الرئيسية / مجلة الإنسان والتطور / عدد ابريل 1980 / ابريل 1980-الشخصية والسياسة

ابريل 1980-الشخصية والسياسة

الشخصية والسياسة

تأليف: هـ .إيزنك

عرض وتلخيص ونقد: د. مرقص فايز

الموجز:

يقدم هذا المقال، بعد مقدمة ناقدة متحمسة، رأى رائد فحل من رواد الإتجاه السلوكى الذى يربط السلوك بالتعلم بالشخصية بشكل مباشر، ويطبق هذا المبدأ على الإتجاهات السياسية، وهو يعرض أفكاره التى موجزها “أننا نتعلم السياسة كما نتعلم اللغة، ويمكننا أن نطبق قوانين التعلم على السلوك السياسى كأى سلوك أخر.فالناس تنتخب التى تحقق مصالحها، وهذه المصالح تحددها الطبقة التى ينتمون إليها من الناحية الاجتماعية.

ويمكننا باستخدام متصل “الانطوائية – الإنبساطية” ومتصل “المسألة – العنف” أن نحدد مواقع الأحزاب المختلفة. أما من حيث تأثير سمات الشخصية على الانحياز لأحد هذه الأحزاب فيتضح من أن الانبساطيين، وهم يشترطون بصعوبة، يميلون إلى العناء والعنف ومن ثم نجدهم يدخلون أحزاب الشيوعيين والفاشيست. أما الانطوائيين، وهم يشترطون بسهولة، فيمليون إلى المسالمة ونراهم غالبا فى أحزاب الديمقوقراطيين والليبراليين…”.

مقدمة

-1-

هانز إيزنك Hans J. Eyzenck عالم نفسى إنجليزى معاصر، ولد فى برلين سنة 1916 وتتلمذ على سبيرمان C.Speaiman، وبيرت C. Burt حصل على الدكتوراه فى علم النفس من جامعة لندن وعين أستاذ فى تلك الجامعة بعد الحرب العالمية الثانية وأنشأ فيها قسما جديدا بمعهد الطب النفسى وصار أول مدير له. ألقى محاضراته فى عدة بلاد، وقضى فترة أمريكا كأستاذ زائر فى جامعات كاليفورنيا وبنسلفانيا وغيرها.

ويتميز بالدقة العلمية البالغة فى تصميم التجارب التى يقوم بها فى علم النفس، وهو شديد النقد لكل تفكير لا يلتزم هذه الصفة، وهو فى طليعة المهاجمين للتحليل النفسى والنظريات المماثلة.

ويرى أن العلاج السلوكى Behaviour Therapy الذى يعتمد على قوانين التعلم هو الحل لمشكلة الأمراض النفسية العصابية إلا أنه لم يأخذ فرصة كافية فى التطبيق لأن معظم الأطباء النفسيين يرفضونه من حيث المبدأ.

إضافة العلمية عديدة أهمها البحوث التجريبية والقياسات النفسية الدقيقة التى أجراها فى ميادين الشخصية والذكاء والسيكوباثولوجى. وفى مجال الشخصية يرى أن سمات أو أبعاد الشخصية الرئيسية ثلاث هى: الإنطوائية Introvertionالعصابية Neurothicsm الذهانية Psychoticism.

ولأيزنك حوالى 300 مقالة منشورة فى المجالات العلمية، كما أن له عدة كتب، وهو رئيس تحرير مجلة “البحث والعلاج السلوكى”.

والمقالة التى نعرضها له اليوم هى من كتابه “المعقول والهراء فى علم النفس” Sense & Nonsense in Psychology المنشور فى سلسلة بنجوين سنة 1975.

-2-

ينتسب إيزنك إلى ما يعرف فى علم النفس بالمدرسة أو الحركة السلوكية Behaviourism، وهى الحركة التى تزعمها واطسون J. Watson فى العقد الثانى من هذا القرن، والتى أعلن مبادئها وأهمها: أن الموضوع الأساسى لعلم النفس، ينبغى أن يكون دراسة السلوك الظاهرى وعدم التعرض نهائيا لمظاهر السلوك الباطنية العقلية كالمشاعر والصور العقلية وهو وإن لم ينكر وجودها إلا أنه قال بإمكان إهمالها. كذلك عدم استخدام طريقة البحث المعروفة بالاستبطانIntrospection لأنها تقودنا إلى موضوعات لا يمكن دراستها علميا، فلكى يصبح علم النفس علما دقيقا لابد من ربط جميع مظاهر السلوك الظاهرية بالفسيولوجيا، وإدخال طرق وأدوات البحث الفسيولوجى العلمى التجريبى إلى معمل علم النفس.

وفى خلال ثلاثين سنة بعد ذلك (فى المدة بين 1920 – 1950) برز فى إطار الحركة أو المدرسة السلوكية عدد من علماء النفس البارزين أمثال هنتر Hunter وتولمان Tolman ولاشلى Lashaley، وهوات Holt ، وكو Kuo وجوثرىGuthrie وسكينر Skinner وإيزنك Eyzenck وفولبا J. Wolpe وغيرهم، واختلفت منطلقاتهم الفكرية، وتعددت المذاهب السلوكية داخل المدرسة بل وكادت تصبح مدارس مستقلة بما لها من أسس فلسفية مختلفة. واختفل تبعا لذلك تعريف الأفكار والمفاهيم الرئيسية التى يبحثونها ويتفاهمون بها، فلو سألت: ما الذى نتعلمه؟ لأجابك بعضهم أننا نتعلم “استجابات” وقال آخر بل “ارتباطات بين المؤثر والاستجابة” وهب ثالث قائلا: لا بل “توقعات” وقال رابع “علاقات” وربما قال خامس “كل هذا”. وإذا سألت: كيف نتعلم؟ لصاح ثلاثة فى وقت واحد بأكثر من إجابة. فإذا زادت حيرتك وتبلبل فكرك من هذه المدارس “العلمية” “الدقيقية” “التجريبية” ومن إجاباتها المتناقضة للشئ الواحد وقلت ربما إذا سألت سؤالا بسيطا اتفقت إجاباتهم فسألتهم: ما المقصود بـ “التعزيز” Reinforcement وهى كلمة أثيرة عندهم جميعا لاندهشت من وفرة الردود المختلفة التى تسمعها منهم، فمن قائل بأنه “إشباع لحاجة خاصة بالأنسجة” أو أنه “تقليل للدافع” أو “تغير فى نسق المؤثر” أو قائل “هو نوع معين من المؤثرات” إلى قائل “بل نوع معين من الاستجابة”.

وصار السلوك فى أذهان هؤلاء السلوكيين معادلات وتركيبات رياضية معقدة واستخدموا صيغا كصيغ القوانين المستخدمة فى الطبيعة والرياضة (التقليدية وليس الحديثة)، وبنظرية الاحتمالات أخذوا يتنبأون بنتائج هذه القوانين فى حالة تبديل مختلف المتغيرات، ونحن نعرف من العلوم الطبيعية الحديثة أنه من المستحيل مثلا التنبؤ بسلوك الإلكترون فى الذرة، والسبب ليس فى طرق البحث ولا الأجهزة غير الدقيقة التى نستخدمها ولكن لأن ذلك ببساطة لا يمكن معرفته لأنه خارج حدود المعرفة. وسلمنا بهذا فى العلوم الطبيعية رغم كل الأسس الرياضية التى تقوم عليها، ولكن يبدو أن علماء السلوك أكثر دقة وتحديدا (وربما أشطر) من علماء الطبيعة إذ تصوروا أنه يمكنهم التنبؤ بسلوك الإنسان – فضلا عن الحيوان – بفضل القوانين التى توصلوا إليها وأهمها قوانين التعلم اللذى والاشتراط.

نقطة أخرى مادمنا ذكرنا العلوم الطبيعية والالكترونات وهى أن أحدا من العلماء أو من غيرهم لم ير الألكترون – بل وهناك خلاف حتى الآن حول طبيعته هل هو جسيم أو موجات أو غير ذلك – ومع ذلك فلم يجرؤ أحد على إنكار وجوده. لأنه ببساطة يستدل عليه من آثاره التى تؤكد وجوده. ولكن علماء السلوك بطموحهم أن يكونوا “أدق علميا” من علماء الطبيعة، ولأنهم لم يروا اللاشعور ولا سائر العمليات والاختبارات والخبرات التى تحدث فى الوعى، فإنهم “الدقة العلمية” ينكرونها، ويقولون ببساطة أنها غير موجودة ولا يحسبون لها حسابا، رغم أن الأدلة على وجود اللاشعور، والأدلة على حدوث خبرات ومشاعر وعمليات عقلية عديدة فى الوعى واضحة جدا ويعرفها أى إنسان.

ويبدو أن إيزنك يتصور أن المجتمع الإنسانى عبارة عن صندوق كصندوق سكينر، والبشر فيه مجموعة فئران، إذا حققت لهم أحزاب اليمين مصالحهم انتخبوا اليمين، وإذا حققن لهم أحزاب اليسار مصالحهم انتخبوا اليسار، هكذا بكل بساطة. وهذا الكلام فيه نقاش كثير، فلا المجتمع صندوق سكينر ولا البشر مجموعة فئران، وقانون اللذة وقانون الاشتراط لهما وزنهما فى عالم الحيوان – ولو أن هذا النعيم لا يخلو من استثناءات – أما فى عالم البشر فالمتغيرات أكثر من أن تحصى وبالتالى فكل تقديراتنا وكل قوانيننا حتى بالنسبة لمستويات المصالح ونوعيتها البادئة من اللذة وإرضاء الدافع العضوى والمتصاعدة إلى غير حدود ستكون نسبية الصواب والخطأ، بل هى أقرب إلى الخطأ طالما أن المتغيرات هذه دائمة التغير للفرد الواحد من عمر إلى عمر، ومن مكان إلى مكان، وللمجتمع ككل من جيل إلى جيل ومن عصر إلى عصر. ففى ضوء كل هذه المتغيرات أين القانون الصحيح الذى يربط بين هذه المتغيرات غير المعروفة ولا المحسوبة، الأفضل فى ظل هذه الظروف ألا نتحدث عن “قوانين” و”علمية” بل نتكلم عن “احتمالات وبتردد بالغ وتواضع بلا حدود، احتراما للعقل.

ويجب التحذير من خطأ “عبادة الطريقة أو الميثود” إذ أن الطريقة العملية التجريبية فى البحث لها أيضا ثغراتها ونقاط ضعفها، وليس كل ما تؤدى إليه هو “حقائق” قد تؤدى أيضا إلى “أكاذيب” و “أوهام”. فليس مجرد اتباع الطريقة هو العاصم من الخطأ، بل قد يؤدى الخضوع المطلق لها إلى أخطاء قاتلة. والطريقة لا تقود إلى، ولا يمكن أن تكون بديلا عن الفكرة الملهمة التى قد تخطر على ذهن الباحث أثناء البحث، بل عبادتها قد تقتل هذه الفكرة فى مهدها. وفشل الطريقة التجريبية فى إثبات فرض ما لا يعنى أن الفرض خطأ. فربما كانت طبيعة التجريب لا تناسب طبيعة الفرض وهذا مما يدفعنا للبحث عن طرق وجود – الطاقة الحيوية أو الجنسية التى افترضها العديد من الفلاسفة وأطلقوا عليها أسماء مختلفة منذ فجر المعرفة، وهى الطاقة التى فسر بها فرويد عدة أمور فى نظريته؟ ببساطة لا يمكننا هذا فى الوقت الحاضر. والبديل إما أن نبحث عن طريقة أو وسيلة أخرى غير الطريقة التجريبية والإحصائية، أو ننتظر بتواضع “الفرج”، ولكن التسرع بإنكار وجود هذه الطاقة الحيوية أمر لا ينفع أحدا ولا يفيد العلم بنفس القدر الذى يمكن أن يضربه التعصب لوجود مثل هذه الطاقة، ولنتذكر أن ما ينفع هو الذى يمكث فى الأرض.

المراجع

(1) Thomson, R. (1968). The Pehican History of Psychology. Penguin.

(2) Calder, R. (1962) Science in our Life. Signet.

السياسة والشخصية

هناك رأيان متناقضان يعرقلان الدراسات العلمية للنواحى الاجتماعية والنفسية. الأول يتبناه أغلب علماء الاجتماع القدامى فى بريطانيا وعدد من السياسيين وبعض المؤرخين والاقتصاديين وهو أن البحوث التجريبية فى العلوم الاجتماعية لها مكان أدنى وأهمية أقل من الحوار الفلسفى وآراء الكتاب المشهورين – خاصة الأموات منهم. وهم يقابلون الدراسات العلمية بامتعاض لأنها ترغمهم على إعادة تقييم معتقداتهم ولأنها عادة لا تتفق مع أسلوب تفكيرهم. والثانى هو أن العلوم الاجتماعية إذا أرادت أن تكون شيئا غير مجرد التخمينات والظنون لابد لها من أساس تجريبى أى أن تؤسس على معلومات مؤكدة. ولكن هل هذا هو كل ما تحتاج إليه؟ تعريف العلم هو أنه معلومات منظمة Systematic Knowledge، والمحتوى التجريبى جزء أساسى فيه ولكن طريقة تنظيمه وبنائيته لا تقل أهمية. فالعالم لا يبحث حشدا من المعلومات، والتى تمكنه من استنتاج هذه المعلومات بمجرد أن يعرف القوانين. فالبحث التجريبى أساس العلم ولكنه لا يكفى وحده بل لابد من توجيهه بالنظريات بما لها من صفة العمومية وبالقوانين بما لها من قوة استنتاجية.

فإذا كان الأمر كذلك فهل يمكننا اعتبار علم النفس والعلوم الاجتماعية “علوما” بمعنى الكلمة أم هى لازالت فى “مرحلة ما قبل العلم” تجمع الحقائق المفردة والمعلومات المتفرقة؟ الإجابة فى تقديرى  أن أجزاء معينة فى علم النفس بلغت فعلا مرحلة ومستوى العلم بينما لا تزال أجزاء اخرى فى مرحلة ما قبل العلم. وإلى من يتشككون فى سلامة هذه الإجابة أود أن أقدم بقية هذا المقال كمثال لإمكانية استخدام الاستنباط من قوانين عامة، ثم اختبار هذه الاستنباطات بطريقة عملية، كوسيلة أساسية فى أى علم.

أول ما نقابله عندما ننظر إلى مجالات الاتجاهات الاجتماعية والسلوك السياسى والصراع الحزبى والانتخابات هو أن أحدها لا يبدوا خاضعا لقوانين الوراثة بل يعتمد على التعلم بشكل أو بآخر.

فنحن نتعلم سياستنا كما نتعلم لغتنا، وإذا أردنا أن نعرف شيئا عن الاتجاهات السياسية فعلينا أن نرجع إلى قوانين التعلم لتزداد الأمور وضوحا.

هناك قانونان للتعلم قانون اللذة وقانون الترابط Law of Hedonism & Law of Association، وينص قانون اللذة على أننا نتعلم الأشياء لأن لها تأثيرا على راحتنا، أما قانون الترابط فينص على أننا نتعلم أن (أ) تعقبها (ب)، لأنهما كانتا فى الماضى دائما أو غالبا مرتبطين. ويمكن تلخيصهما فى تجربتين: فالنسبة لموضوع الترابط فإن تكرارا بسيطا مثل “رنين جرس – لحم” يعلم الكلب أن الجرس يعقبه لحم فيستجيب بإفراز اللعاب بعد ذلك عندما يسمع صوت الجرس وحده. أما صندوق سكينر Skinner Box فخاص بقانون اللذة وفيه يحصل الفأر على الطعام عندما يمس بالصدفة عمودا معينا فى الصندوق متصلا بمخزن الطعام، والشبع الناتج عن هذا الفعل العشوائى يجعل الفأر يتعلم هذه الحركة بالذات ويكررها كلما أراه الحصول على طعام. ويمكن أن نسمى نوعى التغيير الناتجين فى الجهاز العصبى الخاص بالحيوان نتيجة هاتين التجربتين: الترابط الشرطى، والتعلم على الترتيب.

والشخص فى البلاد الديموقراطية مهما كان مستواه الاجتماعى يميل إلى الاعتقاد بأن المجتمع مقسم إلى طبقات اجتماعية مختلفة وأنه ينتمى إلى إحداها، وهذا الاعتقاد يترسب فى أعماق الأشخاص منذ طفولتهم الباكرة. ونقصد بالمستوى الاجتماعى أشياء مثل: نسبة الدخل المتاح، نوع التعليم الذى حصل عليه الشخص أو الذى يمكنه أن يوفره لأبنائه، نوع المسكن الذى يعيش فيه والحى الذى يقطنه فى المدينة، الطريقة التى يتكلم بها ونوع الناس الذين يختلط بهم… الخ، وهنا نجد على طرفى نقيض المليونير والعدم والعاطل، ونجد بينهما مختلف الدرجات ولو أن هناك بعض الصعوبات فى تحديد موتقع جميع الأشخاص على هذا المتصلContinuum ، أما من الناحية العملية فمن المفيد أن نقسم الناس إلى طبقات تضم كلا منها مجموعة من المستويات الاجتماعية، ويقسم معهد جالوبGallup  للاستفتاءات الناس إلى الطبقات التالية:ئ وهى القمة وتتميز بأن أفرادها رجال مقتدرون (وزوجاتهم) ممن يشغلون مهنا ممتازة ككبار المحاسبين والمحامين ورجال الدين والأطباء والأساتذة، أو يمارسون أعمالا كبيرة ككبار الملاك والمديرين. وكلهم يملك تقريبا تليفونا وخادما أو أكثر وسيارة.2 – ( متوسط  ):: وهى الطبقة المتوسطة العليا وتضم المهنيين الذين لم يدجوا فى الطبقة السابقة كالقائمين بالأعمال المكتبية ومن يتقاضون مرتبات كبيرة كموظفى البنوك والمدرسين والملاك ومديرى المحلات الكبيرة وملاحظى العمال فى المصانع وما شابه ذلك ممن لا يمارسون عملا يدويا، أما ملاك الأراضى إذ كانت أملاكهم واسعة جدا فيدرجون فى الطبقة (متوسط +).3 – ( متوسط  ـــ ): وتضم الطبقة المتوسطة الدينا وطبقة العمال. وهى أضخم الطبقات حجما وتضم العمال اليدوين والمساعدين فى المحلات وعمال دور اللهو والكتبة والوكلاء.4 – ( مجموعة دد  ): وهى طبقة الفقراء جدا ممت ليس لهم أعمال ثابتة ولا منتظمة، والعمال غير الحرفين وغير المهرة، وهم يسكنون مساكن بسيطة للغاية ولا يمكنهم الحصول إلا على الضروريات.

من هذا يتضح أنه إلى جانب مفهوم المستوى الاجتماعى، وهو حقيقة موضوعية يمكن تحديدها بالنسبة لأى شخص، هناك مفهوم الطبقة الاجتماعية الذى يتميز بأنه شخصى أكثر مما هو موضوعى أى يتوقف على آراء ومعتقدات الشخص الخاصة والواقع أن هذين المفهومين مرتبطان جدا ببعضهما.

تخلص مما سبق إلى حقيقتين هما أن الناس تختلف تبعا لمستواها الاجتماعى، وأنهم يدركون هذه الاختلافات وبالتالى ينسبون أنفسهم إلى طبقات معينة. وهناك قضايا سياسية تثير اشد الخلاف بين أعضاء طبقة معينة ولكنها لا تجد نفس درجة الاهتمام من أعضاء طبقة أخرى، ورغم أن مثل هذه القضايا قليل بالفعل إلا أن هذا أدى إلى قيام الأحزاب السياسية التى تعبر عن هذه الاختلافات. وبسبب تقاليد قديمة تسمى الأحزاب التى تعبر عن مصالح مجموعة المستويات العليا: أحزاب اليمين أو أحزاب المحافظين، وتسمى الأحزاب التى تعبر عن مصالح مجموعة المستويات الأدنى: أحزاب اليسار أو أحزاب الراديكاليين. وهذا التميز إلى يمين ويسار نتيجة حتمية لقانون اللذة فى التعلم ويمكننا أن نستنبطه من هذا القانون: فالحكومة الراديكالية، وهى تعمل على تحقيق أهداف ومصالح المستويات الأدنى تحقق فائدة ونفعا لهم وهى بالتالى تكافئهم على انتخابهم لها، والفار فى الصندوق بحصوله على طعام عند الضغط على رافعة حمراء اللون وتلقية صدمة كهربية عند الضغط على اخرى زرقاء يتعلم أن يضغط على واحدة ويتجنب الاقتراب من الأخرى. وهكذا الناخبين الذين تحقق لهم حكومة ما مصالحهم بينما تخفض حكومة أخرى مستواهم يتعلمةن سريعا أين يجب أن يقفوا وأى الجانبين يحقق مصالحهم.

ولكن لماذا لا ينتحب العمال كلهم حزب العمال ويتنخب أفراد الطبقة المتوسطة كلهم حزب المحافظين؟ الرد بسيط: فنحن عندما نعلم الفأر أن يضغط على رافعة حمراء ويتفادى الأخرى الزرقاء فإنه يحتاج إلى عدة تدريبات ليكتسب هذا السلوك، بينما نجد أن عدد أن عدد الانتخابات المتاح للشخص الإشتراك فيها محدود جدا، أربعة أو خمسة مثلا. يترتب على هذا أن جرعة التعزيزReinforcement  تكون ضعيفة نسبيا، وبالتالى نتوقع نسبة أعلى من السلوك العشوائى. ثانيا: كانت المكأفاة فى تجربة الفأر وفورية، أما فى المسائل السياسية فالأمر ليس كذلك، فاحيانا يكون العمال أسعد حالا وهو فى حكومة محافظين عما لو كانوا فى حكومة حزبهم، وهنا تكون عملية التعزيز مبهمة ومشوشة، وبالتالى لا نتوقع اتفاقا تاما بين الطبقة وسلوكها الانتخابى. ثالثا: قد يستخدم السلوك للتعبير عن مشاعر وعواطف لا علاقة لها  بالقضايا السياسية، كأن يعطى ابن رجل اشتراكى صميم صوته لحزب المحافظين لأنه يريد أن يكيد أبيه… ومثل هذه الأسباب غير الموضوعية والعشوائية سوف تتلاشى بمرور الزمن ولكنها تتسبب الآن فعلا فى جعل العالقة بين الطبقة الاجتماعية والمستوى الاجتماعى من جهة وبين سلوكها الانتخابى من جهة أخرى علاقة غير تامة.

والآن بعد ما فصلنا النتائج المترتبة على القانون اللذى فى التعلم، علينا أن نبحث النتائج الناجمة عن قانون الاشتراط. وقد ذكرنا بالتفصيل فى فصل سابق أن اختلافات البشر فى مقدرتهم الموروثة على تكوين الانعكاسات الشرطية (الاشتراط) بسرعة وسهولة هى المسئولة عن اختلافاتهم فى المزاج خصوصا بالنسبة لمتصل الانبساطية الانطوائية. وأن درجة الاجتماعيةSociability  التى يمكن للشخص بلوغها تتوقف على “قابليته لتكوين الانعكاسات الشرطية”Condition ability  فالذى تتكون عنده الاشتراطات بسهولة وسرعة يكون عادة أكثر اجتماعيةOver-Socialized  بالمقارنة بالمتوسط، والذى تتكون عنده بصعوبة يكون عادة اقل اجتماعيةUnder-Socialized  بالنسبة للمتوسط أيضا.

ةتتجلى الاجتماعية فى مجالين- على مستوى السلوك الاجتماعى والاتجاهات الاجتماعية- هما السلوك الجنسى، فهنا نرى أوضح مظاهر الصراع بين الرغبات والنوازع الذاتية وبين التثبيطات الاجتماعية التى تكون دائما بنفس القدر من القوة. فجزء كبير من عملية”الاجتماعية”Socialization  هو عبارة عن إقامة حواجز هامة جدا لبقاء المجتمع وموجودة حتى فى أبسط صور المجتمعات. وهنا نتوقع وجود أشد الاختلافات بين المنبسط والمنطوى، وبين الذى يشترط بسهولة والذى يشترط بصعوبة، ولكن كيف هذا الصراع عن نفسه فى مجالات الاتجاهات الاجتماعية والسلوك السياسى؟

هناك متصل ينتد بين اتجاه الانطوائية واتجاه الانبساطية، أى بين أصحاب الطبيعة الأقل اجتماعية أصحاب الطبيعة الأكثر اجتماعية، نجد على أحد جانبيه الأصرار الشديد على مختلف الموانع الاجتماعية ضد التعبير الحر عن النبضات الجنسية والعدوانية، وعلى الجانب الآخر منه نجد الدعوة للتحرر من هذه الموانع والقيود إلى جانب تشويهها لأنها غالبا ما تكون دينية أو أخلاقية. أى أننا نجد على جانب “اعتبار مسالم” للقواعد والقوانين التى تحمى المجتمع من الرغبات البيولوجية للبشر، وعلى الآخر نجد الرغبة “العنيدة” لتخطى هذه القواعد إلى التعبير الحر عن هذه الغرائز الحيوانية.

ويقودنا هذا إلى افتراض متصل المحافظة – الراديكالية وهو متصل المسالمة –العنف Tender-Tough Mindedness ولا توجد علاقة بين هذين المتصلين بل هما متعارضان، وبتصور آخر متعامدان.

ولو ألقينا نظرة على الأحزاب السياسية فى بريطانيا –وهى أحزاب المحافظين والعمال والاشتراكيين  والشيوعيين والفاشيست- لوجدنا أن هناك رأيين متناقضين يفسران العلاقات بينهم، الأول أن هذه الأحزاب تتدرج على متصل واحد من اليمين إلى اليسار حيث يوجد الشيوعيين فى أقصى اليسار يليهم الاشتراكيين فالليبراليين فى الوسط ثم المافظين يليهم الفاشيست فى أقصى اليمين كما فى الشكل التالى:

المحافظون                    الاشتراكيون

الفاشيست × ——— × ———- × ———- × ———– × الشيوعيون

الليبراليون

والثانى أن بين شيوعيين والفاشيست وشائج تقربهما من بعضهما جدا لدرجة تجعلها فى جانب واحد يقابل الجانب الذى به أحزاب الديموقراطيين الثلاث كما فى الشكل التالى:

الاشتراكيون                    الشيوعيون

الليبراليون × ——— × ———————- ×

المحافظون                    الفاشيست

وهذا  التناقض بين هذين الرأيين أو النظريتين يتلاشى إذا افتراضنا وجود متصلين لا متصل واحد، متعامدين أحدهما على الأخر،  ويمتد الأفقى من اليسار حيث الشيوعيين إلى اليمين حيث الفاشيست والأخر – ويمكن ان نسميه متصل السلطويد – الديموقواطيد – نضع قرب نهايته العليا حيث السلطوية الشيوعيين والفاشيست ونضع قرب نهايته السفلى حيث الديموقراطيين: الليبراليين، كما فى الشكل .

image001

والاتجاهات والآراء فى المسائل الاجتماعية غير مستقلة ولا منفصلة بعضها عن بعض بل تتواجد بصورة مترابطة وتظهر كتجمعات ، ولو فحصنا بالطرق الاحصائية الارتباطات الفعلية الموجودة بين آراء عينات كبيرة من البشر لتبين لنا أن هذه الارتباطات تنتظم فى نوع من البناء الهرمى يوجد عند قاعدته مليون عبارة وعبارة تمثل مختلف الاتجاهات والآراء التى نتخذها وبعض هذه العبارات تمثل وجهات نظرنا على المدى البعيد وبعضها الأخر وقتى ربما كان الدافع إليه انفعال سطحى ومجموعة الآراء المترابطة حول مسألة معينة تكون “الاتجاهات”، وهذه الاتجاهات إذا اتفقت تتجمع فى ايديولوجيات وهذا الكلام ليس افتراضا من جانب الباحث فهذه العلاقات القائمة بين رأى وبين اتجاه واتجاه علاقات حقيقية تم التحقق منها بحصر وجهات النظر الخاصة بآلاف الأشخاص الذين تم اختيارهم عشوائيا فكل ما يضيفه العالم النفسى هو نظرية أو طريقة لتحليل وبناء مثل هذا الكم من الآراء، أما المحتوى الحقيقى فمن الأشخاص أنفسهم الذين قام هو بتحليل أرائهم واتجاهاتهم.

ونتيجة تحليل آراء نحو ألف شخص من الجنسين من طبقة العمال والطبقة المتوسطة ومن مستويات تعلم مختلفة، وأعمار مختلفة بخصوص تأييدهم لمختلف الأحزاب السياسية فى بريطانيا تبين أن هناك أساسا مجموعتين رئيسيتين من الإيديولوجيات المتعارضة هما المحافظة – الراديكالية والمسألة – العنف .

وجاء الدليل على صحة مواقع مختلف الأحزاب السياسية كما فى الشكل السابق من بطارية أسئلة لمتصل المحافظة – الراديكالية (ر) ومتصل المسالمة – العنف (م) بعد تطبيقها وضبطها فى ضوء عدد من البحوث التى أجريت على عدد كبير من الأشخاص الذين كانوا أعضاء فعلا او صوتوا لصالح مختلف الأحزاب التى ندرسها ورصدت درجاتهم بالنسبة للقائمتين (ر) و (م) ومثلت العلاقة بيانيا فتبين أنها مطابقة إلى حد كبير للمواقع التى افتراضناها مقدما لهذه الأحزاب على الشكل السابق . الاختلاف الوحيد كان فى جماعة الفاشيست التى كانت بالفعل فى جانب المحافظة والعنف ولكنها كانت أقل محافظة من ناخبى حزب المحافظين.

وتختلف الطبقات الاجتماعية فى درجة العنف والدليل على ذلك يأتى من قانون التعلم بالاشتراط . فلو افترضنا أن لجميع الأشخاص فى جميع الطبقات درجة اشتراطية واحدة فإن درجة الاجتماعية التى يتعرضون لها تختلف كثيرا حسب الطبقة التى ينتمون إليها . وقد أشار كنزى Kinsey إلىمسألة اختلاف التقدير بالنسبة إلى كبت الرغبات الجنسية والتعبير الحر عنها عند كل من جماعات الطبقة المتوسطة وجماعات طبقة العمال وبين أن الآباء فىجماعات الطبقة المتوسطة يضعون موانع شديدة ضد الاشباع الجنسى الصريح لدى الأبناء بينما يكون الآباء فى جماعات طبقة العمال أكثر تساهلا فى هذا الموضوع فيرون مثلا أن قيام علاقات جنسية قبل الزواج أمر لا يمكن تجنبه بل ويقبلونه وبالمثل بالنسبد للعدوانية فهناك أدلة كثيرة على ميل جماعات الطبقة المتوسطة إلى فرض مستوى اخلاقى أشد صرامة على الأبناء مما تفعل جماعات طبقة العمال.  ويمكننا أن نعمم ونقول: أن ممثلى الطبقة العاملة بصفة عامة يميلون إلى العنف، وأن ممثلى الطبقة المتوسطة بصفة عامة يميلون إلى المسألة.

أما من جهة موضوع التباين الدولى فحقيقة أن معظم البحوث المذكورة فى هذا البحث من بريطانيا وليس بالضرورة أن ما يصدق على الشعب الانجليزى يصدق على غيره، ولو أن أنظمة الاتجاهات فى بلاد مثل السويد وألمانيا وفرنسا وأمريكا تتفق إلى حد كبير مع الوضع فى بريطانيا . ولكن هناك اختلافات لها مغزاها: فمثلا تتميز الأحزاب فى بريطانيا أساس بالنسبة لمتصل واحد هو المحافظة – الراديكالية، أما فى فرنسا فالوضع ليس كذلك إذ أن الاختلاف الأساسى بين الأحزاب السياسية فيها هو على أساس متصل المسالمة – العنف أما عن البلاد غير الأوروبية فقد أجريت دراسة واحدة فى بلد شبه اقطاعى فوجد أن عرب الشرق الأوسط لديهم ما يمكن تمثيله على متصل المسالمة والعنف بينما لايوجد فى العلاقات القائمة ما يمكن تمثيله على متصل المحافظة – الراديكالية.

يمكننا أن نستخلص مما تقدم ما يربط بين الشخصية والاتجاهات السياسية: فالذى يشترط بصعوبة أى الذى يكتسب أسلوبا سلوكيا يميل إلى الانبساطية، ينمى اتجاهات تتميز بالعنف والعناد، أما الذى يكتسب أسلوبا سلوكيا يميل إلى الانطوائية، فينمى اتجاتهات تتميز بالمسالمة. وبهذه النقطة الأخيرة تتم حلقة  الفروض التى توضح لنا بالتفصيل العلاقات الموجودة بين الشخصيد والاتجاهات الاجتماعية والتحرك السياسي فاذا أخذنا فى اعتبارنا مصادر الخطأ العديدة فى عملية قياس  وتحديد الشخصية والاتجاهات  الاجتماعية لوجدنا أن هناك علاقة وثيقة رغم أنها غير تامة .

* * *

نشرنا المقال كما وصلنا من صاحبه الشاب المتقن بعد أن رفعنا منه بطارية من ستين عبارة اقترح نشرها ليعرف القارئ – إن شاء – موقفه على هذيه البعدين (السلطوى – الديموقراطى، الراديكالى – المحافظ)  وقد وافقنا الكاتب الشاب على ذلك فبالرغم من تفضيل عامة القراء لمثل هذه المقاييس العامة المنشورة إلا أننا بنشرها قد نقع فى عديد من المحاذير التى لا يمكن إعفاء أنفسنا من مسئولية ما ينتج عنها، فنشر مثل هذه المقاييس فى مجتمع نام (التعبير المهذب للفظ مختلف) يساء فهمه باعتباره العلم النهائى والنتيجة التى ينبغى أن نسلم بها كما أن الكاتب قدم نقداً عنيفا فى مقدمته للاستسلام لهذا البعد الحسابى فى تقويم الظاهرة الانسانية ثم قدم فى نفس الوقت تناقضا مفيدا، ولا داعى لأن يرجح أح شقيه برشوة سهلة تعفى القارئ من التفكير لنفسه فى نفسه أو إذا شاء فليرجع إلى المصدر الأصلى يستشيره فى قياس نفسه أو ليذهب إلى مختص مسئول فىمثل هذه الأمور ونأمل أن يورى نشر مثل هذا المثال  بشقيه المتعارضين مدى حيرة الشباب المتخصص من ناحية، وحقيقة وضع علم النفس المعاصر من ناحية أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *