الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / الطبنفسى الإيقاعحيوى التطورى (137) معالم الطريق إلى النفسمراضية التركيبية المريض قبل المرض، هو موضوع الطب والتطبيب.

الطبنفسى الإيقاعحيوى التطورى (137) معالم الطريق إلى النفسمراضية التركيبية المريض قبل المرض، هو موضوع الطب والتطبيب.

نشرة “الإنسان والتطور”

السبت: 24-12-2016

السنة العاشرة

العدد:  3403

الطبنفسى الإيقاعحيوى التطورى (137)

معالم الطريق إلى النفسمراضية التركيبية

المريض قبل المرض، هو موضوع الطب والتطبيب.

مقدمة

  لتقديم دور الصياغة التركيبية من منظور الطبنفسى الإيقاعحيوى، لا بد من إعادة التذكرة بأن موقف الطبيب (والمعالج) من منطلق الإيقاعحيوى والتطور هو ليس موقفا نظريا بحال من الأحوال، ولكنه موقف تطبيقى عملى له معالمه المميزة التى ترتبط فى التشكيل النهائى بكل أنواع العلاج: من أول العلاج النفسى الفردى، حتى العلاج بالمهدئات الجسيمة (النيورولبتاتNeuroleptics) مرورا بالعلاج الجمعى، وعلاج الوسط بوجه خاص، دون تجاوز لعلاج تنظيم إيقاع الدماغ بإعادة تشغيله من خلال العوامل الفيزيائية أساسا، والعوامل الكيميائية أحيانا، وكل هذا سوف يأتى تفصيله مع العلاج عامة، ومع علاج كل مريض أولا بأول.

 الصياغة التركيبية هى رسم آنىّ فى الوقت الحاضر (هنا والآن)  لما حدث من تغير فى التركيب الطبيعى للمخ البشرى، علما بأن هذا كله لا يتحقق إلا مع الإلمام بالخطوط الأساسية للتاريخ كله ما أمكن ذلك، مما يساعد على قراءة المخ (الأمخاخ) “الآن”  كما سياتى ذكره:

وبعد

الأسلوب المتـّبع للوصول إلى ما آل إليه تشكيل المخ (الامخاخ)(1) هو “قراءة النص البشرى ” (حالة كونه مَرِضَ)، تمهيدا للإسهام فى أعادة تشكيله بما أسميناه “نقد النص البشرى”(2)، ولتحقيق ذلك نبدأ بإعادة عرض  جدول المقارنة بين الطب النفسى التقليدى والطبنفسى الإيقاعحيوى (نشرة 12/12/2016) بدءا بالمقابلة الإكلينيكية ، حتى رسم النفسمراضية التركيبية نحو الخطة العلاجية، وذلك تمهيدا لشرح بنوده بشكل أكثر تفصيلا.

الترتيب التنازلى للأهمية: للمقارنة (نشرة الأثنين : 12-12-2016 العدد: 3391)

الطبنفسى التقليدى

الطبنفسى التطورى الإيقاعحيوى(3)

الهدف فى المقام الأول: التشخيص. الهدف فى المقام الأول: قراءة المريض ومعنى حضوره (وليس فقط معنى مرضه).
تحديد السبب الكيميائى (ما أمكن).  قراءة لغة الأعراض والهدف من ظهورها.
اختيار المضادات (الكيميائية للسبب الكيميائى). قراءة المخ (الأمخاخ) وما آل إليه ترتيبها الآن
رصد الأعراض. التركيز على “الصياغة بكل مستوياتها الآن”
الإسراع بالتخلص من الأعراض. “تجنيب الأعراض” ومواصلة تنمية الإيجابيات، وكذا مواصلة الطريق برغم وجودها (وسوف تضمر الأعراض لاحقا).
إعطاء العقار المضاد للخلل الكيميائى المفترض. اعطاء العقاقير انتقائيا لتثبيط نشاط المخ الناشز البدائى حسب ما يشير به التشكيل.
الالتزام بثبات العقاقير لأطول مدة (بما فى ذلك مستواها فى الدم). ذبذبة أسلوب تعاطى العقاقير لأىِّ من الأمخاخ انتقائيا، تواكبا مع تنوع دعم نشاطات الامخاخ الأخرى.
التجنب الأعمى – ما أمكن ذلك- لما يسمى جلسات علاج الصدمات الكهربائية. إعادة تشغيل المخ Restart بعد التمهيد لغلبة المخ المحورى الاجتماعى العلاقاتى لتولى القيادة (انظر بعد) وكذلك: أنظر مقالة  “صدمة‏ ‏بالكهرباء‏…. أم‏ ‏ضبط‏ ‏للإيقاع‏؟” .
ترييح المريض، وإرضاء الأهل. دفع المريض لتحمل آلام ومخاطر النمو بما يشمل: العمل /العلاقات/ الإبداع العادى/ الإبداع الفائق/ الإيمان، مع تحفيز تنشيط الوعى الجمعى بدءً بالأهل.

هذه‏ ‏القراءة‏ – كما جاءت تقريبا فى نفس النشرة – ‏تهدف أساسا إلى رسم‏ ‏صورة‏ ‏العلاقات‏ ‏التركيبية‏ ‏بين‏ ‏مختلف‏ ‏منظومات‏ ‏المخ (= حالات العقل = مستويات الوعى = مختلف الأمخاخ)‏ وما وصلت إليه علاقاتها ببعضها البعض “الآن”، وبالتالى تكون المهمة هى تشكيل “بورتريه شامل حى” للحالة الراهنة، لإمكان التخطيط المتكامل لخطة العلاج بأغلب أنواعه، خاصة ما يتبنى المنطلق النيوروبيولجى، وتوجيه الطاقة، واحترام: أن المخ يعيد بناء نفسه باستمرار، ونحن لسنا سوى عوامل (بكل ما نملك من خبرة، وتنظير، وعقاقير، وتأهيل، وتدخلات فيزيائية) عوامل مساعدة ليعاود المخ بناء نفسه.

ونبدأ اليوم بشرح تفصيلى نسبيا لما جاء فى هذا الجدول بالترتيب:

أولا: المريض هو المرض، وليس عنده المرض الفلانى:

 فى الطبنفسى الإيقاعحيوى يتراجع التشخيص كما ورد فى الجدول إلى مرتبة متأخرة فى الترتيب الهيراركى، مقارنة بموقعه فى الصدارة فى الطبنفسى التقليدى، فالمريض النفسى هو الموضوع نفسه، وتعبير فلان “عنده مرض كذا” هو تعبير غير مناسب، بمعنى أن المريض الفصامى – مثلا – ليس عنده مرض اسمه فصام، وإنما هو قد أعيد تشكيل أمخاخه بطريق منحرف أو مختلف غير ما خلقه الله به، فأصبحت  له مواصفات كذا وكيت، بدليل ما ظهر عليه من مظاهر وسلوك ونوع وجود: فأصبح فصاميا، فهو لم يُصَب بالفصام كما نقول إن المريض بالحمى التيفودية أصيب بعصابية التيفود typhoid bacillus ، من هنا يختلف التعامل مع المريض منذ البداية باعتباره كيانا كليا، اضطرب  تشكيله نيوربيولوجيا حتى ظهرت الأعراض سلوكيا ووجوديا، فمرضه ليس مجرد خلل جزئى فى هذه المنطقة، وأو ذلك الناقل العصبى neurotransmitter.

هكذا منذ البداية نستشعر أننا نتعامل مع وحدة الكيان البشرى الذى ظهر على سطح وجوده، أو سائر سلوكه، هذا العرض أو تلك الظاهرة، التى يمكن أن تتجمع تحت اسم مرض بذاته لا ينبغى أن يحل محل المريض نفسه؟

يستتبع ذلك مباشرة أنه يمكن أن يشترك المريض – بشكل غير مباشر فى البداية – فى إدراك طبيعة ما صار إليه، وليس فقط ما أصابه أو لحق به، وانطلاقا من هذه البداية نجد أنفسنا أمام قضية اختيار المرض حلا، وهو ما سبق أن أشرنا إليه مرارا، ويصبح الاقتراب من المريض من هذا المنطلق ليس اتهاما، بل احتراما(4) يمهد لأن يتقبل المريض – حين الوصول إلى ما تسمح به العلاقة العلاجية المتمادية: إلى أن يشارك فى  تشكيل النفسمراضية التركيبية، أو بتعبير أدق: أن يتقبل المشاركة فى البحث عن حل بديل أكثر توازنا وفاعلية كما خلقه بارئه.

خلاصة هذه النقطة:

إن المريض كيان يحتاج إعادة تشكيل وليس سائلا فى إناء تلوث بجسم غريب أو مادة قذرة

ثانيا: تبدأ بعد ذلك قراءة لغة الاعراض:

قراءة الأعراض تتجاوز رصدها بمقارنتها بتعريفها كما وردت فى الدليل الفلانى، أو المرجع العلانى، وهذه القراءة ليست عابرة أو مسطحه، بل إنها  تبحث بين سطور الأعراض، وخلف ظاهرها، عن معناها ووظيفتها مهما سميت “إمراضية”.

  • فلا يكفى – مثل العادة – أن نقرر أن المريض انسحب من الواقع، وإنما علينا أن نتبين ما أمكن ذلك “كيف انسحب”، ثم بعد ذلك: لماذا انسحب، وأيضا ما هى حقيقة  الواقع الذى انسحب منه، وهل الواقع الذى خلقنا الله فيه، أم أنه الواقع الذى فرضه علينا جميعا:  الاغتراب بفعل فاعل.
  • ومثال آخر، لا يكفى أن نقول إن المريض يتكلم لغة غريبة غير مفهومه “جدلغة neologism”، وإنما ينبغى أن نحاول أن ننتبه كيف فشلت اللغة السائدة فى أن تقوم بوظائف اللغة الأساسية فى تسهيل التواصل، أو نقل الرسائل، أو السماح بالتعبير  ذى المعنى عن ما يدور فى أى من طبقات وعى.
  • ومثال أخير: لا يكفى أن نرصد نوبات الهلع الشديدة الإزعاج حتى رعب الموت، بأنها مجرد اضطراب فى استجابة الجهاز العصبى الأوتونومى، كما  علينا  أيضا ألا نكتفى بالبحث عن تجارب سابقة عاشها المريض فحدث له ارتباط شرطى جسيم يفسر ما ألم به، بل يبغى – أيضا– أن  نحاول أن نبحث عن ما تؤديه مظاهر هذا الهلع من وظيفة دفاعية حتى على المستوى الفسيولوجى، قبل أن تتفاقم الحال ويصبح الدفاع هو فى نفس الوقت شكل المرض(5) بعد أن زاد عن حدود وظيفته الدفاع.

وبعد

كل هذا ونحن لم نتجاوز بندين من بنود الجدول،

 فلنا تكمله غدا وبعد غدً، وبعد ذلك غالبا.

[1] – غالبا: من الآن فصاعدا، وخصوصا فيما يتعلق بالصياغة التركيبية لن أعود إلى إضافة كلمة “الأمخاخ” بين قوسين كلما ذكرت كلمة المخ، مع أنني أقصد ذلك طول الوقت، ولعل استعمال المخ المخ تفيد وصف نوع الفئة، وليس تحديد مفرد لوحداتها.

[2] – وهذا ما يقابل  “قراءة النص الأدبى” قبل القيام بنقده (أنظر نشرات “نقد النص البشرى”: نشرة 2-4-2016، ونشرة 3-4-2016، ونشرة 4-4-2016)

[3] – بدًا من هذا سوف نكرر استعمال مصطلح الطب الإيقاعحيوى بديلا عن الطب التطورى الإيقاعحيوى للاختصار.

[4] – أنظر نشرة 28-12-2016 “اختيار المرض”  ثم النشرة الأخيرة  بتاريخ 19-12-2016عن “الاحترام عموما وفى الممارسة”

[5] – وهذا من أوائل فروض الطب النفسى التطورى بالذات، وليس الإيقاعحيوى تحديدا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *