الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / لطبنفسى الإيقاعحيوى التطورى (154) عودة إلى ملف الفصام الفصام مغارة الضياع ووعود الإبداع عودة إلى علاقة الفصام بالتطور والإيقاعحيوى

لطبنفسى الإيقاعحيوى التطورى (154) عودة إلى ملف الفصام الفصام مغارة الضياع ووعود الإبداع عودة إلى علاقة الفصام بالتطور والإيقاعحيوى

نشرة “الإنسان والتطور”

الأثنين: 30-1-2017

السنة العاشرة

العدد: 3440   

 الطبنفسى الإيقاعحيوى التطورى (154)

        عودة إلى ملف الفصام

الفصام مغارة الضياع ووعود الإبداع

عودة إلى علاقة الفصام بالتطور والإيقاعحيوى

30-1-2017_1

فى نشرة: 5-11-2016 “فروض تدعم بعضها بعضا” استشهدت بما ورد فى كتاب جوناثان بيرنز  Jonathan Burns  “جذور الجنون” الأصل التطورى  للذهان “والمخ الاجتماعى” (1)

ورد فرض بيزنز يقول:

“إن الفصام هو الثمن الغالى الذى دفعه الإنسان وهو فى طريقه إلى تشكيل “المخ الاجتماعى” Social Brain

ويوضح المؤلف فرضه هذا بالإشارة إلى:

 “…إنه بمقارنة تطور المخ البشرى بتطور المخ عند القردة العليا وما قبلها يمكن أن نفهم كيف تطورت الأمخاخ خلال البضع ملايين السنين السابقة وكيف تميز الجنس البشرى بهذه الخطوة نحو تخليق “المخ الاجتماعى”.

 وقد قدم المؤلف دلائل على تخليق هذا “المخ الاجتماعى” Social Brain عند البشر من خلال “التطور متفاوت الأزمنة” heterochrony، الذى يعنى أن المخ البشرى راح يعيش أطوارا أطول فأطول جيلا بعد جيل وهو يواصل تشكيل الترابط المتزايد بين مستويات المخ وخاصة النصفين الكرويين.

وهو يفترض أيضا أنه فى الفصام تطول مدة هذه المراحل المتعاقبة أكثر من اللازم مقارنة بالشخص العادى، وبالتالى فإن نفس الأسلوب الذى ينمو به المخ لتكوين المخ الاجتماعى هو هو ما يحدث عند الفصامى، إلا أن الفصام يحدث حين تتجاوز محاولات التشكيل كفاءة التربيط وطبيعة التشكيل النيورونى حدود السواء فالتطور،  وبدلا من تحقيق متطلبات تخليق المخ الاجتماعى، يزداد التداخل والتكثيف بدلا من التشكيل والتخليق الإبداعى، ومن ثـَمَّ: يحدث الفصام،

 وينتهى المؤلف إلى أن الفصام هو الثمن الباهظ الذى دفعه الإنسان لتشكيل ما هو المخ الاجتماعى، وأن مزية تحسين القدرة على التكيف الاجتماعى من خلال تطوير التشابك النيورونى إذا ما تجاوزت حدود توظيف ذلك للتواصل والتثكيف العلاقاتى فإنها تنقلب إلى تشابك مفرط غير منظم بين النيورونات، فيتخلق الفصام على حساب عجز تخليق المخ الاجتماعى.

هذا بالنسبة لتطور الحياة حتى تخلق الجنس البشرى – بفضل الله – عبر مئات الآلاف من السنين.

وهو تفسير يجعلنا نتعاطف مع هؤلاء الضحايا من أبناء نوعنا الذين دفعوا ثمن استمرار مسيرة  الإنسان حتى يتطور لهم المخ الاجتماعى فيتواصلون بشرا على حد فرض بيرنز.

 لكن بيرنز لم يتطرق إلى ظهور الفصام حتى أيامنا الحالية، بتواتر عال نسبيا، طوال التاريخ وعبر العالم، وهى نسبة  1 % التى ما زالت ثابتة باستقرار غريب، وثبات هذه النسبة وارتفاعها حسب حسابات التطور جعلت الباحثين يعجبون كيف أن مرضا (الفصام)  متوسط عمر أفراده life span  أقل من المتوسط العادى،  ومدى خصوبته (fertility عدد نسله) أيضا أقل أيضا من المتوسط العادى  كيف أن هذا المرض كان المفروض أن تتراجع نسبته عبر آلاف السنين ولا تظل  ثابتة 1 %   (2)، لأن القاعدة هى أن المرض إذا كان خبيثا تطوريا، وفى نفس الوقت هو شائع بهذا الشكل، فإنه يعرض الجنس المصاب به للانقراض بعد أن تتراجع نسبته باستمرار، الأمر الذى دعا كثيرا من العلماء إلى وضع فروض تفسر هذا ا التناقض الظاهر، ومنها:

 إن الذى يوّرَّث فى حالة الفصام ليسي جينا  خاصا بمرض الفصام، وإنما هو جين له سمة تطورية إيجابية ، ولا تصبح سلبية إلا فى اللقاح المماثل homozygos  وأن الفصام ليس إلا الصورة السلبية لتجليات هذا الجين إذا كان اللقاح مغايرا hetorozygos (3)، وبغض النظر عن صحة هذا التفسير بهذه التفاصيل، فإن هذه الاحتمالات دعت الباحثين إلى البحث عن تواتر ظاهرة الإبداع الفائق فى عائلات الفصاميين، ونجحوا فى إثبات أن الإبداع متواتر فعلا أكثر من النسبة فى المجتمع العادى، بل إن دورات الإبداع قد تتبادل فى بعض الأحيان فى المريض الفصامى نفسه، بمعنى أن بعض المبدعين يصابون بنوبات فصام تبادلا مع نكساتهم المحتملة (4).

يبدو أن كل تلك المعلومات والفروض وما إليها كانت وراء فروضى عن علاقة الإبداع باضطراب الفكر الجوهرى عند الفصاميين Formal Thought Disorder ، وعن “حالات الوجود المتبادلة”(نشرة 25-6-2016(  و(نشرة 25-6-2016) و(نشرة 25-6-2016) وعن كثير من تتظيرى المتعلق بدور الإيقاعحيوى  فى إعادة بناء المخ لنفسه باستمرار، وبالتالى فى دفع نبض النمو على مدى عمر الإنسان الفرد)  (5)

تطوير فروض جوناثان بيرنز

إذا كان ظهور الفصام فى الجنس البشرى هو الثمن الذى دفعه الإنسان فى طريقه إلى تشكيل المخ الإجتماعى من خلال التطور متفاوت الأزمنة فما الذى حافظ على ظهور هذا المرض بهذه النسبة المتواترة بيننا  حتى الآن، وهى نسبة كما شرحنا كيف تتعارض مع قوانين التطور مقاسة بالخصوبة ومدى العمر؟ وما هو السبب الذى يجعل فردا بشريا بذاته وقد أخذ فرصة تخليق المخ الاجتماعى كاملا من أجداده  الذين دفعوا الثمن فصاما!! – حسب بيرنز- ما هو السب الذى يجعله يعيد دفع ثمن سبق أن دفعه  أجداده بالتمام والكمال،  بدليل أنه ولد وهو يحمل الجاهزية لإطلاق فاعلية كل الأمخاخ بما فى ذلك المخ الاجتماعى؟

لقد وجدت للإجابة على هذا السؤال من استلهامى لنظرية الاستعادة (القانون الحيوى) لإرنست هيكل  Recapitulation Theory  من خلال فروض الطبنفسى الإيقاعحيوى التطورى، التى سمحت لى بامتداد فكرة الاستعادة حتى الآن، ليس فقط استعادة الأنتوجينيا للفيلوجينا، ولكن بكل مستويات الاستعادة متضمنة الماكروجينا والميكروجينا.

عندما انتبهت إلى الإضافة التى أضافها بيرنز دون ارتباط بتوسيع قياس الاستعادة حين أشار إلى التطور متفاوت الأزمنة” واضط30-1-2017_2راد المحاولات مع كل دورة نمو، خطر لى أن نوعا مناظرا لهذا التطور متفاوت الأزمنة  heterochrony هو الذى يحدث فى عملية الإبداع عند الأفراد على مسار تطورهم إلى نضج إبداعهم، بل هو هو الذى يحدث فى أى عملية إبداع عند الأفراد عامة، إذن فهو يتكرر ليس فقط لتخليق المخ الاجتماعى، وإنما لتخليق وتنشيط كل مستويات الإبداع وباستمرار من أول إبداع النمو أثناء دورات النبض اليوماوى فى النوم (الحمد لله الذى أحيانى بعد ما أماتنى وإليه النشور) وحتى نتائج دورات الإبداع الفائق بشتى صوره.

يبدو أن  هذه الفروض والقياسات كانت تكمن وراء ما قدمته عن  الترتيب الهيراركى للأمخاخ ، وأن هذا الترتيب لا يتوقف  عند المخ الاجتماعى التكيفى وإنما يتواصل إلى المخ التكاملى الجدلى الإبداعى، كما بينت بوضوح فى نشرات مختلفة وأنا أقدم حضور هذا المخ التكاملى الجدلى الإبداعى ودوره فى الإيقاعحيوى الذى إذا فشل كان الناتج جنونا لا إبداعا.

 بألفاظ أخرى:

 إن الفصامى – الآن وليس فقط عبر التاريخ – يظهر بكل سلبيته وتفسخه حين تتجاوز محاولات التشكيل (الإبداع) كفاءة الجدل اللازم لتواصل العمليات الإبداعية المتكررة حتى غايتها، وهى إعادة بناء المخ، وتخليق احتمالات جديدة سواء كانت مرصودة أو غير مسجلة، وقد أبنتُ ذلك مرارا وتكرارا مع ألحاحى على تقديم فروض حالات الوجود المتبادلة طول تناولى لهذه الاحتمالات.

نستطيع أن نخلص الآن مؤقتا إلى تطبيق فروض بيرلز التطورية على محاولة فهمنا للفصام وعلاقته بالإيقاعحيوى المستمر، باعتبار أنه ما دام التطور مستمرا بل مستعادا مع كل نبضة إيقاعحيوى، فإن نسبة معينة  (1 %) هى التى تفشل فى مواصلة الإبداع، ويظهر الفصام بنتيجة لذلك مسبوقا ومصحوبا أحيانا بنفس الخطورة مع كل نبضة إيقاعحيوى، أو مع كل دورة نمو

على أن ذلك لا يعنى أن الإبداع الشائع الذى نعرفه هو المقصود باستمرار  حيث أن  الغالبية تكتفى بالإبداع النمائى اليوماى،  وتتوقف فاعلية نبضات الإيقاعحيوى عند تخليق ودعم  المخ الاجتماعى التكيفى، ويظل ناتج إبداع المخ الجدلى غير موجود ظاهرا لكنه هو الذى يحافظ على استمرار حياة البشر بشرا.

وعلى ذلك يصبح التوقف القسرى دون التمادى فى التطور متفاوت الأزمنة هو بمثابة آليات دفاعية صد مخاطر التمادى الأخطر فى مرحلة المخاطرة بالإبداع، وهذا ما يصنف الحياة العادية التكيفية وليس بالضرورة المغتربة، ولعل هذا هو ما وصفناه على أنه دفاع “الشخص العدادى” ضد احتمال الفصام بمعنى أنه هو فى الحقيقة ، تجنب للخوض فى مخاطر التفكيك  اختبارا  لمدى نجاح  التطور متفاوت الأزمنة فى مواصلة المحاولة.

30-1-2017_3

[1] –  Jonathan Burns  “The Descent of Madness” Evolutionary Origins of Psychosis and the Social Brain. 2007

[2]  – مثلما هو الحال فى مرض كوريا هنتجتون  Huntington Chorea الذى وصل تواتره الآن  إلى واحد فى المائة ألف : لأنه خبيت تطوريا بنفس حسابات متوسط العمر والخصوبة 

[3]  – وقد استلهموا هذا الفرض قياسا بفقر الدم المنجلى  Sickle cell anemia حيث المعروف أن المصاب به تكون عنده مناعة ضد الملاريا الخبيثة بنفس منطق هذا القياس 

[4] – ‏قمت‏ ‏بالاشراف‏ ‏على ‏بحث‏ ‏للدكتوراه‏ ‏عن‏ ‏عائلات‏ ‏الفصام‏ ‏فى ‏البيئة‏ ‏المصرية، أثثبت‏ ‏أهمية‏ ‏الوراثة‏ ‏ليس‏ ‏بالنسبة‏ ‏لوراثة‏ ‏الفصام‏ ‏فحسب‏ ‏بل‏ ‏لأمراض‏ ‏أخرى ‏وخاصة‏ ‏اضطرابات‏ ‏الشخصية، هذذا‏ ‏بالاضافة‏ ‏إلى ‏تأكيد‏ ‏أهمية‏ ‏العائلة‏ ‏بيئيا، والتفاعل‏ ‏بين‏ ‏العاملين‏ ‏هو‏ ‏تفاعل‏ ‏أعمق‏ ‏من‏ ‏مجرد‏ ‏الجمع‏ ‏أو‏ ‏حتى ‏التداخل‏ ‏حيث‏ ‏أنه‏ ‏تفاعل‏ ‏دوامى Perpetual متصل‏.‏

‏Sherbini, G. (1976) Families of Schizophrenia in Egypt, Tanta University- Unpublished Thesis.

[5] – وقد ظهر هذا فى النشرات بإلحاح طوال تقديمى للطبنفسى الإيقاعحيوى التطورى بشكل لا يحتاج إلى الإحالة إليه جميعا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *