لى أكثر فأكثر علاقتى بتلك الحركة الحتمية “الذاهبة<=> الآيبة” أبدا؟

تلك الحركة التى تحافظ على قدرتى على الاستمرار والتجدد؟

 لا أستطيع أن أحيا إلا على حافة المجهول الواعد.

(هل هذا ما التقطه سعد الله ونوس فى طقوس الإشارات والتحولات؟ يوليو 2000)

إن من يحيا على يقين مطلق ساكن: ليس حيا.

والذى يتحرك إلى معلوم، يكاد لا يتحرك.

أما الذى يتحرك إلى يقينٍ يتحرّك وجوده وينبض بمجرد الحركة إليه، فهو مَـن أقدّم له نفسى هكذا. هل نأتنس إذن ونواصل؟

 توفيق الحكيم حين اقترب من النهاية ليموت ميتته الرائعة، كان خفيف الدم، متفتح الوعى، يقينىّ الوجود، مات وأنا أحسده على هذه الحياة الفنية التى عاشاها متفرجا أو كالمتفرج، قال كلمته وكأنه يكتبها هوامش طول الوقت، حاول أن يخدعنا طول الوقت وكأنه ليس عنده إلا هوامش ليدعنا نحن نستنتج المتن، فإذا بهوامشه متن كلها (ما عدا التعادلية، فهى أهمش من كل هامش)، أوهمنا أنه ظل يسير طول الوقت بجوار الموكب الصاخب دون أن يدخله، فلا هو أحد أعضاء الموكب ولا هو مشارِك فى الصخب، ولكن فى نفس الوقت هو لم يتخلف خطوة واحدة عن الموكب، ظل يراقبه، ويعلق عليه، ويقبل، ويرفض، ويشير، ويرسم، وينصح ،ويعقب ،ويغضب،  ويقرّ، لكنه أبدا لم يدخل إلى وسط الزفّة.

        كما أنه لم يتخلف عنها لحظة واحدة. والله “جدع”!! لست متأكدا.

وجدت أيضا مكتوبا فى

 صباح 9/2 / 1987 الساعة 8.15

تتفتح أمامى حرية محدودة، وغموض طيب، والتزام غير مفهوم موضوعيا وعلامات استفهام بلا حدود، أغلبها حول الجنس!!  إنى لم أر أبدا أن من أطلق سراح الجنس سهلاً طيبا أو خبيثا، قد أصبح أكثر إبداعا أو أعمق أصالة، الجدل الخلاق مع جسد آخر هو شئ غير الجنس، ليس حل الجنس أن نحققه أو نتسامى عنه، لا “ولهلم رايخ” كان محقا فى هجومه على فرويد متصورا تجاوزه،  ولا “فرويد” كان محقا فى جبنه الجنسى وتشويه بحكاية التسامى والتنظير، فرويد لم يجنسن الإنسان بل هو  انتزع الجنس من بين الفخذين ليضعه داخل الدماع أفكارا وحكايات، والجنس ليس هذا ولا ذاك. الجنس الإنسانى هو الذى نكونه لنتخلّق من خلاله فلا يصير جنسا، ولا يصير شيئآ آخر غير الجنس. الجنس الذى نتسامى عنه بالحضارة ليس جنسا، الجنس نفسه هو حضارة الأرقى.

(إضافة: ألقيت بعد ذلك محاضرة عن “الوظيفة الجنسية من التكاثر إلى التواصل”

ضمن ندوات “لجنة الثقافة العلمية ” فى المجلس الأعلى للثقافة أوضحت فيها هذه

الأفكار بالتفصيل، ثم طورتها وأنا أجمع فروضى وتنظيرى فى ما بعد. .أكتوبر 2000

وجدت أيضا مكتوبا فى 30 أغسطس 1987

أثينا ـ فولياجمنى : صباح الساعة 8.40

انتهيت لتوى من قراءة الفصل الخامس من رواية جبرا ابراهيم جبرا. بعنوان: “الدكتور طارق رؤوف يتأمل فى برج الجدى”، لماذا يختل توازن الأدباء حين يقتربون من هذه المنطقة؟ منطقة تصوير الطبيب النفسى، أنا لا أدافع عن هذه المهنة، بل إننى أعرف عن هذه المهنة وعن المشتغلين بها ما هو أسوأ بكثير مما يدمغونها به، لكننى أتحدث عن السطحية التى يتناولونها بها، بعضهم يتعمّق أكثر وأصدق وهو يحكى عن المرضى النفسيين دون أطبائهم، هذا إذا نجحو فى تجنب تشويه المرضى أو استعمالهم.

إبنتى “مى” تمثل لى مشكلة حادة، ومصطفى ابنى يمثل لى ضميرا مترصدا خائفا، كلما أغرتُ على مى لأكسر ذاتويتها بعدوان كاسح محب يخيّل إلى أنى أنجح فى توصيل رسالة جوهرية، إلا أننى أعيش ألماً لا طاقة لى به، لا أعرف إلى متى ستتحمل مى هذا، وإلى متى أعيش حتى أواصل محاولاتى هذه بالإغارة المحبة المسئولة؟ منتظرا ناتجها الإيجابى حتما؟

قلت لعماد (د. عماد حمدى غز أستاذ طب نفسى، وتلميذ لى، وزميل رحلتنا هذه) إن مواجهة انفصال الأولاد، هى المحك الأكبر لحقيقة تواصُل المسيرة البشرية، فأنا ضد هذا الزعم الغربى الكاذب بالتعجيل باستقلال الأولاد ليبدأ كل منهم يعيد نفس الدائرة ـ محلك سر ـ كذلك أنا لا أفهم كيف تتواصل الأجيال مثل سباق التتابع؟ يسلم كل جيل الشعـلة لمن يليه بخبراته وطفراته وجمال إبداعه وعناده. ثم إنى لا أتمادى مع النفخ فى زعم حتمية الصراع بين الأجيال، لكننى أتصور نماذج كثيرة لتواصل الأجيال لا بد أن نستلهمها من التاريخ عامة ومن تاريخنا خاصة، نبدأ الاستلهام من الحيوانات، ونلم بالتاريخ بالطول والعرض، فلا نهمل بكين لحساب واشنطن، ولا نهمل النوبة لحساب القاهرة، ونتعلم من القبائل، ومن الأحياء الشعبية، ومن الغرب معا، أما أن نفترض مشاكل  ليست هى مشاكلنا أصلا، ثم نضيع وقتنا فى محاولة حلها،، فهذا مضيعة للوقت، وعبث بالتلقائية.

إن الأجيال لا تتابع، بل تتداخل فى بعضها البعض.

الطفل يحتاج والدا يتصف بصفات أخرى غير ادعاء الحرية، وزعم الحوار

 قلت لـمَىْ إن التحاقك بمعهد الطفولة لـن يكون مثمرا إلا إذا وجدتِ لنا سبيلا ومنهجا نحقق به فروضا تناسبنا نحن، سألتْـنى عن بعض تلك الفروض فقلت لها، مثلا :

إن الوالد لا بد أن يقدم لابنه إطارا محدد المعالم يتحركان ـ معا ـ داخله،

وأن يكون الوالد فى متناول ابنه ـ حتى لو كان غائبا بجسده ـ لا كابسا على نفسه،

وأن يحافظ على مسافة بينه وبينه شريطة أن تكون مسافة مرنة، دون زعم الحرية.

 وأخيرا أن يتحاور معه على أكثر من مستوى، لا يكتفى بالتراشق بالألفاظ المناقشاتية، والإقناع العقلى،

والعجيب أنها فهمت، ولم تستوضحنى، فخِفتُ مما قلت.

أرجع إلى الدكتور طارق رؤوف، فى البحث عن وليد مسعود، ولا أميل هنا أن أنبه إلى تحفظى على كيف ضاجع هذا الطبيب النفسى مريضته مريم ـ ولكن لماذا الإفراط فى كل هذا اللاسواء فى الأدب الروائى عامة، يبدو أن الصحة النفسية تبدو للأدباء فاترة حتى لا يلتفتوا إليها، تصورت لو أن جبرا كتب عن وليد مسعود السوى، فربما كتب ما يلى:  :”ولد وليد مسعود، وتعلمَ، والتزمَ، وتزوجَ، ورافقَ، وتابَ، وأنجبَ، وكافحَ، وأعطىَ، وصبرَ، وماتْ. “

[توفقتُ عن الكتابة ـ ولم أكن قد أكملت من الرواية (379 صفحة) إلا 180 صفحة، ثم عدت إلى الكتابة بعد أن أكملتها ـ نفس اليوم، الساعة 8.25 مساء]

أنهيت رواية البحث عن وليد مسعود، وأقر أن الكاتب قد أنجز عدة اختراقات سواء من ناحية الشكل أو الإبداع الروائى (إن صح التعبير) فقد كان حدسه يلتقط كثيرا من المتناقضات بسهولة ويتركها تلعب جدليتها وكأن الأصل فىالطبيعة البشرية هو هذا التناقض الرائع المستحيل، حتى موقف الدكتور طارق رؤوف الذى أشرتُ إليه قبلا. والذى ضاجع مريضته يمكن أن يمثل تناقضاً آخر بدلا من أن أقف منه موقفا أخلاقيا مسطحا.

أعود إلى قضية تعاودنى بإلحاح: سجن الأخلاق، كل الحلول المطروحة هى حلول فردية فى النهاية. مع أن المفروض أن جوهر الأخلاق هو السلوك وسط الناس، بين الناس، السرية تكاد تُخرج الموضوع من قضية الأخلاق إلى موضوع آخر، ومع ذلك فالحل على المستوى العام يبدو مستحيلا.

ليست قضية وليد مسعود هى أنه عشق من عشِق، وعاند من جابَه، واخترق من سَكَن، وجَنّنَ من اقترب، ولكن قضيته هى أنه استطاع أن يكون “كلمة” نابضة متخلـّقَةً، طول الوقت.

قضيتى أنا هى الإبداع، وليس السواء، ولا الصحة النفسية، ولا الالتزام الخلقى الفاتر، ولا الدين الرشوة،

8/6/2000

ما هذا؟

سيرة ذاتية هذه؟  أم أدب رحلات؟  أم نقد أدبى؟ أم مقالة علمية؟

لكن هذا بعض ما وجدته مكتوبا فى أوراقى المبعثرة.

وجدت أيضا مكتوبا يوم  الجمعة 4 / 9 / 1987

أثناء سيرنا دون الأولاد فى جليفادا قابلنا شابا أسمر/ أسود يوزع إعلانا يدعونا فيه إلى الذهاب ـ مجانا ـ إلى جزيرة لست أدرى ماذا، لنقضى ليلة وبعض يوم فى الفندق القابع فى جنوب شبه الجزيرة ـ عبر بوروس ـ والمسمى “نادى بورتو هيدرا” فندق خمس نجوم. مجانا؟ قلنا لبعضنا مازحين “سوف يخطفونا، ونحن لا نساوى تعبهم هذا”. حاولنا أن نتأكد: ما هذا الكلام يا سيدى؟ تقول مجانا؟ قال اورجار (هذا هو اسمه كما عرّفنا بنفسه، وهو من زمبابوى) مؤكدا: “مجانا”، يا عم اورجار مجانا؟ أعاد:مجانا

 الشك يساورنى، يساورنا جميعا. ربما سيكلفلوننا مصاريف أخرى غير منظورة، ربما سوف يجندونا فيما لا نعلم، على أى حال قد نصبح رهائن وتطلع صورنا فى الصحف الأجنبية وهات يامفاوضات وكلام من هذا، وأخذنا نضحك.

 قبلنا الدعوة بيننا وبين أنفسنا وقلنا: مغامرة أخرى لن تضر، بل هى ما نحتاج،

وجدت أيضا مكتوبا فى  5/9/1987

 مساء الاثنين، ونحن نتأهب لرحلة الثلاثاء

 قابل اورجار الزمبابوبى ابنتى مى بالصدفة (هو هو حسب وصفها)، قابلها  فى نفس المكان وأخبرها أن الرحلة أُجِّلت إلى يوم الخميس. نفس المكان، نفس الدعوة المجانية (فى الأغلب) جادلتْه مى حتى عرفت أنه هو الذى دعانا، وأنها نفس الرحلة، وأنها تأجلت، يا ابن الـماذا؟ كيف ذلك دون أن تخطرنا؟ وقد أخذتَ هواتف فندقنا؟ لعب الفأر فى عبنا أكثر.

يوم الخميس بدأت الرحلة المجانية.

 الأتوبيس الفخم ينتظرنا فى الموعد تماما، وأيضا يتحرك فى الموعد، ومنه إلى الأتوبيس النهرى الظريف إلى جزيرة بوروس ومنها بالمعدية إلى جال تاس ومعنا المرشدة “فولا”. ينتظرنا أتوبيس آخر، ينقلنا إلى فندق بورتو هيدرا فعلا، إذن فالحكاية جد يا رجال!!، واحتمالات النصب تتباعد. الموقف فى غاية الوضوح، والمواعيد بالثانية.

ليكن، وننزل إلى جزيرة بورتهيدرا، فتقابلنا مرشدة أخرى أفخم من “فولا”، وتخطرنا بأرقام حجراتنا كذا وكيت، وتعطينا كوبونات للعشاء والإفطار مجانا، كما تخطرنا أننا أحرار نفعل ما نشاء حتى بعد إفطار الغد.

تأجل حب الاستطلاع النهائى حتى الغد.

6/9/1987

اكتشفنا الحكاية بسرعة، هى دعاية محسوبة لما يسمى شراء الوقت (اقتسام الوقت Time Sharing) يغامرون بدعوة كل الناس: الذى يسوى والذى لا يسوى (أمثالنا). ويحسبونها حسبة منضبطة : إن عدد من يتورط (أو يتفهّم) ويشارك (فى الوقت)، يمكن أن يغطى مبيت ومواصلات وأكل العالة أبناء السبيل أمثالنا. والشهادة لــله أن المندوب المكلف بإقناعنا (بإغوائنا) بالاشتراك كان شديد الإخلاص، قابَلََنا ظهرا فى اليوم التالى على مائدة جانبية قبل الغداء، وهات يا إغراء وهات يا دعاية، وهات يا تسهيلات، ثم عرض علينا قائمـة بالمصريين المشتركين من قبل. ياه!!! كل هؤلاء؟ بعض الأسماء نعرفها، بعضهم زملاء. ونحن لا ندرى؟ وهل المفروض أن يأخذوا إذنا منا، أو أن يشهروا اشتراكهم فى صحيفة محلية؟ فلماذا العجب؟ يبدو أن كمية الشراب التى تجرعها المندوب المكلف بنا كانت كافية ليلة أمس لتجعله لا يلاحظ ابتساماتنا المتبادلة بيننا شفقة على مجهوداته الضائعة، ولم ينجح طبعا فى إقناعنا ، ماذا لو حرمونا من الغداء نتيجة مقاومتنا؟ ثم إنه لم يلاحظ -ضمنا- كيف كنا نتجنب رائحة الكحول المتصاعدة مع تنفـسه، ومن فرط ما ألحّ وسهّل وزيّن كدت أتصور أنه يمكن أن يشركنا فى هذا الوقت المقتَسَم مجانا، أصبح كل شئ قابل للبيع بالتقسيط، حتى الوقت، كما أضحت الأموال والأحوال والفسح والأدمغة كلها قابلة للتوظيف.

انتهت المغامرة وأنا أتذكر ـ مرة أخرى ـ ما ذكرتُـه عن اكتشافى عن معنى “ابن السبيل”، وضرورة إكرامه مجانا،. ما أكبر الفرق بين الدعوات المجانية المسئولة التى تحترم غربة الإنسان و ظروفه غير المضمونة، والدعوات المجانية المحسوبة بدراسات الجدوى جدا.

هذا ما كان من حماس، ومغامرة، ورشوة، وإغواء للمشاركة فى الوقت،

ماذا عن المشاركة فى الحياة؟ فى الهم؟ فى الوجود الضام؟ فى الطريق إليه؟

وجدت أيضا مكتوبا فى 6 / 9 / 1987

موعدنا أن نذهب إلى مهرجان النبيذ فى “دافنى” وقد اصطحبنا الخواجة سوتيرى (المعلم يوسف ـ عديل الخواجة أولوز،  والاثنان من أبناء شبرا مصر!!) وللأسف وجدنا أن المولد قد انفض فعلاً، وكنا قد مررنا مصادفة على حفل شوارعى بالقرب من سينتاجما فعدنا إليه فإذا بالمغنيات والمغنين يقدمون “نمرهم” فى مكان عام مقابل مشروب للجالسين لا يزيد ثمنه عن حوالى 4 جنيه وهو الثمن العادى للمشروب.

 نسافر غدا إلى مصر.

هذه الرحلة لم تروِنى حتى الآن كما كنت أتمنى.

 لكنها ـ على كل حال ـ علامة،  (كالعادة،). علامة على ماذا؟

 يخيل إلى أن العلامات فى حياتى أطول من الطريق نفسه!!

ما زلنا الأحد 6 / 9 / 1987  (بعد الظهر) 

ذهبت إلى فندق كوستا المجاور لأخلو إلى أوراقى بعيدا عن الثلة، ذهبت وأنا أدعو الله ألا أجد المرأة النمرة ابنة صاحب الفندق، وقد كان. جاءتنى فتاة صغيرة شديدة الرقة، وحين قدمت لى طلبى وقلت لها أشكرك شكرا جزيلا Thank you very much لم تأخذ المسألة ببساطة، فراحت تسألنى لماذا أشكرها جدا هكذا، ولم أعرف بم أجيب، ويبدو أنها كانت قد انتبهت إلى استغراقى فى الكتابة، كما أن انجليزيتها سمحت لها أن تسألنى سؤالا لم أتوقعه أيضا جعلنى أدهش لإمكانية اختراقى بهذه السهولة، قالت لى وهى تشير إلى الأوراق أمامى.

 ـ هل أنت الذى تكتبها أم هى التى تكتبك؟

فَـرِحت بها، فرحتُ بها جدا، ياه!! كم أنا محتاج لمن يرانى دون استئذان أكثر من أى شئ آخر. شكرا أيتها الرقيقة. الحمد لله أن أبْلتك كاتيرينا النمرة ليست هنا اليوم،

تذكرت بالمقابل كيف أن الكتاب الجيّد يقرؤنى وليس أنا الذى أقرأه، مثلا: هذا الـ “الوليد مسعود”، كيف جعلنى جبرا ابراهيم جبرا أتقمصه مع أننى لست فلسطينا، ولست مغامرا فدائيا، ولست دون جوانا، ولست ناجحا ماديا بمعنى اللعب المصرفى الصفقاتى، ولست مهاجرا مطرودا عائدا عنيدا. ومع كل ذلك فقد استطاع هذا الكاتب أن يقرأنى. وهذا هو الإبداع.

(إضافة: كتبت لاحقا فى نهاية قصيدة: ياليت شعرى لست شاعر:

تدقُّ بابى الكلمة أصدّها .  تُغافل الوعى القديم ، أنتفضْ

أحاولُ الهربْ ، تلحقنُي،  أكونُها . فأنسلخْ.

كيف رأت هذه البنت اليونانية هذا؟ قبل ذلك بكثير؟ هل أنا عارٍ إلى هذه الدرجة؟

يوليو 2000

 الأثنين 8 / 9 / 1987

علاقتى بالتاريخ مضحكة إلى حدٍّ ما، أدّعى أننى أكتب للتاريخ حتى أتصوّر أن أحدا

سيقرؤنى يوما ما، ثم أتهمه بالزيف وعدم المصداقية على طول الخط.

 كنت منذ حوالى عشرين عاما أو يزيد  (حوالى سنة 1965) كنت قد التقيت بطارق على حسن (أشرت إليه كثيرا، وهو الذى تولى أمور دار الأوبرا فترة ما وخرج فى ظروف ناكرة لفضله) لقيته فى القطار الذاهب للمنصورة ذات صباح قال لى إنه هو ـ أيضا ـ يكتب للتاريخ، أية خدعة نضحك بها على أنفسنا حين نفتقر إلى القراء الحاليين فنتصور أنهم قادمون فى زمن لاحق، لقد صدّرت روايتى التى نالت الجائزة بمثل هذا الزعم، وأظن أن ما يجعلنى أواصل الآن هو هذا الوهم أيضا.

بعد ذلك بأقل من عام (بعد لقائى فى القطار بطارق على حسن) وجدت فى أوراقى المبعثرة الأقدم ما يلى :

8/1/1966

 “.. . وأى فرصة خير من هذه الفرصة، عملى هذا!!، فرصة يتمسح فيها المتأدبون، ولا يتأدّب لها المختصون: ألتفت حولى لأرى الزملاء الأفاضل، ولا أستطيع أن أتخلص من صور تقتحمنى وأنا أعتذر: وجدت  الموتور الديزل، يريد أن يصل إلى أبعد الأشواط بأرخص التكاليف، ثم وجدت الكاسيت القديم، وهو يدق العلم ويصحنه، ويعيده ولا يزيده، حتى لو كانت نقاوته صافية وطيبته غالبة، فمن هو؟ ولماذا؟ أما هذا الذى لعب فىه الخوجات مالعبوا، وحـلـلوا ما شاؤوا فقد رجع كما هو : ساخط بلا مبرر، حريص بدون زخم، محصّل بذكاء مخزون، أخلاقه تبدو متينة ،سجّلها  فى الشهر العقارى حتى يثبت أنها ليست مزيفة، ولم يقبل رجل الشهر العقارى التسجيل. اكتفى بإثبات التاريخ.

يا لقسوتى عليهم، ربما أنا كل هؤلاء ؟ من أدرانى ؟

وجدت أيضا فى نفس التاريخ هذا الكلام :

“.. . الصورة التى حسبتـُها هى ليست هى،

 والصورة التى أردتُها هى لن تكونها لم يتم تحميضها،

 والصورة التى كانتها لم تعد هى،

 أنا الذى أفسدتُها بطيبتى الظاهرية وسلبيتى الحقيقية وادعاءاتى المثالية. وهى مسئولة عن كل ذلك . يعنى !!”

ورقة أقدم جدا (سنة رابعة طب)

11/6/1955

 “.. أريد النقود حتى لا أفكرفيها، حتى أفرغ إلى حياة أفضل لا يلهب ظهرى سوط السعْى وراء اللقمة، أريد الصديق الواحد أوالثلة الصغيرة حتى أستطيع أن أخلص لها وتخلص لى، ولا أريد أن يتحدث الناس عنى أو يهتموا بى أو يلتفتوا إلى حتى لا أختنق برأىهم، وأريدهم أن يتحدثوا عنى ويهتمو بى ويلتفتوا إلىّ حتى أشعر أنى أحيا بينهم.

ورقة أقدم أيضا

 2 مارس 1966

 قال لى الشيخ آسماعيل الرخاوى (إبن عم لى مصاب بفصام منذ عرفته)

“.. النسيان والأمل هما أعظم المعانى التى تدفع الإنسان فى الحياة”

إضافة: ظلت هذه الجملة معى منذ كنت طالبا فى البكالوريوس

 ولم أكن أفكر فى هذا التخصص أصلا، وهى ما زالت معى تجعلنى أحسن الإنصات لكل أصدقائى المرضى حتى اليوم 62 يونيو2000

 (أنظر الترحال الثالث إن شئت )

ورقة أقدم كذلك

 فى 20  فبراير 1954

قال والدى ونحن نتكلم فى مقدار نصيب الإنسان من الجهد ومعنى الاعتماد على اللّه:

يا إبنى إنى حين أقول أسلمت وجهى لله كل صلاة لا أقولها وأستسلم، وإنما أقولها لأقبل النتائج وأتعلّم. أنظر إلىّ مثلا وإلى ما قدرتُ لكم، كان نهجى فى تربيتكم أن أتبع ما تعلمته فى علم النفس فى دار العلوم، وهو  أن أحقق المبدأ القائل “إصنع النموذج الأول، المثل الأعلى” يأتى الباقى سهلا، فأردت أن أصنع النموذج الذى تصورته فى أخيك أحمد، واتبعت كل الطرق التى تعلمتها وحسبتها مفيدة لتتبعوه أنتم الأصغر، فتكونوا على مثاله، أردت أن أربّيكم من “فوق لتحت”، ولكن الله أرادالعكس، وإذا بى أجد المثال مقلوباوأنه “من تحت لفوق”.

بدا لى أنه كان يمدحنى، هو فعلا لم يقترب منى مثلما فعل مع أخى الأكبر، حتى أننا كنا  إذا أخطأنا جميعا، كان يعاقبه نيابة عنا، وكنا نحسب أن أخى الأكبر بعد أن يأخذ نصيبه من الضرب سوف ينادينا الواحد تلو الآخر لنأخذ ما تيسّر، لكنه كثيرا ما كان يكتفى بضربه هو، هل كان ينهك؟ هل كان يراجع نفسه؟ هل كان يلاحظ أن ضرب أخى لم يظهر على وجهه تعلما وردعا، فيكتفى بهذا، ظل والدى ن مشغولا بمشروعه هذا فنفذت بجلدى، لكنى تساءلت: إلى أى مدى يفهمنا والدى، وبأى مقياس يقيسنا؟ أنا الأصغر. وهو يرى أننى الأفضل،  ليت شعرى هل هذا الرجل الممتاز يكون سطحيا فى حكمه مثل عامة الناس، .. .. . الذى أدريه يقينا أننى لست كما يظن، بل ولا أنا قريب مما يظن،

 26 يونيو سنة 2000  (من الذاكرة الآن)

فى يوم ما. شتاء سنة 1954

 نادى والدى أخى الأوسط وهو مكشر عن أنيابه، وسأله أين يذهب أخوك ليلا، وكنت قد اعتدت أن أقفز من الشرفة، كان منزلنا فى الدور الأول بشارع قمبيز بمصر الجديدة لأذهب إلى السينما، وقد فعلتها فى تلك الليلة، فحسبت أنه قد علم بذلك أو لاحظ ذلك رحت أتصنّت لكن صوتهما  كان قد بعُد عنى، ولما عاد أخى الأوسط (أكبر منى بسنتين فحسب) قال لى إن “بابا” يشك فيك، ويقول إنه سمعك تحلم وتغنى”هات الإزازة وتعال لاعبنى، والمزة طازة، والحال عاجبنى” وكنت أيامها لا أعرف الزجاجة، من الكوب، من القلة، لكننى تذكرت أن هذه الأغنية كانت فى الفيلم الذى شاهدته متسللا، وفرحت أنه لم يعرف حكاية القفز من الشرفة هذه، وتجرأت يومها (أعتقد أنى كنت فى التاسعة عشرة سنة أولى طب)  وذهبت بكل مغامرة مستعبطا أسأله (أسأل والدى) : هل ما يقوله الإنسان وهو نائم، وهو يحلم بصوت مرتفع يعنى ما يفعله فعلا فى يقظته، فعلمَ بأن أخى قد أخبرنى بحوارهما، فانقلبت سحنته وأشاح بوجه وأجاب بالإيجاب، فقلت له “حتى حضرتك يا بابا؟ “، وهنا التفت إلىّ متجهما وسألنى، ماذا تقول يا ولد؟ فأعدت تساؤلى، فسكت قليلا ثم صاح بى ناهرا أن أنصرف فورا. لا أذكر إن كان وصفنى بالوقاحة أم بقلة الأدب، أم اكتفى بصرفى فقط، والواقع أنى كنت سمعت منه سبابا قبيحا وهو نائم، سبابا لم أعتده منه يوجهه إلى شخصٍ ما، كان يصيح يا بن المـ.. .. . ، هذا كل ما فى الأمر، ولعله انتبه من تساؤلى إلى احتمال أكثـر من ذلك، فطردنى ولم يفتح الموضوع ثانية.

 قفزة أكثر من ربع قرن  بعد هذ التاريخ  وجدت  أوراقا أخرى أكثر تناثرا، قرأت:

 الأربعاء 25 / 11  /1987

 كنت أعدو مع مرضاى أول أمس، فوق هضبة المقطم، قبل طلوع الشمس، وظل هذا المصرى الصعيدى ينظر لنا من بعيد، ونحن نردد “حمدا لله” “حامدا لله” (نرددها بتنغيم غنائى : حامْدّا” للاااه، حامْدّا لله)، وبعد أن عبرناه لا حظت أنه ابتسم جدا، ثم التفت إلى الناحية الأخرى، وراح يعدو مبتعدا وهو يردد نفس ما كنا نردده ( حامْدّا” للاااه، حامْدّا لله). ولا يلتفت إلينا إلا بعد كل فترة، راح يبتعد وهو يعدو، وكأنه يقترب جدا. تصورتُ أنه لا ينظر إلينا خجلاً ويردنا ألا نغيب عن ناظرية فهو من وجودنا رغم ابتعاده، تماما مثل الطفل الذى يتأكد من عدم غيبة والدته بلعبة تغطية رأسه بالملاءة. هؤلاء المصريون، ما أبسطهم وأرقهم وأطيبهم، وأيضا ما أخوفهم ، وأسطحهم، وأسلسهم.  قريبا من هذا الموقف سجّلت يوم:

 الجمعة 27 / 11 / 1987

 كنا قد قابلناهم فى مرة سابقة ونحن نعدو (مرضاىَ و أنا) فى نفس الميعاد قبل طلوع الشمس، كانوا خمسة من الصعايدة الذين بنوا وما زالوا يبنون مصر وغير مصر، ألقينا تحية الصباح فلم يردوا حذرا، أو لم يصدقوا أننا نعنى ما فعلنا، وكنا نتناقش مازحين فى موضوع شارب أحد المرضى الذى أطلقه مؤخرا، وهل الأفضل أن يهذبه أم يحلقه، وكان هو يبادلنا المزاح، وزيادة فى ذلك اقترح أن نسأل هؤلاء العمال الصعايدة الخمسة رأيهم فى المسألة كأنهم محلفون فى قضية تعرض فى محكمة بريطانية !!!، ولم نفعل طبعا احتراما لهم، واكتفينا بتحيتهم ونحن نعدو، إلا أنهم لم يردوا، فاستدرنا نحوهم وقد قررنا أن نصر على إلقاء السلام من جديد، حتى يردوا لكنهم تصوروا، دون أى مبرر واضح، أننا نريد بهم شرا،  أخذو ذيلهم فى أسنانهم (حقيقة لامجازا)  وانطلقوا عدوا. أصبحت مطاردة فعلاً.

أىُّ قهر نعيشه ياسادة ياكرام يجعلنا نجرى من بعض هكذا دون أى ذنب اقترفناه؟

كنت قد قابلت من أىام صديقا أستاذا ترك القصر العينى، ومازال يحاول أن يـفَحِّـر فى نفسه، مثلى، وربما لذلك ابتعدنا عن بعضنا جدا، لنظل قريبين بشكل ما، سألنى عما أجلسنى هكذا على الأريكة الخشبية وسط المرضى وبجوارى إحدى الطبيبات، فذكرت له أننى أشرِف على رسالتها عن الاكتئاب، فقال لها مازحا، يعنى تبحثين فى حالتى، قلت له: ألن تكف عن تسمية فصامك باسم اكتئاب، فقال لقد انصرف عنى الفصام ليحل محله هذا الغم الأزلى، ومضى الحوار هزلا كالجد، أو جدا كالهزل، لأتهمه، مازحا بجد يعرفه، أن مرضه ما زال فصاما، وأن الاكتئاب هو الاسم الحركى لما به، أو هو على أحسن الفروض اسم التدليل، أوربما لمنع الحسد.

ضحكنا، وتذكرنا، وتذاكرنا أيام كنا نحاول أن نحتفظ بالأمل واقعا حيا، وأصررت أننى سوف أظل كذلك آمِلا حتى لو لم يبق أحد سواى، فنبهنى أن حالتى أصبحت مستعصية، وأشار إلى أن كل شئ قد تغيّر، فاستعبطتُ متسائلا : إلى أىن، وقال إلى أسوأ، ورفضت التمادى فى الترحم على الماضى كما يفعل النعّابون الكهول أمثالنا.

قال لى  زميلى هذا إنه لا يقول ذلك لـلشباب، لكنه يـُسِرّ به إلىّ لأنه يعرف أنى أعرفه، وأضاف: إنى حين أحافظ على آمل شاب جاء يسألنى فى أمر ما أُصاب بالغم والهم فور ذهابه،

قلت له إن تفسير ذلك أحد أمرين: فإما أنه يشفق على هذا الشاب من متطلبات تحقيق الأمل، وإما أنه يتحسّر على نفسه حين كان شابا آمِلا يوما ما،

قم أضفت، وكأنى أحدّث نفسى أو أنبهها:

 إنى قررت ألا أخدع الشباب إلا وأنا أخدع نفسى معهم،

الخداع الواعى وسيلة رائعة للحفاظ على الأمل.

 17 سبتمبر 2000

 هذا الصباح كان المرور الكبير فى مستشفِى دار المقطم مع زملائى الأصغر، كنت أغلى مما يجرى فى القدس وغير القدس (انتفاضة القدس!!) سألت المريض الذى كنا نفحصه عما يجرى هذه الأيام، فذكر إغلاق مطارغزة،  ومنع الطائرات من الهبوط، وإغلاق معبر رفح، حاولت بكل طريقة أن أستدرجه  لأن يذكر جرح مواطن، أو مقتل طفل، أو استشهاد شاب، فلم يستجب، وحين ألححت عليه ماذا يسمع، قال أغنية هانى شاكر، (وهى أغنية حديثة بمناسبة اغتيال الطفل محمد الدرة) . مضيت أسأله ما الذى استرعى انتباهه: الأغنية أم ما تحكى عنه، أى الطفل القتيل، أكد أنها الأغنية وليس الطفل. هذا المريض يمثل موقفا يمكن أن نجده عندأغلبنا ،خصوصا المثقفين والمتحدثين جدا. امتلأت غيظا ورحت أكرر لزملائى أنه لا يمكن علاج مريض أو الانتصار على عدو إلا بتنشيط وعى فاعل طول الوقت، وأن تعداد الأمة وقوتها ليس بعدد أفرادها، ولا بعدد أغانيها، ولا بندوات مثقفيها، ولا بكمّ معلوماتها، وإنما هو بجماع الوعى الفاعل.

أدركت الآن وأنا أصحح التجربة الأخيرة قبل الطبع أنى مازلت عند عهدى ، ألاَّ أخدع الشباب إلا وأنا أخدع نفسى !!!!!  فتماديت فى خداع نفسى !! (نوفمبر 2000)

فى أوراق أخرى متوسطة القِدمْ

1976/8/12

 راجع راجع إلى الحياة العادية ضاربا تعظيم سلام دون تسليم، راجع بعد أن استوعبتُ بكل صدق، كل البدائل تقريبا، راجع راجع وكلى ألم ووعى بما كان، أعظم التجارب لا تظهر حقيقتها إلا بالممارسة لاكتشاف الصعوبات، إلا وأنت داخلها بوعى صارم، لا فائدة من الحلول الفردية، ولا بديل عنها فى الوقت الحالى، ومع ذلك راجع أنا الآن، وليس بعد.

ثم 8/9/1976 (بعد حوالى شهر)

 للمرة الألف وكذا أقول : لا يوجد حل سهل، لا مفر من الاستمرار، دورى حضارى يمهد لثورةٍ ما، إذا لزم الأمر، الثورة بلا ناس معدّون لها عبث يرثه المتشنجون، والناس بلا ثورة تنقلهم بقفزة ضرورية خدعة يهرب فيها المسالمون.

27 مارس 2000

 أثناء بحثى عن الفصل الضائع فى أوراقى المبعثرة وجدت فى أوراقى الأقدم (1950) كلاما مفصلا عن أفلام بذاتها وموقفى منها، كما وجدت كلاما قديما جديدا لم أكن أعرفه عن نفسى، ولولا أننى وجدته مكتوبا لما تذكرته، ولما تصورت أنى أكتب مثله فى تلك السن، مثلا:

ملحوظة: لا أعرف لماذا اقتطفت هذه المقتطفات الأقدم بالذات دون غيرها. ولم أحاول أن أفسِّر، أو أتراجع إلا نادرا، شكراً.

 22 يناير سنة 1950

 ذهبت إلى سينما فاروق فيلم مغامرات عنتر وعبلة تمثيل سراج منير، أعجبنى سيد سليمان (مَـنْ سيد سليمان هذا؟ مارس 2000) ويظهر أن هذا الفيلم خطوة موفقة للرقى بالسينما فى مصر!!

 (هذا ما كتبته منذ نصف قرن مالى أنا والسينما فى مصر يا عم توفيق يا صالح ، وهل حاله الآن – سنة 2000 – أفضل ؟)

22 يناير سنة 1950

انظر إلى مالك واعجب على حالك

وابكى على ما فات  من عمرك الحـالـك

فأنت من أموات   فاسلك مع السالك

فى عالم اللذات   فكلـــكُّم هالـــــك

2000/6/9

كيف يكتب شاب عمره 61 عاما وشهرين و22 يوما هذا الشعر الكهل؟

 لمن يكتبه؟  أى مال؟  وأى هلاك؟  وأى لذة يكاد لا يعرف معناها أصلا.

شككت من البداية (فى الترحال الأول)  أننى أعانى من ظاهرة “اللاهيدونيا” العجز عن الاستلذاذ أو على الأقل أننى متهم بذلك!!، هل كانت هذه إرهاصات باكرة لهذه الظاهرة؟ مازلت أتعجب ممن يدعو إلى “مجتمع الرفاهية”، رفاهية ماذا؟

ومع ذلك فأنا أعيش أعلى درجات الرفاهية. عندى كل شىء.

أخيرا، وأخيرا جدا اكتشفت معنى آخر للتناغم المتصاعد إلى ما بعد المدى.

اكتشفته وأنا أكتب فصل اضطرابات  الإدراك (أعراض الزمراض النفسية)

عدت اكتشافه وأنا أقرأ استلهاماتى من مواقف النفّرى.  ربما يكون هذا الكتاب الذى صدر لى أخيرا مع إيهاب الخراط أهم كتاب فى حياتى.

الخميس أول يونيو 1950

امتحنت اليوم شفهى، (التوجيهية) وأُعجِب الممتحنون بمحادثتى، ، ومن طريف ما حدث هذا الديالوج:

(هذه المقدمة منقولة بحروفها ولم أغيّر أى شئ منها أكتوبر 2000)

* Why are you so  big, do yo play sports ?

– No, it is the characteristics of my family .

* How do you pass your leisure time ?

– Reading .

* What sort of reading?

– Stories .

* What sort  of stories

– Romantic ones .

* Why ? Are you in love with somebody

– I am in love with the fair sex.

* All of them

-Yes or rather the beautiful.

* Good, fine thank you .

2000/6/8

هل هذا هو ما حدث فعلا أم أننى ألّفته بعد الامتحان كما تمنيّت أن أقوله؟ لا أعرف. كان أحد الممتحنين  انجليزيا . وجدت أيضا مثبتا فى نفس التاريخ:

أول يونيو سنة 1950

ذهبت إلى سينما بالاس : فيلم  كوميدى هو The Street with no Name لا أعرف ممثلية وفيلم The Big Man   تمثيل الأستاذ Richard Woman  وكان رائعا. (هكذا كان الاسم مكتوبا مسبوقا بـ”الأستاذ” لعله ريتشارد ويدمارك(.

 26 مارس 2000

كيف، أو لماذا كنت أسجّل الأفلام هكذا بهذا الإلحاح؟

25 يناير 1950

ذهبت إلى سينما متروبول فيلم صراع تحت الشمس Duel in the Sun كان رائعا، لم أستذكر شيئا…. قرأت قصة “بعد الغروب” ياله من مؤلف، محمد عبد الحليم عبد الله إنه هو الذى ألف “لقيطة”.

صفحة مستقلة  بعد تاريخ 31 يناير (1950)

 كتبت فى هذا الشهر من مؤلفاتى:”إلهام”، و”مصافحة و “وداع فى الريف”

فى هذا الشهر كان مما دخلت من الأفلام House of Strangers, ، جان دارك، والبجعة السوداء تمثيل مورين أوهارا، وتايرون باور.

 (ملحوظة: لم أعثر على شئ من مؤلفاتى المزعومة تلك يونيو 2000)

31 يناير سنة 1950

 ـ أعجبنى أيضا من أفلام هذا الشهر  Key Largo تمثيل Edward G. Robinson

ذهبت إلى “فيلم بيومى أفندى”، الفيلم الجبار، أو إن شئت الأصح فقل إن ممثله الأستاذ يوسف وهبى هو الجبار.

11  يونيو سنة 2000

الأعجب  أننى اكتشفت أننى كنت  أسجّل مقتطفات من حوار بعض الأفلام،  وأيضا بعض الأغنيات ، وبالإنجليزية فى بعض الأحيان، مثلا :

 5 ثم  6 مارس 1950

ذهبت إلى سينما نورماندى مع عبد الفتاح فيلم South of St Louis فيلم عظيم أجبنى قولها (الممثلة المغنية فى الأغلب، لعلها ألكسيس سميث التى وردت فى الصفحة التالية ـ اليوم التالى) :

ومازالو يسيرون

 يقال إنى جذابة،

ويقال إنى أنثى،

 ومازالوا يسيرون

ورفعت الثوب عن حذائى، ثم عن رجلى، ثم عن ساقى،

 فنظروا إلىّ، وما زالوا يسيرون.

ثم بالانجليزية فى اليوم التالى من نفس الفيلم فى الأغلب.

I want to sit with a soldier, any soldier,who kisses me

I want to walk with a soldier, any soldier, I dontصworry

 26 يونيو 2000

هل صحيح أننى التقطتُ ذلك حرفيا سواء بالانجليزية، أم من خلال الترجمة أثناء مشاهدتى الفيلم؟ هل هذه هى ألفاظ الأغنية أم أن الخيال قد ملأ الفجوات؟

 كل هذا ليس مهما بشكل خاص، المهم هو دهشتى الآن وأنا أحاول أن أفهم عقلية ومزاج من هو فى هذه السن التى كنتها سنة 1950؟

 هل ما زالت هناك مساحة فى عقول الشباب يملئونها بالخيال أو بالتسجيل أو بالمناجاة؟  العجيب أننى أكتشف أن هذه المنطقة ما زالت موجودة بنفس النوعية فى تركيبى الحالى حتى الآن،  نكمل قليلا

12 مارس 1950

ذهبت إلى فيلم ربيكا تمثيل لورنس أوليفييه وجون فنتين، وهى أخت أوليفيا دى هافلين، .. . وقد تعجبت أن هذا الفيلم قد مثله (أوليفييه) سنة 1938 مع أن فيلم هملت قد مثله 1942، لكن قصارى القول أنه مثّل فأبدع،

26 يونيو 2000

لم يقتصر ما عثرت عليه من آراء فى الأفلام والروايات، بل كانت ثمة تعليقات تبين بعض علاقة هذا الشاب بالسياسة. ودلالة ذلك مقارنة بما يجرى الآن، قرأت :

29 يناير 1950

 ـ ظهرت نتائج الانتخابات وتولى النحاس الوزارة.

عملت جميع المدارس إضرابا. “يحيا النحاس باشا” عدا مدرستنا، أثبتنا أننا راقيين مثقفين وأننا لم نـُـكتب فى أم الكتاب وفديون

14  فبراير سنة 1950

. رأيت جلالة الملك اليوم وهو يمر إلى مكانٍ ما وراء المدرسة الإنجليزية  English School كان يضع حجر الأساس لمستشفى الأميرة فريال، كان منظره يحـّرك الحب والإجلال.

3  يوليو 1950

معذرة لقد نسيت أن أعلق على الحرب الكورية

20  يونيو 2000

لمن يعتذر هذا الشاب، ولمن يعلّق على الحرب الكورية؟ “بصفة ماذا؟

20  يونيو 2000

كان ضياع  الفصل الرابع  ثم البحث عنه فرصة للرجوع  نصف قرن إلى الوراء، لأتجول هكذا. كنت نسيتُ ما لم أتذكره أصلا، فتغمرنى دهشة تبرر هذا الترحال الآخر. أشعر أننى لو تركت نفسى بين أوراقى المبعثرة هذه لأصبح هذا الفصل كتابا بأكمله، لقد بلغت الأوراق التى عثرت عليها عدة مئآت أو  آلاف. قد تكون مهمة، وقد يثبت أنها أتفه من أن تنشر، وأن هذا الاستطراد قد نثَــرَ تسلسلا ما كان ينبغى أن يـُقـطع.  أشعر أن نداء الرحلة ونحن فى طريقنا من تركيا إلى أثينا يشدنى بشكل ملحّ حتى لا تكون هذه الاستطرادة هربا من نبش الذاكرة لتسترجع الفصل الذى ضاع، لم أكن أذكر أننى كتبت شيئا عن الرحلة القصيرة إلى اليونان هدية زواج ابنى الأكبر تعويضا عن هذا الاغتراب الذى كاد يخنقنى فى فندق “هيلتون” النيل يوم عرسه. لم أذكرلأحد ذلك الدافع الخفى.  هالة زوجته ابنة أخرى، وكما تعرّفت أكثرعلى والد ابنتىّ مايسة ومنى من خلال حبهما لى ، وله، على اختلافنا، تعرفت كذلك على د. حلمى نمّر والد هالة من خلال حبّها لنا معا على اختلافنا. مات الدكتور حلمى منذ أيام.

لم يكن د. حلمى نمّر، صديقى، تماما كما لم يكن د،السعيد صديقى، عثرت بين أوراقى المبعثرة على خطاب كنت أرسلته إليه دون معرفة فور توليه منصب رئىس جامعة القاهرة، كان ذلك سنة 1958 فى قمة خلافى مع المرحوم أ. د. هاشم فؤاد، (عميد الكلية) ذلك الخلاف الذى جعلنى أكتب كتاب “أسمار وأفكار” عن قصرالعينى وموقفى منه، هذا الكتاب أعتبره علامة أيضا لما يمكن أن يسمّى “سيرة ذاتية” أو لعله يندرج تحت “أدب المكاشفة” بشكل ما.

 كان الاختلاف بينى وبين د. حلمى كأشد ما يكون الاختلاف. أذكر أن زوجته د. إجلال رأفت قالت بصريح العبارة فى أوائل فترة خطوبة ابنى لابنتها: إنها لا ترى أى فرصة لإقامة صداقة بيننا (د. حلمى وشخصى) وفعلا. كان كل ما يمثله هو نقيضى، إلا أننا كنا نشترك فى أمرين (حسب تقديرى) هما : حمل هم أهل بلدنا، ومحاولة الإسهام فى الأخذ بيدهم، كلٌّ بطريقته.

 مات الدكتور حلمى نمّر، خلال عشرة أيام، مَرِضَ ثلاثة أو أربع أسابيع، ومات فى أيام، فيروس فى الكبد، يحمله ربع سكان مصر، ومصاب به عُشرهم، ينتشر هذا الفيروس بشكل متزايد فى الجسد المصرى بشكل ليس له تفسير ،ينتشر كما ينشر القضاء والقدر، قد يظل كامنا ما استطعنا أن نقاوم، فما أن يلتفت الواحد منا أو يتوقف ولو للنظر حتى ينقض عليه مفترسا، أتصور هذا الفيروس  مثل القرادة التى شبه باتريك زوسكيند بطل روايته العطر جان باتيست غرنوى.

“القرادة العنيدة المتعفنة والمقرفة”…”…المتكورة على نفسها فوق شجرتها “… تنتظر حتى تسوق لها ….”صدفة عجيبة فى صورة حيوان ما”،…”…حينئذ فقط تتخلى القرادة عن تحفظها،فترمى بنفسها فوق اللحم الغريب لتتكالب عليه وهى تعض وتنهش”

 انقض فيروس س على الدكتور حلمى منتهزا ضعف مقاومته ، فتهتك كبده، فمات،  تصادف هذا مع صدور قانون للجامعات استقبله د. حلمى  على أنهم :”:طردوه من بيته”، فانهارت مقاومته، ورأىته فى ألم لم أره من قبل أبدا، زرته أحاول مداعبته كعادتى معه، فوجدته مطعونا بجد، ثم اكتشفَ تذبذبا فى مستوى السكر فى الدم، ثم الصفراء، ثم السبب : انقضاض الفيروس على  الكبد، ثم انتقل إلى القصر العينى التعليمى الأحدث، (يسمّونه الفرنساوى خطأ واحتقارا لنا واحتراما للصوص الذىن بنوه قبيحا ونشازا) ثم السفر إلى إنجلترا ثم كان يوم السبت 15 يونيو 2000 حين كلّمنى إبنى مصطفى يخبرنى بوفاته فى إنجلترا.

أتذكر رد الست نعيمة حين حدثتها عن مرض د. السعيد، أرد على نفس السؤال  الذى لاح لى بعد مرض الدكتور حلمى، أرد قائلا :

واشمعنى غيره؟  إشمعنى غيرى؟

منذحوالى عام  وبعض عام دخل علىّ فى العيادة  مريض فارع الطول حاضر الهيبة، كان يلبس الجلباب البلدى الأنيق، وكان أيضا حاسر الرأس، عمدة هو أو كالعمدة ، هذا الحضور الجميل أعرفه عن أعيان بلدنا الظرفاء

 كان مريضا، قطع كشفا، وقال لى شكواه باختصار، فتبينت أنه يعانى من اكتئاب من النوع الشريف اليقظ ، وكان يتجرع ألمه بطيبة وصبر، حين سألته عن سبب لجوئه إلى ّ  وهو بهذا التماسك ؟ ردّ ردا طيبا متواضعا، وحين تطرق السؤال عن أولاده والظروف التى سبقت معاناته، ذكر لى بنفس الهدوء أن ابنه مات فى حادث طريق ولم يمض على عرسه بضعة أسابيع، لم أصدّق أن يذكر هذا الخبر وكأنه ليس سبب اكتئابه مع أن معاناته بدأت مواكبة لهذا الفقد. لاحظ  الرجل دهشتى وألمى من الخبر، فسألنى وكأنه الطبيب وأنا المريض، ماذا بك يا دكتور، فذكرتُ له – مع أن الأمر لا يحتاج إلى رد –  أننى جزعت من الخبر، لكن يبدو أن اضطرابى كان أكثر مما ينبغى، فأخذ الرجل يطيب خاطرى وكأنى أنا الذى فقدت ابنى . قال لى بإيمان طيب أن ابنه الفقيد ” ما يغلاش على اللى خلقه”،  رحت أنظر فى وجهه ، واحترمته ، وشكرته ، وأحسست أنه هو الذى يستحق أن يأخذ منى كشفا لنجاحه فى مواساتى.

لا أحد “يغلى على الذى خلقه”. فلماذا أجزع هكذا من الموت؟

خلال وقوفى بجوار هالة قبل أن يصل الجثمان من انجلترا  شعرت أننى حزين جدا، (جدا)، وعرفت أن علاقتى بالموت لم تُحلّ رغم كل ادعاءاتى، وعرفت أكثر أنه يبدو أننى لا أحزن على الميّت، بل أحتجّ على الموت.

 كذلك اكتشفت اكتشافا أخطر، وهو أن الناس تقترب منى جدا حين تموت، بعد أن تموت!! ألم أقل إنه رغم كل ما جاء فى الفصل الأول فى هذا الترحال الثانى ورغم ما لا أحب أن أذكره من حديث الناس عن حميمية علاقتى بسعيد واحترامهم وقوفى بجواره مريضا ومع أسرته كل الوقت ، أنه لم يكن صديقى،

أيضا : لم يكن الدكتور حلمى صديقى . فلماذا كل هذا الجزع على موته؟ وجدت نفسى حزينا جدا، عندما أخبرنى ابنى مصطفى بنبأ وفاته، وكان ما زال فى إنجلترا، كانت هالة  وحدها فى بيتى، ذهبت إليها، أخذتها  فى حضنى ثم رحت أقرأ قرآنا طويلا شجيا، ودموعى تنساب ، وأنا أذكر نفسى أنه “واشمعنى غيره”؟ ” واشمعنى غيرى”؟ وأيضا أنه “مايغلاش على اللى خلقه”.

 عنونت كلمة رثائى للدكتور حلمى بعنوان فرعى يقول: “صداقة الاختلاف” ويبدو أنه كان عنوانا غريبا  غامضا فاكتفى الأهرام بالعنوان الأول: “عطاء المصرى الطيب”.

20/6/2000

“فجأة، فعلا فجأة، وكل رحيل هو فجأة، على الرغم من كل ما نردد، أقول: فجأة رحل عنا رجل شديد الطيبة، بالغ المصرية، سهل الحضور، جميل العطاء، وافره. وحين رحل حلمى نمر، اكتشفت أنه كان صديقا لى أكثر كثيرا مما كنت أتصور، نعم رحل صديق حميم كنت أتعلّم منه أكثر مما كنت أحسب، كان الاختلاف بين طبعينا شديدا بقدر شدة احترامنا لما يحاوله كل منا بطريقته، ولم أكن أتصور، كما تنبأت زوجته الكريمة أ. د. إجلال رأفت، ألهمها الله الصبر، لم أكن أتصور أنه يمكن أن تنشأ بيننا صداقة كما هى بين الناس، لكننى الآن، فور رحيله أكتشفُ أنه كان صديقا جدا، فأنا أفتقده بجزع لم يخطر على بالى. “

وقد أنهيت الكلمة باعتراف آخر، يرتبط بطريقتى فى التعلم ممن أعرف، سواء اختلفت معهم، أم اتفقت، كانت نهاية كلمتى تقول :

يا د. حلمى من الذى سيعلمنى بعدك أن ما أمارسه فى حياتى مع الناس ليس هو السبيل الوحيد، ولا الأمثل، على الرغم من شركتنا فى حبهم؟ من سوف يفهمنى “المعنى” الذى تمثله لى ولغيرى؟ يا د. حلمى:أعاهدك أن أواصل الحوار معك رغم رحيلك. مع أننى أشعرأنى أعجز عن تصحيحِى بدونك. أىها المصرى الطيب البديع. صاحبتك السلامة.

أنا أتساءل الآن: هل صحيح أننى كنت أعاهده على ذلك؟

هل كنت أعنى أننى أريد تصحيحى فعلا؟ مع أننى اعترفت على الملأ أنه لا فائدة (منّى)؟

هل تصنعت أنى أحاول؟

فوجئت بحزن زوجتى عليه حزنا شديدا، مثلى وربما أكثر، لكننى حزنت حزنا آخر.

بمنتهى القسوة قررتُ أن أختبر معنى حزنها، ومعنى موتى (بالمرّة). لا أقصد أختْبرها أو أختبر صدقها، حاشا لله، فهى لا تنافق أحدا بحزنها ولا تجنى من ورائه أى شىء، لكننى تعجّبت من أنها تصر أن تلبس الأسود عليه، وهى لم تفعل بنفس الإصرار بعد موت بعض أختيها، كانت إحداهما – أم نبيل – بمثابة أمها،

الذى رحت أختبره هو معنى هذا الحزن وليس صدقه، رحت أجرّب  “بروفة موتى أنا” إن صح التعبير،

 فقد تصادف موت د. حلمى مع تمام إعداد ركن “محلى” لى فى أعلى المستشفى،

حققتُ فيه كل ما تمنيته من بساطة وعزلة ودفء وطبيعة، فيه : أعرف أين تطلع الشمس وأسمح لها بمساحة محسوبة، كما أستطيع أن أحاور القمر لا أقل من عشرين يوما فى الشهر، يودعنى القمر قبل أن أنام فى أول الشهر، و ينتظرنى عند استيقاظى قبل الفجر. أطل على القاهرة كلها فى صمت وأنا أعمل، قلت فرصة: أختبر موتى، بالذات بالنسبة لزوجتى، وصارحتُها ببساطة، منتهزا فرصة خلافٍ عابر، أننى لن أحضر البيت، بيتنا/ بيتها، بعد الآن، وأن تفترض أننى رحلت مع د. حلمى، وأن الفرق الوحيد هو أن الدكتور حلمى الآن يزار وهو تحت التراب، أما أنا فيمكن أن أزار ـ بعد موتى هذا ـ وأنا ما زلت حيا فى ركنى أعلى القاهرة. وفعلتُها.

ما هذا بالله عليكم؟ لن تصدقونى؟

ليكن، لكن هذا هو الذى حصل، وهو ما زال حاصلا، كنت أعنيه وهو متحقق حتى كتابة هذه السطور. ويبدو أن نتائجه ليست كلها إيجابية، يمكن أن تكون خطيرة ، مع أن  هذا “الموت التجريبى” هو الذى أتاح لى كتابة هذا العمل – وغيره – بعد أن تأخر ظهوره ما يقرب من عقدين حتى ضاع ما ضاع، وزاد ما زاد ، فكان ما كان.

قفزة إلى الخلف (الآن) طولها ستة عشرة  سنة وشهرين لأحكى ـ من الذاكرة ـ عن لبتوكاريا وجدلية الجنون والإبداع أثناء عودتنا من تركيا إلى أثينا.

27/8/1986

كانت الانحرافة التى انحرفناها إلى ليبتوكاريا فرصة للمقارنة بين جذب الحنين الغامض إلى ركن الـ “باراليا”،  (أو البارانويا)، ذلك الركن الهادئ المظلم الواعد الخطر، بالمقارنة بما تمثله تلك القرية التى كانت بمثابة الركن الدافئ المحاط بأنفاس الناس الطيبين، وسماحهم وبهجتهم.

 شعرت أن أيامى فى لبتوكاريا هى أشبه بتلك لأيام التى قضيتـُها داخل الخيمة وحيدا فى مخيم فى فينسيا، وحيدا لكنى كنت محاطا بالناس جدا، و حين أمطرت السماء بعد أن أوصلت زوجتى وإبنى إلى السفينة فى طريقهم إلى مصر فى سبتمبر سنة 8691 قبعت داخل الخيمة مضطرا بسبب استمرار المطر، لكن أنفاس المخيمين كانت تصلنى بكل ما هو إنسانى جيّد، كانت تلك الخلوة الإجبارية بمثابة نقطة تحول فى فكرى فى الطب النفسى حيث أتاحت لى قراءة كتاب جانترب عن “الظاهرة الشيزيدية، والعلاقة بالموضوع والنفس” Schizoid Phenomenon Object Relation and the Self  مرتين،

فى لبتوكاريا عشت نقطة تحول أخرى فى فكرى، من خلال الكتابة لا من خلال القراءة هذه المرة،  فقد رحت أكتب كل يوم فى موضوع ” جدلية الجنون والإبداع ” كتابة لم تخطر على بالى من قبل، وقد يثبت (كما تبين لى حتى الآن يونيو 2000) أن هذا الموضوع هو أهم ما كتبته فى حياتى، (ولعله أقرب للتصديق، من الموضوع الأول فى سلسلة نظريتى فى الإبداع عن “الإيقاع الحيوى ونبض الابداع”، ولعله أقرب فى التناول من استلهامات النفرى- ياخبر !! كلما كتبت موضوعا تصورت أنه الأهم بين كل ما كتبت!!!!).

كل يوم يوقظنى ديك الجارة الفلاحة اليونانية جارتنا فى النزل الذى لا ينزل فيه غيرى أنا وزوجتى، لأول مرة أعرف كيف يصادق طفلٌ ديكا، كنت أعرف صداقة الكلاب وأحبها، ولا أحب القطط ولا أطيق صداقتها، أما الديك فلم أعرف أبدا كيف تكون صداقته منذ كنا نغنّى صغارا:

ديكى ديكى

 أنت صديقى

أنت رفيق البيت رفيقى

 صِح فى الدار

 أيقظ جارى

واشرب ماء من إبريقى”

 هنا فى لبتوكاريا كنت أنا الجار الذى يوقظه الديك، وأنا الصديق معا، صديق عن بعد كالعادة، حتى مع هذا الديك أصادقه عن بعد!!! كنت أصحو فأحييه من نافذة حجرتى المتواضعة، ثم أنزل فورا إلى الكرسى الخالى والمنضدة الصغيرة أمام النزْل (هل كلمة النزل هى الترجمة المناسبة لـ Motel؟ لا أعرف، فهو لم يكن حتى موتيلا)، أجلس أمام الباب وكأنى أجلس على المصطبة على جدار بيت جارتنا (خالتى تُحفة) فى بلدنا، وهات يا كتابة، كنت أحيانا لا أرفع رأسى من على الورق قبل خمس ساعات، الكتابة طول النهار، وحضور الغناء ومشاهدة الرقص (ياليتنى أعرف كيف أرقص هكذا جميلا) ومشاركة الناس الطيبين فرحتهم كل ليلة، ناس قلائل وقلوب فرحة جدا، الله!، تصورت أننى لو أمضيت هنا عاما وبعض عام أكتب هكذا، إذن لغيّرتْ الأفكار التى تأتينى هكذا الكون، وحمدت الله أن أحدا (خصوصا من زملائى آلأطباء لم يسمعنى).

29/8/1986

بقيت فى لبتوكاريا ليلتين أكثر مما حسبنا، وإن كنت شخصيا لم يكن عندى مانع أن أبقى هنا حتى يوم السفر لأذهب إلى أثينا ومنها إلى القاهرة فى نفس اليوم، لكننى لا أعرف ميعاد اقلاع المركب تحديدا، ولابد أن أودع االفندق كما وعدتُـهُ، ألم أتحدث طويلا ومكررا عن علاقتى بالأماكن؟

قررت مع زوجتى ليلة أمس أن نزور “البندر” نعم، نحن فى “لبتوكاريا” مركز “كاتيرينا” محافظة سالونيكى، وعيب علينا ألا نمر على “المركز” لنوقّع بالحضور.

فى الطريق إلى كاترينا (على بعد 30 كيلو متراتقريبا) مررنا على الرجل نصف اليونانى ونصف البلجيكى صاحب محل الملابس على ناصية مدخل القرية. كنت أود أن أشكره، على أنه ، وغروب الشمس، كانا صاحبا فضل فى تعرفى على لبتوكاريا هكذا. لم نجده، فشكرت الله.

وجدنا المركز “كاتيرينا” بلدة كبيرة كما توقعت أول مرة، وكما كرهتها احتياطيا، واشترت زوجتى بعض الستائر الأجمل والأرخص فوفّرت الشئ الفلانى، وأنا مالى؟ مادمت لن أزن الحقائب فى المطار، هذه هى ميزة السفر بالعربة، كانت ميزانيتنا قد اعتدلت تماما بما وفرناه بإقامتنا فى لبتوكاريا. الفندق إيجاره حوالى خُمس أى فندق فى أثينا، والأكل شديد الرخص، ولو كنا نأكل ما اسمه باليونانية على ما أعتقد”خورينو” لكنا وفرنا أكثر. كانت زوجتى هى التى اكتشفت أن “الكفتة” لها رائحة غير مألوفه (قبيحة، بل، ولا مؤاخذة، نتنة) وحين سألنا بدقة، اكتشفنا أن الخورينو باليونانى هو الميالى، بالإيطالى وتذكرنا مقلب مخيم “الألبا دورو” قرب فينسيا.

 عند عودتنا من كاتيرينا إلى لبتوكاريا، وجدنا الساحة الرئيسية بها ثلاث عربات شحن مليئة بآلات موسيقية، وعدد من الشباب يقوم بإنزالها وترتيبها، والناس ، على قلتهم،تتجمهر من حولها، سألنا بالإشارة، وفهمنا أنها فرقة كذا، وسوف تحيى الليلة حفلة عامة فى هذه القرية الهادئة. بدا لى عدد أفراد الفرقة أكثر من سكان القرية، وسألنا عن ثمن التذاكر فقالوا: بلا تذاكر، إنها مجانا، خير وبركة، لكن داخلنى توجس ما، فقد تحرمنا هذه الآلات العملاقة من الرقص الزورباوى، ومن رقة العازفين الثلاثة، ومن جمال الـقِــلَّة، أضيع أنا وسط الأعداد الهائلة.

كنا فى الليلة السابقة قد تعرفنا على “وحيد” يونانى، ذكّرنا بـ”وحيد” حانة تاكسيم فى اسطنبول، لكن هذا الوحيد كان ربعة فى الجسم، له كرش صغير وأنف مدبب، وكان لا يكف عن الشراب والرقص ثم الرقص، فالشراب، لم يكن يراقص أحدا بل كان يرقص مع نفسه، لم يعرض أن يرقص مع أحد، ولم يعرض أحد أن يرقص معه، هذا الرقص الزورباوى (كما أسميناه) لا يحتاج إلى رفيق، وفى إحدى جولات الرقص، أخذتـْه الجلالة فدعا طفلا لا يزيد عمره عن أربع سنوات إلى دائرة الرقص، وراح يراقصه فى نشوة بالغة، والطفل يشاركه فى أبوة حانية (الطفل هو الأب)، وحين صفّقنا لهما أنا وزوجتى بشدة حتى بعد أن عادا إلى المائدة، حيّانا الرجل فرِحاً بنا ثم أرسل لنا مشروبا، ورأسه وألف سيف أن يدفع حسابنا كاملا ترحيبا وكرما، ولم نردّه، وقد تأكدنا من أصالة كرمه ونحن نشاهد سعادته بقبولنا ضيافته، وكأننا بذلك كسرنا وحدته كثيرا أو قليلا، وقررنا، زوجتى وأنا،  أن نعزمه على العشاء فى اليوم التالى، تذكرناه ونحن نشاهد اليوم هذا الاستعداد لـلحفل الكبير وسط الساحة، قلنا كيف سنعثر عليه وسط الزحمة المتوقعة، وفعلا لم نجده هذه الليلة وسط هذا الجمع الذى لا أعرف من أىن أتى إلى هذه القرية الصغيرة، وكادت تضيع علينا الفرجة لحساب البحث عنه.

 ازدحمت المساحة الكبيرة بعدد من الناس لم نرهم من قبل (وكأننا رأينا  ناس القرية  من قبل)، رجحنا أنه شئ مثل الموالد فى القرى عندنا يحضرها كل من يهمه الرقص والحب والغناء، من القرى المجاورة، لم يعد الأمر عندنا مثلما كان زمان، الأمور تزحف عندنا، بل فى الدنيا كلها: ضد لقاء الناس بالناس، يحل محل ذلك نوع من التخلى، ليس تخليا بالضبط لكنه خليط من القهر والكسل والحياء الزائف ثم استبدال الناس بما يشبه الناس ، كما تستبدل الطبيعة بتقليدها (ولامجال للتفصيل الآن).

فى بلدنا كلما  تخلّينا عن بعضنا البعض، زادت  الأحضان والقبلات، خاصة بين الرجال. ما هذه العادة الجيديدة القبيجة؟

 وعندهم ، يحل التواصل عن بُعد (بالإنترنت مثلا) محل الحميمية والدفء الطبيعى المباشر، يحيا الشذوذ الجنسى !! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

لم نستطع أن نكمل الليلة ولا بعضها، ليس هذا هو  ما شدّنا إلى هذا المكان، قارنّـا ما يجرى بالليلة السابقة التى عَزَمَنَا فيها ذلك الرجل البديع الراقص مع الطفل الجميل، وانصرفنا مبكرين، غير ساخطين، وغير مؤتنسين.

عند العودة، وعلى باب الفندق وجدنا صاحب النزل وزوجته الصغيرة وقد خلعت “مريلة” العمل وتزينت، وثمة ثمان أوتسع أفراد جالسون معهم، وثم جيتار وغناء وما يشبه حفل عشاء أمام الفندق، حفل يغلب عليه الطابع الأُسرى بشكل أو بآخر. عند دخولنا أصرّ صاحب الفندق (المنزل/ النزل/ الكوخ الجميل) أن نشاركهم. كانوا يحتلفون بعيد ميلاده، ولم نستطع أن نعتذر، ولم نتمكن من المشاركة بحق، فجاملناهم حسب ما تبقى لدينا من كل شىء، واستأذنا،

نحن منبهران من هذه الحياة الزاخرة، فى هذه القرية النائىة، حياة بها دفق العمل، وجذل الرقص، ودفء الناس، وجمال الطبيعة!!

31/8/1986

فى الصباح ذهبت إلى مقهى الشاطئ كعادتى، وكنت قد استأذنت زوجتى فى البقاء ليوم اخر، وأنه يكفى لأثـينا التى حفظناها عن ظهر قلب بعض يوم وليلة، ووافقت بطيبة حقيقية، مع أننى أكاد لا أكلمها طول النهار، وقد تيقنتُ من أنها تفرح إذا أنا كتبتُ ما أريد أن أكتبه، لأننى أكون حينذاك أقرب إلى نفسى، هى لا تفرح لما أكتب، بل إنها عادة لا تعرف ماذا أكتب، لكنّها تطمئن إلى حالتى حين تشاهد أثر ذلك بوضوح على كل ما هو أنا.

دائما كنت أتصور أنها لا تطيق استغراقى فى القراءة والكتابة طول الوقت على حساب أشياء كثيرة ينبغى أن تكون فى الحياة الزوجية، إلا أننى لاحظتُ أنها راضية هادئة مبارِكة لما أقوم به دون أى احتمال لألعاب المجاملة أو أوهام المرأة التى هى وراء كل عظيم، أين العظيم أصلا؟

ذهبتُ إلى مقهى الشاطى أو دعه صباحا، وجدت الرجل صاحب الفندق، ومعه ابنه (حوالى 14 سنة). وهما منهمكان فى إصلاح، أو إعداد، شبكة صيد كبيرة كبيرة، غلبنى حب الاستطلاع وسألته فقال لى بإنجليزيته المكسرة إن هذا هو عمله الأصلى الذى يعمل به طول السنة، وأن ابنه يساعده معظم الوقت، فموسم التصييف قد انتهى، وعليه أن يعاود الصيد، أكل عيش، والمدارس ستبدأ بعد أيام، وما الفندق (أو الموتيل أو الكوخ) الذى كنت فيه إلا عمل صيفى مؤقت أعده ليستضيف اليوغسلاف بقروشهم القليلة حين يحضرون ليصيّفوا بعض الوقت، وهو ليس فندقا تماما (هذا ما لاحظناه فعلا)، ولكنها بعض حجر منزله يخليها بأن يسرب أولاده إلى بيت أمه لفترة الموسم لا أكثر. فإذا ما انتهى الموسم عاد كل شئ إلى حاله، ومن ذلك أن يعود هو إلى شباك صيده.

شعرت أننى قد أخذت حق هذا الشاب الجميل (ابنه) حين سكنتُ فى حجرته، وفرحتُ أنه برحيلنا اليوم سوف يعود الشاب إلى حجرته وإلى أركانه، وحين عدت إلى الحجرة كنت استودعها وطيف الصبى معى وكأنى أسلمها له شاكرا، حاولتُ أن أرجع كل شئ إلى مكانه، وأنا لا أعرف مكانه أصلا، بل إننى لست متأكدا   إن كانت الحجرة التى أشغلها هى حجرة الشاب بالذات أوهى حجرة أخته مثلا. لمْ أحجر على مشاعرى  وأنا أعيد ترتيب كل شىء، صدّقت افتراضات خيالى.

1/9/1986

نهاران وليلتان هما ما تبقى لنا فى الرحلة كلها، الطريق أصبح طريقنا، ولم يبق أمامنا إلا توديع الأماكن دون الالتزام بوعد معها بالعودة، أثينا تنادينا على الرغم من الود المفقود من جانبى، ومع ذلك ما إن لمحتُ لافتة لفندق صغير فى الطريق حتى عرجت إليه أملا فى تجنب البقاء ليلتين فى أثينا، لم نجد أحداً رغم أن الباب كان مفتوحا، انتظرنا طويلا حتى حضرت لنا سيدة أنيقة وهى لا تصدق أن ثمة زبائن يطلبونها، وسألت وتعجبنا، وأفهمتْنا السيدة أن الموسم انتهى، وأن الفندق سيظل مفتوحا لشهر سبتمبر بشكل روتينى لا أكثر، وأنها ترحب باستضافتنا ليلة أو كما نشاء، أحسست بوحشة صعبة، ولم أحاول أن أنظرفى وجه زوجتى أصلا لأننى أعرف ما اعتراه، وانصرفتُ شاكرا شكرا حاولتُ أنت يكون خواجاتيا، فتنفستْ زوجتى الصعداء.

 فرقٌ بين حجرة فى نزل ريفى، وبين زنزانة مكيفة فى فندق خال حتى من أصحابه!

 أخجل أن أقول أننا حين اقتربنا من “باراليا” تذكرتُ ما كان منى نحو الركن الصغير وهو يجذبنى وكأنى سوف ألقى إليه بنفسى إليه من أعلى الجبل، تباطأتُ عند محطة البنزين إياها لكننا كنا على الجانب الآخر، وكان عندنا ما يكفى من الوقود، فلم ألمح ذلك الكوخ المعزول فى السفح على الشاطئ. بحثت عن رغبتى التى كانت، فلم أجدها، ولم أشر لزوجتى إلى المكان ولا إلى محطة البنزين ولا إلى وصيتى أن يذكرَنى أحد أولادى “هنا”. وأنى رغبت يوما فى المبيت ليلة واحدة ثم أقضى.

 عاودنى شعور بالألم لما ألحقتـُه بزوجتى دون مبرر.

23 يوليو 2000

يتضح لى الآن بجلاء كيف اهتممت فى ممارستى وتنظيرى (فى السيكوباثولوجى، والعلاج النفسى وغير ذلك) بوصف صعوبة العلاقة مع الآخر وميكانزماتها. أما الممارسة فليس هنا محل الإشارة إليها الآن، أما التنظير فسوف أكتفى بعرض عيّنات محدودة، ظهرت بشكل أدبى قد يتفق مع سياق هذا العمل.

ظهرذلك فى شعرى بالعربية الذى رسمت به حركية الإمراضية (ديوان سر اللعبة ـ دراسة فى علم السيكوباثولوجي) وأيضا بالعربية المصرية (العامية) كما ورد فى ديوان”أغوار النفس.

إن ما وصلنى وأنا أكتب هذا العمل، خصوصا فيما يتعلّق بالموت من جهة، والعلاقة بالموضوع (الآخر) من جهة قد أضاف لى بعدا شخصيا أحسب أنه من صلب المكاشفة. إنه يضيف رؤية تربط بين ما أحاوله هنا من تعرٍّ شخصى وحوار متعدد الأطراف، وبين ما وصلنى من مرضاى أصحاب الفضل بلا حدود، ليس فقط لأننى تعلّمت منهم ما هم، ولكن أىضا لأننى تعلمت من خلالهم ما هو “أنا.

حين أفقتُ لنفسى وأنا أمر على “باراليا “لأدرك كيف خفّ الحنين إلى الركن، على الأقل بالمقارنة بحالتى أثناء الذهاب، حمدتُ الله على أننى لم أسارع بإنكار ما غمرنى أثناء الذهاب بافتعال تفسيرات سطحية، أو بقمع قهرى ممنطق. أخذ الحنين حقه بما ترتب عليه من ظلم لزوجتى وغم كاد يجهد الرحلة أصلا.

تُرى هل شفيتُ من داء “الحنين إلى الركن”؟ هل شفتنى لبتوكاريا؟ هل كان هو علّة أصلا أم هى بعض تجليات الطبيعة الإنسانية حين يصل إلى الوعى أحد ذراعىّ “برنامج الذهاب <=> العودةً فى صورة هذا الحنين الجارف إلى”ركن قصى”؟ ،

أحاول فى هذا الاستطراد، ومن باب أمانة التعرية أن أجيب، بدءا بتساؤل هام:

هل هذا هو أنا دون غيرى، أم أن لكل واحد منا ركنه الظاهر أو الخفى، وأننا لا نفعل شيئا فى هذه الحياة إلا تنفيذ برنامج “الذهاب والعودة” طول الوقت طول العمر، حتى يحل وقت الذهاب بلا عودة؟ أو إلى عودة أخرى ترتبط عندى بالإيمان بالغيب ؟

ثم : لماذا يحتد وعيى تجاه هذا الجذب/العودة هكذا بشكل ملح؟

يزداد تأكّدى من أن أسفارى المتعددة هذه، وبهذه الصورة ليست إلا تأكيد لهذا الفرض القائل : “إنها تفعيل Acting out لهذا البرنامج الأبدى،

هل كنتُ أعلم كل ذلك عن نفسى وعن الناس، مرضى وأصحاء، حين كتبت ديوان سر اللعبة ثم شرحته فى “دراسة فى علم السيكوباثولوجى”، وأيضا حين كتبت ديوان “أغوار النفس”، وألحقت به شرحا فى العلاج النفسى؟

رحت أقلّب أوراقى ـ قصدا هذه المرّة ـ بحثا عن وظيفة “الركن” (ومكافئاته) وتجليات ظهوره فى أعمالٍ لم أقصد بها تعرية ذاتية أصلا، ولا مكاشفة، لكنّها قد تثبت بشكل أو بآخر بُعداً لما هو “المنهج الفينومينولوجي” حين يكون الفاحص والمفحوص جزءا من الظاهرة، فلا هو استبطان وتأمل ذاتى، ولا هو رصد من الخارج يدّعى الموضوعية،

سوف أكتفى بإشارات محددة لمقتطفات دالّة، كتبتها فيما مضى من واقع الخبرة المهنية المباشرة (فى العلاج الجمعى خاصة، دون استثناء مجموعة المواجهة مع الأصدقاء والزملاء غير المرضى) ولم تكن فكرة السيرة الذاتية ولا أدب المواجهة أو المكاشفة مطروحة أصلا.

إن مجرد وجود الركن كملجأ وملاذ فى وعى الفرد (وعيى) ليس ضد العلاقة بالآخر، بل إنه قد يشجّع على هذه العلاقة، لكنّ المبالغة فى الـلجوء إليه، أو تصور السكون فيه يجعل الحركة مكبّلة والعلاقة ناقصة،

الركن المرفوض هو الذى يغرى بالانسحاب تبريرا لعدم المخاطرة برؤية الآخر “كما هو”، وتحمّل الاختلاف ، فالاستمرار، أما الركن النابض فهو رحمّ حى  يحتوى ويدفئ لتفريخ البيض حتى يفقس، ثم يطلق الطير الجديد.

 إن اختيار الإقدام فى كل جولة (من جولات حركية الداخل<=> الخارج) يجعل كل جولة بمثابة فرصة حرة جديدة لترسيخ العلاقة مع بعضنا البعض بطريقة موضوعية، أما أن يكون الركن  ملاذا ضد الاقتراب، فهذا ما وصفتُـه ورفضته:

“الركن بتاعى متحضّر

حارجعله واسيبكم

ساعتِنَ حسِّــــبْكم”.. ..

الفرق بين حركية برنامج الدخول <=> الخروج إلى الركن، وبين الانسحاب فور التهديد بالاقتراب هو فرق جوهرى،

وطوال هذا الترحال الذى عايشته ثم كتبته اكتشفت أنه بقدر ما كان الحنين إلى الركن ملحّا فإنه لم يكن هربا من التهديد بعلاقة ما، بقدرما كان أملا فى إعادة ولادة، حركية برنامج الدخول<=> الخروج التى تجعل الشد إلى الخلف هو تقوية لانطلاق إلى الأمامم، كما تجعل الكمون هو إعداد جيّد “للفقس”.

لكن ثمة خدعة إذا رسخ اليقين بأن أى علاقة هى محكومة بالانسحاب فى النهاية.

إن هذا قد يسمح بعمل علاقات ليست علاقات طالما كتب عليها الانتهاء قبل أن تبدأ. إلى الركن، فإن ذلك يسهل علاقات ليست علاقات.

 حين أشعر أن الركن جاهز فى وعيى منذالبداية بهذه الصورة قبل أن أبدأ، فلا علاقة.

وما دام الركن متحضر هنا تحت الأرض

راح انط لفوقْ،

 وأعدّى الطوقْ

وارضى القرداتى!!

يسترزق.

فهو النكوص بلا رجعة بديلا عن تواصل كاذب

فينك يامّه

نفسى اتكوّم جوّاكى تانى

بطنك يامّه أأمن واشرف من حركاتهم

وإلا : فهو الموت

وان ما قدرتشْ، يبقى ماليّاش إلا التربةْ.

والله تراب القبر دا أرحم من ألعابهم.

نفس الصورة تنتهى بتصوير موقع آخر يقوم مقام الركن.

هو موقع للفرجة يسمح بعلاقة يمكن أن تسمى :علاقة “القناصة” (إخطَف واهرَبْ) حيث لا يصبح الركن رحما محتويا، ولا قبرا خافيا، وإنما موقف متفرج على مسافة، يسمح بعلاقات سريعة خاطفة

قاعد ساكت تحت سرير الستْ.

حاخطف حتة نظرةْ، أوحبة حبْ.

واجرى آكلها لوحدى،

تحت الكرسى المِشْ باينْ.

لست متأكدا: هل سبقت رؤيتى العلمية (من منطلق فينومينولوجى) ممارستى الذاتية لأكتشف نفسى بالنظر فى ذاتى بعد عشرين عاما من تسجيلها علما وشعرا؟

فى متن “دراسة فى علم السيكوباثولوجى، ظهر هذا الجذب إلى الركن تحت أسماء أخرى، مثل موضوعات ” السرداب” أو ” القوقعة المسحورة” أو الكفن، أو الضياع

وحتى لا يخرج هذا الاستطراد من “أدب المكاشفة” إلى تنظير علمى ليس هذا موقعه، سوف أقصر الاقتطاف بعد ذلك على مجرد ذكر بعض مقاطع تشير إلى هذه البدائل التى تعبّر عن هذا الحنين (وإن كان يظهر هنا أكثر فى صورته المرضية التى لا يمكن فصلها عن تجلياته فى وظيفته على طريق النمو).

فى مقطوعة “جلد بالمقلوب” فى ديوان “سراللعبة” وصفٌ لاستعمال فرط الحساسية من الاقتراب فى تبرير الهرب من العلاقة ،هذا الوصف هو متعلق بالموقف البارنوى (وهو وصف لمرحلة طبيعية فى النمو ،هل تذكر الربط بين ركن بلدة “بارليا” ولفظ “بارانويا” كزلّة قلم مقصودة؟)

 ألبس جلدى بالمقلوب

فلينزف إذ تقتربوا

ولتنزعجوا

لأواصل هربى فى سرداب الظلمة

نحو القوقعة المسحورة.. .

وفى نفس المقطوعة يَظهر برنامج الداخل<=> الخارج، لكن فى صورته المرضية:

لكن بالله عليكم، ماذايغرينى فى جوف الكهف

وصقيع الوحدة يعنى الموت؟

لكن الموت الواحد أمر حتمى ومقدر

أمّا فى بستان الحب،

 فالخطر الأكبر أن تنسونى فى الظل

ألا يغمرنى دفء الشمس،

أويأكل برعم روحى دود الخوف

فتموت الورقة، فى الكفن الأخضر، لم تتفتح

هذا موت أبشع

لا.. . لاتقتربوا.

جلدى بالمقلوب،

و القوعقة المسحورة تحمينى منكم

24/7/2000

تأكدت مما خطر ببالى من صعوبة فصل الخاص عن العام وخاصة لمن حاول محاولتى فى مثل مهنتى،

كذلك تحددت معالم ما يسمّى “المنهج الفينومينولوجى” الذى يتم فيه عرض الذات باعتبارها الموضوع دون أن تمّحى فيه، كما يتم عرض الموضوع من واقع تأثيره فى الذات دون إسقاط.

أيضا ازددت اقتناعا أن من أراد أن يتعرف على ذات شخص، عليه أن يبحث فى بعض تفعيلاته وتجلياته التى لم يقصد بها سيرة أو تعرية، جنبا إلى جنب مع الاستماع لبعض بوحه.

أضف إلى ذلك أن السيرة كما أحاول تقديمها : هى حضور ٌ”الآن”، وليست حكى ما سبق ذكريات أم تخيلات!!.

حين اتضحت هذه الرؤى (الفروض) الثلاثة، وأنا أقرأ الاستشهادات الاستطرادية السابقة، رجحت عندى أهمية تقديم أبعاد سبق رصدها دون أن تكون سيرة ذاتية أصلا، وأحسب أن ذلك يمكن أن يكمل الصورة بشكل أو بآخر.

فكان الترحال الثالث (أنظربعد).

عودة إلىينا ونحن فى طريقنا من ليبتوكاريا  إلى أثينا فبيرياس “بيريه”، فمصر.

1/9/1986

نفس القبضة التى كانت تمسك بقلبى، تبدأ صباح كل جمعة أيام المدرسة الابتدائية، بل إنها كانت تبدأ مساء كل خميس بعد الفسحة مباشرة، كنا نغنى ولو صامتين: “يا برميل الزفت يا يوم السبت على الصبيان، يا منقوع النفط يا يوم السبت على الصبيان”.

 نعم اشتقت إلى مصر، وأريد أن أرجع، ينتظرنى هناك كل ما يحول بينى وبينى، ومع ذلك فأنا مشتاق وبى لوعة. قلت فأعيد: إن من أعظم ما فى الحياة أن تخترق ماتخاف وأن تتقدم نحو ما ترفض، وأن تقتحم ما لا تريد. وبغير ذلك فلا بد أن تشك فى اختياراتك السهلة.

عودة أخرى غير عودتى من رحلة الأولاد منذ عامين.

أنجزْت فى هذه الرحلة إنجازا لا أظن أنه كان يمكن أن يتم بهذه الصورة وأنا مثقل بكل ما هو ليس أنا فى مصر،

فخور أنا بما أنجزت، والله وحده يعلم أين سوف يقع من الناس، و.. و من التاريخ!!!

تعرفت على زوجتى أفضل بعد ثلث قرن من العشرة الصعبة، هذه السيدة، تتحملنى تحملا لا أقدره حق قدره. عدنا إلى الفندق هو هو، لا يوجد سرّيخ ابن يومين. الشاطئ خال تماما.

 بيريه (بيرياس) تضرب تقلب.

الرحلة من بيرية إلى الإسكندرية تستغرق يوما وبعض يوم،

الأولاد ينتظروننا فى الميناء مثلما انتظرونا فى الرحلة السابقة،

لكن لكل مذاق طعمه الخاص.

 أفتقد فرحة الصحبة، وشوقى للقائهم،

 وأيضا:

أمتلئ بفخر الإنجاز وسماح الصحبة.

الفصل السادس

الفصل الثانى عشر: من الترحالات الثلاثة

مسافر رغم أنفه

يا جّدنا المصلوب زهواً يحصد الزمن.

قد صار محظورا علينا ننقش القلوبً فوق هامات الحجر.

فى عصرنا هذا أيا جدّى العزيز

لا تطلع الشموسُ دون إذنْ.

لا يستباح للكلاب الآثمة – أمثالنا – أن تسكن العرين.

ما عاد يجرؤ وعينا أن يفخـترْ :

أنـّا بشر.

الاثنين 21/6/1993

سفر ليس كالسفر….

كان لابد أن أعود…، لا أعرف من أين يأتى هذا البـُدّ،. لكن هذا ما حدث.

قبل هذه السفرة بالذات كان الشيخ (أنا) يكثر من ترديد أنه: ثم ماذا؟

أما الآن فالسؤال الأسبق يقول : لماذا؟ لماذا أسافر الآن هكذا؟ لماذا أوافـِـق؟

بعض تبريرات سفر هذه المرة أننى أقنعت نفسى ـ كالعادة ـ أنها فرصة لكى أكتب الكتاب الذى لا أريد أن أكتبه، لأناس لـن يقرؤوه، الكتاب الذى لن أتقاضى عليه أجرا من قادرين كلـّفونى به، عادة لا تنقطع، من كلفنى بهذا الكتاب لا يهمه إن كان سوف يدفع أو لن يدفع ـ ومع ذلك تنازلت عن حقوق المؤلف لهم مقابل أن آخذ راحتى فى حجم ما سوف أكتب، كتاب تقليدى فى الأمراض النفسية والعياذ بالله وافقتُ، قال: لماذا، قال لأن فلانا أصدر كتابا سخيفا لم يقرأه هو، جمَعَ فيه أجزاء معلومات كثيرة، ووضعها بجوار بعضها مرصوصة مشتتة، توحى بجهد مــَنهكين مأجورين مجهولين مختلفين. أنا لا أذكر أيا من هذا إلا لأعلن أننى شوهتُ هذا السفر بزعم الانشغال بهذا الكتاب الذى شعرتُ أننى ملزم بكتابته لطلبتى أساسا، لعلنى أنسخ به مالا يصح أن يجثم على وعيهم دون مبرر،

أصبحت المسألة سخيفـة ومفقوسة. كلما هممت بالسفر، أو حتى بأجازة، أحاول أن أبررها لنفسى بأنى سوف أعمل كذا، وأكتبُ كيت، وكأنى قد حرّمت على نفسى الفسحة لـلفسحة، والمتعة للمتعة، مع أنني، والله العظيم ثلاثا، أستأهل أن أرتاح، ألا أعمل طول الوقت، بل أطول من طول الوقت، فلماذا هذه الملاحقة بكل هذه التبريرات وكأن راحتى ذنب يحتاج إلى غفران، ثم إن كل أعذارى تبدو سخيفة. هذا الجهد التعويضى يفرغ الإجازة من وظيفتها كما أنه يقلبها عملاً فى موقع آخر، فضلا عما يقوم به من إبعادى عن صحبتى ـ إن وجدت ـ تحت دعوى انشغالى حتى فى الإجازة.

خذ مثلا هذه الحجة الحالية، هل هذا اسمه كلام؟ أسافر إلى سويسرا مرغما (!) ثم أكمل إلى باريس معتادا (!) لأكتب كتابا مـُكـْرْهاً عليه!!

 هذا هو الذى حصل، هذا هو ما أدّعية.

سجينُ حجرة ليست أهدأ ولا أجمل من أى حجرة لى فى أى مكان فى مصر؟ وما أكثر حجراتى وأماكنى الصغيرة الجميلة فى مصر، لكن يبدو أن ما يحول بينى وبين عمق الاستمتاع بأماكنى تلك فى بلدنا هو مجموعة من العوامل التى لا أملك إزاءها إلا التسليم، على سبيل المثال لا الحصر (كما يقولون) خذ عندك: سرعة الإيقاع، وضباب الشك، وجفاف الوحدة، وتشتت الاهتمامات ثم الطمع الخغى، وإنكاره معا.

المهم أننى سافرت، ليس كما كان الأمر حين كنت أسافر لأتعرى، وأعيد النظر، لعلى أتجدد، وأبدأ ثم أبدأ ثم أعاود البداية، كل هذا لم يخطر على بالى ولا سمحتُ له أن يطوف حتى بظاهر وعىى لكى لا آمل فيه، لكى لا أكذب فأدّعيه.

سفر شكله جديد، غريب علىّ، سفر مـّيت منذ البداية، تذكرتُ كيف بدأت “الناس والطريق” وأنا أعلن أنه إذا لم يكن السفر للتعرى، والكشف، وتجدد الدهشة، فأفضل منه الجلوس فى عقر الدار، والطيـّب أحسن. هأنذا أسافر هذه المرّة ليس ككل مرة، أسافر هامدا، وكأنى لا أسافر. السفر يبدأ داخلى أولا، ثم تلحقه الحركة، أنا أسافر بوعيى أولا ثم أسحب الآخر ورائى، لكننى هذه المرّة لا أستشعر السفر ولا غير السفر. يتحرك بالداخل حتى أنتظر ما يجود به خارجا، أو ما يكتمل به بعد.

عشر سنوات مضت على الرحلة الأولى على ما أذكر أو قل ثمان. ما الفرق؟

ربع قرن مضى بين ولادتى ـ إقامتى ـ فى باريس سنة 1968 ـ 1969وبين ما هو أنا الآن. ولكن ما هو هذا الذى هو أنا الآن؟

فهل ثمّ فرق؟ فلتكن تجربة، فمازال من حقى أن أجرب.

تعلّمت من إصرارى على التواجد بين “الناس” على “الطريق” أن أتحمل من لم أخترْ، وأن أكتب ما لم أحددْ، وأن أكتشف ما لم أكن أعرف. بل ما لم أتصوّر أنه كان يمكن أن أعرفه، ألتقطُ الصدفة، فلا أرفض ولا أتحمّس. بعد البداية : أقلبها اختياراحتى لو بدأتُ مرغـما، ثم تتفجّر المسائل بما لا أعرف، ولولا هذا، ومثله، وقريبٌ منه، ومكافئٌ له، ما كان عندى ما أقوله الآن عن هذا الذى يسافر الآن هكذا؟

حين اضطررت أن أكتب ما يسمى “التاريخ العلمى” أو سيرتى العلميةC.V.   منذ عامين تعجّبت أننى أكتبه لأول مرّة. وتعجّبت أكثر أننى “كل هذا”: كتيّب بأكمله كان آخر ما ينبغى أن يضاف إليه هو زمالة الكلية الملكية البريطانية للطب النفسى التى حصلت عليها هذا العام، والتى كدتُ أعزف عنها مكتفيا بعضويتى كمؤسس، فعلى الرغم من أثر هذه الحروف الكثيرة التى يُلحقها الأطباء بعد أسمائهم، فأنا أعرف دون الناس كيف تحصل على زمالة أمريكية، وعضوية كندية، وأن تسجّل نفسك كذا وكيت فى هذا وذاك، بتزكية عضوين أقدم، حصلوا على نفس الحروف والعضويات والزمالات بنفس الطريقة، أعرف كل هذا ولا أساهم فيه، لا أطلبه، ولا أسعى إليه أصلا، ولكنى لا أرفضه. أشفق على الناس وهم ينبهرون به، وأدعو للجميع بالستر.

كتبت هذه “السيرة” C.V. لكلية الأطباء النفسيين الملكية بالمملكة المتحدة. ثم ألحقتها بملحق أصدق، تصوّرت أنه سيكون ضد ترشيحى للزمالة، حيث نقدت فيه ما كتبتـُه مما يسمى السيرة بالطريقة التقليدية، ثم إنى كتبته باللغتين: العربية والإنجليزية، وأصررت على إرساله باللغتين لناسٍ لا يهمهم، ولا يعرفون، غير لغتهم. قلت فى الملحق: إن هذه السيرة لا تعنى عندى شيئا كثيرا، وأن ما أشرُفُ به مما أعتقد أنه يميزنى هو علاقتى بلغتى فى كذا وكيت، واستلهامى إيمانى فى كذا وكيت، وارتباطى بثقافة أهلى فى كذا وكيت، أما كل النشر والأرقام والمناصب التى عدَّدتها فى المتن دون الملحق فهى من إنجازى فعلا، وأنا لا أتخلى عنها، إلا أنها ليست بالضرورة موضع فخرى، ولا هى”أنا” كما أحب أن أقدم نفسى. احترمتُ الإنجليز الذين بادروا بمنحى الزمالة دون تردد بالرغم من كل ما ذكرت فى المحق متحديا، باللغتين العربية والإنجليزية.

من الناحية العملية، أنا طبيب كبير، وثرى مستور، ولى أولاد ليس بهم عيب ولا عاهة، والحمد لله، وعندى عربات حديثة لا تقف، ولا أغيّر إطاراتها فى السفرة الواحدة عدّة مرات بعد أن أكون قد ركّبت لكل إطار طاقية داخلية، وفى كل طاقية لحام.

 كم كان ذلك معطّلا، ومؤلما أحيانا، ومحرجا كثيرا، لكنه هو هو: كم كان ثريا بالناس، كيف نحتك بالناس إذا أغنتنا كل هذه التكنولوجيا، وهذه النقود، عنهم؟ الناس على الطريق ليسو ناسا والطريق ليس طريقا إن لم يستعيروا رافع عجلات بعضهم من بعض، إن لم يرشدوا السائل إلى أقرب محل لحام. كانت معالم الطريق ومسافاته تـُـعرف بموقع محلات اللحام والخدمات الأخرى.

 أما الآن، فقد اختلف الأمر بالنسبة لى على الأقل. انفصل الناس عن الطريق، مع الرفاهية والطرق السريعة، اختفى الناس من الطرق. لم يعودوا بظهرون بالقدرالكافى إلا فى نهايات الرحلات. كانت عدد رقع الإطارات تفوق طواقى لاحِمى الإطارات جميعا، وكان الناس الذين يعملون هذا وذاك أكثر وأكثر، أما الآن فالإطارات ـ على مايبدو ـ تأبى أن يـُركب لها رقع من أصله، مع أن العالم كله أصبح مرقعا، بل هو مجموعة من الرقع بجوار بعضها، يلضمها شئ هلامى قبيح اسمه النظام العالمى الجديد، هذا النظام ضرب الـعراق أول أمس. أنا لا أحب صدّام حسين وأكره هذا الكلينتون، ميثاق حقوق الإنسان الذى يتشدّق به هؤلاء الأدعياء يقول إن المتهم برئ حتى تثبت إدانته، أما العربى فهو مجرم حتى تـُمنح براءته، براءة لزجة مشروطة، تصدر من غير ذى صفة، ذات عمر افتراضى لا يدركه مانحه، لأنه سينقرض هو ومن يخدع فيه قبل نهاية العمر المزعوم.

يخيّل لى أن الاسم الأفضل لهذا العمل هو : أطروحة “الاضطرار والصدف والتعرى”. لا هو أدب رحلات، ولا هو حتى سيرة ذاتية، ما هى حكاية أدب المكاشفة هذه هى الأخرى؟

 إن حياة الفرد ـ دع المجموع والجنس البشرى وتطوير النوع جانبا ـ حياة الفرد هى مجموعة ذكية أو غبية من “الاضطرار والصدف”. “أما التعرى” فأنت وشطارتك. الحرية هى أن تقبل الاضطرار لتجعل منه اختيارا، وأن تتجاوز الصدفة حتى تصبح من فعلك الذى أهداه الغيب إليك فجعلتَه شهادة وجودك. متى يعرف الناس معنى الناس والحركة، متى نتعرّف علينا، ما يعلم النفس وحتى التحليل النفسى بكل هذا؟

أوصلنى إلى المطار محمد ابنى المتورط فى دراسة هذا الذى يسمى، علم النفس، وهو أيضا المتوقف عن لبس العمامة أو قل: المتلكِّئ فى لبسها تحت وهم حرّية الاختيار. لو علم إبنى هذا معنى الاضطرار والصدفة لانطلق بما يكره إلى ما يـُفَـجـِّرُ فيتفجّر، تمنيّت يومها وهو يوصّلنى للمطار (حتى لا يصله داخلى فيزداد رفضا) أنْ يكون معه ابنه عمر ـ صديقى ـ يخفف الحوار الجانبى الصامت. أحيانا أتصور أن كلاَّ منا ـ إبنى محمد هذا وأنا ـ يلبس خنجرا معقوفا، يلفه كل واحد منا حول وسطه، يتدلى على ناحية. وهات يا مبارزة جانبية ونحن نتبادل الحديث “من فوق”. عمر (ابنه، وحفيدى) كان سيخفف هذا الجو، فما زلت أذكره وهو يوصلنى إلى المطار فى رحلتى قبل الأخيرة، وهو يطلب من أبيه أن يفتح نافذة السيارة، وكان الهواء باردا نقيا، فأخذ يستنشقه رشفة رشفة، هادئا عميقا، وكأنه يحتسى ببطء متأمّل شرابا سائغا بإرادته، ثم يقول عمر دون سؤال: “أنا أحب هذا الهواء”، فرحتُ به. نحن نعلّم أطفالنا أن يحبّـُوا اللعب البلاستيك، وجنجا ترتر (أنا لا أعرف لها نطقا إلا هذا، وقد عانيتُ كثيرا لأحفظها، ولم أنجح إلا حين رحت أذكّر نفسى أنها على وزن: بمبة كشّر) وضفادع التليفزيون القبيحة. لا نعلّمهم حب الهواء والشجر.

صديقى عمر هذا أول كلمة نطقها كانت بحْحّ،، نطقها قبل “بابا، وماما”، و” مَــمْ” قالها وهو يشير إلى البحر فى رأس الحكمة. مرّت عليه بضعة أشهر قبل أن ينجح فى أن يُلحق بالحاء المشددة راءً، لينطقها “بْحر”.

أما أبوه فأول كلمة نطقها كانت “إوَّآ” (يعنى بها “إوعى”). كان ذلك فى اليوم السابق لبلوغه عاما. كان قد تعلّم المشى قبلها ببضعة أيام، فوجدنى واقفا أكاد أسد باب حجرة يريد أن يمرّ منه. فأخذ يزيح ساقى من طريقه بيد عنيدة ناقدة، يزيحنى إلى جانب، بعيدا عن طريقه، ونطق إوّا (ومازال يفعل ذلك حتى الآن) . فى الطريق إلى المطار : افتقدتُ عمر صديقى، ولم أبلغ والده وهو يودعنى أن يسلم عليه، لكنّه سمعنى دون أن أنطقها، ولم يسلم عليه.

 ركبتُ الطائرة وأنا كلى مقاومة، مغلقٌ تماما عن السماء والسحاب، جلستى فى الطائرة بالصدفة بجوار جناح قبيح يحجب عنى المدى والأفق، كرسى منفرد، أحسن، لا أريد “ناسا”، لا أقطع “طريقا”، يشيلنى هذا الجسم الحديدى مكبـّلا ليلقينى حيث لم أعمل حسابى، بجوارى كرسى مقلوب وجهه عكس كرسىّ، أول مرّة ألاحظ ذلك. ما إن تحركت الطائرة حتى جاءت المضيفة وجلست عكسى. ربطت نفسها فى هذا الكرسى القبيح المقدد الذى يعطينى ظهره بجانبى. كأنى أنا المسئول عن خلـّوه وقبحه، أو كأنى آذيت قريبه فلم أضف إليه درجات فى امتحان البكالوريوس. المهم: قامت المضيفة بعد أن استقرت الطائرة فى الجو، فحاولتُ أن أحرك الكرسى المقلوب فإذا بى أتأكد أنه هيكل كرسى فقط، جُـعل خصيصا لجلوس طاقم الطائرة عند الإقلاع والهبوط، الكرسى “عيرة”. جناح الطائرة مثل جثة حوت لفظته أمواج السماء فحال بينى وبين الله الذى أناجيه أكثر: أناجى ربى مباشرة حين أصـّعد فى السماء، وحين أتقدم بين الموج مغمض العينين، وحين تحتوينى جبال سيناء من كل جانب، وحين أتمدد مع صحراء المقطم حين كنت أعدو مع مرضاى، فلماذا الآن ليس الأمر كذلك؟ مع أن الطائرة تحلق على ارتفاع عدة عشرات الألاف من الإقدام.

أخذت أزيح جثة الحوت من فوقى لأسترق النظر ـ بالرغم من كل شئ ـ لعلّى أفهم لماذا أنا فى الطائرة. وحدى أنا هذه المرّة، كنت أحتاج جدّا أن أكون وحدى  هذه المرة، زوجتى ظلمتُها معى، وأكاد لا ألتقى بها إلا حين نسافر معا. كانت آخر مرة رأيتها فيها (رأيت زوجتى رغم أننا ما زلنا نعيش تحت سقف واحد، ونعمل بعض الوقت فى مكان واحد، لكن هذا هو الذى حصل!!) كانت هذه المرّة التى رأيتها فيها فى البتراء فى الأردن لمدة ثمانى عشر ساعة. قابلتُها هناك قبل وبعد شجار له دخان خانق.

مضت الساعات وأنا لست هنا، اكتشفتُ أنى لم استمع لتعليمات النجاة، ولا لتعقيبات الطيار وهو ينبه إلى بعض معالم الطريق بين الحين والحين، ثم بدأت أستيقظ من اللا نوم واللا يقظة (قياسا على ما هو :اللاسلم واللا حرب) ببطء ثقيل. أستيقظ وكأنى أعوم منهكا فى بحرٍ لزج، أستيقظ من خِدْر ممتد على مساحة مجهولة طولها عدة سنوات.

تحسست وحدتى لأتأكد، واطمأننت إليها. وحدى، نعم. إذن فأنا مع كل الناس بلا استئذان. ليكن ما يكون. أزحتُ جناح الطائرة بإصرار هذه المرة. كنا قد اقتربنا من باريس دون أن أدرى كيف مـّر الوقت، فإذا بالخضرة والمربعات الزراعية المقسمة بالمسطرة، والبيوت الأكواخ الممتلئة بالحياة والرقة الغربية والنبيذ والحضارة الآفلة والنظام والاستعلاء والتكنولوجيا والتأمينات الاجتماعية وغير الإجتماعية، كل هذا أطل علىّ مخترقا كثافة الجناح، ما الحكاية؟ ولماذا لم ينزح الجناح هكذا ونحن نقـلع؟

مازالت مسامى مغلقة تماما ـ السيدة الفاضلة خلف نافذة المكتب فى المطار (فاضلة والله العظيم ثلاثا، وحق وجهها السافر) تشير السيدة إلى بوابة ب 2 حتى أنتظر أربع ساعات وهو ميعاد إقلاع الطائرة إلى جنيف حيث أقصد، ذهبت فوجدت ناسا قليلة تنتظر. ماذا سأفعل فى هذه الساعات الأربع؟ معى هذا الصديق الجديد الذى اسمه الحاسوب، وهو ليس كذلك. حاولت أن أنحت له كلمة المـُكـَمـْبـِتْ، أو المـُكـَمـْتـِرْْ، فلم يرض عن ذلك إبنى محمد المناقِش الأعظم، ودارس علم النفس اللغوى!! كَمْبَتَ يُكَمِْبتُ وفى الخليج يقولون عن ثقب إطار السيارة “بنشر” (يبنشِـرُ فهو مبنشِر) وهى كلمة معربة من puncture، فلنكن شجعانا ونرعى لغتنا بإثرائها. معى هذا الشئ الصديق المطيع المُكمْتِر (كَمْتَرَ، يُـكَمـْتِـرُ. لعلّها أخفّ:computor )، قلت أحاوره وأمتطى صهوته وأعبر به، وأناجيه وأتجـوّل معه فيه، حتى تأتى الطائرة إلى جنيف، ولكن أبدا. حالت الظروف، وفرحَ هوَ لى.

عدت للسيدة الفاضلة ذات الوجه السافر، وقلت هل يمكن أن أدخل فرنسا هذه الساعات الأربع، فنظرت فى جواز سفرى فى ثوان، وقالت ما معناه “ياسلام يا سيد، أنت تشرف”. هكذا ترجمتُ ما قالت مما بدا على وجهها لا من كلماتها، وأضافت أن عندى تأشيرة لعدة مرات، فما هى المشكلة، ولم تكن ثمة مشكلة إلا فى أننى تذكرت وقفتى أمام سيد آخر فى نفس الموقف، فى بلد عربى شقيق جدا كنت ذاهبا إليه فى مهمة رسمية، والمفروض أن ناسا رسميين فى استقبالى، ومع ذلك وقفت أمام من هو مثل هذه السيدة هناك من الساعة الحادية عشر وثلث مساء إلى الساعة الثالثة صباحا حتى خرجنا. وقيل فى تفسير ذلك أن رجال الطيران الوطنى لهذا البلد العربى الشقيق  كانوا فى حالة توتر مع رجال الجمارك، لأسباب خاصة جدا، فأقسم رجال الجوازات أن يطلعوا ديننا (لا يخرجوننا منه، ثم إنى لا أعرف تحديدا معنى هذا التعبير المصرى : أطلّع دينك” يطلعه أين؟)، فكان ما كان.

الحضارة شئ آخر. احترام الوقت هو احترام الإنسان.

 دخلت فرنسا والدنيا سهلة، وكنت خارجا من بلدى ـ بلدى الطيب ـ والدنيا صعبة، الحوادث هنا أكثر، والإرهاب وارد، وكل شئ يعدو ويحتاج إلى آلة إدارية عملاقة لتديره، لكن الأمور تسير بيسر أزعجنى على بلدى، منذ شهرين فقط كنت مسافرا بالعربة من نويبع إلى سوريا وعند العودة إلى نويبع انتظرتُ ساعتين حتى حضر من مرر العربة فوق بئر مثل بئر التشحيم ليرى رأى العين فى منتصف الليل إن كنت أنا أو غيرى (بما فى ذلك دبلوماسى نرويجى وزوجته كانا يتقدمانى)، إذا كنا نخبّئ مواد إرهابية، أو ربما مواد تستعمل للدمار الشامل!! فى شاسيه السيارة من تحت أم لا، أليس هذا هو ما يجعل الناس القادمين إلينا يتصورن أن سائحا عندنا يموت كل يوم، كيف يحقق هؤلاء الناس هنا فى مطار شارل ديجول العملاق هذا النوع من الإدارة السلسة. حوادث الإرهاب عندهم ليست أقل من عندنا. من أين لهم بهذه الثقة بى؟ بنا؟

دخلت المطار الذى كنت أكرهه،مطار شارل ديجول، أكرهه رغم علاقتى الخاصة والسرية بديجول شخصا. أحسب أنى كنت أكره هذا المطار لكثرة زجاجه، مثل مركز بومبيدو الزجاجى أيضا والذى كتبت فيه قصيدة قبيحة (البيت الزجاجى والثعبان).

حمدت الله أننى من داخل المطار لا أرى قبح زجاج المطار الأملس جدا، فوجدت نفسى فجأة فى فرنسا شخصيا، بل فى باريس بالذات، لم يُتَــح لى من قبل أن أمكث فى هذا المطار عدّة ساعات مثل هذه المرّة، فشعرتُ أن فرنسا كلها قد جاءت تستقبلنى فى المطار لتفتح مسام وعيى الذى أغلقتـْه رئاسة القسم، ومسئولية المركز، والخوف، والطمع، والروتين، والسن، وتفُّرق الثلة القديمة، وكهولة أصدقائى الأطفال، وسفر الباقين للرزق والرفاهية والهرب جميعا. كل ذلك أغلق مسامى فلم يبق إلا تقطيبة وجه، وعربة مكيفة، ووحدة متفاقمة، وهذا المنظّـم الصديق (المكمتـِرْ) الجديد الذى حلّ محل كل هؤلاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

كل الناس والأشياء ترحب بى، أهلا يا مسيو، أين الكافتيريا، يردّ علىّ الوجه المنمنم ذى الصوت الـُمـَنـْونـِوْ، من جنوب شرق آسيا والذى سبق أن أرشدنى إلى كيفية استعمال الهاتف آتوماتيكيا بكارت جديد علىّ أن أشتريه من أى “بوتيك” مثل علبة السجائر، كنت قد وضعتُ حقيبتى الصغيرة بجوارى وأنا أتكلم فى الهاتف، فمرّ آخر (من أهلى الخوجات الذين ليس لهم أسماء) فحمل حقيبتى من جوارى ووضعها فوق اللوحة أمامى تحت التليفون، وغمز بعينه باسما، استولوا منـّا حتى على شهامة أولاد البلد، فهمتُ أن ذلك يحمى حقيبتى من أن يحملها عنى ويمضى أحد أفراد “الجماعات” الفرنسية (!!!). أثناء انهماكى فى الحديث فى التليفون، ثم يذهب يحارب ـ بثمن ما فيها ـ الجزائريين إن كان فرنسيا عنصريا، أو الكفرة إن كان ولىّ أمر اللجنة الخصوصية لأمة الإسلام.

هذا الخواجة الشهم أبٌ حانٍ، فغمزت له بعينى أن الرسالة وصلت. وضحكتُ لأول مرّة منذ سنتين ونصف.

 أنا لا أذكر أننى غمزت بعينى هكذا منذ هذا الوقت إلا لابن بنتى (أصبحتُ جدا لثلاثة) من بضعة أيام، لكنّها ـ الغمزة لحفيدى هذا ـ كانت غمزة المداعبة التى تستجدى ابتسامة اجتماعية لا يقصدها طفل فى الشهر السادس، ونتصورها نحن كما يحلو لنا. هذه الابتسامة التحذيرية من الرجل المهذب الفرنسى ذى الأصل الأصفر. هى رسالة والديّة كاملة تستوجب هذا الشكر الغامر الذى فك حصرى.

هؤلاء المستقبلون المجهولون أحبهم أكثر وأكثر من المستقبلين الرسميين، وأكثر فقط من المستقبِلين الخصوصيين. الاستقبال الأهلى عادة يكون حارا لكن عمره قصير، وربما شروطه الخفية لم تعد تصلح لى. هؤلاء المستقبلون المجهولون شئ آخر. جاءت باريس كلها تستقبلنى(!!) أنا أعرف باريس من عازفى الجيتار فى محطات المترو، وعلى الأرصفة، ومن السكارى النائمين على سلالم أنفاق تحت الأرض، ومن الرقص فى الشوارع، ومن فتّح عينك تأكل ملبن، وفيما عدا السكارى فى مداخل المترو تحت الأرض وجدت كل ذلك قد حضر لاستقبالى فى المطار.

مطار هذا أم ملهى ليلى ظريف؟ أنا لا أعرف هذه الملاهى ولا أحبها. مطار هذا أم “يورو دزنى” التى يقولون إن الخواجة ديزنى قد أرساها فى أوربا أخيرا؟ ضبطت أن الابتسامة التى رددت بها على صاحب الغمزة مازالت على وجهى. ياخبر (!!). كيف استطاعت ابتسامة واحدة أن تبقى كل هذه الفترة؟ ابتساماتى فى الثلاث سنوات الأخيرة موقوتة بعدّة ثوان لابد أن تنطفئ بعدها مثل عود الكبريت الفاسد الذى تتناثر شراراته وأنت لا تكاد تنجح فى إشعاله، ثم ينطفئ حتى قبل أن يؤدى مهمته. هذه الابتسامة ظلت على وجهى دون استئذان وأنا ألوح للمستقبلين يمينا ويسارا. وكأنى رئيس دولة سابق فى بلد حر مازال أناس يذكرون فضله، فيحيونه وهو يمشى وسطهم واحداً منهم كأننى مستر مانديلا. وقد خرج من السجن بعد عشرين عاما وأهله السود يستقبلونه دون زوجته صاحبة الحكايات إياها (مع أنها كانت بينهم). طالت غيبة زوجها وهى ثائرة جدا جدا، فماذا تفعل؟ لكن لماذا القتل؟

ظلّت الابتسامة على وجهى. لم تختف حتى حين ضبطتها بغير مناسبة. مسامى تأبى أن تتفتح أكثر، فعرجتُ إلى فرقة الموسيقى التى قررتُ أنهم أحضروها لتصاحب حرس الشرف فى استقبالى. وجدتهم يضبطون أوتارهم كالعادة. كانت مكبرات الصوت والأنغام جميلة. الصدى أجمل. أنا عندى شغف بحكاية ضبط الأنغام بشكل عشوائى هكذا. أتصوّر أحيانا أنه لو جمعها ملحّن عبقرى لأعاد توزيعها بما يخرج لحنا يستأهل.

دخلت البنات السيدات العاريات الكاسيات، من باب المطار. دخلن مسرعات قافزات، هائصات. صعدن على الدائرة العالية نسبيا وهات يا رقص ويا غناء. يا خبر!! أين أنا بالذمة؟ لكنّ ذلك لم يستغرق عشر دقائق كانت كافية لتقول لى أشياء كثيرة، لا أحد دفع، ولا أحد اعترض، ولا أحد أرهب، ولا أحد قتل، ولا أحد اندهش إلا شخصى.

مازلت قادرا على الاندهاش، وعلى الابتسام، الحمد لله. أنا حى.

كيف يُعتبر حيا من لا يندهش ولا يبتسم. وكيف يا أولادى وتلاميذى وكافة المنتفعين أشعتم عنى أنى جاد طول الوقت؟ وكذا وكذا؟ سامحكم الله مهما بررتم، هذه الرحلة هى بدونكم يا أولادى من ظهرى. ليست كمثل رحلة “الناس والطريق”حين كنتم معى أحاول أن أتعرف عليكم. ماذا يفيدنى أن أتعرف عليكم صغارا، ثم تكبرون فلا أعرفكم؟ وهل عرّفتنى الرحلة السابقة بكم؟ كل ما حدث أننى تعرفتُ أكثر على بعض نفسى.

آخر رحلة قمتُ بها كانت مع ابنتى الصغرى “مى”وأمها فى أسبانيا. تباعدتُ عنها وتباعدتْ عنى حتى كدنا نتشابك. كنا فى طريقنا إلى أختها “منى” التى تزوجت وحدها بدوننا فى لوس أنجلوس. ذهبنا مثل الفلاحين نقدم لها “الصبحية. كانت صبحية مكلِّفة بعد إضافة ثمن التذكرة وحسابات الوقت هذه ومررنا على أسبانيا، فى الذهاب والعودة. رغم افتراقنا أنا وزوجتى عن ابنتى الصغرى تاركين إياها مع صديقاتها الأسبانيات، إلا أن الوقت الذى اجتمعتُ فيه مع ابنتى هذه كان من أصعب وأكثر الأوقات إيلاما لسبب لا أعرفه حتى الآن. حتى الإعياء الذى أصابها من تغيير الإيقاع الحيوى نتيجة للانتقال عبر المحيط الأطلنتى من الشرق إلى الغرب، حتى هذا التعب الجسدى رفضتـُه بشكل لم أفهْمه، وجرحتـُها، إبنتى الصغرى”مى” هذه شديدة الرقة، والقسوة، والحدة، والمسئولية معا، جرحتـُها وكأنى لم أحتمل مرضها، ولا عنادها. أكتشف بعد هذا العمر معاً أننى لم أكدْ أعرفها، ولا أعرفنى. إذن لم يعد لى أولاد بالمعنى الذى حلمت به وأنا أرتب لـرحلة الناس والطريق الأولى، أولادى لم أعد أراهم إلا فى الوقت بدل الضائع إذا تفضّل بعض أصدقائهم واعتذر عن لقائهم أو السفر معهم أثناء الإجازة. الشائع هو أن هذه هى سّنة الحياة. لتكن، ولكن من حقى ألا أقبل سنـّة الحياة هكذا. ثم إننى لا أطالبهم بحق خاص بالمعنى التقليدى، وإنما بذكرى صداقة آملة، وبعض الاحترام، لا أكثر. فهمت الآن عمق الآية الكريمة “قل لا أسـألكم عليه أجرآ إلا المودة فى القربى”.

 رحلتى هذه الآن هى، عكس رحلة الناس والطريق الأولى تماما.

 “تلك” كانت، لهم، لى، بى. خططت لها، وأِملت فيها، واشتريت لها أتوبيسا صغيرا جديدا، وأخذت خيمتى وقروشى القليلة وأبوتى الشديدة وانطلقنا فى بلاد الله لخلق الله. أما “هذه” فهى قد فـُرضت علىّ، وأنا فى أشد حالات مقاومة الرحلات ومقاومة كل شىء. “تلك” كانت معهم، “وهذه” أنا “معى” فقط لا غير، استفرْدتُ بنفسى وربنا يستر. تلك كانت سيرا أرضيا وئيدا وإيقاعا سريعا. “هذه” نقلات سمائية فى خدر غامض، إلى استقرار فندقى مرفـّه. صاحبى فيها منظـّم (كمبيوتر)، ومعى نقود وفيرة وكارت سحرى اسمه “الأمريكانى السريع”American Express، أسافر مسلحا بمصادر طمأنينة متعددة ضد مجاهيل ومفاجآت السفر.

هل هذا سفر؟

سوف نرى. أنا لا أذكر على وجه التحديد تاريخ آخر يوم فى رحلة الناس والطريق، وآخر يوم كتبت فيه هذه التجربة. ذلك الكتاب الذى لم يصدر أبدا. ولا أقول لم يصدر بعد، وهو سوف يصدر حتى لو لم يصدر أصلا، ذلك لأننى رحت أعتقد أن الكتاب ليس بصدوره، وإنما بحضوره، لماذا؟ لست أدرى تحديدا. حين قررت هذه المرّة، وكان سفرا مفاجئا جدا، حضرنى هذا الكتاب الذى ألفتـُه تحت اسم الناس والطريق، حضرنى فاحتل وعيى بشكل مثير ودون استئذان.

خرجت من باب المطار لأتأكد أننى فى باريس شخصيا، وأن سماح تلك السيدة الفاضلة السافرة كان سماحا حقيقيا وليس “أى كلام”. أنا فى الشارع، وشركة إير فرانس تعلن عن أتوبيساتها التى هى مستعدة لتوصيلى بالسلامة إلى مونبارناس وخلافه. هذه هى. هذه هى باريس. حتى وأنا بعدُ على أطرافها. لكن من هؤلاء النسوة العاريات الكاسيات اللاتى يسرعن عدوا أو هرولة ليعبرن الشارع إلى المطار أو من المطار؟ هن هن الراقصات اللاتى أشعرننى أن باريس تستقبلنى فى المطار. ولكن ما الذى أخرجهن هكذا عاريات كاسيات فى الشارع بعد أن كن يتمايلن فى المطار فرحا بقدومى (!!)، لعلّهن كن يقضين شيئا عاجلا ثم يرجعن. لعلى أخطأت وكلهن مثل كلهن. أنا لا أستطيع أن أميز وجه هذه السمراء. عن سيقان هذه الشقراء. لكن ما لـلوجوه كئىبة، والأثداء متهدلة، والخطوات نشاز؟ هل هؤلاء حقيقة هن هن اللاتى كن يرقصن ويتمايلن ويضحكن ملء الأشداق؟ نعم هن هن. أخذتنى الشفقة الدفاعية التى كانت ـ ومازالت ـ تملؤنى على بائعات الهوى على أبواب الفنادق الرخيصة فى ميدان كليشى ومحطة أنفير والبيجال.

عدت إلى المطار، كلّمت أحد أبنائى (تلاميذى = زملائى) الذى يعمل فى “رين” فى بريتانى شمال فرنسا، د. رفيق حاتم رد علىّ ولم يرحب بى. هكذا تصورت. العيب فى تصوراتى طبعا. أنا أعرف أن عنده أسبابه. ماذا أريد بالضبط؟ أريد أن أراه عبر الهاتف وهو يرقص فرحاً بصوتى الدافىء؟ أى جوع!! ومـَعَ ذلك صدق ظنى بعد ذلك حين لقيته وعاتبته، فاعتذر بانشغاله ومفاجأته. باريس استقبلتنى كلها، وتلميذى زميلى بدا أكثر فتورا مما هو. هل أَعْددَتْه رقة الخوجات الدمثة (ولامؤاخذة؟)

 ليكن، معه الله فى غربته.

كفانى حنان الدفء البشرى  الذى يصلنى  من مجهولين دون طلب. مازالت نفس الابتسامة فى وجهى. آه لو رأتـِها مُنى ابنتى لكفت عن اتهامى بالـ 111 الدائمة بين حاجبىّ. قال إيش وضع بين حاجبيك المائة وأحد عشر، قال الألف وميّة التى تعملونها فىّ يا أولاد الحلال. “هنا” الابتسامة لا تزال فى وجهى، “وهناك” القنبلة لا تزال فى جيبه، إبن الرفضى، يلقيها فى القللى ونفق الهرم وأمام جامع شبرا، يا شيخ إخص عليك، بل جاءتك نيلة فى ليل ليس له نهار. نعم الابتسامة ـ رغم أنفه ـ ما زالت فى وجهى (لاحظ “فى” وليس “على” وجهى). ساعة واحدة فى مطار شارل ديجول أحيت فـّى 863 يوما. سنة وثلاثة أيام سنة 1968 ـ 1969، هذه السنة التى لم أذكرها بالدرجة الكافية فى الناس والطريق. ولو أن هذا العمل سيرة ذاتية بحق لاستغرقت هذه السنة نصف السيرة بالتمام. الذى عاد لى، أو عاد بى الآن، هو “أنا”حالة كونى وحيدا بين ناس كـُثـْر. أنا “كثير” بين ناس حقيقيين. “الطريق” هو هؤلاء. أنا هو ناس الداخل يوقظهم ناس الخارج الغفل إلا من التواجد معا، ثم ربما: التوجّـه معا.

ساعة واحدة قلت بعدها “كفى”. أتوجّه إلى مهمتى فى سويسرا وأنا فى شوق أن أرجع إلى باريس بضعة أيام لإلقاء التحية والاعتذار عن الغيبة. أذهب إلى باريس هذه المرّة، لا سائحا ولا مؤتمِرا والعياذ بالله، ولا حامل حقائب الأولاد، ولا أمين صندوق المشتريات، ولا “دارس مادرسشى حاجة”. أعود إلى باريس معتذِرا صافحا فى آن. كنت قد خاصمتها أو خاصمتنى فى كل مرّة رحلتُ إليها بعد تلك السنة الطويلة العظيمة. خاصمتها حين لم تكن هى، كان ذلك فى صيف 1986. ذهبت إليها ملهوفاً وإذا بها معجونة فى كتله من القيظ الرطب. كنت ذهبت مع الأولاد لمدة 42 ساعة ثم تركتهم متجها مع زوجتى إلى بوسطن فى مهمة طبية لم تنجح إلا فى أنها أقحمتنى فى أمريكا حشرا. كنت قد نذرتُ ألا أدخلها (أمريكا) حيّآ، لكن الله أراد.

كانت باريس فى تلك الأربع وعشرين ساعة فى يوليو 68 تختنق، كانت الأنفاس ثقيلة تحتاج معها إلى شفّاط حتى يمكن أن تسمح لبعض الهواء الذى مثل قلّته أن يزور رئتيك بلا فائدة. كان الناس فى غابة بولونيا ملقون على الحشائ كالكلاب الضالة التى ارتمت فى صحراء قاحلة بعد أن أنهكها العطش فاستسلمت ليأس تنتظر الشئ ـ لعله الماء. لعله الهواء. نسى الناس اسم ما يلزم ونحن نسينا نحن فى ذلك نحاول أن نجذبه إلى صدورنا. هو شئ لزج أشبه بالعجين الذائب فى صمغ خفىّ.

 عدت إلى باريس منذ سنتين فى مؤتمر علمى مدفوع الأجر مازلت أعانى من آثاره الأخلاقية حتى الآن. وكانت ابنتى “منى” معى. وحضرت المؤتمر. وكان الطقس أخف والناس أثقل..، فخاصمتُ باريس أكثر، شعرت فيها لأول مرة بعدم الأمان مقارنة بما غمرتنى به من الحنان والرضا ذلك العام (96/86). حين خاصمتُها أصبحت أرى الوجوه الجزائرية أكثر قسوة وجفافا، والوجوه البيضاء أكثر تسطيحا ولا مبالاة، والقبل فى المترو أكثر ميكانيكية. قلت لم تعد باريس هى باريس التى أعرفها فيما عدا المونمارتر والمقاهى الصغيرة فى الشوارع الصغيرة.

أخرجت كتاب “آلان واتس” Alan Watts عن العلاج النفسى بين الشرق والغرب، صدر سنة 1964. لم أتمكن من تصفحه إلا فى هذه الرحلة. هو يشير إلى خبرة الشرق الأقصى وليس إلى شرقنا الأراجوز المشوه. لم أجد فى نفسى رغبة فى القراءة، لن أتصنع ولو لم يبق على جبهتى ـ يا ـ منى إلا المائة وأحد عشر (!!!)، لتذهب الابتسام من حيث أتت إن كان هذا هو مستقرها، لكنها موجودة فى أعماقى  أقوى وأبقى من تصوراتك يا مُنىَ.. لا يغرنك تجهمى يا منى فأنا أحبك حبا كثيرا وأحب الناس وأحب الله حتى لو كنت متجهما طول الوقت . الحمد لله.

سمعت أصوات ضبط الآلات، فى مكان أخر، اتجهت صوبالصوت. يقفون هذه المرّة فوق منصة على شكل مربع  لا دائرة. شباب سود ثلاثة،  وواحد أبيض وفتاة شقراء. فرقة أخرى. من أين؟ أرى السود عادة فى منتهى القوة والحضور الفطرى الجنسى إن صحّ التعبير. أخذوا يضبطون الآلات أيضا. قلت لنفسى متماديا فى خيال المصالحة: ثَبَتَتْ الرؤية: هذا استقبال معدّ لى خصيصا، وهذه هى الفقرة الثانية. كل الناس من حولى يعُدون أو يسيرون أسرع من العدو، وأنا الوحيد الذى يتمتع بهذا العزف والرقص مع  الإصرار والترصد.

صوت عربة البوليس يصيح خارج حجرتى الآن فى الفندق فى  “مونتريه” وأنا أكتب فنظرت عبر زجاج الشرفة، المطر يهطل كما تمنيت. قلت هذه إشارة إكمال هذا الفصل (!!! كيف؟) ـ فلأتماد وأعتبر أن المطر أيضا سقط الآن ترحيبا بى  بالمعنى المناسب لعلاقتى بربى، أقترب منه أكثر كلما سافرت، وكلما نجوت من خطر ما، وكلما فوجئت بفرحة طيبة. هذا ما كنت أحتاجه فى تلك اللحظة. أواتصل الكتابة .

توقف الشاب المسئول عن فرقة المطار السوداء المخططة بأبيض، بدا لى الأكثر شبابا (وليس الأكبر عمرا) وقال بالإنجليزية : “سيداتى سادتى” . لا يوجد إلاىَ  وأربعة آخرون تباطأ سيرهم  ولم يتوقفوا. استمر الشاب الرئيس: أقدّم لكم فرقتنا المكونة من فلان الفلانى من الكاميرون”. انحنى فلان هذا سعيدا بنا- تزايد العدد قليلا . جلست على مقعد من المقاعد حو ل المربع وأنا فى حال بهيج أنسانى كل ثقل الرصاص البارداللزج الذى بدأت به رحلتى. أكمل الفتى: “وفلان من غانا”، وانحنى هذا أيضا وكدت أنحنى أنا بدورى، وعليكم السلام يارجل يا طيّب. (لم يبق فى سيدنا الحسين، حتى فى رمضان غير القهوة على الناصية البعيدة، هى التى فيها حياة، الباقى خـَفـُتَ حتى مات، حتى حمّص الشام لم يعد ساخنا لاسعا. لماذا يا مصر؟؟؟ إلى أىن؟ لا تطردينى بالله عليكِ فأنا لا أصلح إلا فيك مهما تغزلت فى غيرك). و”فلان الفلانى من نيجيريا” وإذابفلان الفلانى الأخير هو هو هذا الذى يقّدم نفسه، فانثنى ونحن نحييه. الظاهر أننى لم ألتقط تقديمه لنفسه بأنه العبد الفقير إلى الله، خدامكم فلان. أكمل الشاب : وفلان من الولايات المتحدة ، مشيراً إلى الشاب الأبيض) الذى نظر إلى زملائه بامتنان أن سمحوا له بأن ينتمى إلى هذا اللون الأقوى. ثم إليكم  “فلانة” (الشقراء)،  لم  ألتقط من أين تحديدا، لم أسمع تقديمها تفصيلا. صفّقنا من جديد.

 بدأوا فى الغناء بكل المكبّرات المميزة، وكأنهم فى مسرح يحضره بضعة ألاف (أصبح عددنا  أقل من عشرة جلوس وأكثرقليلا واقفين). تساءلتُ : لمن يغنّى هؤلاء الناس، ومن الذى سيدفع لهم؟ طبعا كففت عن المضى فى مسخرة أنهم فى استقبالى وهذا الكلام، كانت أغنية جميلة . لم أفهم كلماتها. كانت شديدة الاختراق. صفّقنا بعد أن كدت أهم بالانصراف خشية  أن يمرّ علىّ أحدهم بقبعته يطلب المعـلوم  فلا أعطيه ولا أستطيع أن أدارى خجلى، لكنى بقيت وصفّقت مرة أخرى، ولم يمرّ علىّ أحد. بدا عليهم أنهم فى غاية السعادة أنّهم بسطونا جدّا، “هكذا جدعنة”. من أين يأكلون؟ كيف يصرفون؟ ولماذا هنا؟ فى المطار؟ ومن الذى أعد لهم المكان؟ بأى هدف عام أو خاص؟ وأنا مالى، ربّنا مهيئ الأرزاق، وسبحان من غذّى الطيور فى أوكارها، وقبـّضَ موظفى المجالس المحلية مرتباتهم وأنصبتهم من الإكراميات وهم فى منازلهم، لماذا يا مصر؟ إلى أين؟ إلى متى؟

قبيل وصولنا جنيف شعرنا بمطبات هوائية عنيفة وقال الطيار أننا سنهبط فى خلال دقيقة أو أقل لظروف الجو أو ما أشبه، لكننا لم نهبط، وحمدت الله أن زوجتى ليست معى، فهى لا تحتمل مطبات هذه الطائرات الصغيرة، فى حين أُغـفـلها أنا تماما وخاصة إذا شغلتنى الأجواء الدولية فأهاجت شاعريتى المتواضعية  التى تنشط بمجرد التواجد بعيدا عن حدود الدول و حدود الناس الذين يحددون وجودى بطقوسهم.

 مازلت أذكرها (زوجتى) بجوارى ونحن راجعون بطائرة صغيرة من أبو سنبل إلى أسوان. كانت تمسك بذراعى بين الحين والحين وأنا أنظر إليها متسائلا صامتا، ثم أمضى فيما أنا فيه، كنت أكتب قصيدة فى “رثاء الفخر” بعد أن شاهدت وجه رمسيس الثانى وسمعت المرشد وهو يحكى كيف أن شعاع الشمس يسقط على وجهه يوم مولده ويوم توليه العرش. شعرت بعظمة هذا الرجل وكرهته، تساءلت عن حقيقة انتسابى/انتسابنا/انتمائنا إليه، أنا أستطيع أن أنتمى لأى جد، ليكن. فرحت أكثر بعظمة مهندسيه وتصورت أنهم كانوا يحبونه لا يطيعونه فقط. هل نحتاج دائما لفرعون لكى نحقق المعجزات ؟

لم نعد نفرز إلا فراعين مزيفين، ومهندسين موظفين. نحن مصرون أن نُفَرْعِن من لا يصلح أصلا للفرعنة. المصيبة أنه يصدّق، وبالتالى نصدقه.  لكن الفَراعين المصنوعة محليا بلاتاريخ هى فراعين خائبة لا أحد يحترمها،ولا أحد يفخر بها.

مات الفخر وبقى الادعاء . كنت منهمكا فى كتابة  “رثاء الفخر” فلم أشعر بالمطبات الهوائية التى تبينت فيما بعد أنها سبب زعد زوجتى المتقطع لى، بدأت المرثية قائلا :

-1-

يا جّدنا المصلوب زهواً يحصد الزمن.

قد صار محظورا علينا ننقش القلوبَ فوق هامات الحجر.

فى عصرنا هذا أىا جدّى العزيز

لا تطلع الشموس دون إذنْ.

لا يُستباح للكلاب الآثمة ـ أمثالنا ـ أن تسكن العرين.

ما عاد يجرؤ وعينا أن يفخترْ: أنا بشر

وأنهيتها :

-4-

حَبَك الوليدُ دِثَـارهُ: كَـَفنا

وبلا رثاءٍ وسّدُوهُ لحده : مهدا.

كتبو عليه بلا دموع:

“ما عاش منْ لمْ يولدِ”.

حين نزلنا مطار أسوان، وكانت زوجتى قد شبعت فىّ زغرا، وزغدا بلا زغد، وأنا لست هنا، راحت تلوم الطيار وكأنه مسئول عن مطبات السماء، فلما سألتها عمّا أزعجها، اتهمتنى ـ دون تصريح ـ بفقد الإحساس، هذا هو المعنى الذى أستنتجُه أحيانا من تكرار اتهامها لى أن “اللى فى مخى هو اللى فى مخى”، وأننى لا أهتم بما يجرى حولى، وأننى حتى لا أشعر بالحر ولا بالبرد مثل الناس، فماذا يعنىنى إن ماتت هى (والركاب) رعبا؟ ولم أحاول أن أدافع عن نفسى فقد تعلمتُ أنه لا فائدة من الدفاع، علما بأنه لو حدث شئ من الذى فى بالها فسوف لا يستثنينى هذا الشىء، ولن يشفع لى شعرى، ولا نثرى. ولا بلادة شعورى .

حمدت الله أنها ليست معى الآن وإلا تجمدت رعبا. الطيار مازال  يدور فى السماء فى انتظار الإذن، يحاول  الطيار أن يطمئن الركاب بأنه  سيحاول الهبوط  مرة أخرى خلال عشر دقائق تقريبا، سيحاول؟ لم يقل سنهبط، هل نحن فينا من محاولة؟ لنفرض أنه حاول المرة تلو المرة ولم ينجح ، هل نظل معلقين هكذا فى السماء؟ لابد أن زوجتى كانت على حق. لابد أن أخاف، فبحثتُ عنه (عن الخوف) فلم أجده، ولم أكن ساعتها أكتب شعرا مثل رحلة أبو سمبل. ابتعد الشعر عنى  منذ مدة بعد أن ثبت لى أنه لم يكن السبيل الأمثل لتوصيل ما عندى. أنا راجع من استقبال باريسى حافل. استطاع أن يزيح من على صدرى ثقل بداية هذه الرحلة. تصورت أن ما حدث فى مطار شارل ديجول هو نوبة إفاقة واعدة. فليأت الخوف لأثبت لنفسى، ولزوجتى، أننى أحس. أن الذى فى مخى ليس هو هو الذى فى مخى. نظرت إلى الوجوه حولى، ولم أجد على أى منها أية مظاهر للخوف، هى معتادة دائما. دائما معتادة.

هبطنا فى المحاولة الثانية. فى ثوان. فهمت أعمق معنى “الحمد لله على السلامة”.

 استلمتُ الحقيبة الوحيدة ووجدت وجها أسمر فى انتظارى، ومعه ورقة مكتوب عليها اسمى، وفى رقة صحراوية لها طعم آخر رددت: وعليكم السلام، نعم هو أنا، ولكن كيف عرفتَ وجهى؟ فابتسم وردد ماكنت فيه حالا أن : حمدا لله على السلامة، ياه ما أجمل أن تصبح الألفاظ المعتادة لها معناها الأصلى!! حمل الرجل العربى الأسمر المهذب عنى الحقيبة وأنا خجلان لا أدرى كيف أتصرّف، أنا غير متأكد من رتبة سعادة البيك هذا، إذ لابد أنه البيك السائق مادام يتصرّف هكذا بهذه التلقائية والكرم والأدب، وقلت  لو حملت حقيبتى كعادتى وقد يظن أننى لست “هو”. دعها تمر.

ركبت فى المقعد الخلفى (أمـٌر آخر لم أعتده، ولكنى التقطت ضرورته لنفس الأسباب).

كم كنت أعجب من أمر أحد الزملاء الشمجيين (شخص. مهم . جدا.V.I.P.) حين  يفعل  عكس ذلك تماما إذ  يصر فى مواكب الموتمرات إياها على ركوب الدرجة الأولى فى الطائرة وحده، وبقية الزملاء فى “السكوندو”، مع أنه ركوب مدفوع الأجر لنا جميعا من شركات الدواء المعنية بإعادة تشكيل أدمغتنا حسب معادلات الكيمياء الخائبة وحسابات مكاسبها المفترىة. الفضل يرجع عادة لهذا الزميل الشمجى ذى الاتصالات الواسعة الدسمة، فهو الذى يقوم بمعظم هذه التسهيلات المؤتمراتية، وكذا فإن الوزر يقع عليه فى نتائج  غسيل المخ  ظاهرا وباطنا، نتائج ذلك على ميزانية وزارة الصحة والتأمين الصحى، وعلى جبوب المرضى على حد سواء. كنت أعجب كيف يجرؤ وكيف يستريح هذا الزميل أن يتركنا وينفصل عنا ليجلس فى