الرئيسية / مقالات صحفية / أخبار الأدب / الحرية والجنون فالإبداع (2)

الحرية والجنون فالإبداع (2)

أخبار الأدب 

نشرت بتاريخ: 3  مارس2013

نبض الناس

الحرية والجنون فالإبداع  (2)

‏ ‏لا‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نحيط‏ ‏بماهية‏ ‏الحرية‏ ‏الضرورية‏ ‏لحركية‏ ‏الإبداع‏ ‏إلا‏ ‏إذا‏ ‏غامرنا بزيارة ‏أعماق‏ ‏الوعى ‏البشرى وجوديا ‏وبيولوجيا‏ ‏‏عبر‏ ‏مسار‏ ‏التطور‏، ‏الذى ‏هو‏ ‏نفسه‏ ‏دليل‏ ‏خطير‏ ‏على ‏عمق‏ ‏قضية‏ ‏الاختيار‏، ‏طالما‏ ‏أن‏ الانقراض هو الاحتمال الغالب وأن ‏انقراض الجنس البشرى‏ ‏تهديد‏ ‏وارد، وخاصة بعد ما اصاب العالم من لوثه العولمة وافتراسية التراكم فالاستغلال.

وبرغم أن الحاجة إلى تناول علاقة الحرية بالإبداع هى ألزم وأكثر وعدّا إلا أننى فضلت أن أبدأ بمناقشة علاقة الحرية بالجنون لأعرى سلبياتها المحتملة قبل الانتقال إلى علاقة الحرية بالإبداع عبر مغامرة تشبه الجنون.

يقف الجنون متحديا ‏فى ‏بؤرة‏ ‏إشكالة‏ ‏الحرية ‏فهو‏ ‏من‏ ‏ناحية‏: ‏يعلن‏ ‏القدرة‏ ‏على ‏الاختلاف‏ ‏على ‏حساب‏ ‏أى ‏مكسب‏، ‏وباقتحام‏ ‏أى ‏مجهول‏، ‏فهو‏ ‏بذلك يمارس‏ ‏أحد‏ ‏مظاهر‏ ‏الحرية‏ ‏فى ‏أقصى ‏قدراتها‏ ‏الاقتحامية، ‏ومن‏ ‏ناحية‏ ‏أخرى: هو ‏انسحاب‏ ‏كامل‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏المقومات‏ ‏الضرورية‏ ‏لاختبار‏ ‏حقيقة‏ ‏الحرية‏ ‏فى ‏مواجهة‏ ‏الآخر‏/‏والواقع‏، ‏وهو‏ ‏من‏ ‏ناحية‏ ‏ثالثة‏: ‏استسلام‏ ‏للداخل‏ ‏القابع‏ ‏فى ‏الظلام‏ ‏عادة‏، ‏بما‏ ‏يؤدى ‏إلى ‏نفى ‏الحرية‏،‏ ‏ليتركنا‏ ‏فى ‏مواجهة‏ ‏الوجود‏ ‏الخاوى ‏إلا‏ ‏من‏ ‏التناثر‏ ‏المختلط‏ ‏المرجرج‏ ‏فى ‏المحل‏.

‏بإيجاز‏ ‏يمكن‏ ‏إعادة‏ ‏الصياغة‏ ‏بألفاظ‏ ‏أخرى ‏تقول‏:‏

“إن‏ ‏المجنون‏ ‏يخترق‏ ‏الحواجز‏، ‏ويعيش‏ ‏التجاوز‏، ‏وهو يقفز‏ ‏فوق‏ ‏أسوار‏ ‏اللغة‏ ‏بلا‏ ‏لغة‏، ‏وهو‏ ‏يلعب‏ ‏بالزمن‏‏، ‏لا‏ ‏يتبعه‏، ‏ولا‏ ‏يقع‏ ‏فيه‏،  ‏لكنه‏ ‏فى ‏نفس‏ ‏الوقت‏ هو قد ‏ينتهى ‏إلى ‏هـلامية‏ ‏ساكنة‏، ‏حتى ‏لو‏ ‏ترجرجت‏ ‏فى ‏مكانها‏، ‏وكأنها‏ ‏تتحرك‏. إن‏ ‏المجنون‏ ‏الحر‏ ‏الطليق‏ ‏هو‏ ‏فى ‏و‏ ‏اقعه‏ ‏دائر‏ ‏فى ‏محله‏ ‏فى ‏انغلاق‏ ‏‏متناثر‏، ‏فلا‏ ‏هو‏ ‏حر‏ ‏ولا‏ ‏هو‏ ‏طليق‏.

 هكذا‏ ‏ينفى ‏الجنون‏، ‏الذى ‏يبدو‏ ‏لأول‏ ‏وهله‏ ‏وكأنه‏ ‏الحرية‏ ‏الكاملة‏، ‏ينفى ‏الحرية‏ ‏تماما‏ ‏وهو‏ ‏يجتثـها‏ ‏من‏ ‏جذورها‏. ‏مع‏ ‏أن‏ ‏الحرية‏ ‏فى جوهر حركيتها تبدو‏ ‏حتمية‏ ‏وهى تسمح باختيار‏ ‏الجنون‏، فنُفاجأ فى نفس الوقت أن  ‏الجنون‏ ‏هو‏ ‏فى ‏النهاية‏ ‏مقصلة‏ ‏الحرية‏”.‏

الجنون‏ ‏ – إذن – هو‏ ‏فعل‏ ‏الحرية‏ ‏لتستحيل‏.‏

فى ‏الجنون‏: ‏الحرية‏ ‏تنتحر‏ ‏اختيارا‏. ‏المجنون‏ ‏يختار‏ ‏أن‏ ‏يحرم‏ نفسه من‏ ‏قدرته‏ ‏على ‏الاختيار‏.

الممارسة اليومية تُعلـِّمنا كيف أن  ‏المجنون‏ – ‏بجنونه‏- ‏إنما‏ ‏يعلن‏ ‏أن‏ ‏له‏ ‏طريقا‏ ‏آخر‏، ‏وأنه‏ ‏استطاع‏ ‏على ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏شئ ‏أن‏ ‏يرفض‏ ‏السائد‏ ‏الآمِـن‏، ‏وأن‏ ‏يتحدى، ‏ليسلك‏ -‏منفردا‏- ‏الصعب‏ ‏المجهول‏ (‏ثم‏ ‏يفشل‏).

‏إن‏ ‏فهم‏ ‏مسألة‏ ‏اختيار‏ ‏الجنون كمهرب أوحلٍّ نابع من وعى غائر‏ ‏تحتاج‏ ‏إلى ‏التسليم‏ ‏بأساسين‏:

 ‏الأول‏: ‏تعدد‏ ‏الذوات‏، ‏فى ‏الشخص‏ ‏الواحد، ‏ومن‏ ‏ثم‏ ‏يكون‏ ‏اختيار‏ ‏أى ‏ذات‏ ‏منها‏ ‏على ‏حدة‏ ‏هو‏ ‏نوع‏ ‏من‏ ‏الحرية‏، ‏حتى ‏ولو‏ ‏بدا‏ ‏على ‏حساب‏ ‏الذات‏ (‏الذوات‏) ‏الأخرى. فى ‏الجنون‏; ‏يكون‏ ‏الاختيار‏ ‏الغالب‏ ‏هو‏ ‏فعل‏ ‏الذات‏ ‏الكامنة‏ ‏دون‏ ‏الظاهرة‏ ‏فى ‏لحظة‏ ‏بذاتها‏، ‏ثم‏ ‏تقتحم‏ ‏الذات‏ ‏الكامنة‏ (‏البدائية‏ ‏عادة‏) ‏لتقود‏، ‏فيكون‏ الجنون‏ ‏هو: محصلة‏ غلبة ‏اقتحام ‏من قبل إحدى الذوات بالداخل ‏الكامن‏ ‏جنبا إلى جنب مع آثار هزيمة‏ الذات الظاهرة المرتبطة بالواقع والآخرين‏.

الثانى: ‏إن‏ ‏اختيار الجنون‏ ‏لا‏ ‏يظهر‏ ‏بشكله‏ ‏المباشر‏ ‏والمعترف‏ ‏به‏، ‏إلا‏ ‏بعد‏ ‏بداية‏ ‏الجنون‏ ‏نفسه‏، ‏بمعنى: ‏إن اكتشاف‏ ‏أن‏ ‏الأمر‏ ‏كان‏ ‏اختيارا‏ ‏سابقا‏ من وعى كامن يعلن بعد تفعيل الجنون فى السلوك الظاهر، وعادة  يأتى الاعتراف بعملية الاختيار أثناء العلاج المكثف حيث يقر المجنون‏ ب‏اختيار ما هو فيه، بعد اطمئنانه إالى تفعيل اختياره واقعا خاصا ماثلا قويا يسمح له‏ بإعلان‏ ‏‏أن‏ ‏الأمر‏ ‏”كان‏ ‏اختيارا”‏، ‏وهذا‏ ‏ما‏ ‏يسمى ‏”سبق‏ ‏التوقيت”، ‏وهو‏ ‏بمثابة‏ ‏ ‏تأكيد‏ ‏اختيارٍ‏ ‏ما‏ ‏سبق‏ ‏اختياره.

وبعد

فماذا عن علاقة ذلك بالإبداع؟

وإذا كانت الثورة هى إبداع جماعى، ففى أى مرحلة توقفنا وكيف نكمل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *