الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / الطبنفسى الإيقاعحيوى التطورى (160) الأسهل أصعب!!!

الطبنفسى الإيقاعحيوى التطورى (160) الأسهل أصعب!!!

نشرة “الإنسان والتطور”

الأثنين: 13-2-2017

السنة العاشرة

العدد: 3453   

 الطبنفسى الإيقاعحيوى التطورى (160)

الأسهل أصعب!!!

مقدمة:

ما زلت أحاول احترام النصيحة، والتمادى فى استعمال مساحة السماح، بأن أعيد، ولا أزيد، وأنا أحاول أن أختصر بعض ما اكتشفت أنه طال حتى غَمُضَ!!

وبعد

حين أعدت قراءة نشرة أمس، وكنت أحسب أننى وجدت مفتاح التواصل مع من يتفضل بقراءتى: وهو أن أركز رسالتى إلى من يهمه الأمر بتقديم “المختصر المفيد”، دون إطناب أو شرح، رحت أتقمص القارئ الطيب الذى صدقنى فحضرنى ما يلى:

يجوز أنه استطاع أن يستقبل ما جاء فى “أولا” (نشرة أمس)

 باعتبار المريض الفرد هو ممثل “للظاهرة البشرية”…الخ،

ولكن لابد أنه اتوقف طويلا عند تعبير يطلب من الطبيب

 “تنشيط مستويات وعيه” بالإضافة إلى علمه –  دون قصد إرادى –  بمجرد انتمائه إلى الحياة كما وهبنا الله إياها”.

كيف بالله عليكم تصل هذه الجملة إلى طبيب نفسى مبتدئ، يحاول – بصدق وحسن نية، وهو أجهز لتلقى الجديد ممن هو أكبر!! – كيف يصدق ما أقوله له هكذا، ثم يحاول أن يمارسه؟

إنه إذا قرأ هذه الكلمات وهو جالس إلى مكتبه لا يمكن أن يستوعب ما جاء بها، لكننى أعتقد أنه إذا أتيحت له فرصة متابعة العصافير13-2-2017 _1 وهى تمر أمام نافذته، وشيشها مفتوح – كما أفعل فى صباحات كثيرة بالصدفة –  فقد يلاحظ ما ألاحظه كل صباح تقريبا، وكيف أنه لابد أن الذى يجمع العصافير وهى تسبّحٌهُ معا هو “وعى مشترك”، وقد لاحظت – مع التركيز والفرحة-  أنه إذا انفصلت عصفورة عن المجموعة (لست أدرى لماذا؟) فإنها تدور وتدور وترجع إليها (لست واثقا هى أم أخرى) يحدث ذلك منها “دون قصد إرادى”، لكن – غالبا – هو هو الذى يمنع انقراضها بفضل الله، فتظل مع نوعها – العصافير – تقاوم الانقراض بهذا التمازج مع الوعى الجمعى “فتبقى” معنا نحن البشر ضمن الواحد فى الألف الذين بقوا من خلال هذا الوعى الجمعى ضد احتمالات الانقراض.

مرة أخرى الذى نجح ألا ينقرض هو واحد فى الألف من كل الأحياء عبر تاريخ الحياة (1) من بين هذه الأحياء توجد تلك العصفورة التى تنفصل لتتصل، كما يوجد واحد من البشر الذى يكتب هذه الكلمات الآن وهو يأمل مع من يستمع إليه أن يقاوم الانقراض أيضا.

أنا لا أتردد أن أشرح لطلبتى الذين لا يشاهدون أسراب أو حتى فرادى العصافير، لا أتردد أن أشرح لهم نفس الفكرة بمثال مألوف ولو أنه 13-2-2017 _2مقزز – ولا مؤاخذة – لأواصّل لهم كيف أن تنشيط “الوعى البينشخصى” إلى “الوعى الجمعى”: هو من أعظم ميكانزمات البقاء، أشرح لهم ذلك بأن أذكرهم بمنظر الذباب وهو يطير فوق صفائح القمامة، ولا أجد حرجا فى ذلك وأنا أتذكر قوله تعالى “إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا”، وأنصحهم أن يتأملوا بقدر من السماح الطيب، بعد ضبط غرائز القرف والاشمئزاز، أن يتأملوا عددا من الذباب وهو يحوم حول صفائح قمامة “معا”، يرتشق منها ما تيسر ليبقيه حيا  ضمن الواحد فى الألف، كما أذكره أن يتذكر معى – بعد إزاحة الاشمئزاز كما اتفقنا – أن هذا الموقف يجمع مجاميع الذباب عادة على مثل هذه الوليمة فى نشاط وذكاء ملحوظين، وأنه (الزميل الذى اشرح له) لو تقدم وهشَّ الذباب من على القمامة ولو مرة واحدة، فإن الذباب سوف يبتعد ليعود حفاظا على بقائه!

الروح ذاتية التنظيم

أرجع الآن لحظة إلى دانيال دينيت فى كتابه “أنواع العقول” (2)   حيث يقول:

“.. نحن أنفسنا، مثل كل الحيوانات الأخرى، لدينا روح مغذية – منظمة ذاتية التنظيم والحماية – تتميز تماما عن جهازنا العصبى كما أنها أقدم منه: وهى تتكون من جهازنا الأيضى، وجهازنا المناعى وأجهزة أخرى معقدة بما يذهل، وتعمل من أجل الترميم الذاتى والحفاظ صحيا على أجسادنا. وخطوط الاتصال التى تستخدمها هذه الأجهزة القديمة لا تكون من الأعصاب وإنما من الأوعية الدموية”.

انطلاقا من هذه المعلومة (الفرض) ينبعث احترامنا لآليات البقاء والاستمرار لكل الأحياء التى بقيت معنا ضمن الواحد فى الألف، وانطلق أنا إلى فروضى مطمئنا إلى القياس وكيف أن المخ يعيد تشكيل نفسه من خلال الإيقاعحيوى باستمرار، كما يتحدث دينيت عن التنظيم الذاتى والحماية.

والآن، إذا كان هذا القياس يبين سلوك العصافير، ثم حتى الذباب وبين ما أحاول أن أطلبه منك عزيزى القارئ، يزعجك وأنت لا تملك القدرة والأدوات واللغة على دحضه، فإن من حقك (1) ألا تفهمه أصلا (2) أو أن ترفضه دون إبداء أسباب، (3) أو أن تنكره وتنساه فورا دون أدنى شعور بالشفقة على كاتبه، مع الاستعداد لاتهامه بالجهل أو على أحسن الفروض باللاعلمية، أو الشطح غير المسئول أو حتى الجنون!!، وبما أنك أرق وأطيب من ذلك كله: فهو “الصمت”!

فضل العلاج الجمعى وحركية الوعى المتمادى فى الامتداد

الذى وصلنى من خلال العلاج الجمعى أساسا أننى، ومن استطاع من زملائى الأصغر الذين يتدربون معى (أو يشاهدونا) وقد عشنا سويا 13-2-2017 _3– ما يقرب من نصف قرن – قدرا مناسبا من التواصل بأقل قدر من الالتزام بجدول ضرب حرفية اللغة السلطوية المرموزة، طبعا دون إهمالها أو التنازل عنها، وربما هذا هو ما فسر لى عنوان كتاب دانيال دينيت الفرعى “نحو محاولة فهم الوعى” وقد زاد من ثراء هذه التجربة  فى العلاج الجمعى هو أن المشاركين فيها من المرضى كانوا – ومازالوا – عينة عشوائية من الطبقة المطحونة والمتوسطة (الأدنى غالبا) متواضعة التعليم  – أو بدونه إطلاقا – نادرة الإطلاع، لكننا جمعيا وبفضل قواعد هذا النوع من العلاج الجمعى المتمركزة أساسا فى “هنا والآن” وإلى درجة أقل قاعدة “من غير سؤال ولا نصيحة” استطعنا من خلال تنشيط الوعى البينشخصى المتشابك أن نستوعب ما يجرى، ونحن نتواصل ونتفاعل فيتخلق وسطنا الوعى الجمعى ونكاد نراه ممتدا إلى الدائرة الأوسع غير المشاركة إلا بالمشاهدة، ونحن نأمل أن يمتد حدسنا حتى يصل علمنا كدحا إليه.

   وبعد

إن الحقائق المعيشة التى لا يمكن تقييمها ولا الدفاع عنها إلا من واقع نتائج الخبرة، ويصعب وصفها بأنها علم بل أنها لا ترقى حتى إلى درجة النظرية، هى التى يرفضها الذى اعتاد على التفكير السببى وطلب الأدلة والمقارنة، لكن أيضا إذا كنا نشاهد حولنا لو أحسنا احترام الأحياء فى سعيها للبقاء – مع قدر كافٍ من إبداع التلقى (ولا أقول الخيال) ، ما يوازيها، فإن لنا أن نستلهم من ذلك أن لهذا العلاج نتائج إيجابية دون أدلة أو مقارنة مستحيلة، وهى “الشفاء” (إلى البقاء) بمعنى إعادة التشكيل للمخ  لإطلاق مسيرة النمو (وليس مجرد زوال الأعراض) إذا حدث ذلك وهو يحدث على الأقل أسبوعيا خلال ما يقرب من نصف قرن، إذا فإن الأمر يحتاج إلى إعمال النظر (لو سمحتم).

تنبيه آخر من نفس الكتاب:

يقول دانيال دينيت إن الإنسان حين يفترض أن (ويعامل) كل ما هو دونه على أنه ليس له عقل (مثله) إنما يرتكب خطأ علميا بل – على حد قوله:  “يتخذ موقفا علويا لا أخلاقيا غير مُبَرَّرْ”.

ولا أجرؤ أن أقول أن موقفا موازيا يكاد يصلنى من الذين يصرون أن تصل لهم هذه الخبرة بالألفاظ، فإن عجزنا  فجزاؤنا الرفض أو الصمت، مع تزايد احتمالات وصف ما نحاوله بأنه ليس علما ما دام لا يمكن إثباته بطرائقهم.

ثم إن كتاب دانيال دينيت كان له عنوان فرعى يقول: “نحو محاولة فهم الوعى” وبما أننى اقتربت أكثر من ثقافتنا التلقائية الأبسط التى لم تتشوه بالتعليم الغبى ولا بالقراءة السطحية أو القراءة الوصية وجدنى أتعرف على ثقافتنا فى مساحات رائعة من حركية الوعى على كل المستويات من أول الوعى الشخصى فالبينشخصى إلى الوعى المطلق إلى الغيب إليه، ولكننى حين اقتربت من هذه المنطقة شعرت بعجز شديد أن استعمل لغة تفيد ما أريد  تحديدا، وربنا يستر.

 وبعد

أظن قد يكون من المناسب أن أدع عمق ما وصلنى من ثقافة ناسنا البسطاء فيما يتعلق بالوعى (امتدادته والإيمان والشفاء)، إلى نشرة تالية إن استطعت، أعتقد أنه على صدقهم وتلقائيتهم سوف تكون أصعب.

أو كما ترون.

[1] – “الإنقراض جينات سيئة أم حظ سىء؟”  تأليف: دافيد م. روب، ترجمة: مصطفى ابراهيم فهمى، المشروع القومى للترجمة المجلس الأعلى للثقافة، 1998.

[2]-  Kinds of Minds Towards Understanding of Consciousness  Daniel C. Dennet 1996

الكتاب المترجم صادر عن “المكتبة الأكاديمية” ترجمة د. مصطفى فهمى إبراهيم، نشر بعنوان “تطور العقول!!”  – القاهرة  – 2003 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *