الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / الطبنفسى الإيقاعحيوى التطورى (130) حالة الإشراف (نشرة أمس) المفاجأة!! فى حالة إشراف أمس!!

الطبنفسى الإيقاعحيوى التطورى (130) حالة الإشراف (نشرة أمس) المفاجأة!! فى حالة إشراف أمس!!

نشرة “الإنسان والتطور”

الأثنين: 5-12-2016

السنة العاشرة

العدد:  3384

الطبنفسى الإيقاعحيوى التطورى (130)

حالة الإشراف (نشرة أمس)

المفاجأة !!

فى حالة إشراف أمس!!

مقدمة:

قدمنا أمس نص حوار “حالة إشراف” واحدة، استغرقت 29 دقيقة، لكن بلغ تفريغها على الورق اثنا عشر صفحة من الحجم الكبير، وكان الحوار طبعا بالعامية المصرية، وكانت فرصة للإشارة مرة أخرى  إلى أن مرضانا يمرضون بلغة الأم (العاميّة) وليس حتى “باللغة الأم” (الفصحى)، وأنهم يُعَالَجُون بها، فكان من الطبيعى أن يجرى حوار الإشراف بنفس اللغة واللهجة.

ثم عادت إلىّ ذكرى قديمة منذ عدد من السنين حين بدأت نشر “ألعاب علاجية” من “العلاج الجمعى” فى نشراتنا اليومية، وتفضل بكل حماس وتشجيع – الابن والزميل د. جمال التركى – بالمشاركة بعد أن ترجمها إلى الفصحى ثم إلى العامية التونسية، وفرحت بذلك فرحا شديدا، لكنها كانت تجربة محدودة لم تستمر، وكدت أفرح أنها لم تستمر احتراما لوقت وجهد المهتمين بكل هذه الجدية وهذا العمق، وتوقفت عن نشر الألعاب العلاجية إلا نادرا، ومضيت أواصل الكتابة بالفصحى: تلك اللغة العبقرية الحضارة، فقط استثنيت الشكوى من المريض وآله حين كنت أعرض الحالات فى باب “حالات وأحوال”، لكن الشرح والمناقشة كانتا بالفصحى دائما.

 بالنسبة لحالة أمس كان من المستحيل أن أحوّل حوار الإشراف إلى الفصحى، وإلا ضاعت معالم الحوار واختفى نبض الحالة.

 ثم انى لاحظت وأنا أراجع ما نشر أمس أننى قدمت بالعامية أعمق الآراء وأدقها عن طريقة العلاج ومشاكله مراحله، والرد على تساؤلاته، وبرغم أن الحوار تطرق بإفاضة فى مناقشة قضايا وفروض وبرامج تطورية إلا أنه كان متماسكا ذهابا وجيئة، وكأنى أكلم علماء فى التطور وليس معالِجَة مجتهدة تسأل وتتساءل، مع زملاء متدربون مجاهدون، (حوالى 40 من العاملين والمتدربين معى فى دار المقطم) ففكرت اليوم أن أقوم فى هذه النشرة بشرح بعض تقنيات العلاج التى وردت فى الحالة وما وراءها انطلاقا من بعض المقتطفات المناسبة من حوار الإشراف: لعلها تصل إلى الزملاء العرب بنفس السلاسة واليسر التى وصلت للمعالجة وللمتدربين، كما آمل بذلك أن يُظهر الشرح على المتن كيف أن الطبنفسى الإيقاعحيوى ليس موضوعا أكاديميا موجودا بين ثنيات الكتب بقدر ما هو ممارسة عملية تطبيقية.

تعريف أكثر بالحالة:

استخرجت أوراق الحالة من أرشيف المستشفى واكتشفت أنها دخلت ثلاث مرات، الأولى: 4/2/2011، وكانت آنسة ولا تعمل، والثانية فى: 20/12/2013 وكانت مازالت آنسة لكنها تعمل مدرسة مواد اجتماعية بمدرسة خاصة، والثالثة فى: 28/3/2016، ولا تعمل، إذن فقد تزوجت بعد الدخول الثانى، وبدأت العلاج النفسى التأهيلى المنتظم بعد الخروج الأخير وانتظمت مع المعالجة التى قدمت الحالة.

وجدت فى الملفات الثلاثة زخم من المعلومات الشديدة الأهمية البالغة الدلالة، ورحت أجمعها وأصنفها، وأسلسلها، وأقارن بينها، وخطرت لى عدة فروض تكميلية وتفسيرات مضيئة، لكننى قررت مرحليا ألا أتطرق إلى تفاصيل معلومات لا تتعلق بما جاء فى الإشراف حتى لا تنقلب الحالة إلى “عرض حالة” مثل الحالات التى كانت تنشر فى باب “حالات وأحوال”، وقررت أن أركز على كيف يمكن أن يشتمل الإشراف على معلومات علمية شديدة العمق، وفى نفس الوقت تصل للمعالج المبتدئ، ومن ثَمَّ للمريض، بهذه المباشرة دون تقعر.

المفاجأة:

بعد أن استعددت أن أكتب عن هذه الحالة تفصيلا كنموذج لتطبيق أساسيات الطبنفسى الإيقاعحيوى فى الواقع الآنى فى الممارسة العادية، وقد جمعت ملفاتها كلها من أرشيف المستشفى، وقدرت أنها سوف تستغرق 4 نشرات على الأقل، فوجئت وقد بدأت فعلا فى الاقتطاف من ملف دخولها سنة 2011 وكان شديد الثراء مثل سائر الملفات، فوجئت الآن (الأحد الساعة 11.30 صباحا) بالمعالِجَة تستأذن منى هاتفيا فى عرض حالة للكشف والمتابعة، وحين قبلت برغم أن اليوم ليس من أيام عيادتى، فوجئت أن هذا الكشف هو هذه الحالة تحديدا.

 لا أريد أن أتمادى فى وصف تفاصيل ولا أسباب المفاجأة، لكن كان من بينها أننى شعرت أن الجهد والوقت الذى بذلته لفحص ملفات المريضة ليوم وبعض يوم، والذى بدأ يؤتى ثماره فى الساعات الأولى هذا الصباح يمكن ألا يجد له مبررا للعرض كما كنت أتصوّر لأسباب كثيرة، لن أذكرها، نحّيت كل ما حضّرت جانبا، وقررت أن أواصل مقابلة المريضة مع المعالجة، بديلا عن كل ذلك فهذا أكثر مباشرة وأوثق استمرارية، ثم نرى:

المقابلة:

كان أهم جديد هو حضور زوجها الفاضل الذى حضر المقابلة كلها هو والمعالجة، واستغرقت المقابلة حوالى ساعة كاملة، وقررت أن أوجزها كالتالى:

أولاً : أبلغتُ المريضة أن المعالجة عرضت حالتها علينا فى اللقاء العلمى الإشرافى منذ خمسة أيام.

ثانياً : تعرفت على زوجها وكان رجلا يبدو شابا – فى الخامسة والأربعين – دمثا صادقا قريبا ومسئولا (على قدر ما سمحت به المقابلة، وهذا وصف يختلف بشكل ما عن ما وصلنى من المعالجة وذُكِرَ فى نشرة أمس).

ثالثاً : لخّصت لهما (للمريضة وزوجها) فى حضور المعالجة مناقشات الاشراف وما انتهينا إليه للتفرقة بين دور المرأة فى “حفظ النوع كأم”، ودورها فى “حفظ النوعية” بشراً مشاركا سائر البشر فى التواصل والتراحم والإبداع ضد الاغتراب والظلم والقتل جمعيا على كل المستويات (ولم أستعمل تعبير ضد الانقراض) .

ثالثاً : تقبلت المريضة الفكرة بقبول حسن، وإن بدا قبولا عقليا أكثر منه وجدانيا واحترمت ذلك، وعذرتها، وشجعتها ألا تتسرع، وإذا بها تذكّرنى تلقائيا بلقاء تليفزيونى شاهدَتْهُ لى ومازالت تذكره، كان مع “إيناس الدغيدى” وقالت لى المريضة أننى فى هذا اللقاء قلت نفس الكلام، فسألتها أى كلام؟ وعقبت على “إيناس” تعقيبا سلبيا لم أستطع أن أكتمه، وقلت لها إن هذا قد يرجع إلى أكثر من خمسة عشر سنة فكيف تذكرتِ هذا الحديث حتى الآن، وما علاقته بما نحن فيه عن دور المرأة فى التطور والنقلة بين “حفظ النوع” و“حفظ النوعية“، فقالت إن اللقاء كان حول موضوع بلوغ المرأة “سن اليأس” وأننى قلت فى اللقاء أن هذا تعبير خطأ مُهين، فتذكرتُ التفاصيل وأنى وصفته فعلا بأنه مصطلح يدل على الجهل، والغباء، والتهميش، والاستعمال، وأنه غالبا سُمِّىَ كذلك إشارة إلى يأس المرأة فى هذا السن من مواصلة الإنجاب، وأن رأيى أن هذا السن الرائع هو فرصة ولادة جديدة وليس سنًّا لليأس، فهو إعلان  لتفرغها لدورها إنسانا مبدعا مشاركا فى مواصلة المشاركة فى تأنيس الإنسان، وهو ما عبرتُ عنه مؤخرا “بحفظ النوعية”.

رابعاً : اطمأننت لوصول الرسالة للمريضة تلقائيا، ولذاكرتها الرائعة التى ألتقطت رأيا لى كت قد نسيتُه، واستشهدتْ به وهو شديد الارتباط بما نحن فيه، ومع ذلك فلم أصفق لذلك خوفا من أن أسرع بخطاها بغير حساب، وطلبت منها ألا تتعجل حتى تختبر ما طُرِحَ فى لقائنا بهدوء فى وقت أطول.

خامسا: طرحت عليها اقتراحا أكدت أننى لا أطلب تطبيقه الآن ولا حتى فيما بعد إلا إذا رأت غير ذلك، وهو أنها إذا كانت قد وصلها فعلا روعة دورها الإنسانى الهائل الجديد فى حفظ النوعية، فيمكنها أن تفكر فى احتمال استعمال “وسيلة” (لمنع الحمل).

سادسا: ترددتْ، ولكنها وافقت بعد قليل، فرفضتُ موافقتها بحسْمٍ شديد، وطلبت منها تأجيل القرار حتى تهضم لقاءنا هذا، وألا تفعلها بناء عن رأيى، وإنما بناء عن نقلة نوعية فى وجودها لا أعرف معالمها، ولا توقيتها المناسب، لكننى أتوقعها مع احتمالات مفاجأت هذا السن الإيجابية مع الخبرات الذهانية التى خاضتها وانتصرت فيها، وفى رحاب وجود الأب الحاضر والزوج الطيب، وأنها لابد أن تختبر قرارها بما يصاحبه من نقلات عندها، وليس بمقياس ما هو الصحيح، وما هى الوصفة الطبية النفسية، ومثل ذلك.

سابعا: تصورت أن علىّ أن أوضح أكثر، أو هذا ما وصلنى من نظراتها ونظرات المعالجة، فقلت أنه إذا صاحب هذا القرار فرْحَة ذاتية واستمرت، وكان معها قرب من الناس وليس فقط من عدد “محدود” أو “مفروض” منهم، وهدوء داخلى، وانتظام فى العمل (كنتُ قد علمت أثناء اللقاء أنها عاودت العمل وحدها مُدَرْسَةَ بشكل تلقائى، الأمر الذى لم تُخطِر به المعالجة فى حينه،)، وهكذا بادرت هى بتنفيذ الاقتراح الذى عرضتُهُ على المعالجة خلال إشرافى على ما قالت قرب نهاية جلسة الإشراف (أنظر نشرة أمس).

ثامنا: دعوت زوجها أن ينضم إلينا – المريضة وشخصى – فيما اسميته “جماعة حفظ النوعية”، غيُر ناسٍ أنه والد لأربع بنات وولد، لكننى لاحظت صدق مشاركته الفرحة الصامتة أغلب الوقت، ثم عرضت على المعالجة أن تلتحق بهذه الجماعة الثلاثية إن شاءت،

 وضحكنا، وأجلنا قرار انضمامها إلينا وإن كنا ناقشنا احتمال ذلك كعضو منتسب بصفة مبدئية.

…………..

………….

انتهت المقابلة

وإن جد جديد أخبرتكم به.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *